-
هنا تجدون الموضوع الأساسي "على درب الحياة والقرآن مشكاتي" مشاركاته التي تحوي عن سورتي الفاتحة والبقرة :
http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?topic=6340.0
-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12687;image)
وهكذا مع القرآن ... وكما عرفنا.. فإن أخذه أجزاء متفرقة ليس هو غاية فهمه ولا غاية بلوغ مراميه، ولا غاية استشعار رسالته حركة في الجَنان تُترجم حركة على الأرض، وعيشا به على الأرض ...
عرفنا كيف أنّ لاختلاف ترتيب النزول عن ترتيب المصحف حكمة، فمع كون كليهما توقيفي من عند الله تعالى، كان لترتيب النزول في زمانه تربية وهداية ناسبتا زمن النزول على قوم ما كانوا يفقهون عن التوحيد وإفراد الله بالعبادة شيئا، كما كان لترتيب المصحف هداية وتربية تناسبان زمانا طرأت فيه على الأمة طوارئ وأحداث وتقلبات وزلات وسقطات يعالجها ترتيب المصحف معالجة تُرقَب من المضيّ بين ثناياه والتقدم بمشكاته على درب الحياة خطوة إثر خطوة تقدّم الأولى عن الثانية والثانية عن الثالثة، لتُمنهِج السير وتنظّمه وتُحكِم الحركة فلا تكون عن عمى ولا عن جهل ولا عن خبط، بل عن فهم للغاية من الوجود والإيجاد، وللغاية من الكون والكينونة .
أحاول من خلال هذه النظرة للقرآن الكريم، أن نقرأه سويا سلسلة مترابطة، تسُوقنا فيها الآية إلى الآية والقطاع من الآيات إلى القطاع الآخر منها، والسورة إلى السورة ...
أحاول أن نقرأه سلسلة مترابطة، عقدا منتظمَ الحبات، يبلّغنا الرسالة الربانية كلا متكاملا، لا ينفصل الجزء منها عن الجزء : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ..." –البقرة: من الآية208- فلا يدّعينَّ دعيٌّ أنّه يُؤخذ بهذا الجزء منه، ولا يؤخَذ بالآخر ... كما لا يبقى قارئه ومتدبّره في قوقعة القراءة المجزّأة وحدها والفهم المجزّأ وحده ... وفي ذلك بيان فوق البيان لإعجاز القرآن العظيم، وزيادة في الاعتقاد بربانيّة مصدره، وتفرّده عن كل كلام، ونحن نلمس ترابطه وتماسك أطرافه، وتسلسل سياقاته، واتساق معانيه.
نواصل المسير على درب الحياة والقرآن لنا مشكاة ...
ومن "البقرة" نحو "آل عمران" ...
عرفنا أن البقرة سورة المنهج ... عرفنا كيف ونحن نفتتح (الفاتحة) بدعاء الله أن يهدينا الصراط المستقيم، لا نلبث إلا قليلا حتى تجيبنا الآيات الأولى من "البقرة" أن الهُدى الذي نسأله من الله هو في هذا الكتاب، ومنها يعرّفنا سبحانه بأصناف الناس، ثم يدعوهم جميعا لعبادته، ويبين لهم أن الغاية من إيجادهم الاستخلاف في الأرض، فيعرض لهم النموذج الفاشل فيه ليحيدوا عن سبيله، والنموذج الناجح فيه ليحذوا حذوه ... ومن ثمة يعرّف عبده بمنهجه الذي أنزل ليعيش به في مناحي الحياة المختلفة شاملا كاملا عارفا بالنفس وحاجاتها وتقلباتها ...
وقبل أن نلِج سورة آل عمران ... لنرقُب نهايات البقرة... لنرقُب ما تقدّمه في نهاياتها لبدايات آل عمران :
قد جاء في أواخر البقرة الحثّ على الإنفاق في سبيل الله لتحرير الإنسان من ربقة المال، مما يناسب كل المناسبة التذكير الدائم لإنسان عصر المادة، عصر يأكل فيه المال القلوب، ويغشاها ويحول دونها ودون ذكر الله، فجاء تحريم الربا، وأسِّس لقانون التداين ...
-
1- وكما بدأت البقرة بذكرها أول ذكرها لصفات المؤمنين : " الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3) والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4) أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(5)". تختم بذكرها لصفات المؤمنين إيمانا تاما يقضي بالإيمان بكل الكتب، وبكل الرسل. "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ "
2-وهو إيمان يؤدي إلى تطبيق المنهج كما أمر الله أن يُطبّق، ذلك أن حال هذا المؤمن سمع وطاعة "وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(285) ".
3- إلا أن بالإنسان نقصا ملازما لا يكمّله إلا الفضل من الله تعالى :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12528;image)
إذن فالخروج من سورة البقرة... من سورة المنهج ليس كدخولها ...
وهذه نهاياتها تبيّن لنا أيَّ إنسان يغدو مَن تسوّر البقرة ولم يكتفِ بالمرور عليها حروفا تُهجى ...
هذا المؤمن الذي آمن بالله وملائكته، وبكل كتبه، وبكل رسله يُعلن السمع والطاعة لله مُنزِل المنهج ... السمع لما يأمر والطاعة بالائتمار .
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12669;image)
فيدخل آل عـــــمران :
هي ذي المنزلة الثانية من منازل هذا الكتاب العظيم ... هو ذا المؤمن الذي عرف المنهج، وعرف الغاية من وجوده، يدخل هذه المنزلة مؤمنا، سامعا، مطيعا، مستغفرا، مكمّلا ما به من نقص بسؤال الفضل من الله، مستنصرا الله على القوم الكافرين.
الم(1) اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ(2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ(3) مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ(4) إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء(5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(6) هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ(7) رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ(8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ(9)
الم(1) اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ(2)
ونحن هنا ليس مقامنا أن نقف عند الآيات موقف تفسير للمعاني، بقدر ما نقف موقف النظر في ترابطها من حيث السياق، ومن حيث ما سبقها وما يليها، ومن حيث تنقلاتنا بين المنازل خطوة إثر خطوة على درب الحياة ...
فلا يحتاج الأمر أن نكرّر ما نجده في مختلف التفاسير حول الحروف المقطعة في القرآن الكريم من مثل "ألم" والتي يبقى تأويل معناها الصحيح عند الله تعالى .
لننظر بداية آل عمران : " اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ(2)"
وقد عرفنا افتتاح البقرة بـ : "ذلك الكتاب لا ريب" فنلاحظ افتتاحها عن الكتاب، وقد كانت سورة المنهج الذي أنزله الله تعالى في هذا الكتاب، بينما تُفتتح آل عمران بالله تعالى الحيّ القيّوم مُنزل ذلك الكتاب الحامل للمنهج.
ذلك المنهج المُحيي من عند الله الحيّ القيّوم.
-
كما عرفنا في سورة البقرة حديثا مُسْهَبا عن اليهود مثالا عن النموذج الذي فشل في الاستخلاف، وكانت شبهتهم حول الكتاب، أما النصارى فكانت شبهتهم حول الإله..وسنرى كيف تُسهب آل عمران عن النصارى .
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ(3) مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ
نعم إنه ذلك الكتاب الذي عرّفتك البقرة أنه لا ريب فيه هدى للمتقين.
لا ريب فيه ----> الحق -----> بالحق.
"مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ" من الكتب السماوية التي أنزل الله تعالى، وتأتي بعدها :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12671;image)
1- في مزيد بيان أنّ الذي بين يديه مجسَّد في التوراة والإنجيل.
2- وأنّ الذي أنزل تلك الكتب التي يصدقها القرآن هو الله الذي أنزل القرآن .
3- وهو ذا القرآن يُذكَر أولا ب"الكتاب" ثم يُثنّى بذكره هنا باسم "الفرقان" في مزيد بيان لدوره في التفريق بين الحق والباطل، وهي صفة الكتب السابقة له أيضا، ولكنه جاء ليفرّق بين الحقّ الذي حملتْه كما نزلت به، وبين باطل ألصِق بها بما حرّف أهل الكتاب منها، ونسبوه لله تعالى، بين حقها كما نزلت وبين ما أحدثه فيها المبطلون بتحريفها. وإن من أهم ما حرّفه أهل الكتاب قضية التوحيد، فنسبوا الألوهية لغير الله تعالى، نسبوها لبشر، كما فعل النصارى بقولهم أن الله ثالث ثلاثة، وأن عيسى ابن الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
4- وإن التوراة والإنجيل كانا من قبلُ هدى كما عرفنا تفصيلا في البقرة أن القرآن هدى، وأن المنهج الذي نزل فيه هدى .
فهو الإله الواحد سبحانه الذي نزّل الكتب بصفة واحدة (الهدى) لهدف واحد (الهداية)
-
دعونا ونحن نمشي الهُوينى نتأمل ... نتأمل بدايات هذه السورة لعلنا نقع على ما يحدد لنا صفة مميزة لها ... لعلنا نقع على محورها الذي تدور حوله ..
إنّ الدعوة إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة لتلوح ملامحها ...
فلنتأمل... هي ذي الآيات تستمر في ذكر الله الواحد الأحد الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم منزل القرآن وما قبله من كتاب هدى :
إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء(5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(6) هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ(7)
لا يخفى عليه شيء، فهو المحيط علما بما ظهر وبما خفي، بما جلّ وبما دقّ، بما كان وبما هو كائن، وبما سيكون...
هو المصوّر في الأرحام كيف يشاء، بالكيفية التي شاء أن تكون، والتي يشاء أن تكون ... ونذكر هنا تصويره سبحانه للإنسان في الرحم من بعد لقاء الذكر بالأنثى، كما نذكر تصويره له في الأرحام كيف شاء في عيسى عليه السلام دون لقاء ذكر بأنثى.
نتأمل التقدمة لهذه القصة الفريدة، لهذه المشيئة الربانية بإيجاد عيسى عليه السلام بتصويره كيف شاء على نحو مغاير لما سنّ سبحانه في الكون وفي الحياة .
فنربط ما جاء عن وصف القرآن بالفرقان في هذا المقام بالذات، ليكون فرقانا بين الحق الذي أنزل الله في كتبه، وبين ما أحدثه المبطلون بتحريفاتهم لكتب الله، وكان من أهمها باطلهم في ذات الله تعالى، حيث ألّهوا عيسى عليه السلام، وبين ذكره تعالى هنا لتصويره في الأرحام كيف يشاء.
وكما لاحظنا كيف أنّ توحيد الله يلوح من بدايات هذه السورة، فهذا قوله تعالى :
" لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ". ----->إشارة أخرى أنه وحده سبحانه الإله، وإشارة إلى تأويلات أهل الباطل بتأليه عيسى عليه السلام، وإلى تمام حكمته بخلقه له كيف شاء.
إسهاب حول المحكم والمتشابه
هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ(7) رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ(8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ(9)
ما نزال مع بدايات آل عمران، ومع ذكر الله تعالى، فمن إعلان تفرّده بالألوهية، إلى تنزيله الكتب هدى، إلى إحاطة علمه بكل شيء، إلى خلقه وتصويره في الأرحام كيف يشاء إلى التثنية بإعلان وحدانيته وعزّته وحكمته ...
والآن ... مع تخصيص الكتاب(القرآن) بتنزيل الله له بآيات محكمات وآيات متشابهات، فأما المُحكمات فإليها يُرد المعنى الأصلي الواضح الذي لا خلاف فيه ولا اشتباه، من مثل الأحكام والفرائض والحدود، وأما المتشابهات فهي التي لا تستقل بنفسها بل تحتاج إلى بيان، كما أنّ المحكم لا يحتمل إلا وجها واحدا، وتكون دلالته راجحة، والمتشابه يحتمل أكثر من وجه ودلالته غير راجحة، والمُحكمات هنّ أم الكتاب بمعنى أصلُه، أي أن الحكم الذي يُبنى عليه والفرض الذي يُقضى به ويُعتمد للتطبيق في الحياة يكون منها، كما تُردّ المتشابهات إليها، أي قد تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد.
فأما المؤوّلون أصحاب الزيغ والضلال فيتّبعون متشابهَه ابتغاء فَتْن المؤمنين وتشكيكهم في دينهم، وابتغاء تأويله تأويلا باطلا يوافق أهواءهم وحاجاتهم الخسيسة. بينما تأويل المتشابه على حقيقته التامة الكاملة الخالصة لا يكون إلا لله تعالى، فكان الوقف على لفظ الجلالة "الله" أوفق وأدق، ومن العلماء من قال بجواز الوقف على "الراسخون في العلم" ليُفهم أن الراسخين في العلم أيضا يعلمون تأويله، وإن كان التأويل التام لله وحده، من مثل علمه وحده بالساعة وبالروح، وبتأويل الحروف المقطعة .
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } . قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم ) . –صحيح البخاري-
فأهل الزيغ والضلال هم الذين يستمسكون بالمتشابه من آيات القرآن التي لا تُفهَم على حقيقتها إلا إذا رُدّت للمحكَم منها، بينما يقول المؤمنون : " آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ".
وللفخر الرازي كلام حَسَن في دور المتشابه إلى جانب المُحكَم أنقله هنا:
«أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب، ومنها: أن القرآن إذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل، وحينئذ يتخلص من ظلمة التقليد، ويصل إلى ضياء الاستدلال والبينة، أما لو كان كله محكما لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية، فحينئذ يبقى في الجهل والتقليد. ومنها أن اشتماله على المحكم والمتشابه يحمل الإنسان على تعلم علوم كثيرة كعلم اللغة والنحو وأصول الفقه وغير ذلك من أنواع العلوم، ومنها: أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ولا مشار إليه، ظن أن هذا عدم ونفى فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه، وبذلك يكون مخلوطا بما يدل على الحق الصريح. فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر يكون من المتشابهات، والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو المحكمات»
كما أنّ للجَمَل كلاما عميقا في الحكمة من وجود متشابه ومُحكَم في القرآن :
«فإن قيل القرآن نزل لإرشاد الناس فهلا كان كله محكما؟ فالجواب أنه نزل بألفاظ العرب وعلى أسلوبهم. وكلامهم على ضربين: الموجز الذي لا يخفى على سامع هذا هو الضرب الأول، والثاني المجاز والكنايات والإرشادات والتلويحات وهذا هو المستحسن عندهم، فأنزل القرآن على ضربين ليتحقق عجزهم فكأنه قال: عارضوه بأى الضربين شئتم، ولو نزل كله محكما لقالوا: هلا نزل بالضرب المستحسن عندنا» .
وقد ذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير" أن التأويل المُراد بما عليه أهل اتباع المتشابه هو تأويل الهوى، حتى حدّد ثلاثة أصناف من الناس مؤوّلين وهم المنافقون والزنادقة والمشركون.
1- فمن تأويل المشركين مثلا قول العاص بن وائل لخباب بن الأرت رضي الله عنه متهكّما عندما جاءه يتقاضاه أجرا : "وإني لمبعوث بعد الموت، فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد" فأراد الإيهام أن البعث عودة إلى الدنيا، ولذك حكى عنهم القرآن قولهم : "فأتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين".
2- ومثال تأويل الزنادقة ما حكاه محمد بن علي بن رزام الطائي الكوفي قال : "كنت بمكة حين كان الجَنَّابي زعيم القرامطة بمكة ، وهم يقتلون الحجاج ، ويقولون : أليس قد قال لكم محمد المكي : «ومن دخله كان آمناً فأيُّ أمْن هنا؟» قال : فقلت له : هذا خرج في صورة الخبر ، والمراد به الأمرُ أي ومن دخله فأمِّنُوه ، كقوله : " والمطلقات يتربّصن " -البقرة : 228- .
-
كان هذا شيئا عن المتشابه والمُحكم، أما عن السياق الذي نحن فيه، والترابط الذي نريد مراقبته، فإنّ الحديث عن اتباع المتشابه قد جاء في سياق الحديث عن النصارى الذين تقوّلوا في كُنْه عيسى عليه السلام حتى ألّهوه، وقد عزّزوا أباطيلهم بوقوفهم عند المتشابه من القرآن في شأنه عليه السلام، ومن ذلك قولهم أن ما ورد عنه في القرآن يؤيّد ما جاء عندهم في الإنجيل، فيستشهدون بآيات، ويتركون أخرى .
كقوله تعالى : "... إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ..." –النساء: من الآية 171-
فهم يحتجون بـ : "رسول الله" على أنها البُنُوّة.
وبـ "كلمته" و بـ "روح منه" كما جاء عندهم في صدر إنجيل يوحنا: « فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ»
وجاء في الإنجيل أيضا : «وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا» .
يقول ابن عاشور عن تأويلهم لها : "بأنها اتِّحادَ حقيقة الإلهيّة بعيسى في بطن مريم فجعلوا عيسى ابناً لله ومريم صاحبة لله سبحانه ، وجعلوا معنى الروح على ما به تكوّنت حقيقة المسيح في بطن مريم من نفْس الإلَهية .".
بينما الآية فيها القصر بـ "إنّما" ، لبيان تخصيص عيسى عليه السلام بثلاث صفات، هي الرسالة، وهي أنه كلمة الله بمعنى أنه أثر كلمة الله التكوينية "كُنْ"، فهو عليه السلام بالكلمة كان، لا أنه هو ذاته الكلمة، وأنه روح منه، لا على أن روحه قطعة من روح الله، بل أنّ روحه من خلق الله، من عند الله.
وقد كان الأمر كذلك في آدم عليه السلام : " فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ "–الحجر:29-
فهذه روح مخلوقة من الله تعالى أودعها في آدم عليه السلام، وأُضِيفت الرُّوحُ إلى اللهِ على وجهِ التَّشريفِ، كما قال سبحانه: "وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ" -الجاثية: 13- أي: مِن خَلقِه ومِن عندِه، نسبة تشريفية لا نسبة تبعيضية، وتسمية عيسى عليه السَّلام بالرُّوحِ؛ لأنَّه وُجِدَ مِن غيرِ أبٍ، فأحياه اللهُ تعالى مِن غيرِ الأسبابِ المُعتادة. وليس معناها كما يريد النصارى أنها من روح ذاته سبحانه، فأوّلوا أنها روح الله تعالى في عيسى، فعيسى بذلك إله . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
كما أن "الروح" تأتي في القرآن على معانٍ لا على معنى واحد. كما جاء في قوله تعالى:
"فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا" –مريم: 17-
والروح هنا بمعنى جبريل عليه السلام. وباطلٌ تأويلها أنّ روح ذات الله أرسِلت إليها، وتمثلت في بشر هو عيسى عليه السلام كما يؤوّلها أهل الهوى . وذكر جبريل عليه السلام بالروح هنا، هو من جنس ذكره بالروح في قوله تعالى : " يوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا " –النبأ: 38-
أيضا تأتي الروح في القرآن بإضفاء معنى الروح على القرآن، على الشريعة، فكما أن الروح حياة للجسد، كذلك القرآن روح تُحيي مَوات القلوب : "كَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ..." –الشورى:من الآية 52-
وكذلك جاءت في قوله تعالى : "يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ"-النحل: 2-
وقد تعمدتُ الإسهاب في هذه الآية، وفي أمر المتشابه والمُحكَم، وأدرجتُ مثالا على ذلك ما استشهد به النصارى من القرآن على غير الوجه المُراد منه، بل على الوجه الذي أرادوا هُم، لنعرف عن كثب شيئا من طرق المؤوّلين بالهوى الذين حذّر الله منهم في هذه الآية، في بدايات هذه السورة ... هؤلاء الذين يستمسكون بالمتشابه، ويَذَرون المُحكم في هوى صارخ، وزيغ بيِّن يسعون به جاهدين للإضلال والإفساد والتشكيك .
وفي هذا المقام تحديدا، يتجلّى لنا دور ترابط القرآن آياته بآياته، وسُوره بسُوره، وسياقاته بسياقاته ... إذ أنّ الوقوف عند آية دون ربطها بما قبلها، وبما بعدها، يوقعنا في الفهم الخطأ، والتأويل الخطأ، كما يجده أصحاب الهوى لأهوائهم مرتعا، فيُلقون بشُبُهاتهم للذين لا يعلمون، ولا يحاولون تدبّر آيات القرآن، ولا العيش معه عيش الناظر فيه بعين المتفكر والمتبحّر ...فينجح خَبطهم وخلطهم معهم، كما نرى في أيامنا هذه، وقد كثر أهل الأهواء، وأصحاب الضلال والزيغ، فكلٌّ منهم يضرب بلحنه على أوتار ضعيفة سريعا ما تعزف اللحن على أنه اللحن وهو النشاز وأيّ نشاز هو... !
فهذا مؤوّل لآية بين الآيات بفهم هواه، وبما يريد، يؤوّل لفظا على غير معناه المُراد، ويؤوّل كلمات على غير معناها، ويخبط ويخلط، على أنه الذي أتى بالجديد الذي لا يجوز حِياله الحجر ولا المنع والقرآن حمّال أوجه ... وكم نلقى من هذه التخليطات وكم...! في كل حين ...
ولننظر في هذا المثال الذي وضعتُ أعلاه، والذي كان من زيغ النصارى في كُنه عيسى عليه السلام، فإذا:
1- "الروح" كلفظ لم تأتِ في القرآن على معنى واحد، فوجب التسلّح بالفهم السليم للغة السليمة، واللفظ فيها ذو معان لا معنى واحد.
2- أنّها لم تأتِ لتُفهَم منفصلة عن السياق، لمَن يراها صعبة من إلقاء المشتبِه الفتّان لها مُقتطعة عن سياقها، فلا يجد لها منه ردّا ولا رادّا . بينما الربط الذي ننشد، والذي حوله نُدَنْدِن يُجلي ويُسفر عن المعنى : "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا".
فهي دعوة لأهل الكتاب بعدم الغلوّ الذي أوردهم المهالك بتأليههم لعيسى عليه السلام، ثم وصف لعيسى عليه السلام بصاحب الرسالة، وبأنه أمر الله بكلمته التكوينية وأن روحه مخلوقة من عند الله، منسوبا إلى أمه مريم في بيان لكونه بشرا بنوّته لمريم لا لله، تعالى عن ذلك . ثم دعوة للإيمان بالله ورُسُله في بيان انفصال الله تعالى عن رُسُله، مع نهي عن القول بالتثليث، وتأكيد على وحدانية الله سبحانه الواحد الذي لا ولد له، وهو مالك كل شيء.
هذا عن سياق في آية وحدها، فكيف بسياق آيات متتاليات... وبردّ آية من المتشابه في موضع إلى آية مُحكَمة في موضع آخر من القرآن، من مثل قوله تعالى في عيسى عليه السلام: "إنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ" –الزخرف:59-
ومن مثل قوله أيضا : "إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ" –آل عمران:59-
ومن مثل قوله تعالى : "لقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ"-المائدة:17-
-
حتى الآن عرفنا من قوة هذه الآيات الأولى كيف أنه البيان عن وحدانية الله تعالى، الحيّ القيوم منزل الكتب هدى، ومنزل القرآن فرقانا بين الحق الذي أنزل الله فيها كلها وبين الباطل الذي أحدثه المبطلون بتحريفهم لها، وعلى رأس ما أفسدوا التوحيد الذي هو لُباب كل الكتب السماوية، فألّهوا غير الله كما فعل النصارى بتأليههم لعيسى عليه السلام، وبنسبهم لله الولد، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. وأهل الأهواء والزيغ والضلال لا يغادرون سبيلا لتشكيك المؤمن وفَتْنه عن دينه إلا سلكوه، والأنكى أنهم يأخذون من القرآن ذاته ما يحوّرون معناه ومُرادَ الله منه إلى ما يريدون ويهوون، بالاقتطاع وبالاستمساك بالمتشابه منفكّا عن سياقه وعن المُحكَم الذي يُجليه.
وهكذا ... يعلمنا الله تعالى ما يعترض دربَنا من شُبُهات تُلقى لتشوّش على المؤمن دينه، ولتفتنه عنه، تعترض العقل الذي يسلّم لربه لتشككه فيما علمتنا سورة البقرة أنه الكتاب الذي لا ريب فيه. وأنما الهُدى فيه لا في غيره.
ولكنّ الذي يعيش مع القرآن عَيش المتأمل، الباحث، الناظر في ارتباط أجزائه بعضها ببعض، المتأمّل في إحكامِه، ستلوح له من نظره في تسلسله وترابطه شموليتُه، وكماله وسيرى الحق ينضح منه، وسيسمعه يصدح فيه . ذلك هو المؤمن الذي يتعلم حقّ التعلم من ربّه الثبات على الحق برغم تهاطل الشُّبهات، وبرغم المزعزعات التي تعترض دربَه..
وعلى هذا .... لنتأمل إلامَ تسوقنا هذه الآيات ؟؟ إلامَ تسوقنا هذه الخطوات ؟
آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ
هكذا هو قول المؤمن الذي آمن حقا، الذي خرج من البقرة سامعا مطيعا ... وإنه ليس تسليم حُمق ولا تسليم جُبن ولا تسليم غباء، وإنما هو تسليم عقل وفكر ونظر:
وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ
واللُبّ من الشيء خالصه وخياره، وصاحب اللُبّ صاحب نظر وتأمل وفكر وتعقّل، وإذا تأملنا وجدنا أنّ أهم صفات هؤلاء المُسَلِّمين المؤمنين "العلم" بل "الرسوخ في العلم"
"وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ"
رسوخ في العلم + سلامة في العقل والنظر----> آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا
وهي إشارة إلى أن الإيمان بالله وبكتابه ليس فيه ما يحجر على العقل وعلى النظر، بل هو يدعو للنظر والتعقل لأنه قائم على العقل والعلم، ومن جلائه ووضوح الحق الذي يحمله والبرهان الذي يسطع فيه لا ينهر سائلا، ولا يضطهد رأيا ولا يخاف تدقيقا أو بحثا، ولا يقضي بالتسليم الأعمى .
فإلامَ يحملنا هذا الإيمان عن علم راسخ وعقل ناظر ؟ أإلى اكتفاء بالعقل وحده ؟
لا بل إلى استعانة بالله تعالى على الثبات، لا أن يظنّ ظانّ أنّ بيده وحده الاهتداء والثبات على الهدى.
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ(8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ(9)
1- سؤال الله أن يثبتنا على الهدى الذي عرّفنا أنه في هذا الكتاب.
2-سؤاله سبحانه رحمة من لدُنه تثبّت القلب على الإيمان والتوحيد، وتلازم المؤمن في حياته وعند مماته، وبعد موته، وعند بعثه، بل إنها لَبَعْد البعث رحمة من لدنه تُدخلنا الجنة. فهو سبحانه الوهّاب الذي يهب لعباده الخير من فضله أضعافا: "مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" –فاطر:2-
3-الإقرار باليوم الآخر، يوم الجمع الذي لا ريب فيه، وهذا مَبْلغ الرحمة التي يسألها العبد من ربّه الوهّاب، أن تلازمه إلى يوم يبعث الله عباده، فيموت ثابتا على الحق، ويلقى الله ثابتا على الحق.
ها نحن مع هذه الخطوات التي خطوناها حتى الآن في هذه المنزلة من القرآن (آل عمران)...
ها قد تبيّن لنا ما قد جمع الآيات الأولى من هذه السورة (من 1 إلى 9) ...
