المحرر موضوع: من الماضي والحاضر.  (زيارة 498423 مرات)

0 الأعضاء و 3 ضيوف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل جواد

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 265
  • الجنس: ذكر

غير متصل جواد

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 265
  • الجنس: ذكر
رد: من الماضي والحاضر.
« رد #81 في: 2024-03-09, 17:45:16 »
المنعطف

إن لم تكن الأشهر الست الماضية منعطفا كبيرا في حياتنا، فلا أدري كيف نطيق العيش مع أنفسنا. ولا أحسب لقلوبنا من عودة متى ما اعتدنا العيش مع شعور العجز تجاه دماء أخوتنا التي تسفك في كل يوم.

لا خير في حياة يتمحور كل شيء فيها حول متع الدنيا. وإننا لجميع مسؤولون أمام الله، فبماذا نجيبه؟

إلى من يبدأ حياته، ومن انتصف عمره أو قارب على الرحيل، اجعل اختياراتك للجنة. واجعل الأمة قضية حياتك التي تجمع عليها أهلك وأبناءك، وليكن هذا محل الاختيار، لعلنا نعذر إلى الله.
« آخر تحرير: 2024-03-11, 10:07:45 بواسطة جواد »

غير متصل جواد

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 265
  • الجنس: ذكر
رد: من الماضي والحاضر.
« رد #82 في: 2024-06-18, 12:14:02 »
على الطريق

عجيب ما يفعله الزمن في قلوب الناس. أو ربما هو تسارع الأحداث والتحولات الكبيرة التي يمر بها العالم بشكل غير مسبوق.

وسط كل هذا الزحام يصعب على النفس أن تتوقف لترى موقعها من العالم، فضلا عن تقييم الطريق الذي تسير فيه.

هنا يصعب جدا التمسك بالمبادئ التي اعتنقها الإنسان، فكل خطوة وفعل في حياته هو اختبار جديد لمدى صدق الإنسان في التمسك بالطريق الذي اختار.
وقد كنت أردد كثيرا جملة سيد قطب الشهيرة، ظنا أني أدرك معناها على الحقيقة. لكني اليوم أرى أن المعاني لا تدرك إلا باختبارها في معترك الحياة، لا من خلال الأوراق.
ولله دره كم تفيض كلماته هذه صدقا وحياة..

“إن كلماتنا ستبقى ميتةً لا حراك فيها هامدةً أعراساً من الشموع، فإذا متنا من أجلها انتفضت وعاشت بين الأحياء. كل كلمة قد عاشت كانت قد اقتاتت قلب إنسان حي فعاشت بين الأحياء، والأحياء لا يتبنون الأموات”
« آخر تحرير: 2024-06-18, 15:19:01 بواسطة جواد »

غير متصل جواد

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 265
  • الجنس: ذكر
رد: من الماضي والحاضر.
« رد #83 في: 2024-06-21, 11:58:55 »
غزة

ونحن مازلنا نهتم لكلام الناس وأوضاعنا في مجتمعاتنا، ورفاهية معيشتنا، ولا نريد المخاطرة بأي شيء.

فكيف سيكون جوابنا عندما يسألنا الله عنهم؟

ولسفك دم مسلم واحد بغير حق أشد عند الله من هدم الكعبة. فكيف بإبادة يتم بث أحداثها على الهواء!

إنا لله وإنا إليه راجعون.

غير متصل جواد

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 265
  • الجنس: ذكر
رد: من الماضي والحاضر.
« رد #84 في: 2024-06-22, 09:40:54 »
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)


(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ)


(أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)


(وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)


(مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)
« آخر تحرير: 2024-06-22, 09:47:13 بواسطة جواد »

غير متصل جواد

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 265
  • الجنس: ذكر
رد: من الماضي والحاضر.
« رد #85 في: 2024-06-22, 22:16:02 »
لماذا غزة؟

من رحمة الله سبحانة وتعالى بأمة الإسلام أن يرسل لها حوادث عظام من وقت لآخر، فترفع حجب الوهم عن المسلمين وتوضح لهم بالبرهان القاطع حقيقة المعركة.
وليصطفي الله من عبادة من يقيم بهم الحجة على الأمة، فمنهم من قضى نحبه ومنهم ومن ينتظر.
رأينا هذا في أحداث التتار والصليبيين من قبلهم.

والشاهد في الأمرين أنه كلما زاد انغماس الأمة في الدنيا والحرص عليها، كلما جاءت الفاجعة أكبر!
فسقوط الخلافة وخلعها من أذهان الكثير من المسلمين أشد مصيبة مما فعله التتار.

كذا ما يحدث في غزة، لم يكن ليصل إلى هذا المستوى من الإجرام إلا بتواطئ دول الجوار، وخنوع المسلمين فيها وركونهم إلى الدنيا وخوفهم من ضياع ما بأيديهم منها.

هذه المرحلة الفارقة في تاريخ الأمة التي جاءت كمنعطف مفاجئ في وقت تستعد فيه الشعوب المسلمة لنبذ ما تبقى من دينها والإقبال على الدنيا ورفاهيتها وزخرفها كما لم يحدث في السابق.

جاءت أحداث غزة لتهدم أصنام الحضارة الغربية وقواعد القانون الدولي والأنظمة التي تباهي بها الغرب وصارت مطمح المسلمين يبذلون الغالي والنفيس لتعلم أصولها منهم وتبنيها في بلادهم!

وهذا والله من رحمة الله بأمة المصطفى صلى الله عليه وسلم. فالفتنة أشد من القتل، ولا أشد من فتنة الناس في دينهم.
ولقد رأينا كيف سقطت الكثير من الأقنعة، حتى عمن كنا نحسبهم من المشايخ والعلماء، وهكذا لم يعد لأحد حجة يبرر بها القعود.

نسأل الله أن يهدينا لما يحب ويرضى.
« آخر تحرير: 2024-06-22, 22:19:21 بواسطة جواد »

غير متصل جواد

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 265
  • الجنس: ذكر
رد: من الماضي والحاضر.
« رد #86 في: 2024-07-01, 04:11:10 »
الغرق في النفس

على مدار 15 عاما من العمل في الشركات الناشئة وأنا أشاهد نمطا في سلوك فريق العمل لا يتغير مهما تغير نوع العمل أو تغيرت خلفية العامل.

والملاحظة هنا متعلقة خصوصا بالعاملين المسلمين الذين جاءوا من دول مسلمة في اسيا وأفريقيا،
فعلى الرغم من وجود المهارة والخبرات، إلا أن الغالبية غارقة في أنفسها! فلا اعتبار اخر يذكر فوق تحقيق الأمان المجتمعي المتمثل في مال وبيت وعمل ثابت مضمون، وعيشة رغدة في مكان متحضر.

ولعل كل هذا لا بأس فيه، فمن منا لا يحب ولا يسعى لهذه الأشياء، خاصة إن كانت حلالا؟

لكن المشكلة تكمن في الإعراض عن أي عمل للأمة قد يمس هذه الميزات من قريب أو بعيد! وهو ما جعل الأمة تتخلف في كل شيء تقريبا!
وحتى الدين، فقد صار الخوف من البطش شعار الكثيرين، مما أقعدهم عن العمل، وجعل الدعوة في قشور لا تقيم دينا ولا دنيا.

وانطبق هذا على أعمال الدنيا أيضا، فالغالبية لا تريد التضحية بأي شيء لأجل مشروع فيه مخاطرة، ولو انخرطت في مثل هذه المشاريع، جعلت همها وشغلها الشاغل تأمين نفسها، لا بذل أقصى الجهد.

ولا يمكن أن تقوم الأمة بمثل هذا الفكر المتمحور حول النفس والذات، فالقضايا الكبيرة تحتاج إلى همم عالية، وتضحية وصبر.

نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

غير متصل جواد

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 265
  • الجنس: ذكر
رد: من الماضي والحاضر.
« رد #87 في: 2024-08-11, 06:56:30 »
أبو بكر الصديق

أحب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قلبي. والنموذج الذي نحتاج أن نقتدي به في زماننا بعد المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وقد كنت لفترة أظن أن زماننا يحتاج الفاروق عمر، في قوته وحسمه ونظرته الثاقبة. لكني الآن أدرك أن عمر ما كان ليكمل المسيرة لولا ثبات الصديق رضي الله عنه في مصيبة وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يميل البشر إلى الحكم على الأشياء بما يظهر منها، لا فيما وراءها. فيعجبون بما ظهر من البناء من علو وتصميم، ولا يأبهون كثيرا للأساس الذي يحمله.

أكثر من عشرة أشهر مضت والكيان الصهيوني المارق يذبح اخوتنا بدم بارد، بل ويسخر من ديننا ومن أعراضنا ويتبجح في كل محفل دولي، ونحن في ذلة لم أعرف مثلها إلا عند اجتياح التتار لبلاد المسلمين فيما سبق من الزمان.
وأحسب والله أعلم أنه سيتبع ذلك أمر جلل يعم العالم كله.

إن سنة الاستبدال جارية، ولكن الله يقيم الحجة على الناس قبل أن يأخذهم بعذاب جزاء ما اقترفت ايديهم من صمت وتخاذل وتواطؤ.

أما الصديق، فحين جاءت المصيبة الكبيرة في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحين خارت قوى رجال عظماء كالفاروق من هولها، ثبته الله بما وقر في قلبه، وثبت به الأمة جميعا.

