المشاركات الحديثة

صفحات: [1] 2 3 ... 10
1
:: كشكول الأيام :: / رد: من الماضي والحاضر.
« آخر مشاركة بواسطة جواد في 2025-01-22, 08:52:54 »
-13-

إن كانت غاية المؤمن في حياته هي الجنة، فإن الرسول وصحابته الكرام قدوته للوصول إليها. وقد كانت حياة الصحابة جهادا عمليا لا ينقطع، فلا يستقيم للمؤمن أن يكون ممن يخالف فعله قوله. وهي نقطة فارقة في زماننا هذا.

لقد ابتلينا في العقود الأخيرة بكثرة الكلام وقلة العمل، ولعل هذا نتاج النظام التعليمي الذي يعتمد بالأساس على الأقوال والنظريات بأكثر من الأفعال الحقيقية.
فنجد مثلا أساتذة في الاقتصاد لا يجرؤون على ممارسة أي عملية اقتصادية على أرض الواقع! على الرغم من مراكزهم العلمية ومخرجاتهم البحثية التي يتباهون بها في كل مجلس.
وحتى لا يؤخذ الكلام في غير سياقه، فما كان ذلك ليكون مشكلة كبيرة في ذاته إذا توفر أمران مهمان:

١- أن تختبر تلك النظريات والأطروحات عمليا بمشاركة فعلية وواقعية ممن قاموا عليها.
٢- أن يكون تطبيق مباشر لمثل هذه النظريات في أرض الواقع، وإعادة تقييم مستمرة بعد تفاعل النظرية مع واقع الناس.

وواقعنا كمسلمين يدل على أننا أبعد ما يكون عن ذلك. فالغالبية اكتفت بالشق التنظيري والأكاديمي وهي تعلم بمدى احتياج الواقع للشق العملي. وأن النظرية نفسها لا تستقيم بدون اختبار عملي.
والحجة هنا أنهم غير مسؤولين عن فعل كل شيء! وأنهم أدوا ما عليهم من دور. وهذا برأيي فهم مغلوط للدين.

فالمؤمن لا يتعامل مع قضايا أمته من منظور رغبته الشخصية ومنطقة راحته! فكأنما هو موظف لا يهتم إلا بالعمل الموكل إليه بناءا على ما تعلمه في حياته.
بل نجده فيما تفتقد الأمة من أمور. فتجرده لله أعلى مما تهواه نفسه وتحب.

عن زيد بن ثابت قال: أَمَرَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ أَتَعَلّمَ لَهُ كَلِمَاتٍ مِنْ كِتَابِ يَهُودَ وَقالَ إِنّي وَالله مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي، قالَ فَمَا مَرّ بي نِصْفُ شَهْرٍ حَتّى تَعَلّمْتُهُ لَهُ.

لكن النفس قد تزين إلينا أعمالا تحبها وتجد متعتها العقلية فيها، فنبحر فيها ونزداد منها تحت شعار أنه عمل عظيم للأمة -وقد يكون كذلك فعلا بضوابط معينة- إلا أن يتحول إلى غاية في ذاته دون اعتبار لما يحتاجه واقع أمتنا.

{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ} (2) {كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ} (3) {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ} (4)

قال علي بن طلحة عن ابن عباس قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله عز وجل دلنا على أحب الأعمال إليه، فنعمل به،
فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به. فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين، وشق عليهم أمره.


والجهاد ليس بالضرورة أن يكون بالسيف. فالجهاد يحتاج إلى إعداد في كل نواحي الحياة يسبق مرحلة الصدام بالسيف. وقد قدم الجهاد بالمال على النفس في كثير من المواضع في القرآن.

والجهاد بالمال كذلك ليس بالضرورة أن يكون إنفاقا للمال، وإنما أولا إنفاق الوقت والجهد في سبيل الله، وهو ما قد يؤثر على كسب المال ويضع المؤمن في اختبار ضيق العيش.

والمتابع لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة وقت الهجرة وبداية دولة المسلمين في المدينة، يجد هذا المعنى متجسدا في كل موقف.
فالمؤمنون في حاجة، وأبعد ما يكونون عن استقرار العيش أو رفاهية الحياة، وهم على الرغم من هذا يبذلون جل أوقاتهم وأعمالهم عملا لدين الله!
فالمؤمن يدرك أن متطلبات الحياة لا تنتهي، وأن عليه أن يضع حدا للانشغال بالدنيا وتحصيلها حتى لا تضيع حياته في اللهث ورائها.

وبالتالي فهو يتخلص من الحمل الزائد للدنيا طالما يقعده عن العمل لدين الله. فإن كان في بلد مرهقة في تكاليف المعيشة انتقل إلى بلد آخر، وإن كان التعليم في الجامعات العالمية يثقله انتقى البدائل التي تغنيه عن ذلك.
أما الرغبة في مجاراة حياة عموم الناس ثم الشكوى بأن تكاليف الحياة لا تدع مجالا للمخاطرة بالوظيفة المرموقة التي تقتل الوقت وتشتت الجهد، فهي خدعة أخرى من الشيطان ليبرر لنا القعود عن العمل.

وعلى المؤمن أن يتحلى بالقناعة فلا يشقي نفسه بالرغبة في تحصيل كل شيء! وهذا يتطلب جرأة في العزيمة وإيمانا قويا يحسم مخاوف النفس وميولها لما في دنيا الناس.

والمؤمن كذلك يدرك أنه هو المسؤول عن هذه الدنيا، وأن عليه أن يسخر مهاراته وإمكاناته التى أكرمه الله بها في العمل لله، سواء كان هذا العمل ما يحبه ويهواه أو غير ذلك.
فالعبرة هنا بما تحتاجه الأمة، لا برغباتنا الشخصية.

فلا يستقيم أبدا أن يظل المسلمون يتحدثون عن تصورات المجتمع الإسلامي والنظم الإسلامية، ثم هم لا يتحركون على الواقع لتحقيق هذه التصورات بخطوات فاعلة، وليس مجرد دروس وعظات !
فإذا كان هم الجميع هو نشر الوعي، فمن سينفذ ويطبق؟

وقد يكون مبرر القعود هنا الضعف وقلة الموارد، فنحن ماهرون جدا في رسم صور ضخمة لا نتصور تنزيلها على الواقع مع كل التحديات التي نراها حولنا.
فكيف نتحاشى الإنزلاق في فخ التنظير الذي لا يتبعه عمل؟


وهنا عدة نقاط هامة يجب الانتباه لها.

١- مثالية التصور قد تورث احباطا وتقعد الإنسان عن العمل حين يرى ضخامة الفجوة بين واقعنا وبين الصورة المرجوة.

٢- من يتنظر أن يخبره أحد بما يتوجب عليه فعله يحتاج أن يراجع نفسه، فالقلب المشغول بالإسلام لا يطيق العيش دون العمل له.

٣- المبالغة في التجهيز والإعداد تقتل العزيمة. فيجب الانتباه من فخ الإعداد الذي لا يواكبه عمل، وقد يتحول طول الإعداد إلى مخدر يضيع الجهود بدلا من الاستفادة منها.

٤- من لا يريد إلا عملا يحبه ويوافق ميوله قد يفسد العمل ويضيعه. وعليه أن يراجع نيته ويربي نفسه على التجرد للغاية لا الركون إلى ما تحب.

٥- الموارد كلمة خادعة، ومدخل كبير للتقاعس عن العمل في ظل دنيا تحاصرنا من كل حدب وصوب. فما يمكن عمله بمواردنا اليوم أكبر بكثير مما نتصور.

٦- التحزب لفكرة أو جماعة أو شخص يمنع عن المؤمن الكثير من الخير، وسلامة الصدر تجاه المسلمين من أساسيات الإيمان.

٧- النفس هي العدو الأول، والدنيا هي سلاحها الأمضى، وهما التحدي الأكبر للمؤمن في حياته.

٨- التكاتف مع المؤمنين العاملين ومحاولة تنسيق الجهود معهم يتطلب جهادا للنفس، وهو مدعاة للبركة بإذن الله.

٩- الاعتناء بالأولويات والأعمال التأسيسية للأمة من جانب تطبيقي سريع مقدم على ما سواها من الأعمال التي قد تأتي بعد ذلك.

١٠- الفهم الصحيح لمعركتنا في الحياة ووضع الغاية والتصور الإسلامي نصب الأعين يصحح المسارات ويضبط الأعمال على مراد الله بإذن الله.

-- يتبع إن شاء الله.
2
:: كشكول الأيام :: / رد: من الماضي والحاضر.
« آخر مشاركة بواسطة جواد في 2024-12-30, 16:16:46 »
-12-

إن إقامة المؤمن للدنيا على منهاج الله جزء لا يتجزأ من مهام الخلافة في الأرض. فمن جعل غايته إعلاء كلمة الله عليه أن يتجهز لمعارك لا تتوقف مع الباطل وأهله.
فالمعركة بين الحق والباطل ليست معركة في الضمير وفقط، وإنما يتدافع كل منهما ليفرض سلطانه على الأرض ويخضع الناس لمنهاجه وشريعته.
ومن هذا المنطلق ندرك توجيه القرآن للمسلمين على إعداد القوة. ولكن رحمة الله تعالى اقتضت أيضا أن يكون هذا الإعداد بحسب الطاقة والاستطاعة.