ولننظر إلى ما كان في سورة البقرة (سورة المنهج)، تلك التي علمتنا أنّ الهدى في هذا الكتاب، وأنّ المنهج الذي يُعاش به إنما هو في هذا الكتاب، مشكاةً تنير درب الحياة...
فإذا سورة آل عمران، تعلّمنا أن هذا الهدى، وهذا المنهج وأنت على الدرب، لن يسلم دربك من عوائق وحوائل، متمثلة في الشُبهات التي تُلقى حجرا على الدرب لتتعثر خطاك، ولتقع بشِراك الشك والتردّد، ففيها نتعلّم الثبات على الهدى.
حان مع نهاية هذه الآية التاسعة من هذا القطاع أن نعلن ما عرفنا كأول عنوان لخطوتنا الأولى بهذه المنزلة ....
الإله واحد والهدى واحد والدعوة واحدة ومُنزل المنهج هو الهادي وهو المثبّت
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12580;image)
-
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12538;image)
وفي أواخر البقرة كنا قد عرفنا : " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ " وفي آل عمران جاء الدعاء بالثبات على الإيمان والهدى : " رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ"
تسوقنا الخُطى نَحو قطاع جديد من الآيات ... فلنرَ ماذا هو معلّمُنا من جديد...
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئاً وَأُولَـئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ(10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ(11) قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ(13) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ(14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ(17)
لنتأمل ترابط الآيات...
وقد غادرنا القطاع الأول بالحديث عن يوم الجمع الذي لا ريب فيه، تأتي الآية الموالية (10) تُحدّث عن مآل الكافرين في ذلك اليوم ... مآل الذين لم يستمسكوا بالهُدى، فلم يعرفوا له قدرا ولا قيمة، فلم تكن غاية غاياتهم الثبات عليه كحال المؤمنين. غرّتْهم الحياة الدنيا فأخذت ألبابهم وملكت عليهم قلوبهم وكل ذرّة فيهم فنسوا الله فأنساهم أنفسهم، ونسوا اليوم الآخر، يوم لقاء الله، يوم الحساب . تجبّروا في الأرض، وطغوا حتى رسخت الدنيا بمعانيها الفانية فيهم وطُبِعت في أنفسهم، فلم يعودوا يرون لها نهاية، ولا لأنفسهم ذهابا وإن كانت الموت أمام أعينهم فيمَن حولهم بُكرة وعشيا ...
1- فهذه الأموال والأولاد التي جعلتهم للدنيا عُبّادا لن تغني عنهم من الله شيئا، وجزاؤهم يوم الجمع والحساب النار هم لها وقود عياذا بالله .
2- ثم هو ذا مثال يضربه الله تعالى للذين كفروا(آية11). آل فرعون الذين وصف الله قوّتهم وما كانوا عليه من شَوكة بقوله سبحانه : " وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ ﴿10﴾ ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ﴿11﴾ فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ ﴿12﴾ فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ ﴿13﴾" -الفجر- لم تُغنِ عنهم قوّتهم وأموالهم من الله شيئا، بل أخذهم بذنوبهم من تكذيبهم بآياته، وهو سبحانه شديد العقاب.
3- ومع الآية12 من قطاعنا هذا ... في ترابط دائم، وتسلسل ملموس يتوجه الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم بالخطاب " قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(12) " وهي كذلك سنّة الله في الذين كفروا، في الذين كذبوا بآياته، "ستُغلَبون " في الدنيا، و "تُحشرون" إلى جهنّم في الآخرة.
وكما أسلفنا... نبتغي من قراءتنا هذه لقرآننا، قراءة حياتيّة... قراءة نُسقطها على الواقع، فلا نكون من واقعنا في واد ومن القرآن في واد آخر ... قد يتساءل مَن يتساءل قائلا أيّ غلبة ستكون لنا على الكافرين ونحن على ما نحن عليه من ضعف وهزيمة، وهم على ما هُم عليه من قوة وشكيمة، وعلوّ في الأرض. ؟! كيف لهذا أن يكون اليوم ؟!
أقول .. إنما يكون هذا عندما نكون نحن أهلا له، عندما نكون مؤمنين لا يهزّنا ويزعزعنا أنهم الأقوياء وأننا الضعفاء، فننهزم في أنفسنا قبل أن ننهزم في ساح القتال... عندما نكون على يقين من أننا أهل حق، نحمل الحق ونَعلم الحق من ربّنا، وأنّ ما معهم من اعتقاد باطلٌ بما حرّفوا وبما بدّلوا ... عندما لا ننهزم في أنفسنا، فنظنّ بأنفسنا الهوان الذي لا عزّة معه، والضعف الذي لا قوة بعده ...
عندما نقرّ بواقعنا وبصعوبته من جهة، ولا نصيّره سهلا مِطواعا بالوهم والتخيّل والبرمجة اللغوية العصبيّة ذلك المخدّر الذي يصيّرون به الواقع خيالا والخيال واقعا، وما شاكله من أساليب وأكاذيب ما أن تطلّ على مجتمعاتنا حتى يطيروا بها لينثروها مخدّرا تلقفه الأنفس العطشى التي تحسب في الملح الأُجاج عذبا فُراتا... !
كما لا يمنعنا هذا الإقرار منا بالواقع عن العمل والأخذ بالأسباب والجدّ والاجتهاد لنكون أهلا للعلوّ في الأرض بالحق الذي نحمل، والذي كُلِّفنا أن نحرس وننشر، فلا نُنكِر أسباب الدنيا بدعوى أننا أهل الآخرة حتى نُؤخذ بغبائنا، فترفسنا الأرجل وترْكُلَنا، لنغدو الهَمَل الذي لا يؤود صاحبَ قدم راسخة في الأرض أن يَركُلَه .. ! كما لا تأخذنا الدنيا وزهرتُها عن رسالة إعمار الأرض بالإيمان والتوحيد لإحلال العدل ونشر الحق، ولإنقاذ الإنسان من براثن الجاهلية ونير الظلم.
لنتأمل كيف بدأ الله تعالى في هذا القطاع من الآيات بإخبارنا عن المآل الحقيقي للكافرين، حتى لا نغترّ بقوتهم، ولا بما يملكون، وهم اليوم في أبّهة وعزّة وجاه ومُلك، بينما هم في اليوم الآخر، حينما تحين ساعة البقاء الذي ليس بعده فناء خاسرون خاسؤون ... لنتأمل وهو سبحانه يعطينا وزنَهم الحقيقي عندما نزن بميزان الحق، بميزان حياة في الدنيا تعقبها ممات تنقل المرء من عالم الفناء إلى عالم الخلود والبقاء، فإما خلود في الجنة، وإما خلود في النار ... وهم خلودهم في النار، بل هم وقودُها...
وليس ببعيد عن الأرض ولا عن الحياة عليها قوم كانوا من أشدّ الناس قوّة، ومن أعتاهم رئيسا ومرؤوسا( آل فرعون) أخذهم الله بذنوبهم فكان لهم العقاب الشديد منه سبحانه، إذ أُخِذوا في الدنيا بهزيمتهم على يد موسى عليه السلام، كما سيؤخذون بذنوبهم في الآخرة بإخلادهم في النار.
كل هذا حتى لا تحصل لنا الهزيمة النفسيّة الساحقة لكل عزم، الماحقة لكل نيّة إقدام ...
وفي الآن ذاته حتى يحصل لنا الفهم الواقعيّ لدورنا جاء قوله تعالى : "ستُغلَبون وتُحشرون إلى جهنّم" .
**ستُغلَبون (1) ---->إشارة إلى عمل المؤمنين الغالبين في الدنيا بالأخذ بأسباب القوة فيها، حتى لا يقول المؤمن أنه خُلق للآخرة ولجزائها وليس عليه في الدنيا من عمل، وأنّه متعفّف عن العلوّ فيها بدعوى الزهد وبدعوى أنّ العبادة معناها التنحّي عن الدنيا وعن أسبابها، وأنّها الصلاة والزهد والتنسّك، وأنّ الدنيا جُعِلت للكفار وَحدهم...! إنه لبَيان أيّما بَيان أنّ المؤمن مُكلّف بالأخذ بأسباب القوة في الدنيا لإعلاء كلمة الله فيها، وأنها ليست حِكرا على الكافر.
**وتُحشرون إلى جهنم (2) ----> مآل في الآخرة يتولاه الله سبحانه وتعالى، يجعله من نصيب الكافرين، دون أن يحصل الفهم له وحده دون (1).
-
وها هي الآيات تسوقنا إلى الآيات ... ها هي الخطوات تسوقنا إلى الخطوات...
4- تضع لنا الآية الموالية مثالا حيّا عايَشَهُ المسلمون من أول ما عايشوا في لقاءاتهم بالمشركين، وكان ذلك يوم بدر :"قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ(13)." التقاء فئتَين، فئة مؤمنة بالله تعالى تقاتل في سبيله، وفئة كافرة. وقد يكون الخطاب للمؤمنين، كما قد يكون للمشركين أو اليهود . حيث رأى المؤمنون المشركين مثلَيْهم عدداً رَأي العين. والله أيّد بنصره المؤمنين الأقل عددا. وإنّ في نصره لهم سبحانه لعبرةً لأولي الأبصار، أي لأولي الألباب الذين لا يرون في قلة العدد والعُدّة سببا للهزيمة.
فهؤلاء القلّة قد أخذوا بالأسباب مع ما فيهم من إيمان وتوكل على الله وإقبال على الموت في سبيله، وفي سبيل إعلاء كلمته في الأرض، وكانوا قلّة قليلة نسبةً إلى الضعفَيْن من المشركين الذين التقوهم .
علّمهم الله تعالى برؤيا العين كيف أن النصر ليس بالعدد الأكبر، ولا بالعدّة الأثقل، بل بالإيمان والتوكل على الله مع العمل والسعي والإقبال في إيمان بالرسالة المُلقاة على عاتقهم، وسعي حثيث لتأديتها، فلا ردّتْهم قوّة عدوّهم، ولا أفزعهم عددهم...وإنّ في هذا لعبرةً لأولي الأبصار في كل زمان، في زماننا هذا، حتى لا تقتلنا الهزائم النفسية التي عمل مَن عمل لعقود متوالية على زرعها وترسيخ جذورها بالمؤمنين، فيتلبّس اليأس بالنفوس حتى يهنأ العدوّ أيّما هناءة فلا يكلّف نفسه مجرد التفكير باللقاء، وقد انهزم عدوّه في عقر داره من فعل نفسه في نفسه ... !!
ونكمل مع باقي آيات قطاعنا ...
ينتقل بنا الله تعالى من حديث عن مآل الكافرين، وحقيقة وزنهم عنده سبحانه، حتى لا يحدث ذلك الخوف المفزِع، والانبهار المُقعِد الذي يجعل من أكبر المستحيلات أن يفكر المؤمن مجرّد تفكير بلحوقه أو بمساواة نفسه به، بل يذكر لنا سبحانه مثالا عايشه المسلمون الأوائل وهُم بعدُ الضعاف والقلّة مقابل الكثرة الكافرة القوية، وكيف لم يَحُلْ ضعفهم دون أن يلاقوا الكافرين ويحاربوهم، بل ويهزموهم ... كل ذلك ليخلّص الله المؤمن من نَير الهزيمة النفسية التي تنقضّ عليه فتُهلكه قبل انقضاض العدوّ عليه ....
5- وسَيْرا على الدرب مع الخطوات .... ها نحن أمام قوله تعالى : "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ(14) .
تُرى ما الرابط بين ما كنا معه من بيانٍ لحقيقة الكافرين، وما نحن بإزائه من حديث عن تزيّن الشهوات للناس ؟
أليس الانبهار بقوة الكافرين وبعُدّتهم، وبما هُم عليه من تقدّم علميّ وتكنولوجي، وحربيّ وما هم عليه من علوّ في الأرض بالبنيان والأموال واحتكار أسواق العالم، وسيطرتهم على اقتصاد الدول، وسيطرتهم على خيراتها، وإِمرتهم بذلك فيمَن هم أقل منهم تطورا وتمكّنا من أسباب الدنيا، واستغلالهم لثروات الأقل قوة وسطوة، واستضعافهم للناس ... أليس كل هذا مدعاة انبهار بهم وبحالهم وواقعهم، ومدعاة نفور من ضعف نعيشه وذلّ وهوان نُكابِده في عالم يأكل فيه القويّ الضعيف أكل الأسد لفرائسه، لا يَلوي على شيء ... ؟!
هذا هو الرابط ... أنّ كل هذه من الشهوات التي تأخذ الإنسان، وتُزيّن له، فيرى فيها ما يحب وما يجذبه ويسحره ويُبهره، وما تستحسنه نفسه... وهكذا المؤمن وبلاده تعيش الضعف والاستضعاف من الأقوياء، لا يجد بين يَدَيه ما يجده عند أولئك، لا يجد في عَيشه ما يماثل عَيش أولئك... لا يجد ما يجدونه من تيسير لمعاشهم وتسهيل لسبل الحياة والترف والأبّهة ...!فينبهر وينبهر حتى يأخذه الانبهار بالشهوة القلبية إلى الشّبهة العقلية...
يرى أن "كل شيء" عندهم، وأن "اللاشيء" عنده ... يرى أن القوة عندهم والضعف عنده، وأنّ المال عندهم والفقر عنده، وأنّ الدنيا بزينتها مُلك أيديهم وأنّ الدنيا بزينتها مولّية عنه ...!
تأخذه الشهوة إلى وزن الحق بميزان المادة والقوة، تأخذه إلى التساؤل عن سرّ تأخر أهل الحق الذين يحملون منهج الحق الذي أنزله ربّ الناس للناس ...
تأخذه الشهوة إذ تستفحل في نفسه فتتمكن من قلبه إلى تحقيق مآربها وإشباع شهواتها، وإلى التمسّح بمسوح الغير، وإلى الخجل من هويّة يرى أنها هويّة المستضعفين، فيتنصّل من أصله ويُلحق نفسه غصبا بالآخرين ...! ولا تعود له لغة غير لغة تقديس أهل القوة والتقدم والترف والرفاهية، وتسفيه الضعفاء المستضعفين، إلى الحد الذي يسهل عليه فيه التخلّي عن دينه بالكليّة في سبيل مُبهِرات الدنيا، في سبيل إشباع الشهوة التي تقود للشهوة ...!
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ(14)
حبّ الشهوات يُزيّن لكل الناس سواء بسواء ... ليس في ذلك عيب ولا منقصة ... ذلك حال البشر كلهم، أن الشهوة تُزيّن لهم، والقرآن في هذا يقرّ بشرية الإنسان ولا يجعلها عيبا أو منقصة في ذاتها، بل هي صفة من صفاته الملازمة، مركوزة في فطرته منذ أوجِد. بل لقد جاء الإسلام داعيا إلى تهذيبها وضبطها وطلبها بما يحفظ على الإنسان رقيّه وعبوديته لله وحده لا للشهوة والغريزة.
يعدّد سبحانه من الشهوات أهمها "النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة" القناطير المقنطرة . يودّ الإنسان لو يملك القناطير المقنطرة، لا أن يملك القليل، لا أن القليل يُقنعه ويُشبِعه .
وفي ذلك قال صلى الله عليه وسلم : " لو كان لابنِ آدمَ واديان من مالٍ لابتغَى ثالثًا ، ولا يملأُ جوفَ ابنِ آدمَ إلَّا التُّرابُ ، ويتوبُ اللهُ على من تاب" –صحيح البخاري-
لا يملأ جوفَ الإنسان إلا التراب الذي يؤول إليه مآله، فيصير مأواه لا محالة... أما غير التراب فلا يشعر منه بالملء والشبع ما حيي . قال تعالى : " إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ(6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ(7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ(8)" -العاديات-
"وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ(14)"
الخيل المسوّمة أي الراعية في المروج والمسارح. يقال: سوّم ماشيته إذا أرسلها في المرعى. أو الحسان، من السيما بمعنى الحسن أو المُعلَّمَة ذات الغرة والتحجيل من السمة بمعنى العلامة، والأنعام والحرث. وكلها مظاهر الترف والغِنى، ومثيرات الشهوة التي تتزيّن للإنسان...
وكلها إذا طُلبت لمقاصدها وبطرقها المشروعة وأحبّها الإنسان دون شَرَه ودون أن تستعبده كانت طيّبة ومُحبّبة ...
ولابن كثير كلام حسن في تفسير الآية، أضع منه مقتطفات :
"يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين فبدأ بالنساء لأن الفتنة، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب .
وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة فهو داخل في هذا وتارة يكون لتكثير النسل وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن يعبد الله وحده لا شريك له فهذا محمود ممدوح .
وحب المال كذلك تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء والتجبر على الفقراء فهذا مذموم وتارة يكون للنفقة في القربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه البر والطاعات فهذا ممدوح محمود شرعا.
وحب الخيل على ثلاثة أقسام" تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله متى احتاجوا إليها غزوا عليها فهؤلاء يثابون وتارة تربط فخرا ونِوَاءً لأهل الإسلام فهذه على صاحبها وزر وتارة للتعفف واقتناء نسلها ولم ينس حق الله في رقابها فهذه لصاحبها ستر"-انتهى-
-
وبعد ذكره سبحانه لهذه الملذات والشهوات المُحبّبة للإنسان . يأتي دور تبيان حقيقتها ووزنها قياسا لما عند الله تعالى . بقوله سبحانه : " ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ"
حُسن المآب عند الله تعالى، حسن المرجع والثواب، الجنّة .
وهذا هو الضبط، هذا هو الإخبار من الله تعالى لعباده المؤمنين أنّ كل ما يُبهِر ويسحر ويتزيّن للإنسان زائل لا بقاء له، فإذا كان الإنسان ذاتُه ذائق الموت لا محالة، وذَوقُ الموت يمتثل لكل من يعيش وهو يرى الموت تأخذ مَن حوله في كل حين، فكيف بما هو أدنى من الإنسان، بالذي سُخِّر للإنسان ... زائل ذاهب، وزائلة الدنيا بما فيها، وذاهبة ... فأيّهما أحسن ما كان زائلا ذاهبا فانيا، أم ما يبقى ولا يفنى ولا يزول ؟
هكذا يعلّمنا الله تعالى أن ما عنده من ثواب وجزاء في الآخرة هو الأبقى وهو الخير .
وهكذا يُخاطَب كل مؤمن، يُخاطَب ذلك المنبهر بما عند الكفار من مظاهر الترف والغِنى والعيش الرغيد ... مهما رأيت... ومهما بهرك من مظاهرهم، فالحذر الحذر أن تأخذك الشهوة إلى تلك التُّخوم الخطيرة التي تُشرف على الهلاك وهي تزيّن وتزيّن وتزيّن حتى تأخذ للشُبهة في الدين، وتشكك في الحق الذي يحمله ضعيف لم يبلغ ما بلغه حامل معتقد باطل من تطويع لأسباب الدنيا ... فينقلب عنده الميزان، ليزن الحق بميزان المادة والغلبة المادية، فيشتبه عليه دينُه من شهواته الطافحة... !
6- ثم تأتي الآيات الثلاث الموالية(15و16و17) وفيها تفصيل لـ "حسن المآب" ولأهله الفائزين به: " قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(15) "
هذا الله تعالى يعرّف المؤمن سبيل النجاة من حبائل الشهوة الجامحة ...فيتوجه بالخطاب إلى نبيّه أن يعلّم بما يعلّمه في أسلوب استفهاميّ يجلب السامع، فيزيد فضوله لمعرفة الجواب : " قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ ".يعقبه التقرير من الله تعالى : لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(15)
ذلك حسن المآب الذي هو عند الله تعالى ... للذين اتقوا عند ربهم :
**جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها.
**أزواج مطهّرة من كل دنس ومن كل خبث مادي ومعنوي.
**رضوان من الله، والرضوان هو الرّضى العظيم من الله تعالى . عن أبى سعيد الخدري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: « إنَّ اللهَ يقول لأهل الجنَّةِ : يا أهلَ الجنَّةِ ، فيقولون : لبَّيكَ وسعْدَيك ، والخيرُ في يدَيْك ، فيقول : هل رضِيتُمْ ؟ فيقولون : وما لنا لا نرْضى يا ربِّ ، وقد أعطَيْتَنا ما لم تُعْطِ أحدًا من خلقِك ، فيقول : ألا أُعطِيكم أفضلَ من ذلك ؟ فيقولون : يا ربِّ ، وأيُّ شيءٍ أفضلُ من ذلك ، فيقول : أُحِلُّ عليكم رِضواني ، فلا أسخطُ عليكم بعده أبدًا». –صحيح البخاري-
كل هذا "عند ربهم" هذه العندية التشريفية بنَسْبها لله تعالى، عند ربّهم الذي خلقهم، ورزقهم وهداهم وهو مثبّتهم :" ربَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ". ربّهم الذي برحمته بعدها يُدخلهم الجنّة. الجنّة التي هي "عند ربهم".
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(15)
سبحانه بصير بعباده، يعلم مسيئهم من مُحسنهم، ويجازي كلا بما عمل، ففي هذا وعد للمتقين ووعيد متضمّن للمسيئين .
7- وكما عرفنا تفصيل "حسن المآب" في الآية (15)، يأتي الآن تفصيل أهله الفائزين به في هاتين الآيتين المواليتين : "الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ(17)"
وهما الآيتان الأخيرتان من قطاعنا (10-17) .إنه تعريف بـالذين اتقوا : " لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ...."
** الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(16).
** الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ(17)
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12550;image)
وبهذا نكون قد أنهينا هذا القطاع الممتد من الآية 10 إلى الآية 17 . والذي عرفنا فيه إجمالا قسمَيْن اثنَيْن :
أولا : قسمٌ جاء فيه الحديث عن الذين كفروا (10-13) وأنّ ما هم فيه من رفاه بالمال والأولاد لن يغني عنهم من الله شيئا، ومآلهم إلى النار، في بيان لضعفهم رغم مظاهر قوّتهم، وفي حثّ للمؤمنين على الاعتزاز بهويّتهم ودينهم، وألا يستصغروا أنفسهم أمام مظاهر قوّتهم. (تخليص من الهزيمة النفسية).
ثانيا: قسم جاء فيه تزيّن الشهوات الدنيوية للناس (14-17) وأنها الصفة المركوزة في الفطرة الإنسانية، والتي لا يُنكرها الله تعالى، بل يضبطها وينجّي المؤمنين من ربقتها، ومن الوقوع في حبائلها، حتى لا تأخذ الشهوة للشبهة في الدين، وحتى يثبت المؤمن على الحق، إذ أنّ المأخوذ بالشهوات سهل اختراقُ عقله بالشبهات، فهو تابع، منبهر، مقلّد.
وهكذا ... نجد أنفسنا دوما بين يَدي هذه السورة في تعزيز دائم لقضيّة "الثبات على الهدى" "الثبات على المنهج"...
ففي بداياتها جاء التلويح بخطورة الزيغ الذي يدفع لاتباع المتشابه الذي يلبّس على المرء الحق، فكانت الاستعانة بالله على الثبات على الهدى، وهو الهادي المثبّت (8-9)، كما جاء الآن ذكر معيقات الثبات، وتخليص الله للمؤمنين من أن يؤخذوا بالشهوة السائقة إلى الشبهة في مزيد تفصيل لطرق التثبيت وسُبُل الثبات.
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12621;image)
-
نخرج من هذا القطاع، لنلِج قطاعا جديدا من الآيات، وكالعادة دأبنا هو السير على الدرب بخطوات... خطوات تسوق للخطوات على ضوء من القرآن مشكاةً وهداية ...
وإنّني وأنا أضع مجموع الآيات التي تشكّل القطاع عندي أحتسب في ذلك وِحدة تجمعها وترابطا كائنا بينها، ترابطا داخليّا في القطاع ذاته لا ينفكّ عن ترابط أعلى هو سَوق الآيات السابقة للآيات اللاحقة ... وخلال ما أضع من وحي القطاع سيتبيّن سرّ جمعي لها سويّة في لُحمة واحدة.
قطاعنا الجديد هو :
شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ(19) فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(20) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(21) أُولَـئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ(22) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ(23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ(24) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(25) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ(27) لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ(28) قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ(30) قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(31) قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ(32)
1- ها هو سبحانه يعود بنا إلى منطلقنا من هذه السورة : "اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ(2)" وهو المنطلق الذي يتأسس عليه الحقّ والهُدى الذي يُراد الثبات عليه، أنّ الله سبحانه واحد لا إله إلا هو، دحضا لأكاذيب أهل الكتاب الذين ادعوا له ولدا، ودعوا بالتثليث لا بالتوحيد، ودعوا بأن الله تعالى هو عيسى عليه السلام . هو رأس الهدى الذي هو في هذا الكتاب. وإنّ هذه السورة التي لاحت لنا منها أمارات التثبيت والدعوة للثبات، -وكما أسلفنا- جاءت لدفع الاشتباه في الله تعالى: "ألم(1) اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ(2)" كما جاءت البقرة دفعا للاشتباه في الكتاب : " الم(1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ(2)" .
وهذه سياقاتها المتّسقة تأخذنا الآن إلى : "شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ(19) فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(20)"
إنها شهادة الله تعالى على نفسه بأنه لا إله إلا هو، الشهادة العُظمى منه سبحانه، ومعناها أنه سبحانه بيّن وأعلم خلقه بآياته الكونية وآياته القرآنية أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد، المستحق للإفراد بالعبادة. والملائكة بذلك قد شهدوا، فعبدوه حقّ عبادته : "وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ(19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ(20)"-الأنبياء- وكذلك أولو العلم شهدوا بذلك.
قال الطنطاوي في أولي العلم : "والمراد بأولى العلم هنا جميع العلماء الذين سخروا ما أعطاهم الله من معارف في خدمة عقيدتهم، وفيما ينفعهم وينفع غيرهم، وأخلصوا الله في عبادتهم، وصدقوا في أقوالهم وأفعالهم." –التفسير الوسيط للطنطاوي-
قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: قائم بالعدل سبحانه، مع تأكيد على الشهادة العظمى بوحدانيته، مقرونة بـ"العزيز الحكيم" العزيز الذي لا يُغلَب، الحكيم الذي خلق ويدبّر الأمر بحكمة تامة في دِقّ الأمور كما في جِلِّها.
إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ(19)
والدّين في الأصل الجزاء، ولكنه جرى مجرى ما يَدين به الناس من عقائد، فيبقى متضمّنا معنى انتظار أهله للجزاء.وقد عرّف العلماء الدين الصحيح بأنّه : «وضعٌ إلهيٌّ سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخيْر باطناً وظاهراً» .
فلنتأمّل...
هذا الإله الواحد الذي لا إله غيرُه حقيق على الخَلق أن يدينوا له بالعبادة ----> الدين عنده الإسلام، ما يجب أن يعتقده خلقه الذين خلقهم هو الإسلام. "مَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" –آل عمران:85-
وفي هذه الآية إشارة واضحة إلى دحض ادعاءات أهل الكتاب، وقد عُقب كلّ من: (أ)الشهادة العظمى على وحدانيته، و(ب)إعلان أنّ الدين عنده الإسلام بـ : " وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ(19)"
وفيها بيان أن الله تعالى ما أقرّ غير الإسلام دينا، وما كان سبحانه ليبعث رسله بغير الإسلام، وأنهم جميعا دعوة واحدة لا اختلاف فيها، ولكنّ الاختلاف كان منهم، إذ حرّفوا وبدّلوا، واختلفوا فيما بينهم، النصارى واليهود فيما بينهم، والفرقة الواحدة منهما اختلفت فيما بينها، كما اختلفوا جميعا مع دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحدثوا الاختلاف من قبل بعثته، ومن بعد بعثته، وكلّه "من بعد ما جاءهم العلم" الذي جاء في كل الرسالات السماوية ومع كل الرسل.
"فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(20)"
وهذه دعوة من الله تعالى لنبيّه عند محاججة أهل الكتاب له فيما يدين به أن :
** يعلن إسلامه لله تعالى هو ومن اتبعه مصدقا بما جاء به.
** أن يتوجه لأهل الكتاب والمشركين بسؤال واضح : "أأسلمتم؟" أي أتتبعونني على ما جئت به؟ فإن أسلموا فقد حازوا الهدى، وإن تولوا فما على الرسول إلا البلاغ : " مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ"-المائدة:99-
وما كان للنبي صلى الله عليه وسلم هو لأمته أيضا بالتعدّي .
إذن وقوفنا عند هذه الآيات السالفات التي ابتدأ بها قطاعنا الجديد (18-20) يعلّمنا في قضية الثبات طريقا ... وإنه لَلسلاح الأوّل الواجب التسلح به في طريق الثبات... /color]
إنها ملامح الثوابت تلوح لنا من هذه الآيات ... من هذه البدايات ...
يبدو أنه قد آن أوان تحديد الثوابت التي ينطلق بها المؤمن على درب الحياة، تلك التي تساعده على الثبات، وعلى مقاومة الأمواج المتلاطمة التي سيهيج بها بحر الدنيا التي يعيشها، تعترض درب إيمانه، تريد أن تبتلعه في لجّ مظلم لا قرار له...!
إننا في مدرسة التثبيت، إن الله يسلّحنا بالثوابت .
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12552;image)
-
وننتقل من آيات الثابت الأول، إلى آيات أُخَر، فلعلها أن تكون للثابت الثاني ..
2- "إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(21) أُولَـئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ(22) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ(23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ(24) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(25) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ(27)" في كلّها جاء الحديث عن طائفة من أهل الكتاب، هم اليهود على وجه الخصوص، ذلك أنّ هذه الصفات الأفعال المذكورة في هذه الآيات إنما هي أفعالهم، وجاء بها لاقرآن في مواضع كثيرة..
أود قبل الخوض في الآيات أن نتبيّن ما يربطها بما قبلها، ذلك أننا بلغنا مما سلف قولَه تعالى : " ...وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(20) "
فهذه الدعوة من الله تعالى لنبيّه أن يكون داعيا لدينه، أن ينشر خير الإسلام، وقد بُعث به رحمة للعالمين : "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" –الأنبياء:107- وجاءت دعوة الله له هنا عن أهل الكتاب بصفة خاصة يهودا ونصارى، وعن الأميين الذين هم المشركون، فإن أسلموا فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما على الرسول البلاغ، والله بصير بعباده، يعلم من سيقبل الهُدى منهم، ومَن سيعرض عنه... فتلتْها الآيات التي نحن بصددها (21-27)، وفيها الحديث عن أهل الكتاب، عن أفعالهم وصفاتهم، وتحديدا عن حال المتولّين منهم عن دعوة الحق، مما يبيّن أنّها خاصة بيهود عصر النبوة . إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(21) أُولَـئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ(22)
وجاءت صيغة الأفعال في المضارع لاستحضار أفعال السلف منهم في الأذهان من جهة، ولاستحضار حال المعايشين لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى (أ)"يكفرون بآيات الله" (ب)"يقتلون النبيين بغير حق"، ولو أنّ قتل الأنبياء لم يكن من معاصري الدعوة المحمدية، إلا أنهم أقرّوا ما فعل أسلافهم، واعتقدوا سَداده. (ج)"ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس" مع قتلهم للأنبياء، فهم أعداء للحق حيثما كان ومع أيّ كان. ------> "فبشرهم بعذاب أليم" جاء الوعيد لهم من الله في صيغة التهكّم بـ : "بشّرهم"
أُولَـئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ(22)
أولئك أصحاب تلك الأفعال الشنيعة، بطلت أعمالهم فليس لها عند الله من وزن لا في الدنيا ولا في الآخرة، وما من نصير لهم ينصرهم لينجّيهم من عذاب الله ومن مآلهم المحتوم .
وتستمر الآيات في بيان شنائعهم :
"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ(23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ(24) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(25)"
وهم اليهود الذين "أوتوا نصيبا من الكتاب"، والنصيب هو الحظّ والقسمة من الشيء، فهم قد أوتوا نصيبا من الكتب السماوية متمثلا في التوراة على اعتبار أن "الكتاب" اسم للجنس أي الكتب. هؤلاء يُدعَون ليحكم بينهم كتاب الله وهو التوراة، فيتولّون معرضين، وقد رُوي فيما اختلفوا فيه حتى دُعوا لحكم التوراة فيهم ما جاء في صحيح البخاري أنّ اليهود قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر رجل وامرأة من أشرافهم زنيا، فسألهم صلى الله عليه وسلم عن فعلهم بمن يزني، فقالوا بتحميم الزانيَيْن وضربهما، فسألهم عن الرجم، فأنكروا وجوده عندهم، فكذّبهم عبد الله بن سلام، ودعاهم أن يأتوا بالتوراة وينظروا فيها، ففعلوا إلا أنّ من جعل يقرأها أخفى بيده حكم الرجم وهو يقرأ، ففطِن له ابن سلام، وأزاح يده، فعُرف أنها آية الرجم.
وهكذا قيل أنّ الآية نزلت في هذه الحادثة، كما يقال أنها نزلت في خلاف آخر بينهم، إلا أن لابن جرير قولا حسنا في ذلك أوردُ ملخصا عنه:
"وأولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله- تعالى- قد أخبر عن طائفة من اليهود المعاصرين للنبي صلّى الله عليه وسلّم أنهم دعوا إلى التوراة للتحاكم إليها في بعض ما تنازعوا فيه مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأبوا. ويجوز أن يكون هذا التنازع في أمر نبوته، أو في أمر إبراهيم ودينه، أو في حد من الحدود فإن كل ذلك مما نازعوا فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ." -انتهى-
فإذا تأملنا هؤلاء القوم في هذا المقام رأينا العجب العُجاب !! فهم أولاء يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم مدّعين طلب حكمه فيما شجر بينهم، وهذا منهم مدعاة تحيّر وتعجّب ! ثم لمّا سئلوا عن حكم الأمر عندهم قالوا بغيره لا بما هو في كتابهم، وتلك ثانية الأعاجيب ! ثم لمّا دُعوا إلى كتابهم ليحكم بينهم أنكروا وأخفوا ما هو مسطور فيه لا ما هو محذوف منه بفعلهم من قبل، وهذه ثالثة الأعاجيب !
فتأتي الآية الموالية معلّلة لسبب ما هم عليه من صفاقة الوجه، وشناعة الفعل حتى كانوا يُعرضون عن الحق بكل وقاحة :"ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ(24) " .... لأنهم استسهلوا أمر الله، وكذبوا على الله وافتروا في دينهم الذي حرّفوه وصيّروه صناعة أيديهم، حتى تجرؤوا وقالوا بأنّ النار لن تمسهم إلا أياما معدودة، يُخرَجون منها بعدها، فغرّتهم أكاذيبهم تلك حتى كان إعراضهم عن الحق وتولّيهم عنه بكل وجه عجيب !
فهذا زيادة على ما كان منهم من كفر وقتل للأنبياء ولكل آمر بالحق، (د)افتراؤهم الكذب على الله، واغترارهم بما افتروا.
ويُختم هذا القسم عن شنائعهم بقوله تعالى :" فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(25)" وهو استفهام للاستعظام والتهويل، وذكر ما سيؤول إليه حالهم بعد فناء الفانية التي عثوا فيها فسادا وإفسادا، ذلك اليوم الذي سيُفّون فيه خيرهم وشرّهم دون ظلم من الله تعالى الذي حرّم على نفسه الظلم، حالهم يومئذ شديد، ولن يجدوا لأنفسهم من مهرب، وقد نسوا الله فأنساهم أن يغتنموا خيرا لأنفسهم.
ما نزال بعدُ مع القسم الذي فيه عن شنائع اليهود، عددت الآيات شيئا منها، رقَمْناه أعلاه...نأتي الآن إلى ختامه (26-27) لنحاول فهم ما توحي به الآيتان :
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ(27)
هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وتعليم من الله تعالى لنبيّه ولأمّته من خلاله أن يدعوا بهذا الدعاء مع الإيقان بمعناه : فسبحانه مالك الملك، يؤتي منه من يشاء، كما ينزعه ممن يشاء، ويعزّ من يشاء، ويذلّ من يشاء، ومشيئته هذه مشيئة عدل وحق وحكمة.
وجاء عقِب الكلام عن اليهود وعن صفاتهم وأفعالهم، وقد عُرفوا بالمُلك والعزة وبعثة الأنبياء الكُثُر فيهم : "وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ" –المائدة:20-
وهو سبحانه الذي فضّلهم، وأنعم عليهم بهذه النعم الكثيرة، وخصّهم بهذه العطايا الوفيرة، هو سبحانه الذي ينزع الملك ممن يشاء، ويذلّ من يشاء بعلمه وحكمته، وقد عرفنا تفصيلا في سورة البقرة فضحا لليهود وما كان منهم، من أسلافهم ومن المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، عرفنا جبلّتهم القاسية، وجرائمهم ذات الضروب والألوان رغم ما خصّهم الله به من نعم وفضل.
فجاءت في آل عمران زيادة بهذه الإشارة إلى أنّ الملك والعزّة التي حباهم الله بها، قد آن أوان نزعها منهم مع بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم...
حلّت النبوة في غيرهم، ونُزعت منهم، ونجح الإسلام في بسط نفوذه على البلدان والأمصار شرقا وغربا، وفُتحت مغاليق العالم على أيدي المسلمين الناصرين المنصورين، وشهدت العصور الأولى للدعوة الإسلامية ازدهارا ونشرا للحق والعدل والسلام في ربوع الأرض.. الأرض التي كانت تتعطش للعدل وإشراقة الحق عليها، فما عرفت عدلا وإحقاقا للحق وإبطالا للباطل كالذي عرفته على أيدي الفاتحين المسلمين...
-
ولسائل أن يسأل، ولناظر أن ينظر ويفكّر، فيقول : هذا عن ماضٍ كان وولّى، وإنكم أيها المسلمون لا تنفكّون بُكاة على أطلال تكاد تندثر، تمطّون شفاهكم بحديث الماضي، وتتمطّون مزدهين بحكايات وروايات وتاريخ ... منهم يكون السؤال والنظر، من أصحاب الجاه والعلوّ اليوم في الأرض، كما قد يكون من أبناء المسلمين الذين ملّوا الانتشاء بالماضي وهم يعايشون حاضرا ضنكا ...
فأيّ عزّ هو للمسلمين اليوم، وأي ملك ؟!!
أقول ... أما هذا الذي بين أيدينا في القرآن، فهو الحق والتقرير الإلهي الحكيم لأمره في الأرض، لأمره في عباده الذين خلقهم ليكونوا خليفته في أرضه، لعباده الذين عرفنا في "البقرة" قصة استخلافهم من آدم عليه السلام " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..." –البقرة: من الآية30-
استخلفه الله تعالى ليطبق منهجه في الأرض، ليحقق الغاية من وجوده، عبادة الله، وإعلاء كلمته، وقد تجسّدت هذه الآية حقيقة ملموسة، حينما تمكّن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانقلب حال المسلمين من المستضعفين المطرودين إلى الأسياد الحاكمين، أصبح رئيسا حاكما بالمدينة، وهزم المشركين في أول لقاء للقلة المؤمنة بالكثرة المشركة، ثم توالت انتصاراتهم، وحتى الهزيمة في "أُحُد" كان فيها الخير الكثير من تعليم للمؤمنين لعوامل النصر والقوة، وخاض المسلمون الحروب وانتصروا فيها، وخُضّدت شوكة المشركين، وتعزّزت قوة المسلمين، وانتشر الإسلام واتسعت رقعته، وغلبوا اليهود بدل المرة مرات، وتصدوا للمنافقين ومؤامراتهم مع اليهود ولتأليبهم المشركين على المسلمين مبتغين استئصال شأفتهم... وباءت محاولاتهم المستميتة للقضاء عليهم بالفشل والخسران المبين .
وفُتحت خيبر أقوى معاقل اليهود ... وزال عزّهم وتهاوى ملكهم، فأجلِي منهم مَن أجلي على أيدي المسلمين، وقُتل منهم من قُتل، وحيز منهم الأسرى، وغُنمت أموالهم ...
نعم ... آتاهم الله الملك، واصطفاهم بالأنبياء أجيالا بعد أجيال، وآتاهم من فضله العظيم، ولكنّه نزع الملك منهم بعد أن تبيّن فشلهم في الاستخلاف، وآتى الملك للمسلمين يوم أن كانوا على خطى المنهج الرباني، أعلوا رايات الدين حينما سادوا بالعدل والحق والعلم والعمل ... وظلّ على خطى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من جاء بعدهم، في عهود الخلافة الأربعة، واستمرت الدولة الإسلامية في بسط نفوذها دهرا من الزمن، وتنفّست الأرض الصعداء، وشهدت انتشاء من حضارة كافأت بين العقل والروح، وتخلّصت من بطش الشّرِهين المستوحشين، ومن ظلم الجبابرة الطاغين.
نعم... هو الماضي، ولكنه كان الحقيقة ولم يكن الخيال، هو الماضي ولكنه الذي عدّل الموازين، وفيه تحقّقت معاني الآيات التي بين أيدينا، فنزع الله فيه الملك ممن شاء وآتاه من شاء، وأعزّ من شاء، وأذلّ من شاء ...
وهكذا ... هو ذا الحال اليوم غير ما عرفنا من التاريخ، هو خلاف ما عرفنا، ولكنّ الآيات ستبقى قاعدة تتحقق، فيُعَزّ مَن يُعَزّ بمشيئة الله، ويُذَلّ من يُذَلّ بمشيئته، وستبقى مشيئته مشيئة عدل وعلم وحكمة ... ومتى عاد المسلمون لرحاب الفهم السليم لدينهم سيعود العزّ، وسيعود الملك والسؤدد لا لغاية الملك في ذاته، بل لخير الأرض، ولإصلاحها، ولتخليصها من أدوائها ...
وسيبقى معنى الآية أنّ رسالة الخير والإصلاح على عاتق المؤمن لا على عاتق غيره، ذاك الذي يعلم عبء الرسالة، ويعلم الغاية من وجوده، ويقوم بدوره في نشر الحق الذي بين يديه، وبث الخير الذي يحمل... لن تُجدي الشعارات والوعود البراقة والمدّ الإيجابي على غرار نغمات خرافة "الطاقة الإيجابية" والهالات الإيجابية، بل إنّ القضية قضية عمل وحركة على الأرض تحقّق الموعود، قضية استخلاف لن يكون برفع يد مبتهلة مع قدم قعيدة ! بل بيد عاملة وقدم متحركة تترجم اليقين بأنّ الحركة على الأرض والأخذ بأسبابها عبادة، وأنّ السعي لبقاء الأنفة والعزّة بالصناعة والتجارة والحرث والعلم والكدّ والجدّ عبادة ... وليس معنى هذا الوقوع في الفخّ الذي وقع فيه أهل الصدمة من فهم للدين غليٍّ أنّ الدنيا للكافرين وأن للمسلمين الآخرة، ذلك الفخّ هو الغلوّ أيضا من الطرف المناقض بأن جعلوا الدنيا والعلوّ فيها كبرى الغايات، حتى جُرّدت الحياة عن الغاية من إقامة منهج الله فيها، وإعلاء توحيده وعبادته على الأرض.
إنها تلك الموازنة بين العقل والروح التي لا يحققها إلا الإسلام، لا يحققها غير منهج الله تعالى لعباده وهو خالق الأنفس، والعارف بها وبأحوالها واحتياجاتها، وما يحقق لها التوازن الوجودي...
نعم ... إننا اليوم بإزاء حضارة صنّعت كل شيء، وطورت كل متطور، ولم تكتفِ بقدر، بل هي في لهث مسعور خلف الأحسن فالأحسن، والأسهل فالأسهل، والأجمل فالأجمل ... ولكنها حضارة نسيت إنسانية الإنسان وحاجات الإنسان، حضارة لم تستطع فهم الإنسان، فافتقرت في قاموسها لمعنى الروح وفي مصنوعاتها وزراعاتها لغذاء الروح لأنها تعطي للبشرية من يد بشرية، ولا تعترف باليد الربانية الحارسة التي مهّدت الطريق الآمن لمن خلقت ...
وتبقى هذه الآيات هي الحقيقة، والقاعدة السليمة ...
أما مَن عساه يكون أهلا لحمل هذه الرسالة، فهذا ما لا نعلمه، والحياة قد تدبّ من قلب الموت، فقد يكون من أبناء الأمة، كما قد يُخرَج من صلب كافر مَن يحملها حقّ الحمل ويؤديها حقّ التأدية، وإنّ المرء ليُشدَه فاهُ وهو يرى ممن يعتنقون الإسلام رجالا ونساء من قلب تلك الحضارة المادية خاوية الروح، ومن فورهم يغدون دعاة لدين الله في ربوع تلك البلاد بكل سبيل، بل إنّ رؤيتهم ورؤية دأبهم وسعيهم لنشر الدين وتعريف الناس بربّهم لآية من آيات الله تعالى في إخراج الحيّ من الميت ... ! إن نصرة هذا الدين متعلقة بمَن صدق في التوجه لله تعالى وفي حمل رسالته، لا بمَن سبق أصله فكان الدين عنده وراثة من الوراثة ...!
إن القيادة العادلة والآمنة لن تكون إلا بأيدي المؤمنين الذين يتخذون من القرآن مشكاة على درب الحياة... يتخذون من المنهج الرباني قانونا يؤطّر المسير، يعلمون أن الخلافة في الأرض تكليف إلهي لتعميم الخير على الأرض ولتعليق أهل الأرض برب السماوات والأرض ...
وهكذا... نعود إلى هذا القسم(21-27) من قطاعنا الكليّ (21-32)
قد عرفنا الثابت الأول على طريق الثبات على الهُدى (18-20) (إعلان التوحيد+ الدعوة للإسلام) .ومع هذا القسم الجديد (21-27) ها نحن بين يدي الآية الأخيرة منه :
"...بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ(27)"
"...بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" بيده الخير سبحانه، ولذلك كان منهجُه للأرض وللإنسان هو خير الأرض، ومن طبّق منهجه وأدى رسالة استخلافه في الأرض هو مبلّغ هذا الخير للبشرية.
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ(27)
سبحانه يدخل طائفة من الليل في النهار، وطائفة من النهار في الليل، فيقصر النهار أو يطول، كما يقصر الليل أو يطول، كما يجعل في اليوم حلول الليل تدريجيا بعد النهار، وحلول النهار تدريجيا بعد الليل، فلا ليل يدوم ولا نهار يدوم. كما يخرج الحيّ من الميت، ويخرج الميت من الحي، بإخراجه الثمرة من النوى، وبإخراجه النوى من الثمرة، وبإخراجه الكافر من المؤمن، وبإخراجه المؤمن من صلب الكافر. سبحانه صاحب الأمر في أمره...
وإننا لو أسقطنا الليل والنهار والحيّ والميت على ما عرفنا لوجدنا رابطا :
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ----> إشارة إلى إعزاز الله من يشاء وإيتائه الملك من يشاء في دورة لا يدوم فيها ليل كما لا يدوم فيها نهار.
وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ-----> كما هو حال من يحملون الحق اليوم وهم لا يتحلّون بأهليّة حمله، وكما قد تُخرَج الحياة من الحال الرُّزء التي هم عليها . وكما قد تخرج حياة هذا الدين من أصلاب كافرة .
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12570;image)
وعلى هذا تبيّن لنا أن رسالة الإصلاح في الأرض هي على عاتق المؤمنين بعد فشل مَن قبلَهم
إذن فهو السلاح الثاني في انطلاقتنا على الدرب للثبات على الحق والهُدى، حامل الحق والهُدى هو الذي عليه نشر الحق والهُدى... ولقد استُبِق بيان حمل الرسالة وتأديتها بما جاء في الثابت الأول من دعوة إلى مقابلة المحاججين بدعوتهم إلى الإسلام في قوله تعالى : "فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(20)"
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12556;image)
-
نكمل مع ما بقي من آيات قطاعنا (21-32)، لعلنا نقع على ثابت آخر من ثوابت الانطلاق على الدرب، والتي تخوّل لنا الثبات عليه...
3- "لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ(28) قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ(30) قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(31) قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ(32)"
عرفنا حتى الآن :
الثابت الأول: الشهادة وإعلان الإسلام والدعوة له.(18-20)
الثابت الثاني: الرسالة اليوم على عاتق المؤمنين بعد فشل مَن قبلهم(21-27)
وهكذا وجب أن يتسلح المؤمنون الحاملون للرسالة بصفات تميّزهم عن أهل الكفر، تميّزهم عن أولئك الذين عرفنا شيئا من صفاتهم وأفعالهم(21-25) التي أخرجتْهم عن أهليّة حمل رسالة الخلافة في الأرض، صفات تؤهّل للثبات رغم كل المعوقات من شهوات وشُبهات .
فلنتأمل ....
لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ(28) قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ(30)
"الوِلاية" بكسر الواو لغةً هي النصرة، و"الوَلاية" بفتح الواو تولي الأمر .
3-أ) ونفهم القرآن بالقرآن حينما نستحضر قوله تعالى : "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ..." –الممتحنة: من الآية 1-
إذ أنّه لا يجوز إلقاء المودّة إلى من كفروا بالحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فالدين هو أول ما يغضب له المؤمن، وهو ما يحب لأجله وما يكره لأجله، فمَن لا يرتضي في أقرب المقربين إلى قلبه كلاما أو مناصبة عداء، أولى به ألا يرتضي في دينه ذلك، فيحب من والاه ويكره من عاداه. ويقول سبحانه : "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " –المائدة:51- ولأن بعضهم أولياء بعض، فإن الأولى بالمؤمنين أن يوالي بعضهم بعضا لا أن يوالوا مَن لا يوالونهم. وعلى هذا فإن : " وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ "، لأن من كفر بالله فهو لله سبحانه عدوّ، فكيف يكون من الله في شيء مَن والى عدوّه ؟! ولكن وكعادة القرآن في كماله وإحاطته بكل الأحوال بما فيها من ظروف محيطة وعوامل مؤثرة، يستثني : "إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً"، التقيّة والمُداراة التي يُضطر لها من أحيط بمَن يخشى أذاهم وسطوتهم، فيكون من وسائل حفاظ المؤمن على عرضه ونفسه أن يُداري فيُلين لهم الكلام ويبشّ في وجوههم دفعا لشرّهم.
يقول الطنطاوي في تفسير الوسيط :
"والموالاة الممنوعة هي التي يكون فيها خذلان للدين أو إيذاء لأهله أو إضافة لمصالحهم، وأما ما عدا ذلك كالتجارة وغيرها من ضروب المعاملات الدنيوية فلا تدخل في ذلك النهي، لأنها ليست معاملة فيها أذى للإسلام والمسلمين"
وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ (28)
"وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ" سبحانه يحذّر من هذه الموالاة، كما يحذّر من التمادي في التقيّة حتى يتجاوز صاحبها الحدود باسمها، فيضرّ بالدين باسمها وبدعوى حفاظه على نفسه، أو يَمرُد على النفاق من كثرة ما يجاري ويداري.
3-ب) قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(29)ثم يتوجه سبحانه لنبيّه أن يخبر عن ربه إحاطة علمه بما يسرّ الإنسان وبما يُعلن، ذلك أنّ موالاة الكفار قد تكون ممّن يعلن موالاته ويُشهرها، كما قد تكون ممّن يظهر بوجهين، وجه يوالي به المؤمنين، ووجه آخر يوالي به الكافرين، فيلتبس أمره على المؤمنين ويحسبونه منهم وما هو منهم، فيبيّن الله سبحانه أنه يعلم بحال من أسرّ ومَن أعلن سواء بسواء، ولا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض، وهو سبحانه على كل شيء قدير لذلك حذّرهم نفسَه.
3-ج) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ(30)
هو يوم نصير فيه إلى الله تعالى، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير وشرّ، فتودّ لو أن بينها وبين حسابها على سوئها أمدا بعيدا، ويكرر الله سبحانه التحذير تأكيدا على إنذاره عباده عذابه وغضبه، ولكنه هذه المرة يُعقَب بـ: " وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ " سبحانه الذي كتب على نفسه الرحمة : "وإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" –الأنعام:54-
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ اللهَ خلق الرَّحمةَ يومَ خلقها مائةَ رحمةٍ ، فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمةً ، وأرسل في خلقِه كلِّهم رحمةً واحدةً ، فلو يعلمُ الكافرُ بكلِّ الَّذي عند اللهِ من الرَّحمةِ لم ييْئسْ من الجنَّةِ ، ولو يعلمُ المؤمنُ بكلِّ الَّذي عند اللهِ من العذابِ لم يأمَنْ من النَّار" –صحيح البخاري-
وهكذا من 3-أ و3-ب و3ج علّم الله عباده المؤمنين ألا يتخذوا الكافرين أولياء، وذكّرهم بيوم الحساب الذي يُجزى فيه كل إنسان بما عمل.
وعلى هذا نقول أنّ الثابت الثالث بين أيدينا على طريق الثبات على الهدى والحق هو : البراء من أهل الكفر (28-30)
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12568;image)
-
4-نكمل الآن مع آخر ما تبقى من القطاع الكلّي (21-32) وهما الآيتان 31و32، ولا أحسبهما إلا الثابت الرابع ..
فلنـــــــــــرَ ...
ها قد علّم الله ما يجب أن يكون عليه المؤمنون -من بعد ما بيّن صفات الكافرين الذين لم تعد لهم أهليّة إصلاح الأرض وحمل رسالة الخير إليها- بتحذيرهم من موالاة الكافرين، خاصة ونحن إن نظرنا بعين عصرنا وما يموج به عرفنا قوة في الكافرين وضعفا في المؤمنين، سيطرة مُحكَمة من الكافرين على أهل الإيمان واستضعافا لهم. وضع يُتوقّع معه أن يكون المؤمن ذليلا ضعيفا بإزاء الكافر القويّ ذي السطوة والسلطة، إلا أن يستمسك بعُروة الله الوُثقى، وألا تغرّه الشهوات المطوِّحات بالإنسان ذات اليمين وذات الشمال. فلاقَ كل اللَّياق أن يُذكَّر المؤمن بهذا التحذير الإلهي...
وهكذا نجدنا في كل مرة مع قضيّة الثبات، نتعلّم أنّه لا يكفي أن يؤمن المرء ويعلن إيمانه، وبعدها يَسلَمُ جانبُه. إنما هذه الدنيا امتحان واختبار، وأَولى الشؤون بالاختبار في العبد إيمانُه . يقول تعالى : "أحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ"-العنكبوت: 02-
وصدق المتنبّي حين قال :
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ** حتى يراق على جوانبه الدمُ.