لقد كان شعار الصديق واضحا جليا في كل موقف، لا يهمه جموع الناس من حوله، ولا يثنيه رأي الحكماء عما يراه من الحق الواضح.

والله لأقاتلنهم وحدي..
أينقص الدين وأنا حي؟

هذا هو الصديق. ويالها من تبعات عظام تلك التي أعانه الله عليها. وياله من قلب موصول بالله فوق كل شيء.
إنها ليس كلمات أو قرارات عنترية. إنه قلب مثقل بهم الدين والرسالة. قلب يتسع للأمة كلها ولا يعرف التلون والزيف.

لله در الصديق، فوالله ما جاء بعد الأنبياء خير منه. وما سبق عن الصحابة بفضل صيام أو صدقة، إنما بقلب أشرب الإيمان، فكأنه قطعة لا تتجزأ منه.

ولا أحسب أن الأمة قد تعود إلى رشدها ألا برجال يتخذون الصديق قدوة ومثلا.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.

غير متصل جواد

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 265
  • الجنس: ذكر
رد: من الماضي والحاضر.
« رد #88 في: 2024-08-22, 09:31:30 »
لطائف

حين تتقطع السبل بالإنسان فيغلق الأبواب ويظن بأن قدر الله قد قضي، تأتيه نسمات رحمة الله، كالنسمة الباردة في ليالي الصيف حين تداعب القلوب المتعبة..

سبحانك ربي ما عبدناك حق عبادتك. لا حول ولا قوة لنا إلا بك.

لعل من المعجزات الخفية في هذا الكون، هو ذلك الوسع الهائل في رحمة الله ولطفه بعباده، رغم ذنوبهم وتقصيرهم وسوء أخلاقهم..
هذه المنحة الإلهية  لكفيلة وحدها أن تأسر القلوب في محبة الله.

والمسلم يسير في هذه الدنيا كالسائر في صحراء مقفرة، حتى اذا ما أصابته رحمة من الله، أظلته واحة من لطف الله، شكر الله على نعمائه وفضله، وأحسن الظن في قضائه، فانطلق إلى قدره مقبلا عليه، فرحا بما كتبه الله له، على أي شكل كان.

والمؤمن الحصيف يشكر نعمة الله عليه بالإقبال على الله، والتفكر في اللطائف التي أكرمه الله بها، فيجتهد في شكر الله على نعمته ويرعاها حق رعايتها، ويسأل الله أن يلطف به وينير بصيرته، فلا تقعده النعمة عن العمل، بل تدفعه في طريق مراد مولاه وصاحب أمره.

فالحمد لله حمدا طيبا مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.
« آخر تحرير: 2024-09-16, 07:42:27 بواسطة جواد »

غير متصل جواد

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 265
  • الجنس: ذكر
رد: من الماضي والحاضر.
« رد #89 في: 2024-10-27, 06:58:38 »
لماذا ؟

بعد مرور أكثر من عام على الحرب الهمجية الصهيونية على قطاع غزة، وفي وقت لم تأت استجابة المسلمين على مستوى الحدث، على الرغم من بث الفظائع والمذابح لإخوتنا على الهواء،
أعتقد أنه من المهم جدا أن نسأل لماذا وصلنا إلى هذا الحال من السلبية والمذلة؟

وهل تكفي فعاليات المقاطعة الاقتصادية والحديث عن القضية على الإنترنت دليلا إيجابيا على حراك الأمة؟

هل مشكلتنا الحالية كمسلمين محبين للدين وراغبين في نصرته هي في تصوراتنا عن العمل والنصرة أم أن هناك مشكلة أخرى أعمق من ذلك؟

هل نستعجل النصرة؟

وما مقدار الاعداد المطلوب للأفراد قبل أن يتحركوا على الأرض؟

ثم كيف تكون هذه الحركة؟ وما أولوياتها؟

وما هي محطات التقييم التي ترشدنا على الاستمرار أو التوقف وإعادة التفكير في المسار الذي ننتهجه؟

كثير من الأفكار والخواطر اعتملت في نفسي طوال السنوات العشرين الماضية، وأحسب أنه من المهم تسجيلها حتى لا تظل حبيسة نفسي.

الله المستعان.

غير متصل جواد

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 265
  • الجنس: ذكر
رد: من الماضي والحاضر.
« رد #90 في: 2024-10-27, 07:23:16 »
-1-
قبل الشروع في الإجابة عن تلك الأسئلة الكبيرة - ولا أظن أن لدي الجواب الكامل عنها - أود أولا أن أتعرض للمنهج الذي استقي منه أفكاري وتصوراتي.

لدي قناعة عميقة أنه لا جديد على هذه الأرض. وأن كل ما نحتاجه هو حسن قراءة السيرة والتدبر في القرآن بمنظور واقعنا المعاصر.

وأنه مهما جئنا بشيء فلن يكون جديدا في جوهره عن هذا النبع الصافي للتشريع. فلن ينصلح حال هذه الأمة حقا إلا بما صلح به أولها.
والأولون أحسنوا قراءة واقعهم وتعاملوا مع متغيراته، فأعملوا فيه هذا الفهم العميق للقرآن والسنة، فأرسوا لنا كيفية استخراج منهجيات صالحة لكل زمان ومكان.

"عن العرباض بن سارية ، قال : صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون ، فقلنا : يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا ، قال : " أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن أمر عليكم عبد حبشي ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة "

هذا التشديد على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده لا يجب أن يمر علينا دون تأمل في تفاصيل هذا الهدي.

لهذا فالمدخل الأساسي لحل لغز واقعنا ومطلوب العمل فيه ينبثق من دراسة السيرة بهذه النية والاقبال عليها بغية البصيرة في الفهم والإرشاد إلى الطريق الصحيح.

والخصوصية في سيرة الخلفاء الراشدين أنها تأتي في مرحلة قد انقطع فيها الوحي وتغيرت الكثير من المعطيات في الدولة الإسلامية وفي العالم من حولها بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

هذه المرجعية هي بمثابة المصباح الهادي في نهاية الطريق، وهي المعين الذي يجعلنا نفهم القرآن كدستور ينتهج أمور الحياة جميعا.

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)
« آخر تحرير: 2024-11-09, 19:10:29 بواسطة جواد »

غير متصل جواد

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 265
  • الجنس: ذكر
رد: من الماضي والحاضر.
« رد #91 في: 2024-10-27, 14:39:29 »
-2-

قبل الشروع في الحديث عن الأمة وحالها نحتاج أولا أن نتوقف مع أنفسنا لمراجعة حقيقة وجودنا نحن في هذه الحياة، فلا بأس من التذكرة بالقواعد الأساسية قبل الانطلاق نحو تعقيدات الواقع وملابساته.

وقد بدأ القران بالحديث عن قصة الخلق في أوائل سورة البقرة فوضح لنا الغاية الكبرى من خلقنا وطبيعة المعركة التي تنتظرنا في هذه الدنيا:

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

يقول سيد قطب رحمه الله:
"وإذن فهي المشيئة العليا تريد أن تسلم لهذا الكائن الجديد في الوجود، زمام هذه الأرض، وتطلق فيها يده، وتكل إليه إبراز مشيئة الخالق في الإبداع والتكوين، والتحليل والتركيب، والتحوير والتبديل؛ وكشف ما في هذه الأرض من قوى وطاقات، وكنوز وخامات، وتسخير هذا كله- بإذن الله- في المهمة الضخمة التي وكلها الله إليه.
وإذن فقد وهب هذا الكائن الجديد من الطاقات الكامنة، والاستعدادات المذخورة كفاء ما في هذه الأرض من قوى وطاقات، وكنوز وخامات؛ ووهب من القوى الخفية ما يحقق المشيئة الإلهية.
"

وقد يلتبس على البعض مفهوم الخلافة هنا، فيركن إلى الاستمتاع بالموارد بدلا من تسخيرها لتحقيق عبودية الله في الأرض. وهي خدعة قديمة جديدة، فإذا تحولت كنوز الدنيا إلى غاية في نفسها تنافسها الناس واقتتلوا عليها وانتشر الفساد وسفك الدماء ، ولعل هذا ما خشيته الملائكة حين ذكرت الفساد وسفك الدماء.

فمناط الاختبار اذن هي الإرادة الحرة التي تقاوم شهوة النفس فلا تصرفها الوسيلة عن الغاية العظيمة. فتعمل يدها في هذا الكون لتحقيق عبودية الله سبحانه وتعالى على أكمل وجه وكما يحب الله ويرضى.

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)

يقول سيد قطب رحمه الله:
وإن هذا النص الصغير ليحتوي حقيقة ضخمة هائلة ، من أضخم الحقائق الكونية التي لا تستقيم حياة البشرفي الأرض بدون إدراكها واستيقانها . سواء كانت حياة فرد أم جماعة . أم حياة الإنسانية كلها في جميع أدوارها وأعصارها .

وإنه ليفتح جوانب وزوايا متعددة من المعاني والمرامي ، تندرج كلها تحت هذه الحقيقة الضخمة ، التي تعد حجر الأساس الذي تقوم عليه الحياة

وأول جانب من جوانب هذه الحقيقة أن هنالك غاية معينة لوجود الجن والإنس . تتمثل في وظيفة من قام بها وأداها فقد حقق غاية وجوده ؛ ومن قصر فيها أو نكل عنها فقد أبطل غاية وجوده ؛ وأصبح بلا وظيفة ، وباتت حياته فارغة من القصد ، خاوية من معناها الأصيل ، الذي تستمد منه قيمتها الأولى . وقد انفلت من الناموس الذي خرج به إلى الوجود ، وانتهى إلى الضياع المطلق ، الذي يصيب كل كائن ينفلت من ناموس الوجود ، الذي يربطه ويحفظه ويكفل له البقاء .