فمن سنن الله سبحانه وتعالى أن يعلو الباطل في بهرجته وأن يتفاخر بتفوق عدته وتقدم علومه، فلا يقع في منطق البشر أن فئة من البشر أقل قوة وعدة قد تفكر في تحدي هذا الباطل المغرور، فضلا عن مواجهته وتصور إمكانية الانتصار عليه.

{فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (17)

إنها معركة بين جند الله وجند الشيطان، وجند الله لا ينتصرون إلا بالله وحده. بل إن مجرد التعلق القلبي بأسباب الدنيا من تخطيط وإعداد وقوة يورث الهزيمة!

{لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ} (25)

والسؤال المحير حقا، كيف للمؤمن أن يقيم الدنيا كوسيلة لإعلاء كلمة الله، لا رغبة في الدنيا ونعيمها وإن كان حلالا؟

بداية، من تعلق قلبه بالدنيا كره الموت واستثقل الجهاد، وسعى إلى تجنب الصدام مع الباطل حرصا على صيانة العمران، وهو بذلك يتخلى عن مكانه في قيادة البشرية، ويترك مقعد الإمامة شاغرا لأهل الباطل.

عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ.

لهذا كان لابد من ضبط البوصلة نحو الوجهة الصحيحة أولا. ولعل فترة إعداد العقيدة في قلوب المؤمنين في مكة كان لها أبلغ الأثر في إصلاح القلوب وبناء الفهم الواضح لحقيقة الرسالة ومتطلبات التكليف بها.
ثم تأتي مرحلة بناء الدولة في المدينة وتعقيدات التعامل مع حظوظ النفس ومغريات الدنيا، فيكون النموذج القدوة الذي نرجع إليه في كل زمان ومكان.

فكيف بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء دولة الإسلام في المدينة؟ وكيف يمكن لنا أن نستقي هذا النهج في زماننا؟

المتدبر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة إلى المدينة يلاحظ ثلاثة أمور هامة:

١- الأنصار هم من قدموا إلى رسول الله صلى الله عليه يطلبون التكليف ويعرضون النصرة والتضحية لدين الله.
فالفئة المؤمنة لا تنتظر دعوة من أحد. فالقلوب العامرة بالإيمان لا تطيق القعود عن نصرة الدين. ولا تخاف على ما في يدها من الدنيا.
هم قد باعوا أنفسهم لله. باعوها في كل أحوالها، فلا يشغلهم عن الهدف العظيم شيء من الدنيا، لا وظيفة ولا حياة مستقرة ولا مال ولا وضع اجتماعي ولا حكمة زائفة تحت شعار حسابات المخاطر.

٢- العقد والثمن الذي ارتضاه الأنصار لهذا البذل الغالي هو الجنة.
الجنة وفقط. لا وعد بالحصول على سلطة أو ثمرة دنيوية، ولا وعد بحياة مستقرة ينعمون فيها بالهدوء والراحة.
إن تخليص النفس من حظ الدنيا شرط أساسي للعصبة المؤمنة التي تريد رفع لواء الله وإعلاء كلمته.
فالتجرد للغاية هنا يعني أن قيمة الدنيا في القلب قد انضبطت بميزان الله، فهي أهون على المؤمن من دينه وإيمانه، وهو بالتالي يستخدمها لغايته، لا تأسره هي في حبها.

٣- الشروع في العمل والتنفيذ مباشرة، دون اكتراث بالبداية المتواضعة. فكم من المشاريع تفشل لأن أصحابها يريدون القفز إلى العمل الكبير مرة واحدة.
فهم لم ينتظروا تمام العلم بالدين، ولم ينتظروا وضع تفاصيل التصورات الكبرى للمجتمع والدولة الجديدة في المدينة. بل ولم ينتظروا أن يصل عددهم وعدتهم إلى حجم يسمح لهم بقتال قريش مثلا!

٤- كما ضحى الأنصار باستقرارهم وأموالهم وأوقاتهم، كانت التضحية من المهاجرين كذلك بترك الأهل والديار والأموال، والهجرة إلى المجهول!
إن عقيدة المسلم هي وطنه على الحقيقة، والأرض كلها لله يورثها من يشاء من عباده.

وهذه المخاطرة التي تبدو غير منطقية في أذهان البعض أو غير مدروسة بحكمة هي برهان الإيمان في القلوب.
بل لعل المنطق البشري يقول أن يتمهل المسلمون الأوائل حتى يجدوا طريقة لنقل أموالهم وبيع ممتلكاتهم أولا قبل الهجرة، فهم لاشك يحتاجون إلى هذه الأموال في وطنهم الجديد!
لكن الواقع الذي فرض نفسه وقتها لم يكن ليسمح بحدوث هذا في وقت سريع وفي ظل بطش قريش وفرض سيطرتها على الناس وممتلكاتهم، وبهذا كان القرار بترك الدنيا والخروج إلى أرض غير معلومة لكثير من المهاجرين وقتها.

٥- لم يشك أحد من المهاجرين والأنصار في أوامر رسول الله لهم، ولم ينتظروا اثباتات واقعية أو خطط مفصلة لما سيكون بعد هذه القرارات الكبيرة التي سيكون من الصعب جدا الرجوع عنها. بل سارع الجميع إلى التلبية، ملبين أمر الله ورسوله. فالاختبار هنا في التجرد للعقيدة وإخلاص التوجه لله حقا.

وعلى الرغم من كل هذا اليقين في أمر الله، لم يدخر المسلمون سعة في الإعداد للهجرة بأقصى ما يستطيعون من أسباب. والمتدبر في فعل الصديق رضي الله عنه بتجهيز الراحلتين والمال استعدادا لأمر الهجرة في أي لحظه، وفي تخطيط الرسول صلى الله عليه وسلم لمسار هجرته تجنبا لبطش قريش، يدرك كيف لا يتعارض الأخذ بالأسباب مع التسليم الكامل لأمر الله.

ولعل حادثة سراقة بن مالك ثم وصول المشركين إلى غار ثور لدليل آخر على أن التسليم لأمر الله هو عنوان حياة المؤمن، وأن الأسباب مهما كانت محكمة فلن تغني عنه شيئا، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يقدر الأسباب والنتائج. فليس على المؤمن أن يتعسف في الأخذ بالأسباب ويجعلها مبتدأ الأمر ومنتهاه، فهي لن تغني عنه شيئا على كل حال. ولهذا جعل الله الأجر على العمل وبذل أقصى الوسع لا على النتيجة.

{لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (286)

ومع اليقين في أن الأمر كله بيد الله وحده، نجد المزج الرائع بين الأسباب وصدق التوجه لله سبحانه وتعالى.
فالرسول المعصوم يرسل مجموعة إلى المسلمين إلى الحبشة ليكونوا ذخيرة احتياطية للأمة، وهو في ذات الوقت يتحرك وفق إيمان راسخ بنصر الله وإقامة الدين وتمام أمر أمة الإسلام.

وكان أول فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وصوله إلى المدينة هو إقامة المسجد.
فالمسجد لم يكن مكانا للصلاة وإقامة الشعائر، بل منطلق كل الأمور في حياة المسلمين.
المسجد هو رمز وتذكرة بأن وجود المسلم في هذه الدنيا مرتبط بتحقيق عبوديته لله سبحانه وتعالى في شتى مناحي الحياة.
البدء بالمسجد يرسى قاعدة التصور للكيان البشري ومعارفه وسلوكه. فلا يتصور حياة للمؤمن دون إطار شريعة الله ودينه الذى ارتضى للبشر.
فكان هذا بمثابة إعلان لنموذج حياة جديد غير ما تعارف عليه البشر من تصورات ومفاهيم.

وبهذا أيضا نفهم كيف يمكن أن تتحقق الخطوة الثانية في مجتمع المدينة. إنها المؤاخاة المباركة بين المهاجرين والأنصار.
وليس في تاريخ البشر شيء كهذا. فلا يتصور أن ينخلع المجتمع من كل تعلق بالدنيا حتى لينزل عن جزء من ماله وبيته لرجل لم يعرفه إلا منذ أيام!
بل يصير هذا الرجل الوافد الجديد أخا له حق في الميراث ثم الحكم والإمامة بعد ذلك!

إن الأخوة لم تكن تعني تضحية ظاهرية، بل كانت مشاعر حب في الله حقيقية تجلت في أفعال تسمو بالنفس البشرية فوق كل مادة ورغبة دنيوية.
أخوة اجتماعية كذلك يهتم فيها المسلم لحال أخيه في كل شيء، حتى في عبادته وتعاملاته مع أهل بيته!

حتى إذا ما نزغ الشيطان بينهم وتنادوا بالقبلية في لحظة ضعف بشرية، كانت التذكرة بالإيمان كفيلة بالرجوع والتوبة.
ونعم، سيخطئ المسلمون لا ريب، حتى في تلك اللحظات الأولى لخير الناس على الأرض بعد الأنبياء. هي سنة الله في البشر، وعلينا أن نتقبلها ونحسن التعامل معها، فنسارع بالتوبة وننتبه إلى خطورة شهوات النفس وظنونها إذا ما تركت دون مراقبة وضبط.