ثم يأتي الآن تعليم جديد للمؤمنين... لصفة من أهمّ الصفات التي يجب أن يتحلّوا بها. بها ينأون عن مزالق الكافرين الذين ذمّهم الله تعالى وأشار إلى إخراجهم من فضله الذي خصّهم به دهرا من الزمان حينما تجرّدوا منها .
قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(31)
جاء أمرا من الله تعالى لنبيّه وصفيّه صلى الله عليه وسلم أن يقول بهذا التعليم الرباني، أنّ علامة حبّ العبد لربه سبحانه اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالمقابل فإنّ اتّباع المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم موجب لحبّ الله إياه. اتباع سنّته صلى الله عليه وسلم، فيما كان توجيها منه وتربية وإرشادا وهداية وتعليما وحكما، بلسانه أو بأفعاله.
4-أ) حبّ العبد المؤمن لله تعالى موجب لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم .
4-ب) اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم موجب لحب الله للعبد ومغفرته لذنوبه
قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ(32)
ويُتلى الأمر الأول من الله تعالى لنبيّه بأمر ثان، أن يعلّم المؤمنين وجوب طاعة الله ورسوله، فيزيد بيان أهمية طاعته صلى الله عليه وسلم بعد أن قرنت بطاعة الله بقوله تعالى : " فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ " أي أنّ المتولّي عن طاعة رسول الله في عِداد الكافرين.
** اتّباع الرسول صلى الله عليه وسلم ----> علامة حب العبد لربه، وموجب لحبّ الله تعالى لعبده
** طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مع طاعة الله ----> علامة الإيمان بالله
** عدم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مع طاعة الله ----> علامة الكفر بالله.
وإن في القلب لحُرقة وفي الحلق لغصّة من كمّ صيحات التشكيك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سنّته التي جاء القرآن مبيّنا وجوب اتباعها، والتأسي بتوجيهاتها والأخذ من تربياتها، والاسترشاد بهَديها، في هذا الموضع الذي بين أيدينا كما في مواضع أخرى غيره : "...ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" –الحشر: من الآية 7 –
فإما تشكيك كلي في السنة والدعوة للاحتجاج بالقرآن وحده، أو تشكيك جزئي بها، والقول بأن منها ما يُؤخذ به ومنها ما لا يؤخذ به، أو طعن في الصحابة للتشكيك بنقلها، أو تشكيك بالجهد الذي بذله العلماء لتنقيتها وتخليصها من المكذوب والموضوع وبيان سقيمها من سليمها ... ضروب من التشكيك وألوان !
وإنه لم يَفُتْ هؤلاء (الذين يسمون أنفسهم قرآنيين)أن يجعلوا من الآيات القرآنية الدالة على حجيّة السنة ووجوب اتباعها(من مثل هاتين الآيتين) ذات دلالة أخرى، دلالة أنّ طاعة الرسول تكون بطاعة ما جاء به من أمر القرآن، ولا يعدو أن يكون أمرا من رسول الله لا وجود له في القرآن...
فإن كان الأمر كذلك، فلمَ لم يقتصر الأمر الإلهي بالطاعة على "الله" وحده دون أن تُقرن به طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، مادام من الجليّ الذي لا يُجَلّى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم هو المبعوث بالقرآن من الله ؟! وإن كان الأمر كذلك، فما بال هؤلاء يصلّون خمسة أوقات في اليوم والليلة، وما جاء بها القرآن، بل جاء بحركاتها فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وبأقوالها لسانه ؟!
ثم للذين يشككون في صدق وعدالة ناقلي الحديث النبوي، فيقولون عن الصلاة مثلا أنها منقولة بالتواتر لفعلها من جميع الصحابة لا من طائفة منهم دون أخرى ولذلك هم يقبلون نقلها إلينا، أكان قانونا لا يُشقّ ونظاما لا يُختَرق أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كل المؤمنين في كل ما قال وفي كل ما فعل ؟! فلا يكون له مجلس مع العدد القليل ولا مجالس خاصة مغلقة مع زوجاته ولا مع أهله والمقرّبين إليه ؟! فيُمنع الأخذ بكل لقطات حياته تلك التي كانت دائرتها غير دائرة المؤمنين كافة ؟!
وإنني وأنا أتأمل هاتين الآيتين :"قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(31) قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ(32)"
لا أرى الله تعالى يخصّص من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء في القرآن وحده دون غيره، بل جاء الاتباع هنا غير مقيّد بقيد، اتباع مطلق : "فاتّبعوني"، كما جاء الأمر بطاعته صلى الله عليه وسلم أيضا مطلقا غير مقيّد بأمر القرآن وحده: "أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ" . فمن أين لمَن فسّر بهواه أن يقيّد على هواه ما أطلقه الله تعالى ؟!
كثير كثير هو هذا النعق من كثير وكثير من الذين ينفثون سموم الشكوك، وأيضا ممّن يسهل ازدراد عقولهم لتلك السموم ...!
وعلى هذا نكون مع الثابت الرابع : طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه من طاعة الله تعالى.
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12582;image)
-
وعلى هذا نكون قد أنهينا قطاعنا الثالث من هذه السورة (18-32)، ألحِقُه في التخطيط أدناه بالخطوتَيْن الأولَيَيْن :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12580;image)
يعرّفنا سبحانه أسباب الاهتزاز
ويعلّمنا عوامل الثبات
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12621;image)
يعلّم المؤمنين ثوابتهم على درب الحياة
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12623;image)
رأينا مع القطاع الأخير (18-32) كيف تُعطي المجموعة من الآيات تلك اللُّحمة وذلك الرابط الذي يجعلها قطاعا متّحد الغاية، إذ قد اجتمعت فيه عوامل الثبات التي على المؤمن التسلّح بها على درب الحياة . على هذ النّسق أتأمّل من السورة مجموع الآيات التي تعطي عنوانا موحّدا ...
وأحبّ بين الحين والحين أن أعرب عن مدى سعادتي بالأوقات التي أقضيها في ظلال القرآن الكريم، نقضي ساعات من السعادة والانتشاء ونحن نتدبّر آياته اليانعات المُزهِرات المُثمرات، وتعتصرنا حسرة وندم على ساعات ننأى فيها عن هذه الحياة... حياة يحفّ جوانبَها استشعار معيّة الله تعالى... استشعار حكمته وعظمته، وتدبير أمره، وهُدى كتابه وإرشاداته القويمة ... فتحدث الذِّكرى، ويحدث الاتعاظ ويتجدَّد الإيمان، وتحلو الحياة والمؤمن في معيّة الله تعالى...
نَمضي سويا على درب الحياة والقرآن لنا مشكاة ... نمضي ونحن نتحرّى أن نعيش بالقرآن حياة لا أن نكتفي بالقراءة الحرفية أو بالتدبّر الذي غاية غاياته الشعور بنشوة الإبداع في الفهم والحفر خلف المعاني وما بين المعاني، نشوة قد تكون فخّا خطيرا يوقع صاحبه وهو يظنّ نفسه الواقف على قدمَيْن، فيطير بالحزر والفهم والفهم الجديد وينسى العمل.. نعوذ بالله من هذا ونسأله سبحانه أن يرزقنا تفطنا لحِيل النّفس وأحابيل الشيطان .
نتقدم مع الآيات، وهذه المرة مع قطاع جديد منها ...يبدو هذه المرة أطول من سابقيه ...
وكدأبي مع القطاعات السابقة، رأيت فيه الوحدة والترابط... ولمتأمّل أن يتتبّع الخُطى ويرى إن كان فيه من ذلك التجانس والتناغم :
إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(34) إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(37) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء(38) فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ(39) قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ(40) قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ(41) وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ(42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(43) ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ(44) إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ(45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ(46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ(47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ(48) وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(49) وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ(50) إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ(51) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ(53) وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(54) إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ(56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(57) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ(58) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ(59) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ(60) فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(61) إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(62) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ(63)
في خلال هذه الآيات، وعند قراءة عامة لها، نلاحظ أنّها قَصص، مبتدئة بقصة ميلاد مريم، ومنتهية بقصة عيسى عليه السلام. وأواخرها : " إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ..."
تُرى ما الغاية من هذا القَصص، وما علاقة قضية الثبات والتثبيت بهذا القَصص ؟ هذا ما سنعرفه، ونحن نقصّ أثر الآيات ...
1- إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(34) إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(37)
1-أ) "إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(34)" خصّ الله تعالى بالذكر كلا من آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران. هم الذين أعلن سبحانه اصطفاءهم على العالمين، على كل مَن كان في زمانهم. والاصطفاء معناه الاختيار والتفضيل. وإذا تأملنا عرفنا أنّهم صفوة الله من عباده الذين خلق أجمعين، من الأولين والآخرين، ذلك أن أنبياء الله تعالى هم خيرة خلقه والأعلَون بينهم، وهؤلاء المُسَمَّون منهم خاصة هم أصل كل الأنبياء على الأرض .
** فآدم عليه السلام ----> أبو البشر ومنه كل البشر، فمنه كل الأنبياء.
** نوح عليه السلام ----> أول رسول للناس، جاء بعد أن وقع الشرك فعبد الناس آلهة من دون الله.
** آل إبراهيم----> إبراهيم عليه السلام وذريّته، وهو أبو الأنبياء. وآخر نبوة في ذريته هي آخر نبوة ورسالة على الأرض، تلك التي اختُصّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
** آل عِمران----> هو عِمران أبو مريم أم عيسى عليه السلام.
وبهذا يكون تخصيص هذه الأسماء الشريفة بالذكر إنما هو إجمال لذكر كل الأنبياء عليهم السلام في هؤلاء، هي تلك السلسلة اللؤلئية التي تنتظم فيها حبّات خيار خلق الله تعالى، هُداة البشر لرب البشر. وإنّ في هذا التسلسل بيانا لما يلي :
** الله واحد ودينه واحد، وبَعْثُ أنبيائه كلهم كان بدعوة واحدة، لدفع كل التباس وتلبيس على هذه الحقائق، وهو ما جاءت هذه السورة تحديدا لدفعه ودحضه وبيان باطله، كما عرفنا من أوّلها إحقاق الحق ليكون المؤمنون على بيّنة منه، وإبطال أباطيل أصحاب الشبهات والاستمساك بالمتشابهات.
** رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من هذه السلسلة التي لا تنفكّ، ولا يتبدّل جوهرُها ولا تختلف غايتُها.
** تأتي الآية 34 لتبيّن بما لا يدع مجالا للشك أنّ هؤلاء ذرية بعضها من بعض :" ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(34)" وأنا أرى أنّ "بعضها من بعض" هنا لا تعني البعضيّة النَّسَبيّة وحدها، بأن يكون أحدهم من صلب الذي قبله، بل هي أيضا البعضيّة العقديّة، إذ تجمعهم رَحِم العقيدة الواحدة والدعوة الواحدة. يقول تعالى : "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ..." -آل عمران: من الآية195-
والعرب تقول : هو منّي وأنا منه ، وفي عكسه يقولون كما قال النابغة :" فإنّي لستُ مِنْكَ ولستَ مِنِّي "
وهذا الاصطفاء والتفضيل من الله تعالى كان لآدم أول ما كان... فيقفز التساؤل حول ماهيّة اصطفائه، كيف يكون آدم مُصطفى بمعنى مختارا من بين غيره وهو أول البشر؟! وهذا ما دعا عددا من التطوّريين (المؤمنين بنظرية التطور.الموجّه) إلى الاستشهاد بهذه الآية على أنّ هناك سلالة من البشر غير عاقلة كانت قبل آدم عليه السلام.
وردا على زعمهم أقول أنه لا يجب أن نَركَن إلى فهم الاصطفاء على أنه اختيار وتفضيل أحدهم بخاصيّة ما من بين أهل زمانه وحسب، ليس بالضرورة ذلك ...فقد يكون اصطفاء آدم من بين البشر الذين قدّر الله خلقَهم من قبل أن يوجِدهم، والذين كانوا في عالم الذرّ، هذا من ناحية ... كما قد يكون سبب الاصطفاء عند الواحد من المذكورين غير سبب اصطفاء الآخر.
-
/*/فنرى أنّ اصطفاء الله لآدم عليه السلام من بين البشر كلهم كان بإسجاد ملائكته له، وبتعليمه أسماء كل شيء، وبإدخاله الجنّة، ولم يُسجد ملائكته لغيره من خَلقه، ولم يعلّم الأسماء كلها غيرَه... فهذا وجه اصطفائه سبحانه له.
/*/أما سيدنا نوح عليه السلام فوِفقا للتفسير الذي يرى أنّ الطوفان عمّ الأرضَ كلها، فأهلك كل مَن عليها عدا مَن نجا في السفينة فقد اصطفاه سبحانه بأن جعله أبا البشر الثاني، ولن يكون كذلك بالتفسير الذي يرى أنّ الطوفان إنما خصّ أرض قوم نوح دون بقع الأرض الأخرى، وقد فضّله سبحانه واصطفاه أيضا بأن جعله أول الرسل من بعد أن أشرك الناس وألّهوا غير الله ما بين زمان آدم إلى زمانه عليهما السلام، ومن ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه، فيما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم من حال المؤمنين يوم القيامة وهم يأتون الأنبياء يستشفعونهم أن يريحهم الله من طول الانتظار، فيحيلهم آدم عليه السلام إلى نوح بقوله : "لستُ هُنَاكُمْ ، ويذكرُ لهم خطيئتَه التي أصاب ، ولكن ائتُوا نوحًا ، فإنَّهُ أولُ رسولٍ بعثَه اللهُ إلى أهلِ الأرضِ"
/*/ولقد فضّل الله سيدنا إبراهيم عليه السلام بأن أخرج من صلبه الأنبياء من زمانه إلى الأزمنة التالية نبيّا عن نبي، فكان منه إسحاق وإسماعيل عليهما السلام، ومن إسحاق كان يعقوب ومن يعقوب كان بنو إسرائيل الذين توالتْ فيهم الأنبياء، داود وسليمان، وموسى وزكريا وعيسى وغيرهم، ومن إسماعيل كان حبيب الله وصفيّه خاتم الأنبياء وإمام المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم : "أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا" –النساء:54-
/*/كما فضّل الله آل عِمران بأن جعل فيهم معجزة خلق عيسى عليه السلام من غير أب، ولقد اصطفى قبله مريم ابنة عمران لتكون أمّه : " وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ"-آل عمران:42- وإذا دققنا فإن اصطفاء مريم على نساء العالمين هو من اصطفاء آل عمران على العالمين.
ولا يفوتُني هنا أن أشير إلى أنّ " ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ " تعني بالإضافة إلى ما سلف أعلاه، بعضيّة أمر الله فيهم، مستحضرين مثلا وهْب الله إبراهيم الذريّة على كبر منه ومن زوجه، كالذي كان في زكريا وزوجه :" قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ"-هود:72- ، وخلقه سبحانه لعيسى بغير أب كأمره في آدم وقد خلقه من غير أب ولا أم : " إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ "-آل عمران:59-
نأتي الآن إلى سؤال هو لازمة من لوازم ما نحن بصدده من تحرّي الخطوات ومراقبة الخَطو ... ما علاقة هاتين الآيتَين الأولَيَيْن من قطاعنا الجديد بما سبق من آيات ؟
العلاقة نستشفّها مما ذكرنا من تفصيل حول الاصطفاء والتفضيل...
من (1) : "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(31) قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ(32)" -----> إلى (2) : "إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(34)"
من (1): بيان وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته إلى (2): الحديث عن أصله صلى الله عليه وسلم وسلسلته الممتدة من بدء خلق الإنسان وصولا إليه، ووحدة دعوتها ورسالتها. وأن الحق الذي جاؤوا به واحد .
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12613;image)
-
2-أما الآن فمع الآيات المواليات للتي جاء فيها ذكر تفضيل واصطفاء الله تعالى لكلّ من آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران . وكلها حكاية عن امرأة عمران وما كان منها(35-37) وهي مناسبة كل المناسبة لما قبلها وقد جاء فيه ذكر التفضّل على آل عمران من بين العالمين.
القسم الأول : قصة امرأة عمران ومجيئ مريم(35-37)
إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(37)
2-أ) إنها امرأة حُبلى، طائعة، خاشعة لربها، ومن حبها له سبحانه ها نحن نسمعها وهي تنذر ما في بطنها لله محرّرا، والنذر التزام التقرب إلى الله بأمر من جنس العبادات التي شرعها لعباده بزيادة فوق ما افتُرض عليهم، من مثل نذر بصلاة فوق صلاة الفرض أو بصيام فوق صيام الفرض.. فهي ذي تنذر ولدها المُقبل محرّرا لله تعالى. وكما يقول ابن عاشور في التحرير والتنوير عن المحرر : " أي عتيقا مخلصا للعبادة متفرغا من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدس . يقال : حررت العبد إذا خلصته من الرق وحررت الكتاب إذا أصلحته ولم يبق فيه شيء من وجوه الخطأ ، ورجل حر إذا كان خالصا لنفسه ليس لأحد عليه سلطان ."
وإني أتأمّل : "محرّرا لله" لأجد لها وقعا خاصا، وأهل الدنيا وعبيدها اليوم يرون البُعد عن الله تعالى وعن تكاليفه تحرّرا، ويرون في الدين وفي التزام تكاليفه تقييدا للإنسان وحَولا دون انطلاقه بالغرائز الحيوانية فيه ليعوث في الأرض فسادا وإفسادا، وليخلط حلالا بحرام، و ليخلط فطريّا سليما بشاذ سقيم، وليغدو الإنسان والحيوان نِدّان، ليس للإنسان ما يردعه ولا ما يهذّبه، ولا ما يضبط شهوانياته المسعورة ... كلّه في ميزان "الحرية" عندهم صُنوان ... ! بل قانون وعنوان ...!
أما امرأة عمران، فهي ذي ترى في خُلوص ولدها لعبادة الله تعالى قمّة التحرّر، وهي تجعله له بعيدا عن لوثات الدنيا وعن شواغلها وما تأخذ به. بل وغاية أمنياتها أن يتقبّل الله تعالى منها النذر، لا ترى فيه عملا تتعاظم به وإن على سبيل العبادة ..وتلك سِمات العبد المخلص الصادق.
كما أرى في قولها: " إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " ما يبيّن مدى تقديرها لربها الذي تعلم أنه الذي يسمعها، وليس يسمعها وحسب، بل يعلم حقيقة ما تُبطن زيادة على ما تُظهر وتُعلن بلسانها.
2-ب) ثم نجدنا مع ساعة وضعها لما نذرته لله تعالى... في اختصار قرآنيّ بديع، ينقلنا من الحدث إلى الحدث، من الزمان إلى الزمان في تصوير يأخذ العقل البشريّ إلى كل مقام بما يناسبه، فنَعِي في لمحة بين آية وآية هي الفارقة بين زمان وزمان أنّ امرأة عمران لم تغادر مُناها، وأنه لم يكن مجرّد قول منها يمرّ عليه الزمان فيبلى، بل هي الثابتة عليه ...
نلمس ثباتها في مُناجاتها ربها من جديد وهي التي وضعت، كما ناجته وهي حُبلى : " رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى ".. هكذا نستشعر نبرة التحسّر على وضعها أنثى، ليس لأنها أنثى بميزان الجاهليين الذين كانوا يرون تميّز الذكر عنها في كل شيء، بل لأنّ الأنثى لا تصلح لنذرها الذي نذرت، لا تصلح لأن تكون خادمة لبيت الله تعالى لا تبرحه، وهي التي تحيض وتعجز عن التكاليف الكثيرة والثقيلة ..."والله أعلم بما وضعتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى"، علمها عن عين اليقين بعد أن رأتْها، ولكنّ الله علمه بها من قبل أن تكون، وليس الذكر كالأنثى ... ليس الذكر الذي تمنّت كالأنثى التي رُزِقَتْها، نستشف أنّ الأنثى هنا هي الفاضل، والذكر هو المفضول، هذه الأنثى وما سيجعل الله منها من خير، ما ستُفضَّل به من أمر الله تعالى، وما ستُخصّ به من دون نساء العالمين هي خير بكثير من الذكر الذي تمنّته امرأة عمران... "وليس الذكر كالأنثى" ... وأيّ أنثى هي ؟!!
وتكمل مناجاتها : " وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ "، فأما هذا الجزء الثاني من مناجاتها، فهو الرضى منها بما أعطى الله تعالى. سمّتها "مريم" وهو عندهم بمعنى "العابدة"، وزادت فأعاذتها بالله تعالى وذريتها من الشيطان الرجيم... أي أنها استجارت بالله وألجأتها بحصنه المكين من شرور الشيطان الرجيم .
وفي إعاذتها لها وذريتها بالله من الشيطان إشارة إلى عبادة وطاعة تختصّ بهما امرأة عمران أم مريم، فنراها المرأة التي لا تكتفي بإلجاء مولودتها إلى حصن الله تعالى وحِرزه، بل هي تطمع في أن ينجّي الله تعالى ذريتها من الشيطان، فتكون ذرية صالحة، وربما هذا مطمع من مطامع امرأة عمران العابدة، الطائعة لربها، يجعلها لا تيأس من أن يكون في عقِبها خادم لله تعالى محرّر له، كما تمنّت ، فإن لم يكن في مريم ففي ذريتها من بعدها ... وذلك حقا ما كان ... وإن كان يحقّ لي التأسي بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف نفسه : "وسأخبرُكم بأوَّلِ أمري : دَعوةُ إبراهيمَ ...." إلى آخر الحديث. فسأقول أنّ سيدنا عيسى عليه السلام دعوة جدّته أم عمران ...
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما مِن مَولودٍ يولَدُ إلَّا والشَّيطانُ يَمَسُّه حين يُولَدُ، فيَستهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيطانِ إيَّاه، إلَّا مَريمَ وابنَها، ثمَّ يقولُ أبو هريرةَ: واقرَؤوا إن شِئتُم: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]. " –صحيح البخاري-
2-ج) ومع مرحلة جديدة من مراحل مريم بنت عمران: " فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(37)"
فها هو الله سبحانه وتعالى يعلن تقبّله لمريم بقبول حسن، وإنباتها نباتا حسنا، فأما القبول فهو تقبّله لها محرّرة لخدمة المسجد، كما نذرت أمها، ولم يكن ذلك للنساء قبلها، بل لقد تخاصم في كفالتها أحبار المسجد الأقصى، قال تعالى : " ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ" –آل عمران:44- وأنبتها نباتا حسنا، أي أنشأها تنشئة حسنة، جعلتها مريم العابدة الطائعة القانتة لربها، وقد كان لكفالة زكريا عليه السلام لها -يُروى أنه كان زوج خالتها- أثر في هذه التنشئة على أفضل الأخلاق وأقوم السلوك وأكمل الصفات. عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كمُلَ منَ الرِّجالِ كثيرٌ ، ولم يَكمُلْ منَ النِّساءِ : إلَّا مريمُ بنتُ عمرانَ ، وآسيةُ امرأَةُ فرعونَ ، وفضلُ عائشةَ على النِّساءِ كفَضلِ الثَّريدِ على سائرِ الطَّعامِ" –صحيح البخاري-
وهذا القرآن كعادته بين آية وآية يختصر لنا الزمن ليُعطينا لُبابه وخُلاصته الخالصة، فهي ذي مريم بمحرابها، وهذا ذكر المحراب وذكر مريم فيه أكبر دلالة على أهم صفات مريم، العابدة التي تتخذ محراب الصلاة والعبادة مكانا لها، تُعرف فيه، وتُعرف به... أكبر دلالة على تقبلها بقبول حسن، وإنباتها النبات الحسن ..." كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(37)"
كلما دخل عليها زكريا المحرابَ ليتفقدها، مما يوحي بأنه مكان مريم الذي تأوي إليه وجد عندها رزقا، رزقا خاصا لا يُعرف مصدره، يُروى أنه كان من فاكهة في غير موسمها، يسألها عنه لتجيب إجابة العبد الموقن بطلاقة قدرة ربه العظيم، وبمشيئته الواسعة : " هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ". وهذا مما يزيد في بيان قوة إيمان مريم ويقينها بربها...
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12593;image)
-
3-أنهينا مع الآيات السالفات من قطاعنا الكلّي (34-63) قصة امرأة عمران ومولد مريم، وننتقل منها إلى قصة جديدة، ذات صلة بمريم، وهي قصة مولد يحي عليه السلام.
القسم الثاني: قصة مولد يحي عليه السلام
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء(38) فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ(39) قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ(40) قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ(41)
هذه القصة سيكون عَلَمها زكريا عليه السلام، الذي عرفناه كافلا لمريم بمشيئة من الله تعالى، وبهذا لا تنبتّ تلك الصلة، وقد عرفنا أنّه زوج خالة مريم، كما ألمحتْ لنا الآيات السابقة أنه كان كثيرا ما يدخل على مريم المحراب، إذ قد كان كافلها الذي يتفقّدها ويرعى شؤونها، ولم تكن مرة تلك التي سألها فيها عما كان يجده عندها من رزق، بل كان كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا، مرات كثيرة ... وكانت في كل مرة تردّ ردّ التقيّ الموقن بربه : "هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ".
3-أ)عملت كل تلك المرات، وكل تلك المشاهدات منه لما كانت تُختصّ به مريم من رزق إلهيّ خارق للعادة عملها في نفس زكريا النبي عليه السلام، وأيقظت فيه أمنية كانت تسكنه، لم يكن يرى عجبا ولا كبيرا على الله أن يحققها له وهو النبي المقرّب من ربه، ولكنّه كان النبيّ الراضي بقسمته منه، المسلّم لأمره فيه وفي زوجه التي كانت عاقرا ...
دفعه جواب مريم لأن يسأل ما لم يكن يسأله، ولأن يدعو بما لم يكن يدعو به... " هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ " هنا اسم إشارة للقريب، وتدخل اللام والكاف فيصبح للبعيد مكانا أو زمانا .. في ذلك المكان، هنالك ...في ذلك المحراب الذي كان يدخله على مريم، في ذلك الزمان الذي تشرّب فيه زكريا معنى أن يسأل الرزاق الذي يرزق من يشاء بغير حساب، لا لمبلغ من الكِبر في زكريا عتيّ، ولا لعقر في زوجه...
لم يستنكف زكريا عليه السلام وهو النبيّ وهو الكافل أن يتعلم من مريم، لم يستنكف أن يتعلم من مكفولته وهي تجيبه ذلك الجواب الإيمانيّ الصادع القويّ ...
هنالك دعا ربّه : "قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء "
و"من لدنك" أي من قدرة الله تعالى التي لا تحدّها الأسباب، بل هو وَهب من وراء الأسباب. واليقين بقدرة الله تعالى في نفسه لا تجعله يكتفي بطلب الذرية بل ويزيد بـ : "طيّبة".