هذه الوظيفة المعينة التي تربط الجن والإنس بناموس الوجود . هي العبادة لله . أو هي العبودية لله . . أن يكون هناك عبد ورب . عبد يعبد ، ورب يعبد . وأن تستقيم حياة العبد كلها على أساس هذا الاعتبار .

ومن ثم يبرز الجانب الآخر لتلك الحقيقة الضخمة ، ويتبين أن مدلول العبادة لا بد أن يكون أوسع وأشمل من مجرد إقامة الشعائر . فالجن والإنس لا يقضون حياتهم في إقامة الشعائر ؛ والله لا يكلفهم هذا . وهو يكلفهم ألوانا أخرى من النشاط تستغرق معظم حياتهم . وقد لا نعرف نحن ألوان النشاط التي يكلفها الجن ؛ ولكننا نعرف حدود النشاط المطلوب من الإنسان . نعرفها من القرآن من قول الله تعالى :  ( وإذ قال ربك للملائكة : إني جاعل في الأرض خليفة ) . . فهي الخلافة في الأرض إذن عمل هذا الكائن الإنساني . وهي تقتضي ألوانا من النشاط الحيوي في عمارة الأرض ، والتعرف إلى قواها وطاقاتها ، وذخائرها ومكنوناتها ، وتحقق إرادة الله في استخدامها وتنميتها وترقية الحياة فيها . كما تقتضي الخلافة القيام على شريعة الله في الأرض لتحقيق المنهج الإلهي الذي يتناسق مع الناموس الكوني العام .

ومن ثم يتجلى أن معنى العبادة التي هي غاية الوجود الإنساني أو التي هي وظيفة الإنسان الأولى ، أوسع وأشمل من مجرد الشعائر ؛ وأن وظيفة الخلافة داخلة في مدلول العبادة قطعا .وأن حقيقة العبادة تتمثل إذن في أمرين رئيسيين :

الأول : هو استقرار معنى العبودية لله في النفس . أي استقرار الشعور على أن هناك عبدا وربا . عبدا يعبد ، وربا يعبد . وأن ليس وراء ذلك شيء ؛ وأن ليس هناك إلا هذا الوضع وهذا الاعتبار . ليس في هذا الوجود إلا عابد ومعبود ؛ وإلا رب واحد والكل له عبيد .

والثاني : هو التوجه إلى الله بكل حركة في الضمير ، وكل حركة في الجوارح ، وكل حركة في الحياة . التوجه بها إلى الله خالصة ، والتجرد من كل شعور آخر ؛ ومن كل معنى غير معنى التعبد لله .

بهذا وذلك يتحقق معنى العبادة ؛ ويصبح العمل كالشعائر ، والشعائر كعمارة الأرض ، وعمارة الأرض كالجهاد في سبيل الله ، والجهاد في سبيل الله كالصبر على الشدائد والرضى بقدر الله . . كلها عبادة ؛ وكلها تحقيق للوظيفة الأولى التي خلق الله الجن والإنس لها ؛ وكلها خضوع للناموس العام الذي يتمثل في عبودية كل شيء لله دون سواه .

عندئذ يعيش الإنسان في هذه الأرض شاعرا أنه هنا للقيام بوظيفة من قبل الله تعالى ، جاء لينهض بها فترة ، طاعة لله وعبادة له لا أرب له هو فيها ، ولا غاية له من ورائها ، إلا الطاعة ، وجزاؤها الذي يجده في نفسهمن طمأنينة ورضى عن وضعه وعمله ، ومن أنس برضى الله عنه ، ورعايته له . ثم يجده في الآخرة تكريما ونعيما وفضلا عظيما .

وعندئذ يكون قد فر إلى الله حقا . يكون قد فر من أوهاق هذه الأرض وجواذبها المعوقة ومغرياتها الملفتة . ويكون قد تحرر بهذا الفرار . تحرر حقيقة من الأوهاق والأثقال . وخلص لله ، واستقر في الوضع الكوني الأصيل : عبدا لله . خلقه الله لعبادته . وقام بما خلق له . وحقق غاية وجوده . فمن مقتضيات استقرار معنى العبادة أن يقوم بالخلافة في الأرض ، وينهض بتكاليفها ، ويحقق أقصى ثمراتها ؛ وهو في الوقت ذاته نافض يديه منها ؛ خالص القلب من جواذبها ومغرياتها . ذلك أنه لم ينهض بالخلافة ويحقق ثمراتها لذاته هو ولا لذاتها . ولكن لتحقيق معنى العبادة فيها ، ثم الفرار إلى الله منها !

ومن مقتضياته كذلك أن تصبح قيمة الأعمال في النفس مستمدة من بواعثها لا من نتائجها . فلتكن النتائج ما تكون . فالإنسان غير معلق بهذه النتائج . إنما هو معلق بأداء العبادة في القيام بهذه الأعمال ؛ ولأن جزاءه ليس في نتائجها ، إنما جزاؤه في العبادة التي أداها . .

ومن ثم يتغير موقف الإنسان تغيرا كاملا تجاه الواجبات والتكاليف والأعمال . فينظر فيها كلها إلى معنى العبادة الكامن فيها . ومتى حقق هذا المعنى انتهت مهمته وتحققت غايته . ولتكن النتائج ما تكون بعد ذلك . فهذه النتائج ليست داخلة في واجبه ولا في حسابه ، وليست من شأنه . إنما هو قدر الله ومشيئته . وهو وجهده ونيته وعمله جانب من قدر الله ومشيئته .

ومتى نفض الإنسان قلبه من نتائج العمل والجهد ؛ وشعر أنه أخذ نصيبه ، وضمن جزاءه ، بمجرد تحقق معنى العبادة في الباعث على العمل والجهد ، فلن تبقى في قلبه حينئذ بقية من الأطماع التي تدعو إلى التكالب والخصام على أعراض هذه الحياة . فهو من جانب يبذل أقصى ما يملك من الجهد والطاقة في الخلافة والنهوض بالتكاليف . ومن جانب ينفض يده وقلبه من التعلق بأعراض هذه الأرض ، وثمرات هذا النشاط . فقد حقق هذه الثمرات ليحقق معنى العبادة فيها لا ليحصل عليها ويحتجزها لذاته .


هذا هو إذن معنى العبودية لله في صورته الشاملة وفهمه المنسجم مع مراد الله من خلق البشر. وليس تلك الصور المنقوصة التي اختزلت العبودية في شعائر تعبدية لا تتعدى نطاق المسجد.

وهكذا تحولت حياة الصحابة رضوان الله عليهم لتبرهن على هذا الفهم العميق لغاية خلقهم ومعنى عبوديتهم لله سبحانه وتعالى.

غير متصل جواد

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 265
  • الجنس: ذكر
رد: من الماضي والحاضر.
« رد #92 في: 2024-11-06, 07:09:27 »
-3-

{أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} (46)

وقد جاء ذكر القلب في القرآن في أكثر من موضع على أنه محل القرار وما يعقله الناس من أمور في حياتهم. فمعضلة البشر ليست في عقولهم بالأساس، وإنما في قلوبهم.
ولعل هذا يفسر لنا كيف يعلم الناس الكثير من أمور الدين ولا يطبقونها، بل وقد يعاندونها أو يلتمسون كل الأعذار للهرب منها. فالمعرفة شيء والإيمان شيء آخر.

ومن هذا المنطلق ندرك أن تصحيح التصورات والمفاهيم لا يؤتي أثره إلا إذا صادف قلبا مؤمنا صادقا محبا لله ولرسوله. وأن قلة من أصحاب الإيمان بالتصور الصحيح هم حملة هذا الدين على الحقيقة.
ومن هذا أيضا نستنبط الأعداء الأكثر شراسة للمؤمنين، حاضرة فيما يصرف هذه القلوب عن إيمانها والعمل في الأرض بمقتضى هذا الإيمان.

إن فهم حقيقة المعركة وإدراك الأعداء فيها بوضوح لا يتجزأ عن فهم دور الخلافة الذي أوكله الله تعالى للإنسان في هذه الأرض.
ولعل هذا ما يفهم أيضا من سياق الآيات في بدايات سورة البقرة.
فتأتي البداية بتعريف الإيمان وصفة المؤمنين وطريق الهداية لهم. ثم الانتقال المباشر لصفة الكافرين وأن الله قد ختم على قلوبهم وعلى سمعهم.
فقد يرى العقل كل الحقائق ويتعرض لكل المعارف والتصورات الصحيحة، لكن لا جدوى بدون استجابة القلب.
بل إن مرض القلوب إذا لم يوقع في الكفر فقد يوقع صاحبه في النفاق، بل يزينه له فيبذل لغايته الفاسدة الجهد والتعب.

ثم تنتقل السورة إلى المبدأ الأصل. وحدانية الله سبحانه وتعالى، وتكليفه للناس بالعبادة له وحده والتدبر في شؤون هذا الكون العظيم حتى يستقر التوحيد في القلوب.
ولتكرار ذكر القلوب بهذا الشكل دلالة على أنها المكان الأساسي للمعركة.