والملاحظ هنا أن الصحابة رضوان الله عليهم لم تأخذهم العزة بالإثم، ولم يجادلوا فيمن بدأ فيمن كان السبب، ولو يجد المخطئ في نفسه مشكلة من التوبة والإنابة سريعا. فكم من الدعوات تضعف لأن أصحابها لا يستطيعون أن يروا أنفسهم على خطأ، بل وقد يحتكرون الحق لأنفسهم ظنا أنه لا يمكن أن يأتي إلا من خلالهم. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ولعل هذه الواقعة أظهرت للصحابة الكرام خطورة عدوهم الداخلي الذي قد يفسد عليهم دينهم ودنياهم، كما أظهرت أيضا مداخل أعدائهم وكيف يسعون لشق صفهم وتفرقة اجتماعهم.

فما إن استقرت حقيقة التصور لأمور الحياة من منطلق إسلامي بجعل المسجد أولى الأولويات، كذلك أدرك الصحابة أن الأخوة في الله هي الرابط الأساس الذي عليه يقام المجتمع المسلم.
ومن ثم كان هذا إيذانا بالبدء في بناء الدولة الإسلامية، لتكون نموذجا يحتذي به المسلمون في كل زمان ومكان. ودليلا للتائهين إذا أعياهم البحث عن كيفيات إقامة الدين.
3
:: كشكول الأيام :: / رد: من الماضي والحاضر.
« آخر مشاركة بواسطة جواد في 2024-12-26, 15:31:21 »
-11-

{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ} (60)

عن ثوبان عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل يا رسول الله: وما الوهن؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت"

إنها الدنيا مرة أخرى، من ترك العمل فيها ولم يأخذ بما يستطيعه من أسبابها فقد خالف أمر الله. كذلك فإن الإنغماس في الدنيا لذاتها وحبا فيها يحيد بالمسلمين عن الطريق ويورثهم الذلة والمهانة بين الأمم.

هذه العلاقة المتشابكة مع الدنيا تصف واقع اختبار المؤمن فيها. فهو لا يقعد عنها فيتركها قوة في يد أعداء الله يحاربونه بها، ولا هو يطلبها لذاتها فيقع في فتنتها فتورثه الخذلان والضياع.

إنها حقيقة الخلافة في هذه الأرض. أن يعمرها الإنسان على مراد الله بغية إعلاء كلمة الله وسلطانه على كل سلطان آخر في هذه الدنيا.
فالغاية والوسيلة مترابطتان لا يستقيم أحدهما دون الآخر. فلا يتنزل النصر دون عمل، ولا يتحول وجه الحياة ليكون على مراد الله دون إعداد وتضحية وبذل للدماء.

 عن حذيفة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت"

لقد فرق الرسول صلى الله عليه وسلم بين الخلافة والملك حتى تتضح القدوة للناس في مفهوم الخلافة الراشدة، وحتى يتضح منهاج النبوة في إقامة الدنيا، فلا يختلط بظواهر ملك الدنيا.

وبهذا الفهم المنضبط يقبل المؤمن على العمل في الدنيا مستعدا لها، ومدركا لغايته منها، وغير غافل عن فتنتها وخداعها.
إن المؤمن لا يستقي تصوراته عن الدنيا من واقع الناس ولا ما ألفوه فيها. مهما كان هذا الواقع مهيمنا على حياة الناس، ومهما كانت القوة التي تدعم تلك التصورات الجاهلية.
فالإطار الإسلامي للدنيا محكم في الكتاب والسنة، وتحققت القدوة النموذجية له في عهد الخلفاء الراشدين. ومن هذا الإطار الإسلامي الصافي يستقي المسلم تصوراته التي تلائم واقعه في كل زمان ومكان.

والمؤمن يتعامل مع الواقع بحكمة ورفق، فلا تخرجه الغاية عن القصد. ولا يتعجل الثمرة قبل أوانها، فهو مأجور على فعله وعمله، والله وحده بيده النصر والتمكين.
فحياة المؤمن هي معركة الحق والباطل، وهي سنة التدافع في هذه الدنيا حتى نهايتها. وعلى هذا يوجه المؤمن كل سكناته وحركاته في هذه الدنيا.


يقول سيد قطب رحمه الله:

ولكن الإسلام يتخذ للنصر عدته الواقعية التي تدخل في طوق العصبة المسلمة ؛ فهو لا يعلق أبصارها بتلك الآفاق العالية إلا وقد أمن لها الأرض الصلبة التي تطمئن عليها أقدامها ؛ وهيأ لها الأسباب العملية التي تعرفها فطرتها وتؤيدها تجاربها ؛ وإلا إذا أعدها هي للحركة الواقعية التي تحقق هذه الغايات العلوية :

( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ، ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم . وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) .
فالاستعداد بما في الطوق فريضة تصاحب فريضة الجهاد ؛ والنص يأمر بإعداد القوة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها ؛ ويخص ( رباط الخيل )لأنه الأداة التي كانت بارزة عند من كان يخاطبهم بهذا القرآن أول مرة . . ولو أمرهم بإعداد أسباب لا يعرفونها في ذلك الحين مما سيجد مع الزمن لخاطبهم بمجهولات محيرة - تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا - والمهم هو عموم التوجيه :

( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) .
إنه لا بد للإسلام من قوة ينطلق بها في " الأرض " لتحرير " الإنسان " . . وأول ما تصنعه هذه القوة في حقل الدعوة : أن تؤمن الذين يختارون هذه العقيدة على حريتهم في اختيارها ؛ فلا يصدوا عنها ، ولا يفتنوا كذلك بعد اعتناقها . .
والأمر الثاني : أن ترهب أعداء هذا الدين فلا يفكروا في الاعتداء على " دار الإسلام " التي تحميها تلك القوة . .
والأمر الثالث : أن يبلغ الرعب بهؤلاء الأعداء أن لا يفكروا في الوقوف في وجه المد الإسلامي ، وهو ينطلق لتحرير " الإنسان " كله في " الأرض " كلها . .
والأمر الرابع : أن تحطم هذه القوة كل قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة الألوهية ، فتحكم الناس بشرائعها هي وسلطانها ؛ ولا تعترف بأن الألوهية لله وحده ؛ ومن ثم فالحاكمية له وحده سبحانه . .

إن الإسلام ليس نظاماً لاهوتياً يتحقق بمجرد استقراره عقيدة في القلوب ، وتنظيماً للشعائر ، ثم تنتهي مهمته !
إن الإسلام منهج عملي واقعي للحياة ؛ يواجه مناهج أخرى تقوم عليها سلطات وتقف وراءها قوى مادية . فلا مفر للإسلام - لإقرار منهجه الرباني - من تحطيم تلك القوى المادية ، وتدمير السلطات التي تنفذ تلك المناهج الأخرى ، وتقاوم المنهج الرباني . .


وينبغي للمسلم ألا يتمتم ولا يجمجم وهو يعلن هذه الحقيقة الكبيرة . . ينبغي ألا يستشعر الخجل من طبيعة منهجه الرباني . ينبغي أن يذكر أن الإسلام حين ينطلق في الأرض إنما ينطلق لإعلان تحرير الإنسان بتقرير ألوهية الله وحده وتحطيم ألوهية العبيد !
إنه لا ينطلق بمنهج من صنع البشر ؛ ولا لتقرير سلطان زعيم ، أو دولة ، أو طبقة ، أو جنس ! إنه لا ينطلق لاسترقاق العبيد ليفلحوا مزارع الأشراف كالرومان ؛ ولا لاستغلال الأسواق والخامات كالرأسمالية الغربية ؛ ولا لفرض مذهب بشري من صنع بشر جاهل قاصر كالشيوعية وما إليها من المذاهب البشرية . .
إنما ينطلق بمنهج من صنع الله العليم الحكيم الخبير البصير ، ولتقرير ألوهية الله وحده وسلطانه لتحرير " الإنسان " في " الأرض " من العبودية للعبيد . .

هذه هي الحقيقة الكبيرة التي يجب أن يدركها المهزومون الذين يقفون بالدين موقف الدفاع ؛ وهم يتمتمون ويجمجمون للاعتذار عن المد الإسلامي ! والجهاد الإسلامي .

ويحسن أن نعرف حدود التكليف بإعداد القوة . فالنص يقول :

( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) .
فهي حدود الطاقة إلى أقصاها . بحيث لا تقعد العصبة المسلمة عن سبب من أسباب القوة يدخل في طاقتها . كذلك يشير النص إلى الغرض الأول من إعداد القوة :

( ترهبون به عدو الله وعدوكم ، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ).
فهو إلقاء الرعب والرهبة في قلوب أعداء الله الذين هم أعداء العصبة المسلمة في الأرض . الظاهرين منهم الذين يعلمهم المسلمون ؛ ومن وراءهم ممن لا يعرفونهم ، أو لم يجهروا لهم بالعداوة ، واللّه يعلم سرائرهم وحقائقهم . وهؤلاء ترهبهم قوة الإسلام ولو لم تمتد بالفعل إليهم .
والمسلمون مكلفون أن يكونوا أقوياء ، وأن يحشدوا ما يستطيعون من أسباب القوة ليكونوا مرهوبين في الأرض ؛ ولتكون كلمة اللّه هي العليا ، وليكون الدين كله للّه .

