1
:: كشكول الأيام :: / رد: من الماضي والحاضر.
« آخر مشاركة بواسطة جواد في 2025-01-22, 08:52:54 »-13-
إن كانت غاية المؤمن في حياته هي الجنة، فإن الرسول وصحابته الكرام قدوته للوصول إليها. وقد كانت حياة الصحابة جهادا عمليا لا ينقطع، فلا يستقيم للمؤمن أن يكون ممن يخالف فعله قوله. وهي نقطة فارقة في زماننا هذا.
لقد ابتلينا في العقود الأخيرة بكثرة الكلام وقلة العمل، ولعل هذا نتاج النظام التعليمي الذي يعتمد بالأساس على الأقوال والنظريات بأكثر من الأفعال الحقيقية.
فنجد مثلا أساتذة في الاقتصاد لا يجرؤون على ممارسة أي عملية اقتصادية على أرض الواقع! على الرغم من مراكزهم العلمية ومخرجاتهم البحثية التي يتباهون بها في كل مجلس.
وحتى لا يؤخذ الكلام في غير سياقه، فما كان ذلك ليكون مشكلة كبيرة في ذاته إذا توفر أمران مهمان:
١- أن تختبر تلك النظريات والأطروحات عمليا بمشاركة فعلية وواقعية ممن قاموا عليها.
٢- أن يكون تطبيق مباشر لمثل هذه النظريات في أرض الواقع، وإعادة تقييم مستمرة بعد تفاعل النظرية مع واقع الناس.
وواقعنا كمسلمين يدل على أننا أبعد ما يكون عن ذلك. فالغالبية اكتفت بالشق التنظيري والأكاديمي وهي تعلم بمدى احتياج الواقع للشق العملي. وأن النظرية نفسها لا تستقيم بدون اختبار عملي.
والحجة هنا أنهم غير مسؤولين عن فعل كل شيء! وأنهم أدوا ما عليهم من دور. وهذا برأيي فهم مغلوط للدين.
فالمؤمن لا يتعامل مع قضايا أمته من منظور رغبته الشخصية ومنطقة راحته! فكأنما هو موظف لا يهتم إلا بالعمل الموكل إليه بناءا على ما تعلمه في حياته.
بل نجده فيما تفتقد الأمة من أمور. فتجرده لله أعلى مما تهواه نفسه وتحب.
عن زيد بن ثابت قال: أَمَرَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ أَتَعَلّمَ لَهُ كَلِمَاتٍ مِنْ كِتَابِ يَهُودَ وَقالَ إِنّي وَالله مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي، قالَ فَمَا مَرّ بي نِصْفُ شَهْرٍ حَتّى تَعَلّمْتُهُ لَهُ.
لكن النفس قد تزين إلينا أعمالا تحبها وتجد متعتها العقلية فيها، فنبحر فيها ونزداد منها تحت شعار أنه عمل عظيم للأمة -وقد يكون كذلك فعلا بضوابط معينة- إلا أن يتحول إلى غاية في ذاته دون اعتبار لما يحتاجه واقع أمتنا.
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ} (2) {كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ} (3) {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ} (4)
قال علي بن طلحة عن ابن عباس قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله عز وجل دلنا على أحب الأعمال إليه، فنعمل به،
فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به. فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين، وشق عليهم أمره.
والجهاد ليس بالضرورة أن يكون بالسيف. فالجهاد يحتاج إلى إعداد في كل نواحي الحياة يسبق مرحلة الصدام بالسيف. وقد قدم الجهاد بالمال على النفس في كثير من المواضع في القرآن.
والجهاد بالمال كذلك ليس بالضرورة أن يكون إنفاقا للمال، وإنما أولا إنفاق الوقت والجهد في سبيل الله، وهو ما قد يؤثر على كسب المال ويضع المؤمن في اختبار ضيق العيش.
والمتابع لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة وقت الهجرة وبداية دولة المسلمين في المدينة، يجد هذا المعنى متجسدا في كل موقف.
فالمؤمنون في حاجة، وأبعد ما يكونون عن استقرار العيش أو رفاهية الحياة، وهم على الرغم من هذا يبذلون جل أوقاتهم وأعمالهم عملا لدين الله!