3-ب) وفور دعائه ربّه أجابه سبحانه، بفاء التعقيب التي تفيد سرعة الإجابة: "فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ" إضافة إلى ما بيّن أنّه ما يزال بعد في المحراب مريم:"وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ" هنالك في ذلك المكان، وفي ذلك الزمان ... "أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ(39)" بتلك السرعة تأتي هذه الاستجابة التي فيها تفاصيل هبة الله تعالى له :
**فهذا الاسم : "يحي".
**وهذه أولى صفاته " مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ " مصدّقا بعيسى عليه السلام، بأنه كلمة الله تعالى إلى مريم وأنه رسوله : "... إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ... " –النساء: من الآية 171-، كلمة الله التي كان بها عيسى عليه السلام "كُن". "إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ".
**وثانيتها أنه سيد، وهو الذي يفوق غيره في الشرف والتقوى وعفّة النفس، والحكمة، مما يؤهّله أن يكون قائدا لقومه إلى خيرَي الدنيا والآخرة.
** ورابعتها أنه حصور، وهو الذي لا يأتي النساء، ليس عن ضعف فيه ولكن عن قوة تمثلت في مقاومة الشهوات. وفيه أضع ما رأيته أكثر بيانا لهذا المعنى : " ...أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز بل للعفة والزهد، وذلك لأن الحصور هو الذي يكثر منه حصر النفس ومنعها كالأكول الذي يكثر منه الأكل وكذا الشروب، والظلوم، والغشوم، والمنع إنما يحصل أن لو كان المقتضي قائما، فلولا أن القدرة والداعية كانتا موجودتين، وإلا لما كان حاصرا لنفسه فضلا عن أن يكون حصورا، لأن الحاجة إلى تكثير الحصر والدفع إنما تحصل عند قوة الرغبة والداعية والقدرة، وعلى هذا الحصور بمعنى الحاصر فعول بمعنى فاعل." –مفاتيح الغيب للرازي-
** وخاتمة الصفات وهي أكملها : " وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ " . وقد يتبادر إلى الذهن سؤال عن سرّ زيادة صفة الصلاح على النبوة، وفيه وقعتُ على قول لأبي حيّان أعجبني: "فإن قيل: لما كان منصب النبوة أعلى من منصب الصلاح فلما وصفه بالنبوة فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بالصلاح؟ قلنا: أليس أن سليمان عليه السلام بعد حصول النبوة قال: {وأدخلنى برحمتك في عبادك الصالحين} (النمل: 19) وتحقيق القول فيه: أن للأنبياء قدرا من الصلاح لو انتقص لانتفت النبوة، فذلك القدر بالنسبة إليهم يجري مجرى حفظ الواجبات بالنسبة إلينا، ثم بعد اشتراكهم في ذلك القدر تتفاوت درجاتهم في الزيادة على ذلك القدر، وكل من كان أكثر نصيبا منه كان أعلى قدرا والله أعلم." –البحر المحيط لأبي حيّان-
وأي استجابة فوريّة هي لدعاء زكريا عليه السلام بالذريّة الطيبة !!
3-ج) أما زكريا فها نحن الآن نسمع كلاما منه يعقب استجابة ربّه لدعائه، كلاما نتعلّم منه أدب الحوار، وأي حوار ! إنه بين النبيّ وربه، الله الذي يعلمنا في مواضع كثيرة من القرآن كيف يحاور، وكيف يسمع لمحاورة عبد له ضعيف لا حول له ولا قوة، فلا ينهره، ولا يردّه، ولا يرى في محاورته ولا في سؤاله تجرؤا وتعدّيا لحدود العبودية، وفي ذلك تعليم رباني لتقبل السؤال، وتقبل الرأي، وتقدير العقل البشري الذي يفكّر فينضح سؤالا : "قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ(40) قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ(41)"
لقد سأله زكريا عليه السلام، وهو يعلم انقطاع الأسباب الدنيوية الموجبة لتحقيق ما يتمناه، وقد جاء تقديمه لحالته البعيدة ظاهرا كل البعد عن نوال مُناه مفصلا في قوله تعالى : "قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً(4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً(5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً(6)"-مريم-
ولكنه دعا، وحينما دعا استجيب له، فلما استجيب له لم يمنعه يقينه من قدرة الله تعالى ومن إجابته للدعاء من الاستفهام والتعجّب : "قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ..." تعليما منه أنّ احترام الأسباب وتقدير دورها من تقدير العقل البشريّ الذي لا يجب أن يكون نَهْبا للقول بالخوارق من أيّ كان، ولا في أيّ زمن كان، وكأن كل الأزمنة أزمنة نبوّة، وكأنّ كل متحدّث بها نبيّ حقيق بالمعجزات . أما إجابة الله تعالى فكانت أنه سبحانه يفعل ما يشاء .
ومازال زكريا يحاور ربه، فيسأله الثانية أن يجعل له علامة من عنده يستدلّ بها على حمل زوجه بالولد، فيجيبه ربه أن ذلك سيلمسه في عدم مقدرته على الكلام ثلاثة أيام تجعله يستخدم الإشارة في كلامه مع الناس، بينما يأمره أن يكثر من ذكر ربه بكرة وعشيا، وقد يكون الذكر والتسبيح المأمور بهما بالقلب لا بالضرورة أن يكون باللسان. سيلمس زكريا عليه السلام في نفسه هذا العجز عن الكلام والقدرة على الذكر في آن . وإنما أراد من ربه علامة ليكون شاكرا لا يشغله شاغل عن شكره .
وبهذا نكون قد أنهينا قصة استجابة الله تعالى لدعاء زكريا بالذرية الطيبة، فكانت معجزة خرق الله بها الأسباب بإرادته ومشيئته: " ...قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ "،في رجل قد بلغ من الكبر عتيّا وله امرأة عاقر، فكانت التقدمة للمعجزة الكبرى في خلق عيسى عليه السلام بلا أب، كان يحي عليه السلام هو الدعوة المستجابة لزكريا ليخرج للدنيا مصدقا بعيسى عليه السلام كلمة الله تعالى التي ألقاها إلى مريم.
لقد كان فعل الله تعالى بمشيئته المطلقة لتصديق خلق الله تعالى بمشيئته المطلقة
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12595;image)
-
وننتقل إلى القصة الثالثة من قَصص هذا القطاع وهي الأكثر تفصيلا من القصتَيْن الأولَيَيْن...
ولا يجب ونحن نعيش هذا القَصص الفريد الماتع الرائع، والذي فيه من فعل الله تعالى وخلقه ومشيئته الواسعة، وقدرته العظيمة أن ننسى الرابط بين ما عرفنا من السورة سابقا، وما جاء في هذا القطاع من "علم" يعلّمنا إياه الله تعالى حقا جليّا لا مرية فيه ولا لُبس ولا مجال لملبّس أن يجعله صنعة يديه ومضغة أسنانه لو أنه سبحانه أخفاه عنا... سننظر في ذلك الرابط بعد أن ننهي آخر قصة بين أيدينا :
القسم الثالث: قصة مولد عيسى عليه السلام وشأنه بعدها(42-63)
وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ(42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(43) ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ(44) إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ(45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ(46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ(47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ(48) وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(49) وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ(50) إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ(51) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ(53) وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(54) إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ(56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(57) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ(58) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ(59) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ(60) فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(61) إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(62) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ(63)
وهذا القسم بدوره قسمان، الأول عن مولد عيسى عليه السلام (42-48) والثاني عن نبوّته و شأنه في بني إسرائيل(49-63).
ترابط القَــــــصص
كنا أخيرا مع الآية التي جعلها الله تعالى لزكريا عليه السلام دليلا على حمل زوجه بيحيى، ونجدنا الآن مع مخاطبة الملائكة لمريم، وقد عرفنا قصة مولدها وما كان من أمها الطائعة المنيبة التي وهبت ما في بطنها محرّرا لله، فكانت مريم محرّرة لله، ثم عرفنا قصة زكريا كافلها وكيف كانت بتقواها وبيقينها بالله وبجوابها الإيمانيّ العميق دافعا لدعاء منه كانت بعده البُشرى بيحيى الذي وصفه الله أول ما وصفه بأنه المصدّق بعيسى كلمةً من الله... وعلى هذا نرى ترابط القَصَص وكيف أن أصل الفضل كله فيه من تفضّل الله تعالى على آل عمران .
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12597;image)
ها هي الآيات التي بين أيدينا الآن تعيدنا إلى مريم مرة أخرى، تعيدنا إليها و قد غدت مريم المرأة، لأنّ القصص معها لم ينتهِ بعدُ، والفضل الذي اختُصّ به آل عمران لم ينتهِ بعد، بل بقي منه الفضل الأكبر، والحظ الأوفر، والمعجزة الفريدة :
القسم الثالث:(أولا): قصة مولد عيسى عليه السلام (42-48)
وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ(42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(43) ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ(44) إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ(45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ(46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ(47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ(48)
4- هذه مخاطبة الملائكة لمريم... وهي من جبريل عليه السلام جاءت في صيغة الجمع، كما جاءت في نداء زكريا وتبشيره بيحيى، ويؤيد أنه جبريل قوله تعالى : " وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً(16) فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً(17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً(18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً(19)"-مريم-
مخاطبة الملائكة لمريم، الغالب أنها مخاطبة المشافهة، ولا أحب هنا أن أفوّت قضية قال فيها العلماء بقولَيْن، أكانت تلك المخاطبة من الملائكة علامة على النبوة في مريم أم أنها لا تُعدّ كذلك. وقد أعجبني كلام للألوسي في هذا أنقله : " استدل بهذه الآية من ذهب إلى نبوة مريم : لأن تكليم الملائكة يقتضيها ومنعها اللقانى وغيره من العلماء ، لأن الملائكة قد كلموا من ليس بنبي إجماعا ، فقد جاء في الحديث الشريف أنهم كلموا رجلا خرج لزيارة أخ له في الله ، وأخبروه بأن الله يحبه كما أحب هو أخاه ، ولم يقل أحد بنبوته - فكلام الملائكة لمريم لا يقتضي نبوتها وهو الصحيح " .
والاصطفاء هو الاختيار والاجتباء، وهو مأخوذ من الصفو أو الصافي، أي الشيء الخالص من الكدر : " إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ "
فها هنا اصطفاءان بدل الواحد:
أ-) فأما الأول فيبدو أنه الاصطفاء بالهداية والقرب من الله، والطاعة الخالصة وبرفاعة الخُلُق وقوام السلوك، ومن ذلك قول الله سبحانه فيما عرفنا: " فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا "، فتحريرها لخدمة بيت الله وحصول ذلك لها وهي الأنثى على غير العادة التي كانت تقتضي تحرير الذكور لخدمته دون الإناث، وتنشئتها التنشئة الحسنة، كلّ هذا من اصطفائها وتخصيصها بالفضل منه سبحانه، على شاكلة تفضيله عددا من عباده المقرّبين وعلى رأسهم الأنبياء. كما ستأتي الآيتان المواليتان بتفصيل لهذا الاصطفاء وبيان لمعناه هو البيان اللاحق، من بعد البيان السابق الذي تمثّل في: " فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ ..."
ب-) وأما الاصطفاء الثاني فإنّه قد جاء مقترنا بـ "على" مما بين أنه اصطفاء على النساء وحدهنّ، وذلك بجعل الولد منها دون أب. وسيأتي تفصيل هذا الاصطفاء في الآيات المواليات بقصة مولد عيسى عليه السلام. عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سمعتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ : ( خيرُ نسائها مريمُ ابنةُ عمرانٍ ، وخيرُ نسائها خديجةُ )" –صحيح البخاري-
وبهذا تكون مريم قد اختُصّت باصطفاءين من الله تعالى، أحدهما جعلها به سبحانه واحدة من المصطفَين من خلقه، وثانيهما جعلها به المصطفاة على نساء العالمين.
5- يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(43) ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ(44)
كما أسلفتُ، فإن الآيتين (43و44) جاءتا تزيدان في بيان معنى الاصطفاء الأول، ففي الآية 43 أمرُ الله تعالى لأمته العابدة الطائعة التي اصطفاها بالهداية والرشاد :" اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ". أراه أمرا يؤكّد أهليّة مريم لهذه الصفات وهي المصطفاة لها، وقد عرفناها :" كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ ..." فكانت تُعرف بالمحراب، وتُعرف فيه، كما كانت تجيب عن تخصيص الله لها بالرزق: " ...هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ". فلا أرى في أمرها بالقنوت(وهو لزوم طاعة الله والخضوع له) والسجود والركوع إلا زيادة هدى من الله على الهدى الذي هداها، وفي ذلك يقول سبحانه : "... إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى "-الكهف: من الآية13-
أما قوله سبحانه: " وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ " ففيه أولا زيادة دلالة على أن مريم مُصطفاة من ربها مع من اصطفاه بالهُدى والتُقى، فهي في زُمرتهم، كما أنّ فيها ثانيا التدليل على كونها -وقد اختُصّت بخدمة البيت مع خَدَمَتِه من الرجال- مأمورة أن تركع معهم بمزيّة خاصة كانت لها وهي المحرّرة لله. كما أرى ثالثا أنّها في زُمرة أصحاب الهُدى الذين هدى الله، وليست لاختصاصها بأمر الله فيها ذات هُدى من نوع آخر، بل هو الهُدى الواحد من الله الواحد.
ويزداد الاصطفاء الأول بيانا من الآية التالية:" ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ(44) "
فيه التفات لمخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تجديد انتباه القارئ والسامع أنّه يتلقى هذا الحق، وهذا النبأ من الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، من هذا الكتاب الذي لا ريب فيه، من هذا الكتاب الذي فيه هُدى الله الواحد الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم كما جاء به مَن قبله، هؤلاء الذين ينقل الله تعالى نبأهم وقَصصهم إلينا عبر صفيّه صلى الله عليه وسلم.
فأين أنت يا محمد من هذا الغيب الذي لم تعاصره ولم ترَه عينك لولا هذا الإنباء من الله تعالى لك عبر الوحي ؟ فما كنت لديهم وهم يقترعون على كفالة مريم، وما كنت لديهم وهم يختصمون في كفالتها ؟ لم ترَ تخاصمهم، كما لم ترَ اصطلاحهم على التسليم بنتيجة الاقتراع الذي اعتمدوه بإلقائهم الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة، فالقلم الذي طفا على سطح الماء منها كان لصاحبه الحظ في كفالة مريم . وفي هذا لو تأملنا بيان لقدر مريم التي تخاصم خدمة البيت المقدّس في كفالتها، كلّ منهم كان يتمنّاها حظّه ... أفليس هذا من فضل الله عليها ومن أمارات اصطفائه سبحانه لها ؟
-
ثم ها نحن نُقبل على معنى جديد، على نبأ جديد من أنباء الغيب الذي ينقله الله لنا عبر هذا الكتاب الموحَى به لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد كانت الآيات (42-44) مقدّمة عرّفتنا قيمة مريم وقدرها عند الله تعالى، وتنزُّهَهَا عن كل خبث ودنس يقول به المتقوّلون عليها، والطاعنون في عفّتها وشرفها كما فعل قومُها، وقد كانت المقدّمة لمريم أيضا لإيناسها بما يثبّتها وهي المقرّبة من ربها من قبل أن تسمع ما يشقّ عليها من الأمر العظيم الذي أراده الله فيها... وها نحن بين يدَي أمر الله تعالى في مريم :
إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ(45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ(46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ(47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ(48)
6- ها هي مريم تُخاطَبُ من الملائكة بكلام غير الكلام الأول، تُخاطَب هذه المرة بالأمر العظيم الذي اصطفاها الله تعالى له دون نساء العالمين، وها هنا تفصيل وبيان هذا الاصطفاء الثاني الذي خُصّت به(عرفناه في الحديث عن الاصطفاءَيْن) :"إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ(45)"
يبشرها سبحانه بكلمة منه، أي كلمة هي هذه التي يبشرها بها سبحانه ؟ أي كلمة هي هذه التي اختُصّت بها مريم من الله تعالى ؟
إن الملائكة لا تلبث إلا نزرا قليلا حتى تُبِينَ لمريم عن كُنْه هذه الكلمة ... إنها البشرى !
وهذا الله الذي اصطفاك يا مريم مرتين، الذي طهّرك ونزّهك بشهادة منه سبحانه، ومَن أعلى ومَن أحق من الله شهادة ؟! هذا الله الذي تقبّلك بقبول حسن، فأعلى مقامكِ حتى كان الأحبار يتخاصمون أيهم يكفلكِ صغيرة ...هذا الله الذي أنبتك نباتا حسنا، وكفّلكِ زكريا النبي ... هذا الله الذي خصّك وأنت الأنثى دون الإناث بخدمة بيته، وبتحريرك له كما تمنّت أمك الطائعة الخاشعة... هذا الله الذي أمركِ أن تقنتي له وتسجدي وتركعي ... هو الله سبحانه الذي يبشرك الآن ...
هي البشرى يا مريم ... هي والله البشرى، إنكِ بين يدَي ربكِ الرحمان، إنكِ بين يدَي أمره فيكِ ... وأنت القانتة العابدة الساجدة، صاحبة المحراب، والقائلة عن يقين أنه الذي يرزق مَن يشاء بغير حساب ...
إنكِ من علّم زكريا أن يتوجه لربه على كِبر، وعلى وَهن العظم منه، وعلى عقر زوجه سائلا الذرية الطيبة ...
6-أ) بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ... بكلمة منه يبشرك، اسمه المسيح عيسى ابن مريم...
فأما الكلمة فهي التي كوّن الله تعالى بها عيسى في رحم مريم بلا واسطة أب، وهي قوله سبحانه لأمر إذا قضاه : "كُنْ" فيكون :
** "...قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ"-آل عمران: من الآية47-
** "إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ" –آل عمران :59- .
** " ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ(34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ(35)"-مريم-
** "أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ(81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(82)"-يس-
ترى ما سرّ تذكير الضمير في: "اسمه" بدل تأنيثه وهي "كلمة" ؟.. الشأن أنّ هذه الكلمة ليست هي عيسى ابن مريم في ذاتها، كما يتقوّل أهل الكتاب على الله بهتانا وكذبا من أنها تعني اتِّحادَ الإلهيّة بعيسى في بطن مريم فجعلوا عيسى ابناً لله ومريم صاحبة لله. تعالى سبحانه عن ذلك علوّا كبيرا..فجاء في تذكير الضمير مزيد حِياد عن التأويل بأن الكلمة هي ذات الله .
كما نستحضر من القرآن الكريم ما يؤيّد هذا المعنى لـ"كلمة" في قوله تعالى: " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا "
وعن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من شهدَ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له ، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه ، وأن عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه ، وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه ، والجنةُ حقٌّ ، والنارُ حقٌّ ، أدخله اللهُ الجنةَ على ما كان من العملِ ."-صحيح البخاري-
إن اسمه هو : المسيح عيسى ابن مريم.
وفي أقسام اسمه الثلاثة تفصيل أورده بالمخطط أدناه :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12599;image)
6-ب) وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ... وذو الوجاهة هو صاحب الشرف الرفيع، والكرامة بين القوم، والذي لا يُردّ له طلب. وهذا الوصف لعيسى عليه السلام من تمام البشارة التي بشرت الملائكة بها مريم، فهي تبلّغها أنباء عن صفات هذا الولد الذي ستُرزَقُه، فأما وجاهته في الدنيا فاختصاصه بالرسالة من الله تعالى، وجعله من أنبيائه ورسله، وهو قد جاء بالإنجيل مصدقا لما بين يديه من التوراة، وليحِلّ لبني إسرائيل بعض الذي حُرّم عليهم بنسخه لشرائع قديمة، وإقامته لشرائع جديدة، زيادة على ما اختُصّ به من معجزات ستأتي مفصلة في الآيات القريبة المقبلة. وأما وجاهته في الآخرة فهي ما يكون من تمام صدقه وكمال إيمانه يوم القيامة عند محاورة الله تعالى له : "وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ" –المائدة: 116- فيجيبه ربه بشهادته العظيمة فيه على الملأ في يومٍ مجموع له الناس: " قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ "-المائدة:119-
ومريم وقد سمعت ما كتب الله أن يكون من أمرها، سمعت كلام رسول ربها إليها بالبشرى، فوَعَتْ بهذه الكلمات الأمر كله، وَعَتْ أنه ولد منها من غير زوج، وعتْ أنه أمر الله العظيم الذي تقدّر عظمته وتعلم قدرته على كل شيء، وتوقن أنه الذي يرزق من يشاء بغير حساب..
سمعت اسمه، وصفته وأنه بها يُكنّى : "ابن مريم"، ثم سمعت وجاهته التي اختصّه بها الله في الدنيا والآخرة وأنه من مقرّبيه سبحانه ... وما تزال بعدُ تسمع :
6-ج) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ :
** سيكلّمهم مرة وهو في المهد معجزةً من الله تعالى، ينافح بكلامه عن أمه الطاهرة ويُؤكّد لقومها إيجاده بمشيئة الله المطلقة وبكلمته التكوينية، وقد عرفنا تفصيل كلامه في المهد في قوله تعالى من سورة مريم : "قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً(30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً(31) وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً(32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً(33)" .
وكان لا بدّ أن يُحفظ كلام خاصّ ومعجز كهذا الذي نطق به عيسى عليه السلام وهو في المهد صبيّ، ويُنقل رجلا عن رجل، وامرأة عن امرأة، وجيلا عن جيل، ولكنّ الذين حرّفوا وبدّلوا لم يكونوا ليحرّفوا ولا ليبدّلوا لو أنّهم كانوا أمناء عليه ... بل إنّ ذلك كان من أهمّ ما طُمِس وأُخفِيَ... كيف كانوا ليقولوا بالتثليث أو بأنّ الله هو عيسى لو أنهم نقلوا وكانوا الأمناء ... ؟!
** وسيكلّم الناس كهلا، والكهولة هي السنّ التي يخرج بها صاحبها من فترة الشباب، وفيها تكتمل القوة وينضج العقل، عندها سيكلّم عيسى عليه السلام الناس بكلام الله تعالى ووَحْيه، برسالته إليهم، بشرائع الله يبلّغهموها ويعلمهموها . وذلك كلام النبوة والدعوة والإرشاد.
ويقرن الله تعالى وصف عيسى عليه السلام بكلام الناس في المهد وكهلا بصفة أخرى، هي الصلاح: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ ، وإنّ لي مع هذه الصفة المُردفة لمعجزة كلامه وقفة ...
كلام الناس الذي ذكره الله تعالى، هو كلام النبي المبعوث المأمور بالدعوة، بالإصلاح ، ولن يكون المصلح أهلا للإصلاح حتى يكون في نفسه صالحا، وربما قال قائل: وهل تحتاج صفة النبوة في نبي إلى مزيد بيان بغيرها، وهي في ذاتها بيان عن قمّة الصلاح ؟
أقول أن الأنبياء عليهم السلام، من أهم سماتهم التواضع لله تعالى، وقد عرفنا منهم ذلك في مواقع عديدة من القرآن الكريم...
فهذا نبي الله شعيب عليه السلام يعلن لقومه إرادته الإصلاح، وأنه وهو يريد إصلاحا، سيكون أول من يتّبع ويأتمر بما يأمرهم به، ولن يكون ممن يخالفون من أنفسهم ويأمرون غيرهم بما لا يلتزمون به هم أولا، وفي ذلك بيان لصلاحه :"قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ ما أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ "-هود:88-
كما عرفنا في دعاء سليمان عليه السلام : "...وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ"-النمل: من الآية19- فهو ذا لا يستنكف وهو النبي أن يسأل الله أن يوفقه لعمل صالح يرضاه، وأن يدخله في عباده الصالحين برحمة منه وفضل، فلا يدّعي لنفسه صلاحا من نفسه وهو النبي، بل ينسب الفضل في عَدِّه من الصالحين لله تعالى، لا.. بل يسأل الله أن يتفضّل عليه ويجعله منهم برحمته!
و في دعاء يوسف عليه السلام : "ربِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ"-يوسف:101-
وكأنّ الصلاح هو الخُلّة العُليا التي يجب أن يتحلّى بها من يريد إصلاحا، إذ يكون بها أهلا لدعوة غيره وهو الذي يقول ما يفعل، ويُلزم نفسه بما يأمر به غيره ويتخذه دعوة إصلاح، والأنبياء هم أوّل الناس تخلّقا بهذا الخُلُق الذي يكون مؤهّلهم لنشر دعوتهم بين الناس.
ولذلك جاءت : "ومن الصالحين" لبيان صلاحهم في ذواتهم، والتزامهم بما يحملون على عواتقهم من أوامر الدعوة والرسالة قبل أن يأمروا الناس بها. وقد جاءت مقترنة بـ "يكلم الناس" تحديدا ولم تقترن بغيرها لشدة ارتباط صلاح المُصلحين برسالة إصلاح الناس.
-
فماذا تُراها هي فاعلة مريم؟ بمَ تُراها ستردّ ؟ كيف ستكون حالها وقد وَعَتْ ..؟!
قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ(47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ(48)
لقد خاطبتْها الملائكة بأمر ربها إليها، ولكننا نسمعها وهي تنادي ربّها دون واسطة... إنها تعلم أنه سبحانه صاحب الأمر فيمَن أرسل إليها يخاطبها، وأنه سبحانه القريب السميع العليم، فلا نجدها تباشر حوارا مع الملائكة وسطاء أن يبلّغوا الله كلامها، بل تنادي ربّها بلا واسطة ...
"رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَر"
كيف يكون لي الولد ولم يمسسني بشر يا رب؟!
إنها تستغرب، وتستنكر، وتُفجَع وهي تسمع ما لم تسمع أنه حدث لامرأة، بل هو الذي لم يحدث لامرأة من قبلها قطّ ! إنه التفاعل البشريّ، وفيه الرَّوع من هَول الخطب وجَلَله، ولكنه التفاعل المُشبَع بالإيمان الثابت الذي لا يتزعزع رغم الصُّروف ... !
كيف ذلك ؟؟ ممَّ نستشفّه ؟ ... أليست جازعة وهي تسأل هذا السؤال ؟ أليست مفجوعة؟؟
بلى هي المفجوعة ولكنها ليست الجازعة... ولنتأمّل...
إنّها لم تصرخ، لم تولول، لم تندب حظّا، ولم تشقّ جيبا ... حاشاها أن تفعل ... حاشا مريم القانتة الساجدة الراكعة التي اصطفاها ربها بالتّقى والهُدى أن تفعل هذا ... وهو الذي إن فعله غيرُها من النساء وهي تسمع هذا الهول لم تُثْرَب!
ولكن لأنها مريم التقيّة، مريم النقيّة، مريم التي لا يزعزع إيمانَها، ولا يُنقص من جمّ أدبها ورقيّ أخلاقها جَلل لم تفعل هذا ... بل نسمعها تسأل، تسأل مستعجبة، مستنكرة، مفجوعة ... ولكن بإيمان، برقيّ، بالذي يليق كل اللياق بمريم التي عرفنا ...
نعم بشريّ تفاعلها، عظيم هو وقع النبأ عليها، عظيم ما ينتظرها، يشقّ على الرجل الجَلد ما ستلاقيه، وتعلم أنها مُلاقيتُه ... ولكنّ رقيّ الخُلُق سابق فيها وسائق ... تعظيمها لربها راسخ في جَنانها، متمكّن من كيانها ...