ولما كان إعداد العدة يقتضي أموالا ، وكان النظام الإسلامي كله يقوم على أساس التكافل ، فقد اقترنت الدعوة إلى الجهاد بالدعوة إلى إنفاق المال في سبيل الله :

( وما تنفقوا من شيء - في سبيل الله - يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ).
وهكذا يجرد الإسلام الجهاد والنفقة في سبيله ، من كل غاية أرضية ، ومن كل دافع شخصي ؛ ومن كل شعور قومي أو طبقي ، ليتمحض خالصا للّه " في سبيل اللّه " لتحقيق كلمة اللّه ، ابتغاء رضوان اللّه .

ومن ثم ينفي الإسلام من حسابه - منذ الوهلة الاولى - كل حرب تقوم على أمجاد الأشخاص والدول . وكل حرب تقوم للاستغلال وفتح الأسواق . وكل حرب تقوم للقهر والإذلال . وكل حرب تقوم لتسويد وطن على وطن ، أو قوم على قوم ، أو جنس على جنس ، أو طبقة على طبقة . .
ويستبقي نوعاً واحداً من الحركة . . حركة الجهاد في سبيل الله . . والله - سبحانه - لا يريد تسويد جنس ولا وطن ولا قوم ولا طبقة ولا فرد ولا شعب .
إنما يريد أن تسود ألوهيته وسلطانه وحاكميته . وهو غني عن العالمين . ولكن سيادة ألوهيته هي وحدها التي تكفل الخير والبركة والحرية والكرامة للعالمين .

4
:: كشكول الأيام :: / رد: من الماضي والحاضر.
« آخر مشاركة بواسطة جواد في 2024-12-25, 19:56:22 »
-10-

وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (143) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ۖ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)


لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10) وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ۖ هَٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ۖ فَهُم مُّعْرِضُونَ (24)
5
:: كشكول الأيام :: / رد: من الماضي والحاضر.
« آخر مشاركة بواسطة جواد في 2024-12-25, 11:25:24 »
-9-

{وَقُلۡنَا يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (35) {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ} (36)

الجنة دار المؤمن وسكنه ومستقره الذي يعيش على أمل الرجوع له. فالبشر في الدنيا في رحلة اختبار وتكليف، لا مقام واستقرار.
وعلى هذا المعنى نفهم كيف هانت الدنيا على الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وكيف كانت قراراتهم فيها سهلة دون تعقيد ولا تأزم.
إن نفسية المؤمن المدركة لحقيقة وجوده المؤقت في هذه الدنيا تهون عليه أقدار الدنيا وكدرها. وهكذا كانت حركة المجتمع الأول سهلة بسيطة في كل أمور الدنيا المادية والاجتماعية.

وكما وجهت الآية تفكير المسلم لتوضيح حقيقة مستقره ومسكنه النهائي، كذلك فإنها وضحت حقيقة معركته في اختبار الدنيا، وحقيقة نفسه الضعيفة أمام مكر الشيطان الذي يصادف أهواء النفس البشرية.

يقول سيد قطب:

والآن. لقد انكشف ميدان المعركة الخالدة. المعركة بين خليقة الشر في إبليس، وخليفة الله في الأرض. المعركة الخالدة في ضمير الإنسان. المعركة التي ينتصر فيها الخير بمقدار ما يستعصم الإنسان لشهوته. ويبعد عن ربه.

لقد أبيحت لهما كل ثمار الجنة.. إلا شجرة.. شجرة واحدة، ربما كانت ترمز للمحظور الذي لا بد منه في حياة الأرض. فبغير محظور لا تنبت الإرادة ، ولا يتميز الإنسان المريد من الحيوان المسوق، ولا يمتحن صبر الإنسان على الوفاء بالعهد والتقيد بالشرط. فالإرادة هي مفرق الطريق. والذين يستمتعون بلا إرادة هم من عالم البهيمة، ولو بدوا في شكل الآدميين!.

(فأزلهما الشيطان عنها، فأخرجهما مما كانا فيه)
ويا للتعبير المصور: فأزلهما .. إنه لفظ يرسم صورة الحركة التي يعبر عنها. وإنك لتكاد تلمح الشيطان وهو يزحزحهما عن الجنة، ويدفع بأقدامهما فتزل وتهوى!.
عندئذ تمت التجربة: نسي آدم عهده، وضعف أمام الغواية. وعندئذ حقت كلمة الله، وصرح قضاؤه:

(وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين)
وكان هذا إيذانا بانطلاق المعركة في مجالها المقدر لها. بين الشيطان والإنسان. إلى آخر الزمان. ونهض آدم من عثرته، بما ركب في فطرته، وأدركته رحمة ربه التي تدركه دائما عندما يثوب إليها، ويلوذ بها.

(فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم)
وتمت كلمة الله الأخيرة، وعهده الدائم مع آدم وذريته. عهد الاستخلاف في هذه الأرض، وشرط الفلاح فيها أو البوار.

(قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)
وانتقلت المعركة الخالدة إلى ميدانها الأصيل، وانطلقت من عقالها ما تهدأ لحظة وما تفتر. وعرف الإنسان في فجر البشرية كيف ينتصر إذا شاء الانتصار، وكيف ينكسر إذا اختار لنفسه الخسار.

وبعد فلا بد من عودة إلى مطالع القصة. قصة البشرية الأولى.

لقد قال الله تعالى للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة .. وإذن فآدم مخلوق لهذه الأرض منذ اللحظة الأولى. ففيم إذن كانت تلك الشجرة المحرمة؟ وفيم إذن كان بلاء آدم ؟ وفيم إذن كان الهبوط إلى الأرض، وهو مخلوق لهذه الأرض منذ اللحظة الأولى؟

لعلني ألمح أن هذه التجربة كانت تربية لهذا الخليفة وإعدادا. كانت إيقاظا للقوى المذخورة في كيانه. كانت تدريبا له على تلقي الغواية، وتذوق العاقبة، وتجرع الندامة، ومعرفة العدو، والالتجاء بعد ذلك إلى الملاذ الأمين.

إن قصة الشجرة المحرمة، ووسوسة الشيطان باللذة، ونسيان العهد بالمعصية، والصحوة من بعد السكرة، والندم وطلب المغفرة.. إنها هي هي تجربة البشرية المتجددة المكرورة!.
لقد اقتضت رحمة الله بهذا المخلوق أن يهبط إلى مقر خلافته ، مزودا بهذه التجربة التي سيتعرض لمثلها طويلا، استعدادا للمعركة الدائبة وموعظة وتحذيرا..


ولعل من الإشارات الأخرى اللطيفة في موقع القصة بعد آيات الخلق في أول سورة البقرة، أنها تصيغ أولويات المفاهيم والتصورات للمؤمنين على مر الحياة.
ونحن في حاجة كبيرة لهذا الوضوح في الأذهان والقلب في زمان ازدحمت فيه المعرفة وانفتح على البشر من ألوان العلوم وصنوفها ما يغرق العقل ويعقد التصور.
إن كل منطلق للتصور في حياة البشر وفي خلافة الإنسان في هذه الأرض لابد أن ينطلق من تلك الحقائق الواضحة لغاية خلقه وتحديد أعداءه ومناط اختباره في معركة الدنيا.

ومن ثم لا تخرج أفعال المؤمن الاستخلافية في الأرض عن مقصدها، ولا يغيب عن ناظره وقته المحدود فيها. وبالتالي تنضبط أولوياته ويتجلى أمامه خط سيره الذي يرجوا في نهايته أن يصل لمستقره الأصلي في الجنة بإذن الله.
6
:: كشكول الأيام :: / رد: من الماضي والحاضر.
« آخر مشاركة بواسطة جواد في 2024-12-23, 06:24:06 »
-8-

{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ} (100) {وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥۗ وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (101)

يقول سيد قطب رحمه الله:

وحين يصل السياق إلى هذا الحد ينهي الجدل مع أهل الكتاب ويغفل شأنهم كله . ويتجه إلى الجماعة المسلمة بالخطاب ، والتحذير ، والتنبيه والتوجيه . وبيان خصائص الجماعة المسلمة وقواعد منهجها وتصورها وحياتها ؛ وطبيعة وسائلها لتحقيق المنهج الذي ناطه الله بها.

لقد جاءت هذه الأمة المسلمة لتنشىء في الأرض طريقها على منهج الله وحده ، متميزة متفردة ظاهرة . لقد انبثق وجودها ابتداء من منهج الله ؛ لتؤدي في حياة البشر دورا خاصا لا ينهض به سواها . لقد وجدت لإقرار منهج الله في الأرض ، وتحقيقه في صورة عملية ، ذات معالم منظورة ، تترجم فيها النصوص إلى حركات وأعمال ، ومشاعر وأخلاق ، وأوضاع وارتباطات .

وهي لا تحقق غاية وجودها ، ولا تستقيم على طريقها ، ولا تنشىء في الأرض هذه الصورة الوضيئة الفريدة من الحياة الواقعية الخاصة المتميزة ، إلا إذا تلقت من الله وحده ، وإلا إذا تولت قيادة البشرية بما تتلقاه من الله وحده . قيادة البشرية . . لا التلقي من أحد من البشر ، ولا اتباع أحد من البشر ، ولا طاعة أحد من البشر . . إما هذا وإما الكفر والضلال والانحراف . .