فإذا ما استقر ذلك في الوجدان، تأخذنا الآيات في السياق الأكبر للمهمة التي خلق الإنسان من أجلها. ثم التجربة الأولى للفشل والقيام من بعده.

{فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ} (36)

{فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} (37)



غير متصل جواد

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 265
  • الجنس: ذكر
رد: من الماضي والحاضر.
« رد #93 في: 2024-11-10, 19:28:01 »
-4-

يذكر لنا التاريخ أن الصليبيين قتلوا أكثر من ٧٠ ألف مسلم عند احتلالهم لبيت المقدس، ثم قاموا بتحويل المسجد إلى حظيرة خنازير.
وعندما اجتاح التتار بلاد المسلمين حرقوا مدنا بأكملها وقتلوا من المسلمين ما قدر في بعض الكتب بأكثر من مليوني مسلم.
لكن الله سبحانه وتعالى قدر للأمة في كل مرة من كسر شوكة الصليبيين والتتار وغيرهم على مدار تاريخ أمة الإسلام.

فما الذي اختلف هذه المرة في زماننا؟ ولماذا لا تستطيع الأمة أن تتابع النهوض بنفس الطريقة التي نهضت بها من قبل على يد صلاح الدين وقطز وغيرهما من المجاهدين؟
أحسب أن هناك ثلاث مستجدات محورية أخرجت الأمة عن مسار النهوض بعد الوقوع.

١- رضى المسلمين بالتحاكم لغير شرع الله في أمورهم وحياتهم، واختلال مفهوم العبودية لله سبحانه وتعالى في أذهان العموم. وبالتالي ضياع مفهوم شمولية الإسلام لشتى نواحي الحياة.
٢- الضعف اللغوي الذي عم الأمة بسبب الاقبال على تعلم اللغات الغربية، إما تحت سطوة المحتل وإما تحت شعار تحصيل العلوم ومد الجسور مع أجيال المسلمين في البلاد الغير ناطقة بالعربية.
٣- رضوخ الكثير من علماء الأمة للواقع (الدولة الحديثة) والتماشي معه من باب تيسير أمور الحياة للناس، ثم تأصيل هذا الواقع الجديد وهجران قضايا الأمة الكبرى كالحاكمية والمولاة وحصر الدين في شعائر تعبدية فردية.

وهكذا خرجت لنا حالة مشوهة من الفهم الضيق للدين لا تريد الصدام مع الواقع، وتحصر أدوات الدعوة حول نطاق الشعائر التعبدية التي لا تتصادم مع السلطة ولا الواقع العلماني لحياة الناس.
وبالتبعية انهار مفهوم الأمة في أذهان الناس، وخرجت لنا القبلية (القومية) المنتنة، ولم يعد يجد المسلمون غضاضة في التمتع بحياتهم وإخوانهم يذبحون أمام أعينهم على بعد دقائق أو ساعات منهم.
والأدهى محاولات شرعنة الواقع الجديد وظهور فئة جديدة ممن يدعون العلم الشرعي، لتجد للناس حلولا تريح ضمائرهم في قبول هذا الواقع العلماني السمج دون التصادم المباشر مع الشرع.

وكأننا أمام دين جديد تتحول فيه الصلاة مع الوقت إلى تمرينات رياضية، وشعائر الحج والعمرة إلى رحلات سياحية.
أما نصرة الدماء والأعراض والمقدسات، فهي منغصات تفسد حفلات الترفية ومؤتمرات الأعمال.

يقول سيد قطب رحمه الله:
"نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية.. تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم.
حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرا إسلاميا.. هو كذلك من صنع هذه الجاهلية!!
لذلك لا تستقيم قيم الإسلام في نفوسنا، ولا يتضح في عقولنا، ولا ينشأ فينا جيل ضخم من الناس من ذلك الطراز الذي أنشأه الإسلام أول مرة.

فلا بد إذن – في منهج الحركة الإسلامية – أن نتجرد في فترة الحضانة والتكوين من كل مؤثرات الجاهلية التي نعيش فيها ونستمد منها.
لا بد أن نرجع ابتداء إلى النبع الخالص الذي استمد منه أولئك الرجال، النبع المضمون أنه لم يختلط ولم تشبه شائبة.
نرجع إليه نستمد منه تصورنا لحقيقة الوجود كله ولحقيقة الوجود الإنساني ولكافة الارتباطات بين هذين الوجودين وبين الوجود الكامل الحق، وجود الله سبحانه..
ومن ثم نستمد تصوراتنا للحياة، وقيمنا وأخلاقنا، ومناهجنا للحكم والسياسة والاقتصاد وكل مقومات الحياة.

ولا بد أن نرجع إليه – حين نرجع – بشعور التلقي للتنفيذ والعمل لا بشعور الدراسة والمتاع. نرجع إليه لنعرف ماذا يطلب منا أن نكون، لنكون.
وفي الطريق سنلتقي بالجمال الفني في القرآن وبالقصص وبمشاهد القيامة في القرآن.. وبالمنطق الوجداني في القرآن.. وبسائر ما يطلبه أصحاب الدراسة والمتاع.
ولكننا سنلتقي بهذا كله دون أن يكون هو هدفنا الأول. إن هدفنا الأول أن نعرف: ماذا يريد منا القرآن أن نعمل؟ ما هو التصور الكلي الذي يريد منا أن نتصور؟
كيف يريد القرآن أن يكون شعورنا بالله؟ كيف يريد أن تكون أخلاقنا وأوضاعنا ونظامنا الواقعي في الحياة؟"
« آخر تحرير: 2024-11-12, 07:17:12 بواسطة جواد »

غير متصل جواد

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 265
  • الجنس: ذكر
رد: من الماضي والحاضر.
« رد #94 في: 2024-11-10, 20:01:27 »
-5-

وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا ۚ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (23) إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (25)


أتوقف كثيرا عند هذه الآيات وهذا الوصف العجيب لحال الناس في هذه الدنيا وانشغالهم بها، في حين أراد الله لهم أن ينشغلوا بما بعدها.

هذا التصوير القرآني البديع لحالة النفس البشرية في معترك الحياة. تفرح إذا ما حصلت شيء من الدنيا وتظن في نفسها القدرة على تحصيله بعلمها وأخذها بالأسباب.
فإذا ما انقلب الحال بهم وجاءت لحظة الضعف والخوف أمام قدرة الله، سارعوا إلى دعاء الله واللجوء إليه، أن يعودوا ويرجعوا إلى شكره وعبادته.
فلما أنجاهم الله، نكثوا العهد وبغوا في الأرض بغير الحق. يريدون تحصيل هذه الدنيا، يجعلونها كل همهم ومنتهى أملهم.

هذا الإقبال على الدنيا لذاتها مهلك، لطالما جاء التحذير منه في القرآن والسيرة. إنه المرض العضال والداء الذي لا ينفك يهلكنا ويبعدنا عن طريق الله.

لهذا جاءت الآيات التالية توضح لنا حقيقة هذه الدنيا. الدنيا التي نتصارعها ونتكالب عليها، يضرب الله لنا مثلها كمطر من السماء أخرج بعض الزرع ليقتات عليه الناس والأنعام، هكذا فقط في بساطة شديدة.
وكأن حال الدنيا هذه كلها كوجبة طعام لا أكثر.
فإذا ما انشغل الناس بها وركنوا إليها، واستزادوا منها، حتى ظنوا في أنفسهم القوة والقدرة على الاستقرار فيها وتحصيل متعها، أتاها أمر الله فأهلكها وكأنها لم تكن.

هي هكذا ليس لها وزن عند الله، وقيمتها أقل من أن يكون لهلاكها اهتماما كبيرا، فتنتهي في خطفة، سواءا كانت ليلا أو نهارا، فحجم هذه الدنيا أصغر من أن يكون لها شأن حتى في الهلاك.

ثم دعوة الله لنا لنتفكر ونتدبر. أهذا ما يشغلنا؟ أهذا ما نضيع فيه أعمارنا؟

ويأتينا الجواب الواضح الجلي. إن الله يدعونا للجنة، دار السلام. السلام من المنغصات والآلام، السلام من الهم والقلق والتعب. السلام من هذه الدنيا وكدرها.
هو طريق الله المستقيم. لا اعوجاج فيه ولا مواربة. وعلى هذا يجب أن تستقيم قلوبنا.

غير متصل ماما هادية

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 15907
  • الجنس: أنثى
  • احفظ الله يحفظك
رد: من الماضي والحاضر.
« رد #95 في: 2024-12-08, 22:40:52 »
ما شاء الله
كتابات جميلة
فتح الله عليك ونفع بك
*رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ*

غير متصل جواد

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 265
  • الجنس: ذكر
رد: من الماضي والحاضر.
« رد #96 في: 2024-12-11, 09:36:42 »
ما شاء الله
كتابات جميلة
فتح الله عليك ونفع بك


وإياكم، آمين.
بارك الله بكم وحفظكم.