ثمّ إننا لو تتبعنا تفاصيل قصة إلقاء البشرى إليها في سورة "مريم" لوجدناها تقول حين تمثّل لها الملك بشرا سويا : " ... إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا " –مريم:من18- فهي ذي تذكر أول ما تذكر أن تفرّ إلى الله وتستجير بحصنه المنيع وحرزه المكين من كل ما يثير خوفها أو هلعها، وتراه خارج نطاق الأسباب الدنيوية، مما ينمّ عن سلوك تقيّة قويّة ثابتة الجَنان، مستمسكة بعروة الله الوُثقى...
إنها تذكر الأسباب العادية التي تسبب الولد، وتستغرب أن يكون منها مع انعدام الأسباب، ليس عن عدم تقدير منها لطلاقة قدرة الله ووُسع مشيئته، بل عن حكمة أوتِيَتْها تعلم بها أنّ الإيمان بالأسباب وعملها جزء لا يتجزأ من الإيمان بخالق الأسباب ... "رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَر" ...
أَفَالأنبياء أهل المعجزات أم نحن ؟؟ أَفَهُم أكثر الناس معرفة بالله وبتقديره حق قدره أم نحن؟؟
قد يبدو سؤالا عجيبا غريبا ... !! ولكنّ المشاهَد منّا وما نتلمّسه من فكر يَشي بهذا وبما يقاربه ...الأنبياء نعم هم أهل المعجزات، وهم أكثر الناس معرفة بالله، وبتقديره حق قدره، وهم أكثر الناس معرفة بقدرته على كل شيء ....
ولكنهم هم مَن علمنا الأخذ بالأسباب ... وأنّ الصبر لا يساوي القعود، وأنّ الثقة بالله وبقدرته لا تساوي انتظار المعجزة منه تحدث، وأنّ اليقين من أنه على كل شيء قدير لا تساوي أن أقعد مترقبا قدرته على فعل أي شيء دون أدنى حركة مني، أو أخذ بالأسباب ...
لما دعا زكريا ربه أن يهبه ذرية، فاستجاب له، لم يصمت زكريا صمت من يُخيّل إلينا أن ثقته بقدرة الله على كل شيء، ستجعله بهيئة الهادئ الذي لن يزيد عن أن يقول : "الله على كل شيء قدير" ... بل إنه الذي سأل : "أنّى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ؟"
وما هذا إلا سؤال من يعلمنا أن اليقين من قدرة الله على كل شيء لا ينفي التعجب من خرق الأسباب...كذلك لما أن جاءت مريمَ البشرى بعيسى، لم يكن يقين مريم بقدرة الله على كل شيء حائلا دون أن تسأل وتتعجب، وتخاف، وترهب.... لم يكن ردّ فعلها كما قد يُخيّل لمن يعرف أنها أهل اليقين والإيمان العظيم، هدوءا وردّا لا يزيد عن أن يكون : "إن الله على كل شيء قدير" ... بل قد سألت : " رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَر " .... ذكرت الأسباب... وتعجّبت من خرقها لعلمها بدورها ...
وهاجر وقد تركها زوجها صلى الله عليه وسلم في واد غير ذي زرع، وغير ذي ماء مع وليدها الجائع العطشان .... ويقينها الذي كان برهانُه استفهامها من زوجها إن كان همّه بتركهما عن أمر من الله : "آالله أمرك بهذا ؟" فلما استوثقت ... رضيت بذهابه ... وقد يُخيّل لمن يرى منها هذا اليقين أن يجازيها الله عنه بتفجير الماء لها من فور رضاها بالبقاء ووليدها وحيدَيْن ... ولكنه سبحانه ما فجّر لها الماء إلا بعد سعيها الحثيث بين الصفا والمروة...
فهي ذي ترضى وتصبر... ولكنّ صبرها صبر عمل، وتحدّ وأمل في الله، وأخذ بالأسباب .... فأعطاها الله جزاء فهمها هذا لا جزاء يقينها المجرّد عن العمل ...!
وهذا يعقوب عليه السلام ... وهو يستعين بالله على ما يصفون، ويصبر الصبر الجميل، لا يقعد كما تصوّرنا طويلا من فهم سطحي لسورة يوسف عليه السلام، لا يقعد للحزن والبكاء وحده ... لم نجنِ من ذلك الفهم إلا أنّه قد ابيضت عيناه من الحزن ... بينما لم نسبر غور الآيات، ولم نغص بها بالقدر الذي يعطينا الصورة كاملة غير منقوصة .... فنرى يعقوب وهو يستعين بالله لا على مصيبته في يوسف وحده، بل على مصيبته في أولاده العشرة أيضا ...
فلا ييأس من عودتهم، ومن انصلاح حالهم، ويعلم أنهم قد مكروا وقد كادوا، وقد سولت لهم أنفسهم، ولكنه لا يهجرهم، ولا يطردهم، ولا يقرر البعد عنهم .... بل يعيش معهم كل تلك السنوات التي عرفنا فيها تقلب يوسف عليه السلام من حال إلى حال نتتبع الصورة من زاويته وحدها .... ونغفل عن زاوية العشرة ... فنغفل عن دور يعقوب معهم ...عن أمل يعقوب الدائم في عودتهم وتوبتهم ... حتى يصل بعد أخذه بأسباب التربية والتوجيه والصبر عليهم إلى قوله : "يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ"...
نعم... حتى بلغ معهم مبلغ التوجيه إلى قمة التوبة وسنامها بأن يصلحوا ما أفسدوه ...بل حتى بلغ أن جاءه البشير بحياة يوسف الذي كان بالأمس متآمرا مع المتآمرين على قتل يوسف ...!!
وهكذا يكون الصبر ...بلا قعود ... وهكذا يكون بالأخذ بالأسباب ... وهكذا هم الأنبياء أهل المعجزات، وأقرب من تُجاب لهم دعوة .... يقرّون بالأسباب ويعلموننا دوام الأخذ بها ... بل إن الأخذ بها عقيدة، ذلك أنها من الله، وأنّ الله ما جعلها إلا ليأخذ بها الناس لتحقق أمره سبحانه وحكمه ... أما من أغرق في إغفال الأخذ بالأسباب وركن للمعجزة يريدها ويقرنها بيقينه من قدرة الله على كل شيء .... فما أسرع ما يصدّق بالخارقة المختَلَقة .... وما أقرب الخرافة من تصديقه، وما أحبّ ما تتحقق له مُراداته وأمانيه بالقعود مغلّفا بالدعاء ... !!
وما ذاك إلا من فهم زُجّ به ليُنسب للإسلام وللقرآن ... والقرآن منه براء... براء...
إذن فقد سألت مريم، وهذا المَلَك الموكّل من ربه يجيبها بقوله : "كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ " يخلق سبحانه ما يشاء، وقد افتُتحت السورة من بداياتها بقوله : " هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "، هكذا جاءت استباقا لما فصّل الله في شأن خلق عيسى عليه السلام من غير أب، بخرق للأسباب . يصور كيف يشاء ويخلق ما يشاء...
بالكيفية التي يشاء يخلق ما يشاء ... فمن ذا الذي يتدخّل في مشيئته، أو يجعل لها حدا، أو يتصور أنّ لها حدّا ...
أما في شأن يحيى عليه السلام فقد عرفنا جواب الملائكة بقولهم: " قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ "، بينما جاء الجواب في شأن عيسى عليه السلام بـ : " يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ " يتشابه من حيث خرق الأسباب لا موافقتها كلاهما، بينما يختلفان في الطريقة، فكان يحيى من أب وأم ولكن مع غياب أسباب الإنجاب، وكان عيسى بغياب الأب بالكليّة، وفي هذا خرق أكبر للأسباب المعتادة .
يقول ابن عاشور في فعل "يخلق" : "وعبر عن تكوين الله لعيسى بفعل يَخْلق : لأنّه إيجاد كائن من غير الأسباب المعتادة لإيجاد مثله ، فهو خلْق أنُفٌ غيرُ ناشئ عن أسباب إيجاد الناس ، فكان لفعل يخلُق هنا موقعٌ متعين ، فإنّ الصانع إذا صنع شيئاً من موادّ معتادة وصنعة معتادة ، لا يقول خلَقْت وإنما يقول صَنَعت"-التحرير والتنوير-
إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ : إن خلقه سبحانه لما يشاء إنما بقوله لأمر يقضيه كُن فيكون... وفي هذا تأييد لما عرفنا من معنى "كلمة" في قوله تعالى: " إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ... "
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12601;image)
ويُزاد على إخبار مريم بصفات مولودها المعجزة إخبارها بأن الله يعلّمه "...الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ" . وهو تفصيل لشأنه عند الكبر بتخصيصه بالنبوة . يعلّمه "الكتاب" بمعنى الكتابة والخط، والحكمة والتوراة كتاب موسى عليه السلام، والإنجيل الكتاب الذي بُعث به واختُصّت به رسالته. وللفخر الرازي في هذا الترتيب وهذا التعليم كلام حسن أضعه:
"والأقرب عندي أن يقال : المراد من الكتاب تعليم الخط والكتابة . ثم المراد بالحكمة تعليم العلوم وتهذيب الأخلاق ، لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، ومجموعهما هو المسمى بالحكمة ، ثم بعد أن صار عالما بالخط والكتابة ومحيطاً بالعلوم العقلية والشرعية يعمله التوراة . وإنما أخر تعليم التوراة عن تعليم الخط والحكمة ، لأن التوراة كتاب إلهى فيه أسرار عظيمة والإنسان ما لم يتعلم العلوم الكثيرة لا يمكنه أن يخوض فى البحث عن أسرار الكتب الإلهية . ثم قال في المرتبة الرابعة والإنجيل . وإنما أخر ذكر الإنجيل عن التوراة لأن من تعلم الخط ، ثم تعلم علوم الحق ، ثم أحاط بأسرار الكتاب الذى نزل على من قبله من الأنبياء فقد عظمت درجته في العلم فإذا أنزل الله عليه بعد ذلك كتابا آخر وأوقفه على أسراره فذلك هو العناية القصوى والمرتبة العليا في العلم والفهم والإحاطة بالأسرار العقلية والشرعية ، والاطلاع على الحكم العلوية والسفلية " .-مفاتح الغيب للرازي-
-
القسم الثالث:(ثانيا): قصة شأن عيسى عليه السلام في بني إسرائيل (49-63)
إذن بهذا نكون قد عرفنا من قطاعنا، قطاع القَصص (33-63) ثلاثة أقسام، قصة امرأة عمران ومجيئ مريم(35-37)، وقصة مولد يحيى عليه السلام(38-41)، وقصة عيسى عليه السلام منقسمة بدورها إلى قسمين، فالأول عن مولده(42-48)، والثاني عن شأنه عليه السلام في قومه(49-63) وهوالذي سنعيش آياته فيما يلي :
وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(49) وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ(50) إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ(51) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ(53) وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(54) إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ(56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(57) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ(58) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ(59) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ(60) فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(61) إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(62) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ(63)
كل هذه الآيات التي بين أيدينا تعلّمنا عن شأن عيسى عليه السلام بين قومه، عن شأنه العظيم فيهم، وهو الذي أنبأنا الله تعالى إذ أنبأ مريم أنه الوجيه في الدنيا، ووجاهتُه فيها النبوّة والرسالة، كما أنبأنا أنه الذي يكلم الناس في المهد وكهلا، وهذا هو تفصيل كلامه الناس كهلا، كلام إرساله من الله لقومه هاديا ومرشدا ومصلحا...وهو كما عرّفنا الله تعالى من الصالحين في أنفسهم الأحقاء برسالة إصلاح الناس...
وبهذا الاتساق نرقب عن كثب الترابط والتسلسل الذي يأخذنا من خطوة إلى خطوة ... داخل القطاع الواحد كما ما بين القطاعات، كما ما بين الآيات، كما ما بين السورة والسورة ...
7-) ولقد انتهينا آخر أمرنا مع ما نُبِّئت به مريم عن وليدها المعجزة إلى قوله تعالى : " وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ(48)" ومنها كان استباق الولوج إلى شأنه بين قومه، ببديع أسلوب القرآن الكريم الذي لا يُشعرك وهو يخرج بك من مكان إلى مكان، ويطوف بك بين زمان بعيد وزمان، ويسوقك من حدث إلى حدث، ولو أنّك قرأتَ وأنت لا تكتفي بالمشي حِذاء السُّور، بل تسوّرتَ ودخلتَ لعرفتَ العجب من بدائع الخبر بين تلافيف الصور، وبعيد المرامي بين طيّات المعاني ... وهكذا يأخذنا من شأن مريم ملبّسا بمعجزة ولدها، إلى شأن عيسى منفردا بين قومه برسالته إليهم مقدّما بإعلامنا أنه الذي يعلّمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ...
ها نحن بين يدَي رسالته ... "وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(49)"
7-أ) إنه رسول إلى بني إسرائيل، وهذا كلامه إليهم كهلا : "قد جئتكم بآية من ربكم" بالمعجزة الدالة على صدقه أنه الرسول المبعوث إليهم من عند الله تعالى، والحامل لشرائعه إليهم، فيفصّل لهم في شأن المعجزات التي بُعث بها، وهو يعدّد ما يفعل بينهم ويرونه وهو يفعله أمام أعينهم، يعدّده لهم، ويحدّد دوره فيه، ويحيل أمره الأعظم وحقيقة تصييره إلى مآله إلى الله تعالى ... ولقد بعث الله رسله في أقوام، كلٌّ بما اشتُهر في زمانه، وبما تروّض عليه أهل زمانه، فيأتيهم بجنس ما عرفوا، ولكن بما يفوق معرفتهم، حتى يُعجزهم عن الإتيان بمثل ما جاءهم به ... فلما عُرف قوم موسى بالسحر جاءهم موسى بما أبهر السحرة أنفسَهم حتى أُلقُوا ساجدين، مذعنين لما رأوا بأعينهم من آيات بيّنات. ولما عُرف العرب بالبلاغة والفصاحة جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن مُعجزا في أسلوبه وفي موضوعه ورسالته، وفيما حوى من جوامع الكلِم ...
وكذلك عُرف قوم عيسى عليه السلام بالحكمة ونجابة الأطباء فيهم، فجاءهم عيسى عليه السلام بما فاق كل معالِج منهم، وكل طبيب ... ويتدرج نبأ معجزاته في :
** "أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ" يصنع من الطين ما هو على شكل طير، والخلق هنا بالمعنى المجازي الإبداع على غير مثال ولا احتذاءٍ وهو في حقيقة معناه الإنشاء على مثال يُبْدَع. فالفرق بين خلق الله تعالى وخلق الإنسان، أن الله يخلق على غير مثال سابق، ومن عدم، بينما الإنسان يخلق من مادة موجودة، والخلق بمعنى تقدير الشيء الذي سيُصنع، والعرب تقول: فلانٌ يَخْلُق ثم يَفْرِي أي يقرِّر الأمْرَ ثم يُمضيه.. فعلى هذا أخبرهم أنه يخلق من الطين ما هو على شكل الطير، وهو حتى هذه المرحلة من مقدورات الإنسان وأفعاله، وليس بِدعا من الفعل والصنع، ولكنّ المعجزة تكمن في نفخه في الطين ليكون طيرا بإذن الله .
هو ذا سيّدنا عيسى يحدّثهم بما يَرَوْنه يفعل، فيحدّد دوره البشريّ الذي لا يخرج عن حدود البشرية، ثم ينسب ما تبقى إلى الله تعالى الذي يبعث الحياة في المَوات، يبعث الحياة في الجماد الذي خلقه بيده، أي قدّره وصنعه بيده ... ولنتأمل : "بإذن الله" التي تردِف كل عمل يعلن عيسى عليه السلام أنه ليس من فعله ولا من قدرته بل من قدرة الله وفعله، وبإذنه ... لنتيقّن أنه وهو المبعوث فيهم لم يألُ جهدا، ولم يغادر سبيلا يبيّن به أنه العبد الذي لا يفعل فعل الإله، ولا يدعو لأن يؤلّهوه، ولا يدّعي في الناس خرقا للأسباب ليعبدوه من دون الله ... بل هو الامتحان الذي وُضع فيه بنو إسرائيل أيُفتَنون أم يُستأمنون على ما ينقل إليهم الرسل الصادقون من حقائق يَبْرؤون بها من الألوهية، ومن الدعوة لعبادة غير الله تعالى ...
وسبحان الله ...! سهل أن يُفتَن من يرى خارقة على يد أحد وهو ينسب فعلها لنفسه، ولكن أن يُفتَن مَن رأى الخارقة على يد إنسان يُعلّم الناس أنّها من قدرة الله وبإذنه كانت، فهذا هو الذي اختار أن يغمّي الرؤية على عقله، لا أنه ضحيّة الغَمْي...!
** "وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ". وهذه الآية الثانية من آيات نبوّته عليه السلام، وهي أيضا مما يُعاين قومُه ويعرفونه بها بينهم، إبراء الأكمه (الذي يُخلق أعمى)، والأبرص الذي يُصاب جسده بطغيان اللون الأبيض على جزء منه أو عليه كله، وكلاهما مرض صعب ومستعص حتى على أطباء عصرنا اليوم بَلَهْ اطباء ذلك العصر !
فلقد اشتهر الطبّ في زمانهم، ولكنه لم يرقَ لعلاج هذه الأمراض، ويُعرف أن التوراة جاءت على ذكر مرض البرص في مواقع كثيرة، مما ينمّ عن انتشاره في أزمنتهم، واستعصائه على الطب والأطباء.. فجاء عيسى عليه السلام فأبرأها أمام أعينهم دون خلطه لمواد معالجة ودون احتياجه لأي سبب من الأسباب، بل بإذن الله وحده . كما أحيى الموتى أمام أعينهم، وأعلن لهم أنّما أحياهم بإذن الله لا من ذات قدرته ...
** "وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ". وهذه أيضا آية أخرى من آيات نبوّته التي اختُصّ بها، وهو ينبئ الناس عما يأكلون دون أن يطّلع عليهم، بل وزيادة عما يأكلون ما يدّخرون في بيوتهم.
أليس في كل هذا آية لهم ليؤمنوا، وليصدقوا أنه النبي المبعوث من ربه والرسول المرسَل بشرائعه إليهم ؟ !
ومازال يكلم قومَه عيسى ... كلامهم كهلا كما عرّفنا الله ... فيقول:
وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ(50) إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ(51)
ينتقل عيسى عليه السلام إلى بيان دوره مع الكتاب الذي أرسِل به، ومع الكتاب الذي سبق كتابه، وهو التوراة، فبيّن أنه جاء مصدّقا لها، وجاءت "بين يديه" وكأنها تعني قرب زمانه من زمانها، بينما عنتْ الإقامة على العمل بشرائعها ما بين الزمانين وإن تباعدا... وهذا مما يبيّن وحدة ما جاء به رسل الله، فكلّهم يأتي مصدقا لما جاء به مَن سبقه، لأنهم جاؤوا بدعوة واحدة ورسالاتهم من المصدر الإلهيّ الواحد ... ولكنّ الشرائع هي التي كانت تختلف أحيانا بين قوم وقوم، كما يقول عيسى عليه السلام في مزيد بيان لدوره : " وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ "، إذ جاء مُحلا لبعض ما حرمته شريعة التوراة عقابا من الله تعالى لبني إسرائيل لمّا تمادوا في غيّهم وأغرقوا في عصيانهم : "فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ"-النساء:106-
ثم يكرر عليه السلام إعلانه عن آيات نبوته، بقوله : وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ، والطريق إلى تقوى الله طاعة رسله، كما عرفنا في الآيات السابقة وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم : " قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ "
7-ب) أما قوله : إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ، فهو منتهى كلامه، ومنتهى بيانه، وفيه الدليل الأكبر والحجّة الأتمّ على أنه عبد لله تعالى من جملة عباده، فليس إلها ولا مدّعيا للألوهية، ولا ناسبا أمر الله وقدرته وطلاقة مشيئته له، بل هو رسول بأمر من الله، وهو حامل تشريع جديد وناسخ لتشريعات قديمة بأمر من الله، وهو الذي جاءهم بآيات من الله، وهو الذي يعلن أنه لا يحيي الموتى ولا يبعث الحياة في الجماد ولا يعلم الغيب إلا بإذن من الله، ثم هو القائل بما أمره الله أن يقول : "وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(117)"-المائدة- ... إنه عبد الله المقرّ بعبوديته له، الداعي لعبادته .
وقد أبان بأنّ هذا هو الصراط المستقيم: " هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ "
وفي مسيرتنا على دربنا، نستحضر من هذه الكلمات الربانية القرآنية التي دعَوْنا بها أول مسيرنا : " اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ"، لنرى عن كثب استجابة الله دعاءنا الذي علّمَنَاه، بينما نخطو خطواتنا والقرآن مشكاتُنا ... أن نعبد الله الواحد الأحد الحيّ القيوم الذي أرسل رُسُله وما هم إلا بشر من البشر، يبلغون رسالة الله إلى الناس، فيدعونهم إلى توحيده، كلّهم سواء بسواء ... هو الذي أوجد عيسى عليه السلام بكلمة منه من غير أب، وما جاء إلا بشرا رسولا نبيا يدعو لعبادة الإله الواحد صراطا مستقيما.
-
وحتى مبلغنا هذا من آيات قطاعنا نكون قد أنهينا مرحلة كلام عيسى عليه السلام للناس كهلا، وهو كلام النبوة والدعوة... ونباشر الآن مرحلة جديدة من شأنه مع قومه، إنها مرحلة فيها حكاية عن تلقّي قومه لدعوته :
8-فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ(53)
ها هو سيدنا عيسى عليه السلام، وقد أحسّ الكفر من بني إسرائيل، والإحساس هنا هو الإدراك الذي لا شُبهة فيه، إدراك النبيّ المُرسَل من ربه من الحكمة التي أوتِيها :" وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ"، الحكمة التي فيها بُعد نظر، وفهم عميق للأمور، وفيها بَصَر بالأنفس وفهمٌ لتقلّباتها، وفي صفات رجل الدعوة قرأت للشعراوي رحمه الله كلاما حسنا: "إن رجل الدعوة مأمور بأن تعمل كل حواسه حتى يعرف من الذي يجبن ويرتجف لحظة أن تأتي دعوة الخير، ومن الذي يطمئن ويحسن الراحة لدعوة الخير. إن رجل الدعوة مأمور بدقة اليقظة والإحساس ليميز بين الذي تتغير سحنته لحظة دعوة الخير من الذي يستبشر ويفرح"
8-أ) أحسّ الكفر من أكثريّة بني إسرائيل،.فأعلنها صادعة يريد بها الحَسْم في أمر دعوته، فنادى : " مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ " ومن تمام حكمته هنا أيضا أن يحسم وقد أحسّ وفهم ضيق أفُقِهم، وإصرارهم على الكفر ... رغم ما عرفوا من معجزات بيّنات أُيِّد بها، كانوا يرون تحقّقها على يدَيه بأمهات أعينهم، وكان لا يفوّت أن يخبرهم أنّه بإذن الله بُثّت الحياة في جماد خلقه، وفي ميت أحياه، وبإذنه علم غيبا هو من خاصّة شأنهم في بيوتهم ... كلّه رأوه وعاينوه، ولكنهم أصرّوا على الكفر بدعوته إياهم إلى عبادة الله الواحد الذي أذن له في كل ما رأوه من معجزات، كما أنّ كفرهم قد يكون من ناحية تأليه بعضهم له، وتعميتهم على ما أكّد عليه أنه من صنع الله وإذنه وأمره، وكلا الحالَيْن كفر..
أعلَنَها يبحث عن نصير، نصير إلى الله، إلى إفراده بالعبادة، إلى توحيده، إلى إعلاء كلمته سبحانه، وإلى صراطه المستقيم . وإنّ هذا لمِن دأب الأنبياء، أن يبحثوا عن أنصار لدعوتهم، يشدون من أزرهم ويقوّون جانبَهم، ولا يكونون إلا أصحاب الأنفس العالية التي تُقبِل غير هيّابة وتتحمّل الشدائد، وتعين على تأدية الرسالة، وتضحّي في سبيلها بالنفس والنفيس، ذلك لأنهم اقتنعوا بالدعوة وبالداعي، وأيقنوا أنّ نصر الله لهم يكون من نصرهم لله. وقد كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك حينما كان دَيْدنه في مواسم الحج استنصاره القبائل : " هل من رجل يؤوينى وينصرنى حتى أبلغ كلام ربى فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي "، وعرفنا دور أنصار المدينة معه في تقوية الدعوة ونشرها.
"قالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ " .. يأتي ردّ الحواريّين عليه بأنهم هُم انصار الله الذين يرنو إليهم، الأنصار إلى الله، فمع: "إلى" إلى دعوته وعبادته وصراطه المستقيم، ومن غيرها : "أنصار الله" لنصر دينه وتأييد دعوته : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ "-محمد:07-
والحواريّ لغةً مأخوذة من الحَوَر، وهو شدة البياض، فهم جماعة في وجوههم سيماء الإيمان مشرقة بالنور من إشراق أنفسهم بالإيمان، ومعناها أيضا النصير .قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لِكُلِّ نبيٍّ حَواريًّا، وحَواريَّ الزُّبَيْرُ "-صحيح البخاري- ونلاحظ بَدْأهم بإعلان الإيمان بالله، ثم تثنيتهم بسؤالهم عيسى عليه السلام أن يشهد لهم بالإسلام. وفي هذا المخطط تفصيل لمقامات ردّهم:
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12609;image)
وما يزال ردّ الحواريين لم يكتمل، فيقولون بعد قولهم : " رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ "
لقد أعلنوا موقفهم وتأييدهم القويّ لعيسى عليه السلام، ولم يكتفوا، بل هم أولاء يتوجهون إلى الله بتقرير الإيمان منهم، وباتباعهم لرسوله، يعلنون أن اقتناعهم بما أنزل الله وتصديقهم بما جاء به عيسى من عند الله يقتضي منهم الاقتناع بنبيّه، وتصديقه كل التصديق، ومن ثمَّ اتباعه . ولي في هذا القول منهم نظر...
إنني لأستشفّ أنّ اتباع الرسل هو الترجمة الفعلية لطاعة الله ولتقواه قاعدةً تسري على دعوات كل الرسل. فنرى كيف أنّ المتنادين بألا حجية للسنة، وأنّه مع وجود القرآن لا يقتضي الإيمان اتباع غيره، وبأنّ طاعة الرسول واتباعه اللذَيْن نصّ عليهما القرآن إنما المعنيّ بهما طاعة ما ينقله عن القرآن...كل هذه الأقوال لا أساس متين يُعليها، بل تتهاوى أمام كل هذا التأييد والتصديق من القرآن بعضه لبعض.(العودة إلى تفصيله مع تأملات الآية32 ).
وعلى هذا المخطط توضيح لمعنى الاتباع ...