هذا ما يؤكده القرآن ويكرره في شتى المناسبات . وهذا ما يقيم عليه مشاعر الجماعة المسلمة وأفكارها وأخلاقها كلما سنحت الفرصة . . وهنا موضع من هذه المواضع ، مناسبته هي المناظرة مع أهل الكتاب ، ومواجهة كيدهم وتآمرهم على الجماعة المسلمة في المدينة . . ولكنه ليس محدودا بحدود هذه المناسبة ، فهو التوجيه الدائم لهذه الأمة ، في كل جيل من أجيالها . لأنه هو قاعدة حياتها ، بل قاعدة وجودها .

لقد وجدت هذه الأمة لقيادة البشرية . فكيف تتلقى إذن من الجاهلية التي جاءت لتبدلها ولتصلها بالله ، ولتقودها بمنهج الله ؟ وحين تتخلى عن مهمة القيادة فما وجودها إذن ، وليس لوجودها - في هذه الحال - من غاية ؟ !

لقد وجدت للقيادة : قيادة التصور الصحيح . والاعتقاد الصحيح . والشعور الصحيح . والخلق الصحيح . والنظام الصحيح . والتنظيم الصحيح . . وفي ظل هذه الأوضاع الصحيحة يمكن أن تنمو العقول ، وأن تتفتح ، وأن تتعرف إلى هذا الكون ، وأن تعرف أسراره ، وأن تسخر قواه وطاقاته ومدخراته . . ولكن القيادة الأساسية التي تسمح بهذا كله وتسيطر على هذا كله ، وتوجهه لخير البشر لا لتهديدهم بالخراب والدمار ، ولا لتسخيره في المآرب والشهوات . . ينبغي أن تكون للإيمان ، وأن تقوم عليها الجماعة المسلمة ، مهتدية فيها بتوجيه الله . لا بتوجيه أحد من عبيد الله .

وهنا في هذا الدرس يحذر الأمة المسلمة من اتباع غيرها ، ويبين لها كذلك طريقها لإنشاء الأوضاع الصحيحة وصيانتها . ويبدأ بتحذيرها من اتباع أهل الكتاب ، وإلا فسيقودونها إلى الكفر لا مناص .
إن طاعة أهل الكتاب والتلقي عنهم ، واقتباس مناهجهم وأوضاعهم ، تحمل ابتداء معنى الهزيمة الداخلية ، والتخلي عن دور القيادة الذي من أجله أنشئت الأمة المسلمة . كما تحمل معنى الشك في كفاية منهج الله لقيادة الحياة وتنظيمها والسير بها صعدا في طريق النماء والارتقاء . وهذا بذاته دبيب الكفر في النفس ، وهي لا تشعر به ولا ترى خطره القريب .

هذا من جانب المسلمين . فأما من الجانب الآخر ، فأهل الكتاب لا يحرصون على شيء حرصهم على إضلال هذه الأمة عن عقيدتها . فهذه العقيدة هي صخرة النجاة ؛ وخط الدفاع ، ومصدر القوة الدافعة للأمة المسلمة . وأعداؤه يعرفون هذا جيدا . يعرفونه قديما ويعرفونه حديثا ، ويبذلون في سبيل تحويل هذه الأمة عن عقيدتها كل ما في وسعهم من مكر وحيلة ، ومن قوة كذلك وعدة . وحين يعجزهم أن يحاربوا هذه العقيدة ظاهرين يدسون لها ماكرين . وحين يعييهم أن يحاربوها بأنفسهم وحدهم ، يجندون من المنافقين المتظاهرين بالإسلام ، أو ممن ينتسبون - زورا - للإسلام ، جنودا مجندة ، لتنخر لهم في جسم هذه العقيدة من داخل الدار ، ولتصد الناس عنها ، ولتزين لهم مناهج غير منهجها ، وأوضاعا غير أوضاعها ، وقيادة غير قيادتها


{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ} (102) {وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} (103) {وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (104) {وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (105)

وبعد هذا التحذير من التلقي عن أهل الكتاب وطاعتهم واتباعهم ينادي الله الجماعة المسلمة ويوجهها إلى القاعدتين الأساسيتين اللتين تقوم عليهما حياتها ومنهجها . واللتين لا بد منهما لكي تستطيع أن تضطلع بالأمانة الضخمة التي ناطها الله بها ، وأخرجها للوجود من أجلها . . هاتان القاعدتان المتلازمتان هما : الإيمان . والأخوة . . الإيمان بالله وتقواه ومراقبته في كل لحظة من لحظات الحياة . والأخوة في الله ، تلك التي تجعل من الجماعة المسلمة بنية حية قوية صامدة ، قادرة على أداء دورها العظيم في الحياة البشرية ، وفي التاريخ الإنساني : دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وإقامة الحياة على أساس المعروف وتطهيرها من لوثة المنكر.

إنهما ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة ، وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم . فإذا انهارت واحدة منهما لم تكن هناك جماعة مسلمة ، ولم يكن هنالك دور لها تؤديه.

ركيزة الإيمان والتقوى أولا . . التقوى التي تبلغ أن توفي بحق الله الجليل . . التقوى الدائمة اليقظة التي لا تغفل ولا تفتر لحظة من لحظات العمر حتى يبلغ الكتاب أجله.

( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ) . .
اتقوا الله - كما يحق له أن يتقى - وهي هكذا بدون تحديد تدع القلب مجتهدا في بلوغها كما يتصورها وكما يطيقها . وكلما أوغل القلب في هذا الطريق تكشفت له آفاق ، وجدت له أشواق . وكلما اقترب بتقواه من الله ، تيقظ شوقه إلى مقام أرفع مما بلغ ، وإلى مرتبة وراء ما ارتقى . وتطلع إلى المقام الذي يستيقظ فيه قلبه فلا ينام !

( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) . .
والموت غيب لا يدري إنسان متى يدركه . فمن أراد ألا يموت إلا مسلما فسبيله أن يكون منذ اللحظة مسلما ، وأن يكون في كل لحظة مسلما . وذكر الإسلام بعد التقوى يشي بمعناه الواسع : الاستسلام . الاستسلام لله ، طاعة له ، واتباعا لمنهجه ، واحتكاما إلى كتابه . وهو المعنى الذي تقرره السورة كلها في كل موضع منها ، على نحو ما أسلفنا .

هذه هي الركيزة الأولى التي تقوم عليها الجماعة المسلمة لتحقق وجودها وتؤدي دورها . إذ أنه بدون هذه الركيزة يكون كل تجمع تجمعا جاهليا . ولا يكون هناك منهج لله تتجمع عليه أمة ، إنما تكون هناك مناهج جاهلية . ولا تكون هناك قيادة راشدة في الأرض للبشرية ، إنما تكون القيادة للجاهلية.

فأما الركيزة الثانية فهي ركيزة الأخوة . . الأخوة في الله ، على منهج الله ، لتحقيق منهج الله.

فهي أخوة إذن تنبثق من التقوى والإسلام . . من الركيزة الأولى . . أساسها الاعتصام بحبل الله - أي عهده ونهجه ودينه - وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر ، ولا على أي هدف آخر ، ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية الكثيرة !

( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) . .
هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى . وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائما . وهو هنا يذكرهم هذه النعمة . يذكرهم كيف كانوا في الجاهلية " أعداء " . . وما كان أعدى من الأوس والخزرج في المدينة أحد . وهما الحيان العربيان في يثرب . يجاورهما اليهود الذين كانوا يوقدون حول هذه العداوة وينفخون في نارها حتى تأكل روابط الحيين جميعا . ومن ثم تجد يهود مجالها الصالح الذي لا تعمل إلا فيه ، ولا تعيش إلا معه . فألف الله بين قلوب الحيين من العرب بالإسلام . . وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة . وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمة الله إخوانا .

وما يمكن أن يجمع القلوب إلا أخوة في الله ، تصغر إلى جانبها الأحقاد التاريخية ، والثارات القبلية ، والأطماع الشخصية والرايات العنصرية . ويتجمع الصف تحت لواء الله الكبير المتعال . .

( واذكروا نعمة الله عليكم ، إذ كنتم أعداء ، فألف بين قلوبكم ، فأصبحتم بنعمته إخوانا )
ويذكرهم كذلك نعمته عليهم في إنقاذهم من النار التي كانوا على وشك أن يقعوا فيها ، إنقاذهم من النار بهدايتهم إلى الاعتصام بحبل الله - الركيزة الأولى - وبالتأليف بين قلوبهم ، فأصبحوا بنعمة الله إخوانا - الركيزة الثانية - :

( وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ) .
والنص القرآني يعمد إلى مكمن المشاعر والروابط : " القلب " . . فلا يقول : فألف بينكم . إنما ينفذ إلى المكمن العميق : ( فألف بين قلوبكم ) فيصور القلوب حزمة مؤلفة متآلفة بيد الله وعلى عهده وميثاقه . كذلك يرسم النص صورة لما كانوا فيه . بل مشهدا حيا متحركا تتحرك معه القلوب : ( وكنتم على شفا حفرة من النار ) . . وبينما حركة السقوط في حفرة النار متوقعة ، إذا بالقلوب ترى يد الله ، وهي تدرك وتنقذ ! وحبل الله وهو يمتد ويعصم . وصورة النجاة والخلاص بعد الخطر والترقب ! وهو مشهد متحرك حي تتبعه القلوب واجفة خافقة ، وتكاد العيون تتملاه من وراء الأجيال !