غير متصل جواد

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 265
  • الجنس: ذكر
رد: من الماضي والحاضر.
« رد #97 في: 2024-12-21, 05:02:24 »
-6-

عن جابر بن عبد الله الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ يحدث عن بيعة العقبة الثانية فيقول: ( مكث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمكة عشر سنين، يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنى، يقول: من يؤويني، من ينصرني، حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟،

حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش، لا يفتنك، ويمشي بين رحالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويناه، وصدقناه، فيخرج الرجل منا، فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإِسلام، ثم ائتمروا جميعاً، فقلنا: حتى متى نترك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُطرد في جبال مكة ويخاف؟،

فرحل إليه منا سبعون رجلاً، حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله! علام نبايعك؟، قال: على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة،

قال: فقمنا إليه، فبايعناه، وأخذ بيده ابن زرارة ـ وهو من أصغرهم ـ فقال: رويداً يا أهل يثرب! فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جُيَيْنة، فبينوا ذلك، فهو عذر لكم عند الله، قالوا: أمط عنا يا سعد! فوالله لا ندع هذه البيعة أبداً، ولا نسلبها أبداً، قال: فقمنا إليه، فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة
) رواه أحمد

شاء الله سبحانة وتعالى أن يكون الأنصار مضرب المثل في إقامة صرح الأمة كما شاء للمهاجرين أن يكونوا الأساس الذي قام عليه هذا الصرح العظيم.
وفي بيعة العقبة الثانية وما تبعها من أحداث الهجرة ثم أمور بناء الدولة الإسلامية الأولى وحتى عهد الخلفاء الراشدين المثال الراشد للأمة والقدوة الباقية للمسلمين إلى يوم الدين.

والمتأمل لحديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- يجد محاور أساسية في تلك اللحظة الفارقة في تاريخ البشر.

١- الوعد والغاية الكبرى هي الجنة. لم يعدهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأي شيء في الدنيا، لا ملك ولا رفاهية في عيش ولا استقرار ولا راحة.
والأنصار فهموا ذلك وأدركوه تماما. وهو ما ظهر في كلام ابن زرارة -رضي الله عنه- حين وصف لهم ما يترتب عليه قرارهم هذا من مفارقة العرب كافة وقتل خيارهم وأن تعضهم السيوف!
فالطريق واضح في أذهان الجميع، والقصد هو الجنة لا غير.

٢- المسلم يبحث عن إقامة دين الله في الأرض، وتبليغ رسالته للعالمين. لا عن حياة الدعة والاستمتاع بالدنيا وان كانت حلالا.
فالأنصار هم من جاءوا للرسول يطلبون العمل والتكليف. ولهذا صاروا منارة للمسلمين على مر الزمان. فلا تقوم الأمة إلا على أكتاف المبادرين للعمل، والمضحين في سبيل الله بالغالي والنفيس.

٣- إن تحقيق العبودية لله في الأرض لا يقوم إلا من خلال هذا الطريق الشاق. السمع والطاعة لله ولرسوله في النشاط والكسل، وعلى النفقة في سبيل الله في العسر واليسر، وعلى قول الحق مهما كان الظرف.
هذا الوضوح في الرؤية يخلع عن أذهان الناس التعلق بالدنيا. ويوضح لهم طبيعة المعركة المتعلقة بإقامة الدين في أي زمان ومكان. والثمن هو الجنة. فلا تعلق بالدنيا ولا شغف بتحصيلها أو الإصابة منها.

لكن السؤال هنا، ألم تفتح الدنيا على الصحابة بعد ذلك بسنوات؟ وبخاصة في خلافة الفاروق رضي الله عنه.

نعم. وكانت الدنيا سببا في انحراف الأمة عن المسار الصحيح بعد فترة الحكم الراشد. فالنفس البشرية جبلت على حب الاستمتاع بالدنيا وحب الاستقرار فيها والتنعم بخيراتها.
ولهذا كانت الدنيا من أكبر الفتن للمسلمين. ففي اللحظة التي يتعلق فيها قلب المسلم بالدنيا (وإن كانت حلالا)، يصعب عليه التضحية بها، ويركن إلى طول الأمد فيها.

هي معادلة صعبة حقا، وهذا هو الاختبار الذي يخوضه المسلم في كل لحظة وكل قرار في حياته.
فالدنيا هي أداة في يد المسلم لإعانته على تبليغ رسالة الله للعالمين، وإعلاء كلمة الله في الأرض فوق أي سلطان آخر.
هذه المعركة المستمرة هي الاختبار بعينة. فإذا ما حسمت هذه المعركة فهي أذان بزوال الدنيا ونهاية العالم. فقد انتهى الاختبار إذن.

فإذا ما وعي المسلم هذه الحقيقة، شغل نفسه بالمعركة والتجهيز لها والخوض فيها وتجنب فتنتها، لا بما يتبعها من تصور لراحة الناس في الدنيا في ظل حكم الإسلام.

وقد جاءت سورة الأنفال لتوضح هذا المعنى الدقيق للغاية. لأن الجدال المستمر في أن تحصيل الدنيا الحلال لا بأس فيه وأنه للاستعانة على قيام أمور الأمة، وهذا صحيح بالفعل إن لم يصبح هو الغاية في ذاته.

وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7)

إنها إعادة لضبط البوصلة وتصحيح الوجهة والمسار. فالله سبحانه وتعالى يريد أن تخلص نفوس الفئة المؤمنة لمعركة العقيدة، لا يصرفها عنها أي شيء آخر.
وقد نزلت الآية في وصف حال المؤمنين قبل غزوة بدر حين خرجوا ابتداءا قاصدين قافلة قريش (غير ذات الشوكة)، فقد كانت فرصة لاستعادة جزء من أموال المهاجرين المنهوبة من قبل قريش في مكة.
وقد كانت فرصة للتقوي بهذا المال على إقامة أحوال المؤمنين في الدولة المسلمة الناشئة في المدينة وقد كانت أحوج ما تكون إلى هذا المال.

لكن لا!. أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين للمؤمنين في كل زمان ومكان حقيقة المعركة في هذه الدنيا، ويربي نفوسهم على حقائق الإيمان والاعتقاد به وحده.

هذا أول احتكاك مباشر بين الحق والباطل، فلابد أن يستقر في قلوب المؤمنين هذا التصور عن الدنيا وعن حركتهم فيها لإقامة دين الله في الأرض.
فالقلة المؤمنة الضعيفة في قوتها وعتادها وجاهزيتها لا تنتصر بأسباب الدنيا، وإنما تأخذ بما استطاعته من أسباب لأن الله أمرها بذلك، دون تعلق بهذه الأسباب وجاهزيتها.

فالنصر من الله وحده، والغاية هي إعلاء كلمة الله وإخضاع كل ما في الأرض لشريعة الله وسلطانه وحده. وتحرير الإنسان من الجاهلية. والجزاء هو الجنة.
فإذا ما استقر هذا المعنى في قلوب المؤمنين، صار لهم وقاية من الدنيا، وصفيت أذهانهم من التشتت في الانشغال الشديد بها فوق الطاقة. وهذا ما يتطلبه طريق الجهاد الطويل.
« آخر تحرير: 2024-12-21, 06:02:09 بواسطة جواد »

غير متصل جواد

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 265
  • الجنس: ذكر
رد: من الماضي والحاضر.
« رد #98 في: 2024-12-22, 11:27:53 »
-7-

{وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (55)

يقول سيد قطب رحمه الله:

ذلك وعد الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمة محمد [صلى الله عليه وسلم] أن يستخلفهم في الأرض. وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم. وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا.
 ذلك وعد الله . ووعد الله حق . ووعد الله واقع . ولن يخلف الله وعده . . فما حقيقة ذلك الإيمان؟ وما حقيقة هذا الاستخلاف؟

إن حقيقة الإيمان التي يتحقق بها وعد الله حقيقة ضخمة تستغرق النشاط الإنساني كله ؛ وتوجه النشاط الإنساني كله.
فما تكاد تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط وبناء وإنشاء موجه كله إلى الله ؛ لا يبتغي به صاحبه إلا وجه الله ؛ وهي طاعة لله واستسلام لأمره في الصغيرة والكبيرة ، لا يبقى معها هوى في النفس ، ولا شهوة في القلب ، ولا ميل في الفطرة إلا وهو تبع لما جاء به رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من عند الله.

فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله، بخواطر نفسه، وخلجات قلبه. وأشواق روحه ، وميول فطرته ، وحركات جسمه ، ولفتات جوارحه ، وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس جميعا . . يتوجه بهذا كله إلى الله.
يتمثل هذا في قول الله سبحانه في الآية نفسها تعليلا للاستخلاف والتمكين والأمن : (يعبدونني لا يشركون بي شيئا) والشرك مداخل وألوان ، والتوجه إلى غير الله بعمل أو شعور هو لون من ألوان الشرك بالله .

ذلك الإيمان منهج حياة كامل ، يتضمن كل ما أمر الله به ، ويدخل فيما أمر الله به توفير الأسباب ، وإعداد العدة ، والأخذ بالوسائل ، والتهيؤ لحمل الأمانة الكبرى في الأرض . . أمانة الاستخلاف . .

فما حقيقة الاستخلاف في الأرض؟

إنها ليست مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم . . إنما هي هذا كله على شرط استخدامه في الإصلاح والتعمير والبناء ؛ وتحقيق المنهج الذي رسمه الله للبشرية كي تسير عليه ؛ وتصل عن طريقه إلى مستوى الكمال المقدر لها في الأرض ، اللائق بخليقة أكرمها الله .

إن الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح، لا على الهدم والإفساد . وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة ، لا على الظلم والقهر . وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري ، لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان !

وهذا الاستخلاف هو الذي وعده الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات . . وعدهم الله أن يستخلفهم في الأرض - كما استخلف المؤمنين الصالحين قبلهم - ليحققوا النهج الذي أراده الله ؛ ويقرروا العدل الذي أراده الله ؛ ويسيروا بالبشرية خطوات في طريق الكمال المقدر لها يوم أنشأها الله . .
فأما الذين يملكون فيفسدون في الأرض ، وينشرون فيها البغي والجور ، وينحدرون بها إلى مدارج الحيوان . . فهؤلاء ليسوا مستخلفين في الأرض . إنما هم مبتلون بما هم فيه ، أو مبتلى بهم غيرهم ، ممن يسلطون عليهم لحكمة يقدرها الله .

آية هذا الفهم لحقيقة الاستخلاف قوله تعالى بعده : (وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم) . . وتمكين الدين يتم بتمكينه في القلوب ، كما يتم بتمكينه في تصريف الحياة وتدبيرها .
فقد وعدهم الله إذن أن يستخلفهم في الأرض ، وأن يجعل دينهم الذي ارتضى لهم هو الذي يهيمن على الأرض . ودينهم يأمر بالإصلاح ، ويأمر بالعدل ، ويأمر بالاستعلاء على شهوات الأرض . ويأمر بعمارة هذه الأرض ، والانتفاع بكل ما أودعها الله من ثروة ، ومن رصيد ، ومن طاقة ، مع التوجه بكل نشاط فيها إلى الله .

(وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) . . ولقد كانوا خائفين ، لا يأمنون ، ولا يضعون سلاحهم أبدا حتى بعد هجرة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] إلى قاعدة الإسلام الأولى بالمدينة .

قال الربيع بن أنس عن أبي العالية في هذه الآية : كان النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده ، وإلى عبادته وحده بلا شريك له ، سرا وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال ؛ حتى أمروا بعد الهجرة إلى المدينة ، فقدموها ، فأمرهم الله بالقتال ، فكانوا بها خائفين ، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح ؛ فصبروا على ذلك ما شاء الله . ثم إن رجلا من الصحابة قال : يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عليه وسلم - " لن تصبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم ليست فيه حديدة " .

وأنزل الله هذه الآية ، فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب ، فأمنوا ووضعوا السلاح . ثم إن الله قبض نبيه [ صلى الله عليه وسلم ] فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان . حتى وقعوا فيما وقعوا فيه ، فأدخل الله عليهم الخوف ؛ فاتخذوا الحجزة والشرط ، وغيروا فغير بهم . .

(ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) . . الخارجون على شرط الله . ووعد الله . وعهد الله . .

لقد تحقق وعد الله مرة . وظل متحققا وواقعا ما قام المسلمون على شرط الله : ( يعبدونني لا يشركون بي شيئا ) . . لا من الآلهة ولا من الشهوات . ويؤمنون - من الإيمان - ويعملون صالحا .
ووعد الله مذخور لكل من يقوم على الشرط من هذه الأمة إلى يوم القيامة. إنما يبطى ء النصر والاستخلاف والتمكين والأمن . لتخلف شرط الله في جانب من جوانبه الفسيحة ؛ أو في تكليف من تكاليفه الضخمة ؛

حتى إذا انتفعت الأمة بالبلاء ، وجازت الابتلاء ، وخافت فطلبت الأمن ، وذلت فطلبت العزة ، وتخلفت فطلبت الاستخلاف . . كل ذلك بوسائله التي أرادها الله ، وبشروطه التي قررها الله . . تحقق وعد الله الذي لا يتخلف ، ولا تقف في طريقه قوة من قوى الأرض جميعا.


إن وعد الاستخلاف هنا نتيجة لا غاية. فمن تحققت فيه العبودية لله وحده أتاه وعد الله بالاستخلاف.
فمن السهل على من التبست عليه الغاية أن يقع في الظن بالأسباب أنها تحقق له النتيجة. وقد تختلط صورة هذه النتيجة في أذهاننا ببهرجة الدنيا فتصبح غايتنا دون أن ندري.
فنحن مطالبون بإقامة الدنيا على منهاج الله لأن هذا ما أمرنا الله به، لا حبا في الدنيا ولا رغبة في البقاء فيها إلا بقدر إقامتنا لأمر الله فيها.

وقد يبدو أنه لا يوجد فرق كبير بين السعي لإقامة الدنيا على مراد الله وبين إعلاء كلمة الله في الأرض وتحقيق العبودية الحقة لله وحده سبحانة.

لكن المتدبر لآيات القرآن يستشعر هذا الفصل بين الأمرين، وكأنه درس تربوي يضبط تصوراتنا عن الإيمان والاستخلاف.

{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ} (9) {يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ} (10)
{تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (11) {يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّـٰتِ عَدۡنٖۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} (12)
{وَأُخۡرَىٰ تُحِبُّونَهَاۖ نَصۡرٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتۡحٞ قَرِيبٞۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (13)


فالغاية من إرسال الرسل بالهدى هي إظهار دين الحق وإعلاء سلطان الله فلا ينازعه في الأمر أحد. وهذه هي التجارة الرابحة التي عرضت على المؤمنين، وجاء البيان العملي لها.
- إيمان بالله ورسوله وجهاد في سبيل الله بالمال والنفس
والجزاء: غفران الذنوب ودخول الجنة.

ثم يأتي النصر والفتح كجزاء ثانوي. (وأخرى)!
والصياغة هنا عجيبة! فقد وعد الله المؤمنين الاستخلاف في الأرض وتمكين الدين، فلماذا تأتي كأخرى، ولماذا جاء وصف الجنة قبلها من مجاري الأنهار والمساكن الطيبة؟

أحسب أن ذلك حتى لا تختلط الغاية في نفوس المؤمنين (إظهار الدين) وجزاء الجنة ونعيمها، بالنتيجة التي قدرها الله (النصر والفتح) وما يتبعه من انفتاح الدنيا.

وبهذا يمكننا أن نفهم تسلسل الأحداث، من إعداد العقيدة في مكة وترعرع الإيمان ونواة الدولة في المدينة ثم انطلاق الفتوح الإسلامية إلى كل بقاع الأرض بعد ذلك.

فالصديق رضي الله عنه لم يوجه أولويات الدولة تجاه بناء العمران والتقدم العلمي لتقديم نموذج حضاري ينافس به الروم والفرس في حضارتهم.
ولم يدخل ربعي بن عامر على رستم وهو يحمل أكثر الآلات تقدما في زمانه!
بل كانت رسالته لرستم في غاية الوضوح. "لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”

وهذا لا يعني أن المسلمين غير معنيين بالحضارة المادية وعلومها. وإنما تأتي الحضارة المادية كنتاج طبيعي لحركة المجتمع المسلم في سعيه لإعلاء كلمة الله في الأرض. ومنضبطة بتصور المسلم عن الكون والحياة.

فالمسلم يسير في هذه الدنيا بمنهاج الله في كل صغيرة وكبيرة في حياته. فيعمل يده في الكون ليحقق غاية وجوده فيه. لا رغبة في ثمرة هذا الكون لذاتها. فهو كون زائل في النهاية مهما أبدع البشر فيه.
وهذا معنى الاستخلاف على الحقيقة.

غير متصل جواد

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 265
  • الجنس: ذكر
رد: من الماضي والحاضر.
« رد #99 في: 2024-12-23, 06:24:06 »
-8-

{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ} (100) {وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥۗ وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (101)

يقول سيد قطب رحمه الله:

وحين يصل السياق إلى هذا الحد ينهي الجدل مع أهل الكتاب ويغفل شأنهم كله . ويتجه إلى الجماعة المسلمة بالخطاب ، والتحذير ، والتنبيه والتوجيه . وبيان خصائص الجماعة المسلمة وقواعد منهجها وتصورها وحياتها ؛ وطبيعة وسائلها لتحقيق المنهج الذي ناطه الله بها.

لقد جاءت هذه الأمة المسلمة لتنشىء في الأرض طريقها على منهج الله وحده ، متميزة متفردة ظاهرة . لقد انبثق وجودها ابتداء من منهج الله ؛ لتؤدي في حياة البشر دورا خاصا لا ينهض به سواها . لقد وجدت لإقرار منهج الله في الأرض ، وتحقيقه في صورة عملية ، ذات معالم منظورة ، تترجم فيها النصوص إلى حركات وأعمال ، ومشاعر وأخلاق ، وأوضاع وارتباطات .

وهي لا تحقق غاية وجودها ، ولا تستقيم على طريقها ، ولا تنشىء في الأرض هذه الصورة الوضيئة الفريدة من الحياة الواقعية الخاصة المتميزة ، إلا إذا تلقت من الله وحده ، وإلا إذا تولت قيادة البشرية بما تتلقاه من الله وحده . قيادة البشرية . . لا التلقي من أحد من البشر ، ولا اتباع أحد من البشر ، ولا طاعة أحد من البشر . . إما هذا وإما الكفر والضلال والانحراف . .

هذا ما يؤكده القرآن ويكرره في شتى المناسبات . وهذا ما يقيم عليه مشاعر الجماعة المسلمة وأفكارها وأخلاقها كلما سنحت الفرصة . . وهنا موضع من هذه المواضع ، مناسبته هي المناظرة مع أهل الكتاب ، ومواجهة كيدهم وتآمرهم على الجماعة المسلمة في المدينة . . ولكنه ليس محدودا بحدود هذه المناسبة ، فهو التوجيه الدائم لهذه الأمة ، في كل جيل من أجيالها . لأنه هو قاعدة حياتها ، بل قاعدة وجودها .