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12611;image)
-
8-ب) انتهى أمر الحواريين الذين هم صفوة بني إسرائيل، صدّقوا بعيسى عليه السلام، وآمنوا بما أرسله به ربه، وأجابوا دعوته إلى نصرته فكانوا أنصار الله، وبقي الآن بيان حال غيرهم، وهم سواد القوم :" وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(54)"
إنهم قد مكروا... يريدون بعيسى عليه السلام سوءا وشرا.. وهذا دأب أعداء الحق، أهل الباطل وأهل السَّفَه وأصحاب سيادة الخرافة على الحقيقة والعقل، وأصحاب الغايات النفسيّة والمآرب الشخصيّة، المستكبرون في الأرض بغير الحق، الذين لا يحبّون سيادة الحق ولا حكم العدل الذي ارتضاه الله لعباده فيها بما أنزل من شرائع وبما بعث من رسل هُداة لتحقيق المساواة بين الناس ونصر المظلوم والأخذ على يد الظالم ... إنهم أصحاب الزيغ والضلال، الضالون المضلّون الذين يملؤون الأرض في كل زمان وفي كل مكان ...الذين يتصدّون لدعوة الحق ولدُعاة الهُدى، والذين غالبا ما يكونون من عِلية القوم، وأهل الجاه والسلطان، تُعميهم الشهوات المنطرحة بين أيديهم، وتأخذ بألبابهم عظمة السلطان... عُرِفوا من غابر الأزمنة، ومازالوا كذلك إلى يومنا يُعرَفون، ولقد عرّف القرآن كثيرين منهم كانوا عبر أزمنة مختلفة أعداء ألدّاء للحق وللهُدى، وعبّر عنهم في مواقع كثيرة بـ : "الملأ" .
* في زمن نوح عليه السلام : "قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ"-الأعراف:66-
* وفي زمن صالح عليه السلام : "قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ(75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ(76)" –الأعراف-
* وفي زمن شعيب عليه السلام : " قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ"-الأعراف :88- .
* وفي زمن موسى عليه السلام : "وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ..."-الأعراف:من127-
وهم أولاء في زمن عيسى عليه السلام يمكرون بالنبيّ الهادي المبعوث من ربه...
والمكر فعل يُقصد به إلحاق الضرر بأحَد في هيئة تخفى عليه ، أو تلبيس فعل الإضرار بصورة النفع، وينقل الفخر الرازي عن الحرالي تعريفا للمكر يميّز به بينه وبين الكيد. يقول: "والمكر إعمال الخديعة والاحتيال في هدم بناء ظاهر كالدنيا، والكيد أعمال الخدعة والاحتيال في هدم بناء باطن كالتدين والتخلق وغير ذلك، فكان المكر خديعة حس والكيد خديعة معنى "-مفاتح الغيب للرازي-
وهؤلاء الذين مكروا بسيدنا عيسى نستحضر من القرآن ذاته ما يحدّث عنهم، وعن تلقّيهم لدعوته عليه السلام : "...فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ" –الصف: من14- فهُم الطائفة التي كفرت به، وقد عرفنا الطائفة التي آمنت به وهم الحواريون.
ومقابل مكرهم كان مكر الله تعالى، ومكر الله كما يعبّر عنه القرآن : "...قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا..."-يونس:من21- فهو الأسرع وهو الذي يغلب، وهو الذي بين يدَي آياتنا يعبّر عنه سبحانه بقوله : "وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ". إنه خير الماكرين سبحانه، فإن كان مكر أصحاب الكفر والاستكبار و الشر والدهاء مكرَ سوء وضرّ بدُعاة الحق وأعلام الهُدى، فإن مكر الله تعالى بهم مكر فيه صلاح الناس وخيرُ الأرض، بقهرهم، وجعل كيدهم في نحورهم، وردّ مكرهم عليهم، وإنفاذ مشيئته العليا ودحض أهوائهم السُفلى ...
ولقد قال ابن عاشور في: "خير الماكرين" : " ويجوز أن يكون معنى خير الماكرين :أنّ الإملاء والاستدراج ، الذي يقدّره للفجّار والجبابرة والمنافقين ، الشبيه بالمَكر في أنّه حَسَن الظاهر سَيّء العاقبة ، هو خير محض لا يترتّب عليه إلاّ الصلاح العام ، وإن كان يؤذي شخصاً أو أشخاصاً ، فهو من هذه الجهة مجرّد عما في المكر من القُبح ، ولذلك كانت أفعاله تعالى منزّهة عن الوصف بالقبح أو الشناعة ، لأنها لا تقارنها الأحوال التي بها تقبح بعض أفعال العباد؛ من دلالة على سفاهة رَأي ، أو سوء طوية ، أو جُبن ، أو ضُعف ، أو طَمع ، أو نحو ذلك.". انتهى.
ولن يتركنا الله في معزل عن معرفة هذا المكر الإلهيّ... بل إن الآيات تحمل النبأ اليقين عنه ... "إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(55)"
إن الله تعالى يُعلِم نبيّه بما سيفعل به ... فنعدّد:
1- إنّي مُتَوَفِّيكَ
2- وَرَافِعُكَ إِلَيّ
3- وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذِينَ كَفَرُوا
وها هنا قضية بالغة الأهمية لاعتقادنا ...
إنّ في معرفة حقيقة عيسى عليه السلام وما جرى عليه من أمر الله تعالى لَعِلمٌ من الواجب والضروريّ أن نتلقّنه من المصدر الذي لا شكّ فيه ولا ريب، من كتاب الله عزّ وجلّ الذي أجلى لنا هذه الحقائق التي تمثّل جوهر عقيدتنا في الله، وتحدّد رِكزها وقواعدها وأسُسها التي تُبنى عليها كل فروع العقيدة بعدها .
وإنّ أهمّ منطلقات هذه السورة التي نحن في رحابها، أن تَميز لنا الحق من الباطل، أن تحدّد لنا ثوابت الانطلاق التي تبقى ثوابت طيلة المسير على درب هذه الحياة الدنيا، لقد عرفناها تعلّمنا ثوابتنا ومنطلقاتنا، وتعلّمنا ضرورة الثبات على المنهج الذي أنزل الله لهداية مَن خلق... وإنّ الإنسان وهو على درب هذه الحياة ستَعرِض له المعيقات والمُزِلات في شكل شهوات مبهرات تأخذ بالقلوب والألباب لتسوق أصحابها للشُبهات التي تُضلّ المستمسكين بها، المفتقرين لآليات الثبات...
وكم سمعنا، وكم صرنا نسمع عن عمل الشّبهات فيمَن يعبدون الله على حرف، حتى يُصبح المرء مؤمنا ويُمسي كافرا... حتى أصبحت بلاد المسلمين تغصّ بقضايا التشكيك في كل رمز من رموز العقيدة ومقوّمات الدين..! فهذا صاحب شبهة مشكّك، وذاك محارب للشبهات، داحض للتشكيكات، ساع في إذهاب الشكوك عن الشاكّ، وآخر طاعن في الداحض المحارب وعادُّه رجعيّا متأخّرا متكلّما بكلام القُدامى ...! وهذه شبهة جديدة قديمة، وتلك شبهة متناقَلة، والأخرى متداوَلة مكرّرة ... وأصوات وأصوات هي رجعٌ لصدى واحد أصيل قديم ينسخ نفسَه في كل زمان نُسخا نُسخا ... وفي هذا الزمان منه نُسَخ ما أكثرها وما أكثر ضروبها وألوانها ...! "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ"
واليوم في عصر باتت فيه وسائل التواصل والاتصال أقرب من أيّ قريب، لم يعد يَبعُد عن شباب المسلمين بعيد من صيحات الثقافات ذات الشطحات الوضعيّة التي تتلون بتلوّن الأهواء والشهوات، بتنا نسمع عمّن يُفتَن في دينه من قراءة لشبهة تنتشر عبر مواقع التواصل، أو من منبر بين المنابر التي صار يعتليها كل ناعق بهوى بين الأهواء، يدّعي التجديد ومناهضة الموروث، وكلّه عنده موروث، بما فيه الأصول والثوابت !!
وهذا من ذاك... هذه الأمواج المتلاطمة الهوجاء من قلّة الزاد وشُحّ الوعاء... عقيدة هزيلة قوامها كلمات تُقال بلا ميزان لمقتضياتها، شهادة توحيد لا تُجسَّد في الحياة حركةً وتناسقا مع معانيها، حتى من يعرف لا يكلّف نفسه الحفر والغوص بحثا عن لآلئ الأعماق ... وهيهات هيهات... ! لا نطالب بأن يكون الكلّ بحّاثا، حفّارا، غواصا ... بل ليت شعري.. أمِنْ مسترشد بالقرآن فيرشد، ومِن مستهدٍ به فيهتدي ؟!
إننا الآن مع قضية رئيسة، هي عمود من عِماد العقيدة، تتكفل "آل عِمران" بتنقيتها وعرضها على صورتها الحقيقية الصافية النقيّة من كل شائبة، البعيدة عن كل تأويل بشريّ لو أنها تُركت له لما كان لحقيقة الإيمان في النفوس معنى، ولما عُرف الله حقّ معرفته، ولأصبح الإنسان هَمَلا سَقطا من سَقط المتاع لا قيمة له ولا وزن، ولا معنى للعقل الذي كُرّم به، بل لا معنى للتكريم الإلهي فيه ...
إنها قضية الألوهية، وبيان حقيقة عيسى عليه السلام جزء لا يتجزأ من بيان حقيقة الألوهية، وذلك لما كان من تأليهه، ومن نَسبه ولدا لله، ومِن تثليث للألوهية التي لا تستقيم إلا بالتوحيد.
لنتأمل... فإنّنا قد قضينا من أعمارنا أحقابا طويلة نكتفي بفهم هو سطح السطح، قضينا أحقابا لا نعرف من قرآننا غير قراءة الحروف، أو تجويد الحروف أو ترتيل الحروف، كله متعلق بالحروف مقترن بها، لا يعدوها ... !!
لنتأمل ... فلكم عشنا مع فهم بعيد ...!
-
1- إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ
يُعْلِمه الله سبحانه أنه متوفّيه، أي أنه ممض هذا الأمر فيه، وهو الذي لا يبدَّل القول عنده.
وأول ما يقفز إلى أذهاننا من معنى "متوفّيك" هو الموت، وهو المعنى الذي ساد وانتشر في الأذهان من فرط تعليق الناس للفظ بحال، وتغليبه عليه دون أحوال أخرى. حتى استبدّ ذلك المعنى وأصبح غيره شاذا عند سامعه وكأنما هو المعنى الخطأ الذي لا يجب أن يُنسَب للفظ ، بينما التوفّي لغةً يعني أيضا أخذ الشيء كاملا بلا نقص : "تَوَفِّى الحَقِّ : أخْذُهُ كَامِلاً ، وَافِياً." توفَّى الشيءَ أي قَبَضه تاماً واستوفاه. فهنا : "إنّي متوفّيك" قد تعني أنه سبحانه قابضه إليه كاملا لا ينقص منه شيء، بروحه وجسده، ليس أنه قبض روحَه من جسده، بل هو أخذ خاص لسيدنا عيسى عليه السلام أخرجه به من الدنيا.
وتقــــــوّيها:
2- وَرَافِعُكَ إِلَيّ . رفع لسيدنا عيسى بالروح والجسد، ولو كان الرفع بعد الإماتة لما كان له من معنى، ونحن نعلم أن كل شخص –وإن كان نبيا- لا محالة يُقبر، يقول تعالى:"مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ"-طه:55- .
تماما كما كان مولده معجزة، فكذلك خروجه من الدنيا بمعجزة، لقد أخرِج منها بقبض خاص يجعله عند الله تعالى حيا لم تُقضَ فيه الموت بعد . فلنتأمل قوله تعالى : "اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" –الزمر:42-
وعلى المخطط أدناه في معنى "إنّي متوفيك" حاولتُ أن أفصّل ما ذهب إليه الدكتور فاضل السامرائي المتخصص اللغوي المبرّز، أحد رواد التفسير البياني للقرآن الكريم:
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12615;image)
وعلى هذا المحمل اللغويّ، فالتوفّي لا يعني حصرا الإماتة، بل يعني أيضا المنام، كما قد يعني في سيدنا عيسى عليه السلام قبضا عن التصرّف الاختياري في الدنيا.
كما أن هناك من قال بأن معناها قبض الله له وقد استوفى نبوّته، ومما يعضّد ذلك أنه سينزل في آخر الزمان، ولو أنه قد قُبض ولم تُستوفَ نبوّته لنزل نبيا، وهذا ما لا يستقيم مع كون رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيّين والمرسلين، وعندما سينزل عيسى عليه السلام سينزل متّبِعا له ولشريعته .. والدليل على ذلك هو ما نقله أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كيف أنتم إذا نزل ابنُ مريمَ فيكم ، وإمامُكم منكم ." –صحيح البخاري- سيصلّي عليه السلام خلف واحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يكون مأموما أبدا من كان نبيّا .
ولا نفوّت أن العلماء قد اختلفوا في معنى الآية، فقال بعضهم أنه الإماتة وأيّده، وقال منهم جمع كبير بأنه القبض بالروح والجسد. أورد ابن كثير مثلا عن مطر الوراق قوله : "إني متوفيك من الدنيا وليس بوفاة موت" وأورد عن ابن جرير قوله أن توفّيه هو رفعه، وقال كثيرون: المراد بالوفاة ههنا النوم كما قال تعالى " وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ... " –الأنعام:من60-
ومما يؤيّد أن توفّيه عليه السلام يعني رفعه كاملا بالروح والجسد رفعا خاصا هو قول الله تعالى : "وقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ"-النساء:من157- وقوله أيضا : " بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا "-النساء:158-
أي أنّه كان رفعا له من الله، وما استشكل على بعضهم هو ورود "ورافعك إليّ" بعد "متوفّيك"، لا قبلها، مما يعني إماتة ثم رفعا، ولكن هنا في "النساء" ورودُها وحدها يقوّي أنه رفع مع حياة لا رفع بعد إماتة.
كما أن في الصحيح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينبئ عن نزوله آخر الزمان، وأنّ موته ستكون بعد نزوله ذاك، وهو عن الذي جاء في القرآن الكريم حول إيمان كل أهل الكتاب به قبل موته، إذ ينزل بحكم الله تعالى مبطلا دين النصارى بكسره للصليب، وبوضعه الجزية.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" والذي نفسي بيدِه ، ليُوشِكن أن ينزلَ فيكم ابنُ مريمَ حكمًا عدلًا ، فيكسرَ الصليبَ ، ويقتلَ الخنزيرَ ، ويضعَ الجزيةَ ، ويَفيضَ المالُ حتى لا يقبلَه أحدٌ ، حتى تكونَ السجدةُ الواحدةُ خيرًا من الدنيا وما فيها . ثم يقولُ أبو هريرةَ : واقرؤوا إن شئتم : {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا } . " -صحيح البخاري-
ولنرقب دور السنة في بيان العقيدة، وهذه الأحاديث الصِّحاح تُفصّل لنا ما أُجمِل في القرآن الكريم ... لنرقب دورها وهؤلاء المشككون فيها وفي حجيتها وفي عدالة ناقليها إنما يريدون نقض الدين وهَدْمَه وهم ينقضون مصدره الثاني الذي لا غِنى عنه لعقيدة سليمة .
إذن هذا عن شأن قبض الله تعالى لعيسى عليه السلام بالروح والجسد ورفعه إلى السماء حيّا حتى يأذن الله في نزوله إلى الأرض كما رأينا، ليموت فيها كما مات وسيموت كل إنسان وكل نبي.
ولا نغادر هذه الآية حتى نستوفي فعل الله في عيسى عليه السلام، فهو سبحانه متوفّيه، ورافعه إليه، ومطهّره من الذين كفروا.
3- وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وهو بإبعاده عن رجس أذاهم، وبإنجائه مما بيّتوه له من مكر . يقول سبحانه : "وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا" –النساء:157-
لقد بيّن الله مآل عيسى عليه السلام، ومكره الذي مكر، وهو سبحانه أسرع مكرا، فيغلب مكره وإرادته ما أراد الماكرون، وهو خير الماكرين، وفي فعله بنبيّه عيسى عليه السلام هذا الذي عرفنا خيرٌ وصالح عام . وهو سبحانه قد أرسله بالحق من عنده، فمَن آمن به واتبعه فقد نجا وفاز، ومن كفر به ومكر وأراد به سوءا، فإنما قد تحدّى أمر الله وتصدّى للحق الذي بعثه به، وذاك هو الخاسئ الخاسر الساقط في امتحان الدنيا .
-
جميل هذا الذي وفقك الله له يا اسماء من معنى ( متوفيك)
وقد كنت اخشى ان تميلي للرأي الاخر فتلكأت كثيرا في ان أقرأ ما كتبت
فاعذريني
بارك الله بك وفتح عليك فتوح العارفين
-
تقبل الله منك يا هادية وجزاك خيرا .
أتمنى أن تتابعي ما أضعه هنا كلما تيسر لك، لأنني بإذن الله وعونه مكملة مع باقي السورة، وإن يسر لي الله تعالى أمشي الهوينى مع السور، لأنني كتبت على كراريس ما مبلغه اليوم سورة النحل، وللأسف لم أكتب على الحاسوب :emo: وعدت الآن لأنقل من كراريسي وأزيد عليها عساني أكمل بعون الله . وأتخذ من موضوعي هذا مكانا أخبئ به . فأتمنى أن أجد من يشجعني على المواصلة .
-
ثم بعد بيان مآله وما هو جارٍ عليه، هو ذا يُعْلِمه بمآل الفريقَين، المؤمنين والكافرين به :
وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
هذه الفوقيّة التي سيجعلها الله من حظّ المؤمنين المتّبعين له، وهم المسلمون... فمنهم الذين اتبعوه في حياته، ومنهم الذين آمنوا به أيضا بعد مماته، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم . قال صلى الله عليه وسلم : "من شهدَ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له ، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه ، وأن عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه ، وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه ، والجنةُ حقٌّ ، والنارُ حقٌّ ، أدخله اللهُ الجنةَ على ما كان من العملِ " –صحيح البخاري- ومنهم الذين يتبعونه عند إنزال الله تعالى له في آخر الزمان . وهي فوقيّة تجعلهم الأعلى في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا فبحيازتهم للعقيدة السليمة الصحيحة، وبسلوكهم درب الحياة بالحجّة الأقوى وبالتصوّر السليم للكون وللحياة، ولدور الإنسان فيها، وأما في الآخرة فبفوزهم وقد آمنوا وصدّقوا بما أنزل الله، وباتباعهم لأنبيائه ورُسُله الأطهار.
والمرجع أخيرا إلى الله تعالى ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، وقد اختلفوا في عيسى عليه السلام، فألّهوه، ونسبوه لله ولدا، وجعلوه ثالث ثلاثة ... وتأتي الآيتان المواليتان مفصّلتَين لهذا الحكم من الله :
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ(56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(57)
وعيدٌ للذين كفروا بالعذاب الشديد، فأما الذي في الدنيا فقد يكون عذاب النفس التي لا تعرف هدفها، ولا تعرف طريقها، فهي عنه تائهة، غارقة تمام الغرق في بحر الدنيا اللُّجيّ، لا تنفكّ لاهثةً خلف متاعٍ هو للجسد، والروح مخنوقة لا تجد متنفّسها ولا دواءها .. هي العليلة الحائرة التي تهرب حتى من عناء البحث عن حقيقتها ...
وفي الآخرة هو عذاب شديد من الله الجبار الذي يمهل ولا يهمل، والذي يوفّي الناس ما يستحقون ولا يظلم سبحانه مثقال ذرة. وكذلك يؤتي الذين آمنوا أجورهم في الدنيا والآخرة، وإنّ للعبد المؤمن من ربه عطاءات دنيوية أعلاها أنه يعلم الغاية من وجوده، ويعلم مُنتهاه، ويعلم أن الدنيا دار عمل ومِهاد لما ينتظره في دار لا فناء بعدها .
وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ... الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وظلموا غيرهم بنشر الكفر وبالصدّ عن سبيل الله، والنصارى قد ظلموا الله بأن أثبتوا له الولد، وظلموا عيسى بأن جعلوه ولدا لله، وألّهوه، وهو ما أتاهم إلا مُعلنا عبوديته لله ربه وربهم.
والآن ... ها قد بينتْ لنا آل عمران قضية عَقَديّة جوهرية ببيان حقيقة عيسى عليه السلام ..
لقد بيّن الله حقيقة مولده، بدءا بالاصطفاء الذي خصّ به آل عمران، من جدّته امرأة عمران التي سألت ربها أن يعيذ وليدتها وذريتها من الشيطان الرجيم، فأجاب دعاءها، وجعل في عَقِب مريم عيسى نبيا من الصالحين، ولقد اصطفاها وخصّها بالتطهير والقُنوت والكمال على نساء العالمين، فجعلها أمّا له بما أمضى من أمره سبحانه فيها، أمرِ خلقه لعيسى من غير أب بكلمة "كن"، ثم أنبأها أنّ من صفاته اختصاصه بكلام قومه في المهد مقرّا بأنه عبد الله آتاه الكتاب وجعله نبيا، منافحا عن أمّه، واختصاصه بكلامهم كهلا، داعيهم إلى توحيد ربهم وهو ينسب تصييره الطين حيا وإحياءه الموتى، وعلمه بخاصة ما يأكلون وما يدّخرون إلى مشيئة الله تعالى وجعلها له آيات بينات على صدق رسالته، ثم بيّن الطائفة المؤمنة به، والطائفة الكافرة به ومآل كل منهما .
8-ج) إننا الآن مع مرحلة جديدة، يلتفت فيها المولى عزّ وجلّ إلى نبيه صلوات الله وسلامه عليه بالخطاب، مؤكّدا له أنّ كل ما سلف عن عيسى وعن يحيى وعن زكريا عليهم السلام وعن مريم وأمها إنما هو :
ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ(58) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ(59) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ(60) فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(61) إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(62) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ(63)
إن الله تعالى بما سبق من قَصَص هذا القطاع علّم نبيّه صلى الله عليه وسلم وعلّم المؤمنين الحقائق...
تلك الحقائق التي جعل أهلُ الكتاب يحرّفونها ويُخْفُونها ويطمسون ذكرَها، ويؤوّلونها بأهوائهم وبشطحات عقولهم كما شاؤوا، ولو أننا تُرِكنا من غير أن يعلِّمَناها الله على هذا الوجه الصحيح النقيّ الذي يصوّرها لنا كما هي، لصرنا إلى تَيْه ما بعده هُدى، ولما كانت لنا عقيدة صحيحة في الله، ولقُلْنا بأقوالهم ولوثات ألسنتهم على الله وعلى رُسُله عياذا بالله...
لقد جاء وفدٌ من نصارى نجران -الواقعة على حدود اليمن- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحاجّونه، يعرضون عليه اعتقادهم الفاسد في عيسى عليه السلام، ليسمعوا منه قوله فيه. وفي هذا السبب قيل بنزول كل هذه الآيات من سورة آل عمران تُبيّن الحق وتبطل أباطيلهم.
لقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحق يتلوه عليه ربه من الآيات والذكر الحكيم، الذكر الحق الذي لا ريب فيه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الذكر الذي علّمنا نحن الحق حتى لا تبقى عقولنا نَهْبا لأكاذيب النصارى واليهود المتقوّلين بشتى الأقاويل كذبا وافتراء على الله وعلى رُسُله .
لقد بُعِث سيدنا عيسى عليه السلام في بني إسرائيل وهم قد أغرقوا في المادية الصّرفة، وابتعدوا كل البعد عن الروحانيات، فلم يعودوا يؤمنون بغيب. وفي تجرئهم على موسى عليه السلام وسؤاله الآية تلو الآية بشروط وإلزامات، وبسؤاله أن يريهم الله جهرة أكبر دليل على إغراقهم في ماديات الأسباب حتى لم يُذعنوا لشيء من المعجزات، بل تطاولوا أيّما تطاول ...!
جاءهم عيسى عليه السلام وهم على ما هُم عليه، فكذّبوا بما جاءهم به، وطعنوا في أمه واتهموها بالزنا، ومكروا ليقتلوه، وحسبوا أنهم قد قتلوه، فجاء القرآن بما بيّن خطأ حُسبانهم، إذ ألقى الله شبَهَهُ على الذي قتلوه ورفعه إليه ونجّاه منهم، بينما غالى فيه آخرون، فجعلوه ابنا لله، قالوا أنّ نفخ الله من روحه في مريم يجعل من الله أبا لعيسى مع غياب الذكورة في إيجاده ..وكان أولى أن يُفتَنوا في آدم الذي نفخ فيه الله من روحه، وأوجده من غير أب ولا أم ..
-
تلك هي المحاجّة العقلية التي تدحض تصوّرهم الفاسد، وتُقنع كل ذي عقل سليم باحث عن الحق إذ يقول سبحانه :" إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ "
كلاهما أوجده الله تعالى بطلاقة قدرته وبمشيئته... بكلمته، فإن كان خلق عيسى من دواعي العَجَب، فماذا عن خلق آدم ؟!
هو الله الواحد الخالق الذي صوّر آدم وخلقه كما شاء، خلق عيسى أيضا كما شاء.
ولكأنّ الله تعالى يمتحن ويمحّص هؤلاء الذين غالوا وأغرقوا في الماديات والحسيّات والأسباب، فابتلاهم بما خرق كل الأسباب...
فهذا خَلْقه لعيسى عليه السلام بغير الذي يجري على البشر، ثم هذه معجزاته وفيها فعل الإله، امتحانا لهم بما هو أعسر وأقوى، وهو سبحانه يبيّن لنا أيّما بيان أنّ توحيده وعبادته في الأرض لا يحتاج تحقيقهما لأن يتقرّب سبحانه لعباده بما يرضيهم، ويلبّي شروطهم حتى يؤمنوا به... لا يحتاج لاسترضائهم...!
إنما ذلك حال الإنسان وهو يسعى لنيل رضى مَن حوله حتى يصدّقوا بدجل يأتيه ربما أو كذب يكذبه عليهم ... أو حتى بما يكون صدقا، وفي الحالَيْن يحتاج أن يَرضوا ابتغاء الفوز بأموالهم ليغتني أو بإعجابهم ليشتهر ويلمع نجمُه ... أما الله سبحانه، فهو الغنيّ عن عباده، العظيم الذي لا يضرّه كفر أهل الأرض برُمّتها، بل هم أهل الحاجة إليه والافتقار له...
وعلى هذا أرسل سبحانه لهؤلاء الماديّين المستكبرين في الأرض ما يزيد في فتنة من يصرّ منهم على الكفر والتكذيب وهم يرون فعل الإله من بشر-رغم أنه يعلن أنه يفعله بإذن من الله وحده- وما يزيد من إيمان الصفوة القلّة التي ستنخلع من مخاضة الكافرين وتنجو بإيمانها، وهم يرون البشر الرسول يعلن أنه يفعل ما هو من فعل الله... فقط بإذن من الله .
وإن كانت فتنتكم في خلق عيسى بلا أب من دم مجتمع في رحم امرأة، فإنه أولى بكم أن تُفتنوا في آدم وقد خلقه بشرا من تراب، لا من أب ولا من أم !
وقد يتبادر للأذهان تساؤل عن سرّ صيغة المضارع في: "يكون" ، بينما كانت: "خَلَقَه" و "قال" في الماضي :"كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ".. فذلك لاستحضار الصورة كما وقعت، وأيضا لاستمرار إرادته سبحانه بقضائه فيما يشاء من الأمر بما يشاء في أي زمان أو مكان شاء.