وقد ذكر محمد بن إسحاق في السيرة وغيره أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج . وذلك أن رجلا من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج ، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة ، فبعث رجلا معه ، وأمره أن يجلس بينهم ، ويذكر لهم ما كان من حروبهم يوم " بعاث " ! وتلك الحروب . ففعل . فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم ، وغضب بعضهم على بعض ، وتثاوروا ، ونادوا بشعارهم . وطلبوا أسلحتهم . وتوعدوا إلى " الحرة " . . فبلغ ذلك النبي [ ص ] فأتاهم ، فجعل يسكنهم ، ويقول : " أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم " وتلا عليهم هذه الآية ، فندموا على ما كان منهم ، واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح رضي الله عنهم .

وكذلك بين الله لهم فاهتدوا ، وحق فيهم قول الله سبحانه في التعقيب في الآية :

( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) .
فهذه صورة من جهد يهود لتقطيع حبل الله بين المتحابين فيه ، القائمين على منهجه ، لقيادة البشرية في طريقه . . هذه صورة من ذلك الكيد الذي تكيده يهود دائما للجماعة المسلمة ، كلما تجمعت على منهج الله واعتصمت بحبله . وهذه ثمرة من ثمار طاعة أهل الكتاب . كادت ترد المسلمين الأولين كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض . وتقطع بينهم حبل الله المتين ، الذي يتآخون فيه مجتمعين . وهذه صلة هذه الآية بالآيات قبلها في هذا السياق .

على أن مدلول الآية أوسع مدى من هذه الحادثة . فهي تشي - مع ما قبلها في السياق وما بعدها - بأنه كانت هناك حركة دائبة من اليهود لتمزيق شمل الصف المسلم في المدينة ، وإثارة الفتنة والفرقة بكل الوسائل . والتحذيرات القرآنية المتوالية من إطاعة أهل الكتاب ، ومن الاستماع إلى كيدهم ودسهم ، ومن التفرق كما تفرقوا . . هذه التحذيرات تشي بشدة ما كانت تلقاه الجماعة المسلمة من كيد اليهود في المدينة ، ومن بذرهم لبذور الشقاق والشك والبلبلة باستمرار . . وهو دأب يهود في كل زمان . وهو عملها اليوم وغدا في الصف المسلم ، في كل مكان.

فأما وظيفة الجماعة المسلمة التي تقوم على هاتين الركيزتين لكي تنهض بها . . هذه الوظيفة الضرورية لإقامة منهج الله في الأرض ، ولتغليب الحق على الباطل ، والمعروف على المنكر ، والخير على الشر . . هذه الوظيفة التي من أجلها أنشئت الجماعة المسلمة بيد الله وعلى عينه ، ووفق منهجه . . فهي التي تقررها الآية التالية :

( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وأولئك هم المفلحون ) . .
فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير ، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر . لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر . والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني ذاته . فهناك " دعوة " إلى الخير . ولكن هناك كذلك " أمر " بالمعروف . وهناك " نهي " عن المنكر . وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان ، فإن " الأمر والنهي " لا يقوم بهما إلا ذو سلطان . .

هذا هو تصور الإسلام للمسألة . . إنه لا بد من سلطة تأمر وتنهى . . سلطة تقوم على الدعوة إلى الخير والنهي عن الشر . . سلطة تتجمع وحداتها وترتبط بحبل الله وحبل الأخوة في الله . . سلطة تقوم على هاتين الركيزتين مجتمعتين لتحقيق منهج الله في حياة البشر . . وتحقيق هذا المنهج يقتضي " دعوة " إلى الخير يعرف منها الناس حقيقة هذا المنهج . ويقتضي سلطة " تأمر " بالمعروف " وتنهى " عن المنكر . . فتطاع . . والله يقول : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) . . فمنهج الله في الأرض ليس مجرد وعظ وإرشاد وبيان . فهذا شطر . أما الشطر الآخر فهو القيام بسلطة الأمر والنهي ، على تحقيق المعروف ونفي المنكر من الحياة البشرية ، وصيانة تقاليد الجماعة الخيرة من أن يعبث بها كل ذي هوى وكل ذي شهوة وكل ذي مصلحة ، وضمانة هذه التقاليد الصالحة من أن يقول فيها كل امرىء برأيه وبتصوره ، زاعما أن هذا هو الخير والمعروف والصواب !

والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - من ثم - تكليف ليس بالهين ولا باليسير ، إذا نظرنا إلى طبيعته ، وإلى اصطدامه بشهوات الناس ونزواتهم ، ومصالح بعضهم ومنافعهم ، وغرور بعضهم وكبريائهم . وفيهم الجبار الغاشم . وفيهم الحاكم المتسلط . وفيهم الهابط الذي يكره الصعود . وفيهم المسترخي الذي يكره الاشتداد . وفيهم المنحل الذي يكره الجد . وفيهم الظالم الذي يكره العدل . وفيهم المنحرف الذي يكره الاستقامة . . وفيهم وفيهم ممن ينكرون المعروف ، ويعرفون المنكر . ولا تفلح الأمة ، ولا تفلح البشرية ، إلا أن يسود الخير ، وإلا أن يكون المعروف معروفا ، والمنكر منكرا . . وهذا ما يقتضي سلطة للخير وللمعروف تأمر وتنهى . . وتطاع . .

ومن ثم فلا بد من جماعة تتلاقى على هاتين الركيزتين : الإيمان بالله والأخوة في الله . لتقوم على هذا الأمر العسير الشاق بقوة الإيمان والتقوى ثم بقوة الحب والألفة ، وكلتاهما ضرورة من ضرورات هذا الدور الذي ناطه الله بالجماعة المسلمة ، وكلفها به هذا التكليف . وجعل القيام به شريطة الفلاح . فقال عن الذين ينهضون به :

( وأولئك هم المفلحون ) . .
إن قيام هذه الجماعة ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته . فهذه الجماعة هي الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية . هو الوسط الخير المتكافل المتعاون على دعوة الخير . المعروف فيه هو الخير والفضيلة والحق والعدل . والمنكر فيه هو الشر والرذيلة والباطل والظلم . . عمل الخير فيه أيسر من عمل الشر . والفضيلة فيه أقل تكاليف من الرذيلة . والحق فيه أقوى من الباطل . والعدل فيه أنفع من الظلم . . فاعل الخير فيه يجد على الخير اعوانا . وصانع الشر فيه يجد مقاومة وخذلانا . . ومن هنا قيمة هذا التجمع . .

إنه البيئة التي ينمو فيها الخير والحق بلا كبير جهد ، لأن كل ما حوله وكل من حوله يعاونه . والتي لا ينمو فيها الشر والباطل إلا بعسر ومشقة ، لأن كل ما حوله يعارضه ويقاومه .

والتصور الإسلامي عن الوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص . . يختلف في هذا كله عن التصورات الجاهلية اختلافا جوهريا أصيلا . فلا بد إذن من وسط خاص يعيش فيه هذا التصور بكل قيمه الخاصة . لا بد له من وسط غير الوسط الجاهلي ، ومن بيئة غير البيئة الجاهلية .

هذا الوسط الخاص يعيش بالتصور الإسلامي ويعيش له ؛ فيحيا فيه هذا التصور ، ويتنفس أنفاسه الطبيعية في طلاقة وحرية ، وينمو نموه الذاتي بلا عوائق من داخله تؤخر هذا النمو أو تقاومه . وحين توجد هذه العوائق تقابلها الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وحين توجد القوة الغاشمة التي تصد عن سبيل الله تجد من يدافعها دون منهج الله في الحياة .

هذا الوسط يتمثل في الجماعة المسلمة القائمة على ركيزتي الإيمان والأخوة . الإيمان بالله كي يتوحد تصورها للوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص ، وترجع إلى ميزان واحد تقوم به كل ما يعرض لها في الحياة ، وتتحاكم إلى شريعة واحدة من عند الله ، وتتجه بولائها كله إلى القيادة القائمة على تحقيق منهج الله في الأرض . . والأخوة في الله . كي يقوم كيانها على الحب والتكافل اللذين تختفي في ظلالهما مشاعر الأثرة ، وتتضاعف بهما مشاعر الإيثار . الإيثار المنطلق في يسر ، المندفع في حرارة ، المطمئن الواثق المرتاح .

وهكذا قامت الجماعة المسلمة الأولى - في المدينة - على هاتين الركيزتين . . على الإيمان بالله : ذلك الإيمان المنبثق من معرفة الله - سبحانه - وتمثل صفاه في الضمائر ؛ وتقواه ومراقبته ، واليقظة والحساسية إلى حد غير معهود إلا في الندرة من الأحوال . وعلى الحب . الحب الفياض الرائق ، والود . الود العذب الجميل ، والتكافل . التكافل الجاد العميق . . وبلغت تلك الجماعة في ذلك كله مبلغا ، لولا أنه وقع ، لعد من أحلام الحالمين ! وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة ، ولكنها في طبيعتها أقرب إلى الرؤى الحالمة ! وهي قصة وقعت في هذه الأرض . ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد والجنان !

وعلى مثل ذلك الإيمان ومثل هذه الأخوة يقوم منهج الله في الأرض في كل زمان .