لقد وجدت هذه الأمة لقيادة البشرية . فكيف تتلقى إذن من الجاهلية التي جاءت لتبدلها ولتصلها بالله ، ولتقودها بمنهج الله ؟ وحين تتخلى عن مهمة القيادة فما وجودها إذن ، وليس لوجودها - في هذه الحال - من غاية ؟ !

لقد وجدت للقيادة : قيادة التصور الصحيح . والاعتقاد الصحيح . والشعور الصحيح . والخلق الصحيح . والنظام الصحيح . والتنظيم الصحيح . . وفي ظل هذه الأوضاع الصحيحة يمكن أن تنمو العقول ، وأن تتفتح ، وأن تتعرف إلى هذا الكون ، وأن تعرف أسراره ، وأن تسخر قواه وطاقاته ومدخراته . . ولكن القيادة الأساسية التي تسمح بهذا كله وتسيطر على هذا كله ، وتوجهه لخير البشر لا لتهديدهم بالخراب والدمار ، ولا لتسخيره في المآرب والشهوات . . ينبغي أن تكون للإيمان ، وأن تقوم عليها الجماعة المسلمة ، مهتدية فيها بتوجيه الله . لا بتوجيه أحد من عبيد الله .

وهنا في هذا الدرس يحذر الأمة المسلمة من اتباع غيرها ، ويبين لها كذلك طريقها لإنشاء الأوضاع الصحيحة وصيانتها . ويبدأ بتحذيرها من اتباع أهل الكتاب ، وإلا فسيقودونها إلى الكفر لا مناص .
إن طاعة أهل الكتاب والتلقي عنهم ، واقتباس مناهجهم وأوضاعهم ، تحمل ابتداء معنى الهزيمة الداخلية ، والتخلي عن دور القيادة الذي من أجله أنشئت الأمة المسلمة . كما تحمل معنى الشك في كفاية منهج الله لقيادة الحياة وتنظيمها والسير بها صعدا في طريق النماء والارتقاء . وهذا بذاته دبيب الكفر في النفس ، وهي لا تشعر به ولا ترى خطره القريب .

هذا من جانب المسلمين . فأما من الجانب الآخر ، فأهل الكتاب لا يحرصون على شيء حرصهم على إضلال هذه الأمة عن عقيدتها . فهذه العقيدة هي صخرة النجاة ؛ وخط الدفاع ، ومصدر القوة الدافعة للأمة المسلمة . وأعداؤه يعرفون هذا جيدا . يعرفونه قديما ويعرفونه حديثا ، ويبذلون في سبيل تحويل هذه الأمة عن عقيدتها كل ما في وسعهم من مكر وحيلة ، ومن قوة كذلك وعدة . وحين يعجزهم أن يحاربوا هذه العقيدة ظاهرين يدسون لها ماكرين . وحين يعييهم أن يحاربوها بأنفسهم وحدهم ، يجندون من المنافقين المتظاهرين بالإسلام ، أو ممن ينتسبون - زورا - للإسلام ، جنودا مجندة ، لتنخر لهم في جسم هذه العقيدة من داخل الدار ، ولتصد الناس عنها ، ولتزين لهم مناهج غير منهجها ، وأوضاعا غير أوضاعها ، وقيادة غير قيادتها


{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ} (102) {وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} (103) {وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (104) {وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (105)

وبعد هذا التحذير من التلقي عن أهل الكتاب وطاعتهم واتباعهم ينادي الله الجماعة المسلمة ويوجهها إلى القاعدتين الأساسيتين اللتين تقوم عليهما حياتها ومنهجها . واللتين لا بد منهما لكي تستطيع أن تضطلع بالأمانة الضخمة التي ناطها الله بها ، وأخرجها للوجود من أجلها . . هاتان القاعدتان المتلازمتان هما : الإيمان . والأخوة . . الإيمان بالله وتقواه ومراقبته في كل لحظة من لحظات الحياة . والأخوة في الله ، تلك التي تجعل من الجماعة المسلمة بنية حية قوية صامدة ، قادرة على أداء دورها العظيم في الحياة البشرية ، وفي التاريخ الإنساني : دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وإقامة الحياة على أساس المعروف وتطهيرها من لوثة المنكر.

إنهما ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة ، وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم . فإذا انهارت واحدة منهما لم تكن هناك جماعة مسلمة ، ولم يكن هنالك دور لها تؤديه.

ركيزة الإيمان والتقوى أولا . . التقوى التي تبلغ أن توفي بحق الله الجليل . . التقوى الدائمة اليقظة التي لا تغفل ولا تفتر لحظة من لحظات العمر حتى يبلغ الكتاب أجله.

( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ) . .
اتقوا الله - كما يحق له أن يتقى - وهي هكذا بدون تحديد تدع القلب مجتهدا في بلوغها كما يتصورها وكما يطيقها . وكلما أوغل القلب في هذا الطريق تكشفت له آفاق ، وجدت له أشواق . وكلما اقترب بتقواه من الله ، تيقظ شوقه إلى مقام أرفع مما بلغ ، وإلى مرتبة وراء ما ارتقى . وتطلع إلى المقام الذي يستيقظ فيه قلبه فلا ينام !

( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) . .
والموت غيب لا يدري إنسان متى يدركه . فمن أراد ألا يموت إلا مسلما فسبيله أن يكون منذ اللحظة مسلما ، وأن يكون في كل لحظة مسلما . وذكر الإسلام بعد التقوى يشي بمعناه الواسع : الاستسلام . الاستسلام لله ، طاعة له ، واتباعا لمنهجه ، واحتكاما إلى كتابه . وهو المعنى الذي تقرره السورة كلها في كل موضع منها ، على نحو ما أسلفنا .

هذه هي الركيزة الأولى التي تقوم عليها الجماعة المسلمة لتحقق وجودها وتؤدي دورها . إذ أنه بدون هذه الركيزة يكون كل تجمع تجمعا جاهليا . ولا يكون هناك منهج لله تتجمع عليه أمة ، إنما تكون هناك مناهج جاهلية . ولا تكون هناك قيادة راشدة في الأرض للبشرية ، إنما تكون القيادة للجاهلية.

فأما الركيزة الثانية فهي ركيزة الأخوة . . الأخوة في الله ، على منهج الله ، لتحقيق منهج الله.

فهي أخوة إذن تنبثق من التقوى والإسلام . . من الركيزة الأولى . . أساسها الاعتصام بحبل الله - أي عهده ونهجه ودينه - وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر ، ولا على أي هدف آخر ، ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية الكثيرة !

( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) . .
هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى . وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائما . وهو هنا يذكرهم هذه النعمة . يذكرهم كيف كانوا في الجاهلية " أعداء " . . وما كان أعدى من الأوس والخزرج في المدينة أحد . وهما الحيان العربيان في يثرب . يجاورهما اليهود الذين كانوا يوقدون حول هذه العداوة وينفخون في نارها حتى تأكل روابط الحيين جميعا . ومن ثم تجد يهود مجالها الصالح الذي لا تعمل إلا فيه ، ولا تعيش إلا معه . فألف الله بين قلوب الحيين من العرب بالإسلام . . وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة . وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمة الله إخوانا .

وما يمكن أن يجمع القلوب إلا أخوة في الله ، تصغر إلى جانبها الأحقاد التاريخية ، والثارات القبلية ، والأطماع الشخصية والرايات العنصرية . ويتجمع الصف تحت لواء الله الكبير المتعال . .

( واذكروا نعمة الله عليكم ، إذ كنتم أعداء ، فألف بين قلوبكم ، فأصبحتم بنعمته إخوانا )
ويذكرهم كذلك نعمته عليهم في إنقاذهم من النار التي كانوا على وشك أن يقعوا فيها ، إنقاذهم من النار بهدايتهم إلى الاعتصام بحبل الله - الركيزة الأولى - وبالتأليف بين قلوبهم ، فأصبحوا بنعمة الله إخوانا - الركيزة الثانية - :

( وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ) .
والنص القرآني يعمد إلى مكمن المشاعر والروابط : " القلب " . . فلا يقول : فألف بينكم . إنما ينفذ إلى المكمن العميق : ( فألف بين قلوبكم ) فيصور القلوب حزمة مؤلفة متآلفة بيد الله وعلى عهده وميثاقه . كذلك يرسم النص صورة لما كانوا فيه . بل مشهدا حيا متحركا تتحرك معه القلوب : ( وكنتم على شفا حفرة من النار ) . . وبينما حركة السقوط في حفرة النار متوقعة ، إذا بالقلوب ترى يد الله ، وهي تدرك وتنقذ ! وحبل الله وهو يمتد ويعصم . وصورة النجاة والخلاص بعد الخطر والترقب ! وهو مشهد متحرك حي تتبعه القلوب واجفة خافقة ، وتكاد العيون تتملاه من وراء الأجيال !