فالمؤمن يدرك أن متطلبات الحياة لا تنتهي، وأن عليه أن يضع حدا للانشغال بالدنيا وتحصيلها حتى لا تضيع حياته في اللهث ورائها.
وبالتالي فهو يتخلص من الحمل الزائد للدنيا طالما يقعده عن العمل لدين الله. فإن كان في بلد مرهقة في تكاليف المعيشة انتقل إلى بلد آخر، وإن كان التعليم في الجامعات العالمية يثقله انتقى البدائل التي تغنيه عن ذلك.
أما الرغبة في مجاراة حياة عموم الناس ثم الشكوى بأن تكاليف الحياة لا تدع مجالا للمخاطرة بالوظيفة المرموقة التي تقتل الوقت وتشتت الجهد، فهي خدعة أخرى من الشيطان ليبرر لنا القعود عن العمل.
وعلى المؤمن أن يتحلى بالقناعة فلا يشقي نفسه بالرغبة في تحصيل كل شيء! وهذا يتطلب جرأة في العزيمة وإيمانا قويا يحسم مخاوف النفس وميولها لما في دنيا الناس.
والمؤمن كذلك يدرك أنه هو المسؤول عن هذه الدنيا، وأن عليه أن يسخر مهاراته وإمكاناته التى أكرمه الله بها في العمل لله، سواء كان هذا العمل ما يحبه ويهواه أو غير ذلك.
فالعبرة هنا بما تحتاجه الأمة، لا برغباتنا الشخصية.
فلا يستقيم أبدا أن يظل المسلمون يتحدثون عن تصورات المجتمع الإسلامي والنظم الإسلامية، ثم هم لا يتحركون على الواقع لتحقيق هذه التصورات بخطوات فاعلة، وليس مجرد دروس وعظات !
فإذا كان هم الجميع هو نشر الوعي، فمن سينفذ ويطبق؟
وقد يكون مبرر القعود هنا الضعف وقلة الموارد، فنحن ماهرون جدا في رسم صور ضخمة لا نتصور تنزيلها على الواقع مع كل التحديات التي نراها حولنا.
فكيف نتحاشى الإنزلاق في فخ التنظير الذي لا يتبعه عمل؟
وهنا عدة نقاط هامة يجب الانتباه لها.
١- مثالية التصور قد تورث احباطا وتقعد الإنسان عن العمل حين يرى ضخامة الفجوة بين واقعنا وبين الصورة المرجوة.
٢- من يتنظر أن يخبره أحد بما يتوجب عليه فعله يحتاج أن يراجع نفسه، فالقلب المشغول بالإسلام لا يطيق العيش دون العمل له.
٣- المبالغة في التجهيز والإعداد تقتل العزيمة. فيجب الانتباه من فخ الإعداد الذي لا يواكبه عمل، وقد يتحول طول الإعداد إلى مخدر يضيع الجهود بدلا من الاستفادة منها.
٤- من لا يريد إلا عملا يحبه ويوافق ميوله قد يفسد العمل ويضيعه. وعليه أن يراجع نيته ويربي نفسه على التجرد للغاية لا الركون إلى ما تحب.
٥- الموارد كلمة خادعة، ومدخل كبير للتقاعس عن العمل في ظل دنيا تحاصرنا من كل حدب وصوب. فما يمكن عمله بمواردنا اليوم أكبر بكثير مما نتصور.
٦- التحزب لفكرة أو جماعة أو شخص يمنع عن المؤمن الكثير من الخير، وسلامة الصدر تجاه المسلمين من أساسيات الإيمان.
٧- النفس هي العدو الأول، والدنيا هي سلاحها الأمضى، وهما التحدي الأكبر للمؤمن في حياته.
٨- التكاتف مع المؤمنين العاملين ومحاولة تنسيق الجهود معهم يتطلب جهادا للنفس، وهو مدعاة للبركة بإذن الله.
٩- الاعتناء بالأولويات والأعمال التأسيسية للأمة من جانب تطبيقي سريع مقدم على ما سواها من الأعمال التي قد تأتي بعد ذلك.
١٠- الفهم الصحيح لمعركتنا في الحياة ووضع الغاية والتصور الإسلامي نصب الأعين يصحح المسارات ويضبط الأعمال على مراد الله بإذن الله.
-- يتبع إن شاء الله.