ومن ثم يعود السياق فيحذر الجماعة المسلمة من التفرق والاختلاف ؛ وينذرها عاقبة الذين حملوا أمانة منهج الله قبلها - من أهل الكتاب - ثم تفرقوا واختلفوا ، فنزع الله الراية منهم ، وسلمها للجماعة المسلمة المتآخية . . فوق ما ينتظرهم من العذاب.
( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم )
7
:: كشكول الأيام :: / رد: من الماضي والحاضر.
« آخر مشاركة بواسطة جواد في 2024-12-22, 11:27:53 »
-7-

{وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (55)

يقول سيد قطب رحمه الله:

ذلك وعد الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمة محمد [صلى الله عليه وسلم] أن يستخلفهم في الأرض. وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم. وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا.
 ذلك وعد الله . ووعد الله حق . ووعد الله واقع . ولن يخلف الله وعده . . فما حقيقة ذلك الإيمان؟ وما حقيقة هذا الاستخلاف؟

إن حقيقة الإيمان التي يتحقق بها وعد الله حقيقة ضخمة تستغرق النشاط الإنساني كله ؛ وتوجه النشاط الإنساني كله.
فما تكاد تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط وبناء وإنشاء موجه كله إلى الله ؛ لا يبتغي به صاحبه إلا وجه الله ؛ وهي طاعة لله واستسلام لأمره في الصغيرة والكبيرة ، لا يبقى معها هوى في النفس ، ولا شهوة في القلب ، ولا ميل في الفطرة إلا وهو تبع لما جاء به رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من عند الله.

فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله، بخواطر نفسه، وخلجات قلبه. وأشواق روحه ، وميول فطرته ، وحركات جسمه ، ولفتات جوارحه ، وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس جميعا . . يتوجه بهذا كله إلى الله.
يتمثل هذا في قول الله سبحانه في الآية نفسها تعليلا للاستخلاف والتمكين والأمن : (يعبدونني لا يشركون بي شيئا) والشرك مداخل وألوان ، والتوجه إلى غير الله بعمل أو شعور هو لون من ألوان الشرك بالله .

ذلك الإيمان منهج حياة كامل ، يتضمن كل ما أمر الله به ، ويدخل فيما أمر الله به توفير الأسباب ، وإعداد العدة ، والأخذ بالوسائل ، والتهيؤ لحمل الأمانة الكبرى في الأرض . . أمانة الاستخلاف . .

فما حقيقة الاستخلاف في الأرض؟

إنها ليست مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم . . إنما هي هذا كله على شرط استخدامه في الإصلاح والتعمير والبناء ؛ وتحقيق المنهج الذي رسمه الله للبشرية كي تسير عليه ؛ وتصل عن طريقه إلى مستوى الكمال المقدر لها في الأرض ، اللائق بخليقة أكرمها الله .

إن الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح، لا على الهدم والإفساد . وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة ، لا على الظلم والقهر . وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري ، لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان !

وهذا الاستخلاف هو الذي وعده الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات . . وعدهم الله أن يستخلفهم في الأرض - كما استخلف المؤمنين الصالحين قبلهم - ليحققوا النهج الذي أراده الله ؛ ويقرروا العدل الذي أراده الله ؛ ويسيروا بالبشرية خطوات في طريق الكمال المقدر لها يوم أنشأها الله . .
فأما الذين يملكون فيفسدون في الأرض ، وينشرون فيها البغي والجور ، وينحدرون بها إلى مدارج الحيوان . . فهؤلاء ليسوا مستخلفين في الأرض . إنما هم مبتلون بما هم فيه ، أو مبتلى بهم غيرهم ، ممن يسلطون عليهم لحكمة يقدرها الله .

آية هذا الفهم لحقيقة الاستخلاف قوله تعالى بعده : (وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم) . . وتمكين الدين يتم بتمكينه في القلوب ، كما يتم بتمكينه في تصريف الحياة وتدبيرها .
فقد وعدهم الله إذن أن يستخلفهم في الأرض ، وأن يجعل دينهم الذي ارتضى لهم هو الذي يهيمن على الأرض . ودينهم يأمر بالإصلاح ، ويأمر بالعدل ، ويأمر بالاستعلاء على شهوات الأرض . ويأمر بعمارة هذه الأرض ، والانتفاع بكل ما أودعها الله من ثروة ، ومن رصيد ، ومن طاقة ، مع التوجه بكل نشاط فيها إلى الله .

(وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) . . ولقد كانوا خائفين ، لا يأمنون ، ولا يضعون سلاحهم أبدا حتى بعد هجرة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] إلى قاعدة الإسلام الأولى بالمدينة .

قال الربيع بن أنس عن أبي العالية في هذه الآية : كان النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده ، وإلى عبادته وحده بلا شريك له ، سرا وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال ؛ حتى أمروا بعد الهجرة إلى المدينة ، فقدموها ، فأمرهم الله بالقتال ، فكانوا بها خائفين ، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح ؛ فصبروا على ذلك ما شاء الله . ثم إن رجلا من الصحابة قال : يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عليه وسلم - " لن تصبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم ليست فيه حديدة " .

وأنزل الله هذه الآية ، فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب ، فأمنوا ووضعوا السلاح . ثم إن الله قبض نبيه [ صلى الله عليه وسلم ] فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان . حتى وقعوا فيما وقعوا فيه ، فأدخل الله عليهم الخوف ؛ فاتخذوا الحجزة والشرط ، وغيروا فغير بهم . .

(ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) . . الخارجون على شرط الله . ووعد الله . وعهد الله . .

لقد تحقق وعد الله مرة . وظل متحققا وواقعا ما قام المسلمون على شرط الله : ( يعبدونني لا يشركون بي شيئا ) . . لا من الآلهة ولا من الشهوات . ويؤمنون - من الإيمان - ويعملون صالحا .
ووعد الله مذخور لكل من يقوم على الشرط من هذه الأمة إلى يوم القيامة. إنما يبطى ء النصر والاستخلاف والتمكين والأمن . لتخلف شرط الله في جانب من جوانبه الفسيحة ؛ أو في تكليف من تكاليفه الضخمة ؛

حتى إذا انتفعت الأمة بالبلاء ، وجازت الابتلاء ، وخافت فطلبت الأمن ، وذلت فطلبت العزة ، وتخلفت فطلبت الاستخلاف . . كل ذلك بوسائله التي أرادها الله ، وبشروطه التي قررها الله . . تحقق وعد الله الذي لا يتخلف ، ولا تقف في طريقه قوة من قوى الأرض جميعا.


إن وعد الاستخلاف هنا نتيجة لا غاية. فمن تحققت فيه العبودية لله وحده أتاه وعد الله بالاستخلاف.
فمن السهل على من التبست عليه الغاية أن يقع في الظن بالأسباب أنها تحقق له النتيجة. وقد تختلط صورة هذه النتيجة في أذهاننا ببهرجة الدنيا فتصبح غايتنا دون أن ندري.
فنحن مطالبون بإقامة الدنيا على منهاج الله لأن هذا ما أمرنا الله به، لا حبا في الدنيا ولا رغبة في البقاء فيها إلا بقدر إقامتنا لأمر الله فيها.

وقد يبدو أنه لا يوجد فرق كبير بين السعي لإقامة الدنيا على مراد الله وبين إعلاء كلمة الله في الأرض وتحقيق العبودية الحقة لله وحده سبحانة.

لكن المتدبر لآيات القرآن يستشعر هذا الفصل بين الأمرين، وكأنه درس تربوي يضبط تصوراتنا عن الإيمان والاستخلاف.

{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ} (9) {يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ} (10)
{تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (11) {يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّـٰتِ عَدۡنٖۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} (12)
{وَأُخۡرَىٰ تُحِبُّونَهَاۖ نَصۡرٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتۡحٞ قَرِيبٞۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (13)


فالغاية من إرسال الرسل بالهدى هي إظهار دين الحق وإعلاء سلطان الله فلا ينازعه في الأمر أحد. وهذه هي التجارة الرابحة التي عرضت على المؤمنين، وجاء البيان العملي لها.
- إيمان بالله ورسوله وجهاد في سبيل الله بالمال والنفس
والجزاء: غفران الذنوب ودخول الجنة.

ثم يأتي النصر والفتح كجزاء ثانوي. (وأخرى)!
والصياغة هنا عجيبة! فقد وعد الله المؤمنين الاستخلاف في الأرض وتمكين الدين، فلماذا تأتي كأخرى، ولماذا جاء وصف الجنة قبلها من مجاري الأنهار والمساكن الطيبة؟

أحسب أن ذلك حتى لا تختلط الغاية في نفوس المؤمنين (إظهار الدين) وجزاء الجنة ونعيمها، بالنتيجة التي قدرها الله (النصر والفتح) وما يتبعه من انفتاح الدنيا.

وبهذا يمكننا أن نفهم تسلسل الأحداث، من إعداد العقيدة في مكة وترعرع الإيمان ونواة الدولة في المدينة ثم انطلاق الفتوح الإسلامية إلى كل بقاع الأرض بعد ذلك.

فالصديق رضي الله عنه لم يوجه أولويات الدولة تجاه بناء العمران والتقدم العلمي لتقديم نموذج حضاري ينافس به الروم والفرس في حضارتهم.
ولم يدخل ربعي بن عامر على رستم وهو يحمل أكثر الآلات تقدما في زمانه!
بل كانت رسالته لرستم في غاية الوضوح. "لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”

وهذا لا يعني أن المسلمين غير معنيين بالحضارة المادية وعلومها. وإنما تأتي الحضارة المادية كنتاج طبيعي لحركة المجتمع المسلم في سعيه لإعلاء كلمة الله في الأرض. ومنضبطة بتصور المسلم عن الكون والحياة.