وقد ذكر محمد بن إسحاق في السيرة وغيره أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج . وذلك أن رجلا من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج ، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة ، فبعث رجلا معه ، وأمره أن يجلس بينهم ، ويذكر لهم ما كان من حروبهم يوم " بعاث " ! وتلك الحروب . ففعل . فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم ، وغضب بعضهم على بعض ، وتثاوروا ، ونادوا بشعارهم . وطلبوا أسلحتهم . وتوعدوا إلى " الحرة " . . فبلغ ذلك النبي [ ص ] فأتاهم ، فجعل يسكنهم ، ويقول : " أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم " وتلا عليهم هذه الآية ، فندموا على ما كان منهم ، واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح رضي الله عنهم .

وكذلك بين الله لهم فاهتدوا ، وحق فيهم قول الله سبحانه في التعقيب في الآية :

( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) .
فهذه صورة من جهد يهود لتقطيع حبل الله بين المتحابين فيه ، القائمين على منهجه ، لقيادة البشرية في طريقه . . هذه صورة من ذلك الكيد الذي تكيده يهود دائما للجماعة المسلمة ، كلما تجمعت على منهج الله واعتصمت بحبله . وهذه ثمرة من ثمار طاعة أهل الكتاب . كادت ترد المسلمين الأولين كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض . وتقطع بينهم حبل الله المتين ، الذي يتآخون فيه مجتمعين . وهذه صلة هذه الآية بالآيات قبلها في هذا السياق .

على أن مدلول الآية أوسع مدى من هذه الحادثة . فهي تشي - مع ما قبلها في السياق وما بعدها - بأنه كانت هناك حركة دائبة من اليهود لتمزيق شمل الصف المسلم في المدينة ، وإثارة الفتنة والفرقة بكل الوسائل . والتحذيرات القرآنية المتوالية من إطاعة أهل الكتاب ، ومن الاستماع إلى كيدهم ودسهم ، ومن التفرق كما تفرقوا . . هذه التحذيرات تشي بشدة ما كانت تلقاه الجماعة المسلمة من كيد اليهود في المدينة ، ومن بذرهم لبذور الشقاق والشك والبلبلة باستمرار . . وهو دأب يهود في كل زمان . وهو عملها اليوم وغدا في الصف المسلم ، في كل مكان.

فأما وظيفة الجماعة المسلمة التي تقوم على هاتين الركيزتين لكي تنهض بها . . هذه الوظيفة الضرورية لإقامة منهج الله في الأرض ، ولتغليب الحق على الباطل ، والمعروف على المنكر ، والخير على الشر . . هذه الوظيفة التي من أجلها أنشئت الجماعة المسلمة بيد الله وعلى عينه ، ووفق منهجه . . فهي التي تقررها الآية التالية :

( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وأولئك هم المفلحون ) . .
فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير ، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر . لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر . والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني ذاته . فهناك " دعوة " إلى الخير . ولكن هناك كذلك " أمر " بالمعروف . وهناك " نهي " عن المنكر . وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان ، فإن " الأمر والنهي " لا يقوم بهما إلا ذو سلطان . .

هذا هو تصور الإسلام للمسألة . . إنه لا بد من سلطة تأمر وتنهى . . سلطة تقوم على الدعوة إلى الخير والنهي عن الشر . . سلطة تتجمع وحداتها وترتبط بحبل الله وحبل الأخوة في الله . . سلطة تقوم على هاتين الركيزتين مجتمعتين لتحقيق منهج الله في حياة البشر . . وتحقيق هذا المنهج يقتضي " دعوة " إلى الخير يعرف منها الناس حقيقة هذا المنهج . ويقتضي سلطة " تأمر " بالمعروف " وتنهى " عن المنكر . . فتطاع . . والله يقول : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) . . فمنهج الله في الأرض ليس مجرد وعظ وإرشاد وبيان . فهذا شطر . أما الشطر الآخر فهو القيام بسلطة الأمر والنهي ، على تحقيق المعروف ونفي المنكر من الحياة البشرية ، وصيانة تقاليد الجماعة الخيرة من أن يعبث بها كل ذي هوى وكل ذي شهوة وكل ذي مصلحة ، وضمانة هذه التقاليد الصالحة من أن يقول فيها كل امرىء برأيه وبتصوره ، زاعما أن هذا هو الخير والمعروف والصواب !

والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - من ثم - تكليف ليس بالهين ولا باليسير ، إذا نظرنا إلى طبيعته ، وإلى اصطدامه بشهوات الناس ونزواتهم ، ومصالح بعضهم ومنافعهم ، وغرور بعضهم وكبريائهم . وفيهم الجبار الغاشم . وفيهم الحاكم المتسلط . وفيهم الهابط الذي يكره الصعود . وفيهم المسترخي الذي يكره الاشتداد . وفيهم المنحل الذي يكره الجد . وفيهم الظالم الذي يكره العدل . وفيهم المنحرف الذي يكره الاستقامة . . وفيهم وفيهم ممن ينكرون المعروف ، ويعرفون المنكر . ولا تفلح الأمة ، ولا تفلح البشرية ، إلا أن يسود الخير ، وإلا أن يكون المعروف معروفا ، والمنكر منكرا . . وهذا ما يقتضي سلطة للخير وللمعروف تأمر وتنهى . . وتطاع . .

ومن ثم فلا بد من جماعة تتلاقى على هاتين الركيزتين : الإيمان بالله والأخوة في الله . لتقوم على هذا الأمر العسير الشاق بقوة الإيمان والتقوى ثم بقوة الحب والألفة ، وكلتاهما ضرورة من ضرورات هذا الدور الذي ناطه الله بالجماعة المسلمة ، وكلفها به هذا التكليف . وجعل القيام به شريطة الفلاح . فقال عن الذين ينهضون به :

( وأولئك هم المفلحون ) . .
إن قيام هذه الجماعة ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته . فهذه الجماعة هي الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية . هو الوسط الخير المتكافل المتعاون على دعوة الخير . المعروف فيه هو الخير والفضيلة والحق والعدل . والمنكر فيه هو الشر والرذيلة والباطل والظلم . . عمل الخير فيه أيسر من عمل الشر . والفضيلة فيه أقل تكاليف من الرذيلة . والحق فيه أقوى من الباطل . والعدل فيه أنفع من الظلم . . فاعل الخير فيه يجد على الخير اعوانا . وصانع الشر فيه يجد مقاومة وخذلانا . . ومن هنا قيمة هذا التجمع . .

إنه البيئة التي ينمو فيها الخير والحق بلا كبير جهد ، لأن كل ما حوله وكل من حوله يعاونه . والتي لا ينمو فيها الشر والباطل إلا بعسر ومشقة ، لأن كل ما حوله يعارضه ويقاومه .

والتصور الإسلامي عن الوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص . . يختلف في هذا كله عن التصورات الجاهلية اختلافا جوهريا أصيلا . فلا بد إذن من وسط خاص يعيش فيه هذا التصور بكل قيمه الخاصة . لا بد له من وسط غير الوسط الجاهلي ، ومن بيئة غير البيئة الجاهلية .

هذا الوسط الخاص يعيش بالتصور الإسلامي ويعيش له ؛ فيحيا فيه هذا التصور ، ويتنفس أنفاسه الطبيعية في طلاقة وحرية ، وينمو نموه الذاتي بلا عوائق من داخله تؤخر هذا النمو أو تقاومه . وحين توجد هذه العوائق تقابلها الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وحين توجد القوة الغاشمة التي تصد عن سبيل الله تجد من يدافعها دون منهج الله في الحياة .

هذا الوسط يتمثل في الجماعة المسلمة القائمة على ركيزتي الإيمان والأخوة . الإيمان بالله كي يتوحد تصورها للوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص ، وترجع إلى ميزان واحد تقوم به كل ما يعرض لها في الحياة ، وتتحاكم إلى شريعة واحدة من عند الله ، وتتجه بولائها كله إلى القيادة القائمة على تحقيق منهج الله في الأرض . . والأخوة في الله . كي يقوم كيانها على الحب والتكافل اللذين تختفي في ظلالهما مشاعر الأثرة ، وتتضاعف بهما مشاعر الإيثار . الإيثار المنطلق في يسر ، المندفع في حرارة ، المطمئن الواثق المرتاح .

وهكذا قامت الجماعة المسلمة الأولى - في المدينة - على هاتين الركيزتين . . على الإيمان بالله : ذلك الإيمان المنبثق من معرفة الله - سبحانه - وتمثل صفاه في الضمائر ؛ وتقواه ومراقبته ، واليقظة والحساسية إلى حد غير معهود إلا في الندرة من الأحوال . وعلى الحب . الحب الفياض الرائق ، والود . الود العذب الجميل ، والتكافل . التكافل الجاد العميق . . وبلغت تلك الجماعة في ذلك كله مبلغا ، لولا أنه وقع ، لعد من أحلام الحالمين ! وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة ، ولكنها في طبيعتها أقرب إلى الرؤى الحالمة ! وهي قصة وقعت في هذه الأرض . ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد والجنان !

وعلى مثل ذلك الإيمان ومثل هذه الأخوة يقوم منهج الله في الأرض في كل زمان .

ومن ثم يعود السياق فيحذر الجماعة المسلمة من التفرق والاختلاف ؛ وينذرها عاقبة الذين حملوا أمانة منهج الله قبلها - من أهل الكتاب - ثم تفرقوا واختلفوا ، فنزع الله الراية منهم ، وسلمها للجماعة المسلمة المتآخية . . فوق ما ينتظرهم من العذاب.
( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم )
« آخر تحرير: 2024-12-23, 06:26:07 بواسطة جواد »