فالمسلم يسير في هذه الدنيا بمنهاج الله في كل صغيرة وكبيرة في حياته. فيعمل يده في الكون ليحقق غاية وجوده فيه. لا رغبة في ثمرة هذا الكون لذاتها. فهو كون زائل في النهاية مهما أبدع البشر فيه.
وهذا معنى الاستخلاف على الحقيقة.
8
:: كشكول الأيام :: / رد: من الماضي والحاضر.
« آخر مشاركة بواسطة جواد في 2024-12-21, 05:02:24 »
-6-

عن جابر بن عبد الله الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ يحدث عن بيعة العقبة الثانية فيقول: ( مكث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمكة عشر سنين، يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنى، يقول: من يؤويني، من ينصرني، حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟،

حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش، لا يفتنك، ويمشي بين رحالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويناه، وصدقناه، فيخرج الرجل منا، فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإِسلام، ثم ائتمروا جميعاً، فقلنا: حتى متى نترك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُطرد في جبال مكة ويخاف؟،

فرحل إليه منا سبعون رجلاً، حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله! علام نبايعك؟، قال: على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة،

قال: فقمنا إليه، فبايعناه، وأخذ بيده ابن زرارة ـ وهو من أصغرهم ـ فقال: رويداً يا أهل يثرب! فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جُيَيْنة، فبينوا ذلك، فهو عذر لكم عند الله، قالوا: أمط عنا يا سعد! فوالله لا ندع هذه البيعة أبداً، ولا نسلبها أبداً، قال: فقمنا إليه، فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة
) رواه أحمد

شاء الله سبحانة وتعالى أن يكون الأنصار مضرب المثل في إقامة صرح الأمة كما شاء للمهاجرين أن يكونوا الأساس الذي قام عليه هذا الصرح العظيم.
وفي بيعة العقبة الثانية وما تبعها من أحداث الهجرة ثم أمور بناء الدولة الإسلامية الأولى وحتى عهد الخلفاء الراشدين المثال الراشد للأمة والقدوة الباقية للمسلمين إلى يوم الدين.

والمتأمل لحديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- يجد محاور أساسية في تلك اللحظة الفارقة في تاريخ البشر.

١- الوعد والغاية الكبرى هي الجنة. لم يعدهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأي شيء في الدنيا، لا ملك ولا رفاهية في عيش ولا استقرار ولا راحة.
والأنصار فهموا ذلك وأدركوه تماما. وهو ما ظهر في كلام ابن زرارة -رضي الله عنه- حين وصف لهم ما يترتب عليه قرارهم هذا من مفارقة العرب كافة وقتل خيارهم وأن تعضهم السيوف!
فالطريق واضح في أذهان الجميع، والقصد هو الجنة لا غير.

٢- المسلم يبحث عن إقامة دين الله في الأرض، وتبليغ رسالته للعالمين. لا عن حياة الدعة والاستمتاع بالدنيا وان كانت حلالا.
فالأنصار هم من جاءوا للرسول يطلبون العمل والتكليف. ولهذا صاروا منارة للمسلمين على مر الزمان. فلا تقوم الأمة إلا على أكتاف المبادرين للعمل، والمضحين في سبيل الله بالغالي والنفيس.

٣- إن تحقيق العبودية لله في الأرض لا يقوم إلا من خلال هذا الطريق الشاق. السمع والطاعة لله ولرسوله في النشاط والكسل، وعلى النفقة في سبيل الله في العسر واليسر، وعلى قول الحق مهما كان الظرف.
هذا الوضوح في الرؤية يخلع عن أذهان الناس التعلق بالدنيا. ويوضح لهم طبيعة المعركة المتعلقة بإقامة الدين في أي زمان ومكان. والثمن هو الجنة. فلا تعلق بالدنيا ولا شغف بتحصيلها أو الإصابة منها.

لكن السؤال هنا، ألم تفتح الدنيا على الصحابة بعد ذلك بسنوات؟ وبخاصة في خلافة الفاروق رضي الله عنه.

نعم. وكانت الدنيا سببا في انحراف الأمة عن المسار الصحيح بعد فترة الحكم الراشد. فالنفس البشرية جبلت على حب الاستمتاع بالدنيا وحب الاستقرار فيها والتنعم بخيراتها.
ولهذا كانت الدنيا من أكبر الفتن للمسلمين. ففي اللحظة التي يتعلق فيها قلب المسلم بالدنيا (وإن كانت حلالا)، يصعب عليه التضحية بها، ويركن إلى طول الأمد فيها.

هي معادلة صعبة حقا، وهذا هو الاختبار الذي يخوضه المسلم في كل لحظة وكل قرار في حياته.
فالدنيا هي أداة في يد المسلم لإعانته على تبليغ رسالة الله للعالمين، وإعلاء كلمة الله في الأرض فوق أي سلطان آخر.
هذه المعركة المستمرة هي الاختبار بعينة. فإذا ما حسمت هذه المعركة فهي أذان بزوال الدنيا ونهاية العالم. فقد انتهى الاختبار إذن.

فإذا ما وعي المسلم هذه الحقيقة، شغل نفسه بالمعركة والتجهيز لها والخوض فيها وتجنب فتنتها، لا بما يتبعها من تصور لراحة الناس في الدنيا في ظل حكم الإسلام.

وقد جاءت سورة الأنفال لتوضح هذا المعنى الدقيق للغاية. لأن الجدال المستمر في أن تحصيل الدنيا الحلال لا بأس فيه وأنه للاستعانة على قيام أمور الأمة، وهذا صحيح بالفعل إن لم يصبح هو الغاية في ذاته.

وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7)

إنها إعادة لضبط البوصلة وتصحيح الوجهة والمسار. فالله سبحانه وتعالى يريد أن تخلص نفوس الفئة المؤمنة لمعركة العقيدة، لا يصرفها عنها أي شيء آخر.
وقد نزلت الآية في وصف حال المؤمنين قبل غزوة بدر حين خرجوا ابتداءا قاصدين قافلة قريش (غير ذات الشوكة)، فقد كانت فرصة لاستعادة جزء من أموال المهاجرين المنهوبة من قبل قريش في مكة.
وقد كانت فرصة للتقوي بهذا المال على إقامة أحوال المؤمنين في الدولة المسلمة الناشئة في المدينة وقد كانت أحوج ما تكون إلى هذا المال.

لكن لا!. أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين للمؤمنين في كل زمان ومكان حقيقة المعركة في هذه الدنيا، ويربي نفوسهم على حقائق الإيمان والاعتقاد به وحده.

هذا أول احتكاك مباشر بين الحق والباطل، فلابد أن يستقر في قلوب المؤمنين هذا التصور عن الدنيا وعن حركتهم فيها لإقامة دين الله في الأرض.
فالقلة المؤمنة الضعيفة في قوتها وعتادها وجاهزيتها لا تنتصر بأسباب الدنيا، وإنما تأخذ بما استطاعته من أسباب لأن الله أمرها بذلك، دون تعلق بهذه الأسباب وجاهزيتها.

فالنصر من الله وحده، والغاية هي إعلاء كلمة الله وإخضاع كل ما في الأرض لشريعة الله وسلطانه وحده. وتحرير الإنسان من الجاهلية. والجزاء هو الجنة.
فإذا ما استقر هذا المعنى في قلوب المؤمنين، صار لهم وقاية من الدنيا، وصفيت أذهانهم من التشتت في الانشغال الشديد بها فوق الطاقة. وهذا ما يتطلبه طريق الجهاد الطويل.
9
:: كشكول الأيام :: / رد: من الماضي والحاضر.
« آخر مشاركة بواسطة جواد في 2024-12-11, 09:36:42 »
ما شاء الله
كتابات جميلة
فتح الله عليك ونفع بك


وإياكم، آمين.
بارك الله بكم وحفظكم.
10
:: بيت العيلة :: / رد: كيف نربي أبناءنا ؟!!! ( دعوة للنقاش )
« آخر مشاركة بواسطة جواد في 2024-12-11, 09:35:51 »
رجعت لهذا الموضوع الذي أحتاج كثيرا أن نعيد فتحه مرة أخرى وأنظر الآن إلى ابني الذي كنت أتحدث عنه في البداية ها هو اقترب من عامه الحادي عشر ومراحل مختلفة مررنا بها ولكن كل تخوفنا وهو كيف أجعل قلبه معلقا بالقرآن لا بالدنيا واللعب كيف أجعله يتحكم في نفسه وهواه وليس أن يتحكم فيه هواه

هل لديكم إجابة ؟

بالحب
حب الله وحب رسوله والتعلق به

يجب أن نعيد شيئا من التربية الصوفية التي افتقدناها بسبب خوفنا من البدع والانحرافات، فصار التدين عندنا جافا شاقا لا نداوة فيه ولا جاذبية
يجب ان نعيد احياء مشاعر الحب والتعلق والارتباط وفق منهج المربين الربانيين المستمد من الكتاب والسنة


نعم والله. فالقلوب إن تعلقت بالله ورسوله هان عليها أي شيء آخر.
صفحات: [1] 2 3 ... 10