وما يزال يقرّر الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم أنّ : الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ(61)
كل ما تُلي عليك هو الحقّ... بل إن "الحق" الحق لا يكون إلا من ربّك.. الذي لا ريب ولا شك فيما أنزله عليك، ومادام الله هو المصدر الأعلى للحق الأعلى فهو سبحانه يأمره ألا يكون من الممترين. وفي هذا الأمر ضمنيّة ما هو عليه حال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوقن أنّ الحق لا يكون إلا من الله، أكثر من كونه أمرا له بابتعاده عن الشك والحقُّ بين يدَيه، لأنّ هذا لا يكون من النبي صلى الله عليه وسلم. ولولا أنّ هذا الحق لم ينزل، من أين كان للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجزم بحقيقة أمر عيسى عليه السلام، وبمَ كان سيحاجّ وفد نجران، وبمَ كان المؤمن في كل زمان سيقابل ما عند النصارى من اعتقاد فاسد؟! عندها لن يُلام من اتّبع اعتقادهم وصدّق به، كما لن يُلام من لم يتبعه واختلق غيره...ولكنّ الله تعالى لم يكن ليذر عبده الذي استهداه الصراط المستقيم دون أن يبيّن له الحق من الباطل في هذا الأمر بالغ الحساسية والأهمية، أمر العقيدة في الله تعالى، وبيان باطل كل من ألّه غير الله، أو نسب لله ما لا يليق بعظيم سلطانه وجلال قدره .
لقد علّم نبيه صلى الله عليه وسلم ليعلّم، ليبلّغ عنه ما علمّه إياه، علّمه حتى يقابل المحاجّين بالحجة البالغة والحقيقة الدامغة، فإنّ يقينه صلى الله عليه وسلم وعدم امترائه فيما يلقّنه ربّه هو ما يجعله أهلا لتبليغ هذه الحقائق...
فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(61)
لنَرقُب سويا هذا الترابط والتناسق البديع ...! فمن التعلّم إلى التعليم، من التبلّغ إلى التبليغ، من اليقين إلى المحاجّة باليقين...بمَ وصف الله تعالى ما جاءه في شأن عيسى وقصة مولد يحيى عليهما السلام، وقصة مولد مريم قبلهما ؟
لقد وصفه بالعلم ...
وهنا أستحضر بدايات السورة، وما جاء من قوله تعالى : " وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ" . إن صفتهم الرسوخ في العلم. الإيمان المؤسَّس على علم إيمان قويّ راسخ، ضارب بجذوره في أعماق النفس، متمكّن منها، صعب اجتثاثه، ثابت صاحبه ...
هذا هو العلم الذي يجعل التصوّر السليم للحقائق الوجودية سببا في راحة الإنسان، بينما أصحاب الزيغ والضلال والهروب من الدين، ضُرب عليهم التَّيْه وأركستْهم الحيرة المغلّفة بالهروب الذي يستدعي الهروب في صورة أكمّة كاتمة لصوت الفطرة فيهم، مما يجعل منهم مَسخا هاربا من الحقيقة نحو الضلال، من الهدى نحو الضياع ...من المعنى إلى اللامعنى ...
العلم بالله أساس العلوم، ورأس العلوم، فمن عرف الله فقد عرف، ومن لم يعرف الله فقد جهل وضلّ وتاه وإن كان عارفا بكل علم ... إنها لَبِناتُ العقيدة وأساسات التصوّر الواضح للكون والوجود والإنسان.
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12625;image)
-
ها هو صلى الله عليه وسلم يأمره ربّه أن يدعو هؤلاء المحاجّين الذين لا ينفكّون محاجّين في عيسى عليه السلام رغم كل ما تبيّن لهم من الحق، أن يدعوهم بقوله : " تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ "
إنها الدعوة إلى المُباهلة، والمُباهلة هي التضرع في الدعاء لاستنزال اللعنة على الكاذب، فالبُهلة والبَهلة هي اللعنة، تقول العرب : أَبْهَل الناقةَ أي أَهْمَلَها . واللعنة هي الطرد من رحمة الله.
أمِر صلى الله عليه وسلم أن يدعو وفد نجران للمباهلة، النبي وأهله والوفد وأهلوهم ثم يتضرعون إلى الله أن يلعن الكاذب بينهم .
وفعل رسول الله ما أمِر به، ودعاهم للمباهلة، ولكنهم أعرضوا ولم يستجيبوا لدعوته خوفا من أن تحلّ عليهم اللعنة، ولو أنهم كانوا على يقين مما جاؤوا به لما خافوا المباهلة. وهذه واحدة من علامات صدق ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عيسى عليه السلام في جملة ما جاء به من الحق، كما أنه علامة من علامات يقينه صلى الله عليه وسلم، إذ لا يُقبِل على مثل هذا إلا موقن من ربه غير مرتاب ولا ممتر.
لقد انتهى قطاع القَصص ... انتهى هذا القطاع الذي أعطانا علما ... علما يجعل صاحبه على رسوخ من عقيدته، ووضوح من تصوّره لحقيقة وجوده ... وثبات من أمره... يقول سبحانه في آخره :
إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(62) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ(63)
ولنتأمل تركيب هذه الآية وفيها عن الحق الذي جاء في هذا القَصص، كما فيها توحيد الله تعالى
التأكيد وتقوية الخبر بــ : "إنّ" وبلام التأكيد "لهو" وبـ "الحق"
التوحــــــــــــــــــــيد بـ : "ما" النافية لوجود إله غير الله و بـ"من" : المفيدة لاستغراق النفي استغراقا مستمرا ثابتا مؤكّدا وبـ "إلا الله" : وحده الله هو الإله.
التأكيد على عزّة الله وحكمته بـ : "إنّ" وبلام التأكيد "لهو" .
وهو سبحانه العزيز الذي لا يعجزه شيء، ولا يُغلَب . والحكيم الذي له الحُكم، وله الحكمة التامة في كل أفعاله وأمره وخلقه، المُحكِم لما خلق على مقتضى حكمته. وفي هذا إشارة إلى باطل ما زعموه من أنّ المسيح قُتل أو صُلب وهو عندهم إله، فكيف يكون إلها مَن يُقدَر عليه فيُغلَب حتى يُصلَب، ومن ليس حكيما حاكما بل محكوم عليه.؟!
إذن فهو سبحانه الإله الواحد الذي يقصّ الحقّ، فلا يُغلَب ولا يُعجزه كفر من كفر وإن استكبر وعلا وتجبّر، ولا تقوُّلُ مَن تقوّل وحرّف وبدّل، واتخذ من دونه إلها، فألّه عبده الذي أرسله هاديا وداعيا لعبادته وتوحيده، الحكيم الذي له في خلقه شؤون، فهو يصور في الأرحام كيف يشاء، ويفعل ما يشاء ويخلق ما يشاء، إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، خَلْقُه مُحكم، وأمره مُحكَم وتدبيره مُحكَم لا ينقضه ولا يفسده فساد عباده وكفرهم، حكيم له الحكمة والحُكم إذ خلق بشرا من غير أب، كما خلق أول البشر من غير أب ولا أم، وكما أوجد الوجود من عدم، حكيم وهو يمتحن عباده ويمحّصهم، ويبتليهم ليتبيّن صاحب العقيدة السليمة من العقيدة الفاسدة ...
فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ... عليم سبحانه بمن تولّى من أهل المحاجّة وفد نصارى نجران، وكل محاجّ في كل زمان، رغم كل العلم الذي جاءه والحقّ الذي تبيّن له من كل وجه يصرّ على الباطل، وما ذلك إلا دليل إصراره على الإفساد بعدما فسد حاله، وأي إفساد أكبر من إفساد علاقة الناس بربهم، وعقيدتهم الصحيحة في الألوهية؟! وفي هذا كله شأنٌ رئيس من شؤون هذه السورة التي نحن في رحابها ... هذه الخطوة التي نخطوها على درب الحياة بإضاءة من القرآن تنير لنا العتمة ...
أمازلتُم تذكرون معي خصوصية هذا المسير الذي نتقاسمه على هذا الدرب ؟ أم أنّ آيات قطاعنا الأخير (33-63) وتفصيلنا في موضوعها قد أنساكم أنّنا نتوقف لنتأمّل موقع أقدامنا على دربنا، نبتغي رسوخا وثباتا ومعرفة بالموقع قبل أن ننتقل إلى خطوتنا الموالية ؟
إنّ خصيصة قراءتنا لقرآننا في هذه الرحاب أنّنا نريده زادا للحياة، بل نورا ينير لنا، فنضع أقدامنا حيث يجب، حيث لا خوف ولا ريب... ونتقدم ونحن نتّقي العقبات، فنعرف حجر العثرة، ونتبيّنه، ولا نغترّ ولا ينجح معنا مَن يوهمنا أنه الحجر الكريم الذي سينالنا منه خير ...!
لقد استهدينا الله الصراط المستقيم (الفاتحة)، ولقد أجاب الله دعاءنا، فعرّفنا مصدر الهدى(البقرة)، ولقد علّمنا أن الله الذي نعبد هو الله الذي يجب أن نمتثل لأمره فينا بأن نفعل ما يأمرنا، وننتهي عما ينهانا (المنهج من البقرة) ... وإنه سبحانه يَصْدُقنا، فيعلّمنا أنّه لا يكفينا أن آمنّا واتبعنا واهتدينا، بل إنّ على الدرب امتحانات في رسوخ الإيمان وثبات الهُدى يجب علينا تعلّم اجتيازها برباطة جأش... وإنّ عليه معيقات يجب علينا تعلّم تحاشيها والنّأي عنها...
وفي هذه السورة تحديدا يأتي هذا التعليم..إننا نتعلم كيف نثبت ...
وهذا مجمل خطوتنا الرابعة :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12627;image)
ونلحقها بالخطوات السابقة لنراجع مجموع ما عرفنا حتى الآن :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12580;image)
يعرّفنا سبحانه أسباب الاهتزاز
ويعلّمنا عوامل الثبات
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12621;image)
يعلّم المؤمنين ثوابتهم على درب الحياة
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12623;image)
ثم يبدأ سبحانه بتعليم المؤمنين الحق :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12627;image)
-
حان موعد دخولنا قطاع جديد من سورتنا العظيمة هذه...
وإني لألمس فيها بقوة وهي السورة المثبّتة معنى "العلم" الذي يجدر بالإنسان أن يتعلّمه، العلم الأساسيّ الضروريّ الذي لا محيد عن معرفته ليكون الإنسان على بيّنة من أمره، من وجوده في هذه الدنيا، فلا تطوّح به الرياح يمنة ويسرة كفعلها فيمَن نراهم اليوم وقد ذاع صيتهم باسم العلم الذي علموه فاكتشفوا واخترعوا وبرزوا أيّما بروز في ماديات الدنيا، وطوّعوها لأيمانهم ولكنّهم ما عرفوا ربّهم، أنكروا وجوده، فقالوا بأن الحياة مادة ولا إله ...!
وقالوا -رغم أنهم يتنفّسون بمنطق الأسباب- بأنّ الكون محض صدفة، وأن الإنسان ما جاء إلا صدفة، وأنّ كل هذه العظمة الناطقة في كل ذرة من ذرات الوجود إنما أصلها صدفة ...!
إنّ هذا الذي يعلّمنا الله إياه هو العلم الذي يرفع به الإنسان رأسه في الدنيا ليقول ملء قلبه وعقله: أنا الإنسان الذي أعرف خالقي، وقد علّمني الغاية من وجودي، وأعلم أنّما الدنيا دار امتحاني أأقرّ فيها بالله ربا أم أكفر...
بلغنا مبلغ تعليم الله تعالى المؤمنين الحق مُمثّلا في القَصَص الذي عرفنا...وكلها جاءت لتكون الحجة الوافية أمام كل محاجّ في عيسى عليه السلام متأوّل فيه، فجاعله إلها، أو ابنا لله أو ثالث ثلاثة في الألوهية ... جاءت لتجعل للمؤمن عقيدة صافية نقيّة لا يستحيي أن يقارع بها أصحاب العقائد الفاسدة، بل إنّ الله قد أوكله بأن يؤدّي الحق الذي بحوزته لغيره، لقد كلّفه أن ينشره، وفي ذلك تتجسّد أكبر مقتضيات الخلافة في الأرض. وذلك شأن الشجرة الراسخة الثابتة، لا تأتي عليها الرياح مهما اشتدّت، بل تعطي من ثمرها وظلّها ورَواحها وهي القائمة باسقة لا تذلّ ولا تخنع ولا تنحني "...كشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ"-إبراهيم: من24-
لذلك فإننا ونحن نغادر قطاع "العلم بالحق" مع ذلك التناسق البديع والترابط الدائم نخرج من دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم نصارى نجران إلى المباهلة وقد حاجوه في عيسى عليه السلام، لنجِدنا بين يدَي آياتٍ مجمل موضوعها حول دعوة أهل الكتاب للحق الذي تعلمناه، مع مزيد بيان لحقائق أخرى سعوا سعيَهم لطمسها وإخفائها وتبديلها ...
وفي كل مرة أحاول أن أعطي صورة عن الطريقة التي أجمع بها القطاع من الآيات تحت عنوان موحّد حتى نتروّض في قراءتنا على تلك النظرة الجامعة التي تضوي الآية إلى الآية من دون شطط ولا تكلّف لما ليس في تركيب القرآن أصلا ... فمن تركيبة نصه الأصيلة نستوحي هذا الجمع لا مِن قدح أفكارنا ... ولا أخفي هنا استحضاري لقول الوليد بن المغيرة في القرآن يصفه وهو يسحره بتناسقه وجماله وبديع تراكيبه: " والله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته"
مثمر أعلاه، مغدق أسفله ... هو المثمر من ذاته، والمغدق من ذاته ..
أقرأ الآية فتسوقني سَوقا للتي بعدها ثم للتي تليها.. وهكذا يحيط بي موضوع واحد تعالجه تلك الآيات مجتمعة، فأراه يرسم معالِمَه ويحدّد ذاته ... وهذا الموضوع من قطاع الآيات هو من ذاك في القطاع الموالي، ولكنها مواضيع فرعية كلها تصبّ في مجرى الموضوع الواحد للسورة برمّتها ...
فهلمّوا بنا نلجُ قطاعنا الجديد (64-99):
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(64) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ(65) هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ(68) وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(69) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ(70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(71) وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(72) وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(74) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(76) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(77) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(78) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ(79) وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ(80) وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ(81) فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ(83) قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(84) وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ(85) كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(86) أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(87) خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ(88) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ(89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ(90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ(91) لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ(92) كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(93) فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(94) قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ(96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(97) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ(98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(99)
ومبتدؤه النداء كما نرى : " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ "...
إن الله سبحانه بعد أن علّم نبيّه الحق الذي أخفاه أهل الكتاب وحرّفوه، يتوجه إليه هذه المرة فيأمره أن يدعوهم إلى ذلك الحق .
إنها منهجيّة في الأمر وترتيب، بعد أن تعلّم صلى الله عليه وسلم، هو ذا يعلّم، بعد أن تبلّغ هو ذا يبلّغ... بعد أن جاءه النبأ اليقين، هو ذا يدعو إليه دون شك أو ريب أو تململ ... وكذلك يُسقَط هذا على حال المؤمن، هذا الإنسان الذي خصّه الله تعالى بالخلافة، بأداء الأمانة وتبليغ الرسالة، كما عرفنا فيما سلف من آيات قطاع عوامل الثبات، كيف أنّه الموكّل برسالة إصلاح الأرض بعد أن فشل غيره فأخرجهم الله من تلك المسؤولية، ولم يعودوا أهلا لتحمّلها وقد أفسدوا وضلوا وأضلوا.. لم يعودوا أهلا لريادة الأرض ...
هو ذا دور المؤمن يتجسّد لنا من خلال هذا الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبيين الحق وإيصاله، بتعليم ذلك العلم ... إنها المرحلة التي تلي مباشرة مرحلة التعلّم والتبلّغ... إنها مرحلة التعليم والتبليغ...
1- قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(64)
هذا ما أمِر أن يدعوهم إليه صلى الله عليه وسلم .. " تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ "..
إنها مؤانسة لهم ورفع من شأنهم، وترفّق بهم أن يناديهم بتلك الصفة: "أهل الكتاب"...شرف لهم أن كانوا أهل كتاب سماوي، وبذلك عُرِف في القرآن كل من اليهود والنصارى.
ثم هو ذا يناديهم ليُقبِلوا على ما عنده بقوله : "تعالوا" فنلمح في الفعل دعوة للتعالي من الحضيض الذي هُم فيه إلى العُلا الذي فيه الداعي، بما فيه من علوّ شأن المدعوّ إليه سبحانه، وعلوّ شأن الحق الذي يُدعَون إليه..
فإلامَ هي الدعوة ؟؟ " إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ " .. إلى كلمة تسوّي بيننا وتجعلنا وإياكم على قدم المساواة، كلمة تجعلنا وإياكم سواسية، فنحن وأنتم اليوم على طرَفَي نقيض، إلا أن تتعالوا عمّا أنتم عليه من عقيدة فاسدة وفهم فاسد للألوهية، وتُغيثوا أنفسكم بالحق ... عندها سنتساوى ...كما يقال في معناها أنها كلمة عدل لا تختلف فيها الشرائع، ولو أنّني أميل إلى أنها الكلمة التي تساوي بين الطرفَين.
ثم يأتي الله تعالى سريعا بتفصيل كُنْه هذه الكلمة:
1- أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ .
2- وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً .
3- وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ .
فأما الأولى فإفراد الله بالعبادة سبحانه، فلا تجب العبادة لغيره، ونتأمل الصيغة فإذا هي صيغة جمع، جاء فيها الفريقان:المسلمون وأهل الكتاب، وهم هنا النصارى لما ذكرنا من وفد نجران ومحاجّته التي كانت سبب نزول الآيات من جهة، وبالنظر إلى سياق الآيات من جهة أخرى، إذ أنّها تأتي بعد بيان حقيقة عيسى عليه السلام وبعد دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فريقا منهم للمباهلة. فالصيغة في كل الأفعال جاءت على الجمع المتكلم : "ألا نعبد" وفي هذا ملمح من الرفق والإيناس والتواضع مع الدعوة، فلا تشعر أنها صيغة أمر، بل صيغة مشاركة .
وأما الثانية فتُعضّد الدعوة لعبادة الله وحده بالدعوة إلى ألا يُشرك به شيء، تعضيد تقوية، فلا يُعبد غيره ولا يُشرَك به شيء، لا إنسان ولا حجر ولا شجر ولا أي شيء مهما كبر أو عظم، وفي هذا إشارة إلى إشراكهم بالله عيسى عليه السلام من قولهم مثلا أنه ثالث ثلاثة في الألوهية، إذ هم أهل التثليث لا التوحيد...
ثم تأتي الثالثة : "ألا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله" ونلاحظ دوما صيغة الجمع والمشاركة، فلا أنتم تتخذوننا أربابا ولا نحن نتخذكم أربابا، وهي مصداق لقوله تعالى : "وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(30) اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(31)"-التوبة-
-
لقد قالوا أنه ابن لله، واتخذوه من دون الله ربا ... ولنتأمل هنا، ونحن نعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يخاطبهم بهذا، فيجمع نفسه مع غيره ويدعوهم ألا يتخذوه ربا ضمن مَن يتخذونهم أربابا، وهي دعوة الرسُل التي لا تتبدّل، كلهم أبرياء من دعوة الناس لعبادتهم، كما كان من ذلك عيسى عليه السلام بريئا كل البراءة.
وكما أشرت مرارا، أحبّ أن أسقط مما نحن فيه على واقع حياتنا، فأستحضر مع هذه الآية حادثة من حادثات عصرنا القريب، مؤتمر حوار الأديان الذي دعا إليه عدد من علماء الأمة، وكان سبب الدعوة إليه الرد على تطاول البابا "بندكت السادس عشر" بطريرك الكنيسة الكاثوليكية أكبر الطوائف المسيحية في العالم، والذي طعن في الإسلام مقتبسا كلمة لإمبراطور بيزنطي من القرن الرابع عشر قال فيها : "أن الإسلام لم يجلب سوى الشر إلى العالم وأنه انتشر بحد السيف وهو ما يتنافى والعقلانية وطبيعة الله."
مؤتمر حوار الأديان حمل اسم "كلمة سواء" استنباطا من الآية التي بين أيدينا، وكانت الدعوة فيه حسب نصّ أهدافه المسطّرة إلى ما يلي:
**ترسيخ قيم الحوار والتفاهم والتسامح والاحترام المتبادل بين المسلمين والمسيحيين
**تحقيق السلام العالمي والتعايش بوئام بين سائر البشر والاحترام المتبادل للرموز المقدّسة للأديان.
وسأنظر إلى الآية وتركيبها وإلى روحها التي بها حياة معناها، مقابل هذا الذي هدف إليه المؤتمر...
فأما التفاهم، فلأيّ تفاهُم يكرّسون بين مَن يوحّد وبين من يثلّث ؟! أهو إسقاط سليم من تلقينه سبحانه لنبيه أن يدعوهم إلى كلمة سواء على مَن لا يحبون إلا أن يكونوا على غير الكلمة السواء ؟
تعالوا إلى كلمة سواء.. -كما أسلفت- إنها دعوة لأن يبدّلوا ما هُم عليه، إنها دعوة صاحب الحق إلى الحق، دعوة الهادي المهتدي للضالّ المضلّ.
نعم -كما رأينا- هي دعوة فيها تواضع ومؤانسة وترفّق بالمدعوّ بما جاء فيها من صيغة جمع ومشاركة، وبما جاء من تشريفهم بلقب أهل الكتاب تذكيرا لهم أنهم أمَمٌ نزلت فيهم الكتب السماوية، ولكنها بالمقابل دعوة صريحة، دعوة فيها أنّ الداعي يعي تمام الوعي أنه هو صاحب الحق وأنّ دعوته هذه واجب من واجباته في الأرض... وأنه الرائد الذي يرود الناس نحو الحق والصواب، والوارد الذي يسوقهم حيث الماء والسُّقيا ...إنه يعي تمام الوعي أنّه الذي يحمل الحق وعليه نشره في الأرض وتنوير أهلها به...
إنه يدعوهم صلى الله عليه وسلم إلى ما يجعلهم والمؤمنين سواء، إلى ما يصيّرهم إلى هدف واحد، وهم من دونه مختلفون كل الاختلاف.
يدعوهم ليُخرجهم مما هم فيه من ظلمة ومن ظلم لأنفسهم... بينما هذا المؤتمر يساوي منذ البدء، يجعل المسلمين والمسيحيّين في كفة واحدة، فيدعو للتفاهم والاحترام ولا يدعو لأن يكون الحق هو الأعلى، لا يدعو أهل ضلال وزيغ إلى الحق الذي قرّره الله تعالى بألا يُعبد غيرُه، ولا يُشرك به شيء، بينما هم يقولون بالتثليث، ويقولون ببنوّة عيسى لله، ويقولون أنه الله، وكل هذا في ميزان مؤتمر "كلمة سواء" هو مدعاة للتفاهم ؟!
أي تفاهم يكون بين الموحّدين والمثلّثين ؟؟
تفاهم على حركة الدنيا ؟ على احترام لمعتقدهم ؟ على احترام لتثليثهم للألوهية ؟ على تأليههم لعيسى عليه السلام ؟ على تحريفهم لكتب الله، وعلى تحريفهم لما جاءهم به الرسل من دعوات حق ؟؟
إن الآية صريحة وقوية في إعلانها أنّهم لو تعالوا عن حضيضهم إلى سموّ تلك الكلمة، كلمة التوحيد، توحيد الألوهية في : " أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ " وتوحيد الربوبية في : " وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ " فسيكونون سواء ...
أما المؤتمر فهو يدعو فريقَيْن إلى التفاهم والاحترام، كأنّ كليهما على الحق...
إلى احترام أرضيّ دنيويّ يتجرد من معنى الحركة على الأرض وِفق الاعتقاد والعقيدة، يتجرّد من علاقة الإنسان بربه وبمعرفته لربه، وبتجسيده للخلافة التي ما خلقه إلا ليحققها بتطبيق منهجه عليها... هذا هو الاحترام الذي يُراد بين مختلفين في الاعتقاد، هذا هو التفاهم الذي يتحقق بين ثرى وثريا، بين حق وباطل، أن يتجرّدوا من معاني الاعتقاد والتصوّر السليم للكون وللحياة، فيتجلّى أيّما تجلٍّ تنازلُ صاحب الحق (المسلم) وهو يساوي ابتداء بينه وبين أصحاب الباطل النابذين للحق، المحرّفين له...
هذا بالنظر للآية وحدها بعيدا عن النظر إلى سياقها، إذ يبيّن سياقها كل بيان أنّ المؤمن علّمه ربّه الحق(كما عرفنا في قطاع (33-63)) ومن ثمَّ أمره أن يُعلّمه، كما هو الحال في آيتنا، فهو المعلّم وهو المبلّغ عن ربه وهو الهادي الذي ينشر الهُدى ويدعو إليه.
ثم نأتي إلى الهدف الثاني الذي سطره هذا المؤتمر الذي استند دُعاته على هذه الآية لإقامته: تحقيق السلام العالمي والتعايش بوئام بين سائر البشر والاحترام المتبادل للرموز المقدّسة للأديان.
ما الذي سيحقّق هذا السلام العالمي مع ما في الاسم من فخامة ؟ أهو هذا المؤتمر الذي سيُبيّن ما استشكل على المسيحيين من فهم أنّ أهل التوحيد وأهل التثليث سواء ؟! أم أنه السلام الذي يتحقق على كل مستوى بدءا بالأخصّ سلام النفس مع نفسها، وصولا إلى سلام كونيّ تسبّح فيه كل الموجودات بحمد مُوجِدِها، والذي كان أسمى غايات القرآن بما جاء فيه كله من آيات الدعوة إلى توحيد الله تعالى وإعلاء أنه الواحد الأحد الفرد الصمد ؟!
ثم هذا التعايش بوئام بين سائر البشر أيكون على حساب العقيدة السليمة، فنتعايش بوئام وحب ورضى بسيادة الكفر والإشراك بالله وتصيير العبد إله ؟!
وكأننا نقول لهم مستجدِين مستعطِفين : اتركونا فقط نعيش وسالمونا، فنحن نقبل كل ما يكون منكم، نقبل أن تكفروا وتنشروا الكفر، وتعملوا بكل قوتكم وبكل أموالكم على نشره باسم "التبشير"... فاقبلونا رجاء... اتركونا نعيش معكم على قطعة من الأرض، فقط نعيش...
حدّدوا لنا أيّ قطعة نعيش عليها وإن كانت فُتَاتاً من الفُتات.. راضون نحن بأن تسلبوا ثرواتنا، وتقتّلوا نساءنا وأبناءنا، وتستضعفونا، وتحتقرونا، وتعدّونا هَمَلا بين الهَمل ... راضون بأن نسلّم لكم بكل شنائعكم وجرائمكم فينا وافتكاككم لأراضينا، واستغلالكم لخيراتنا، ومؤامراتكم وتآمراتكم ... فقط اتركونا نعيش ... وتستحقون منا كل التجلّة وكل التبجيل، فها نحن ندعوكم لنتعايش... لتقبلوا أن نعيش على قطعة من الأرض تتصدّقون بها علينا رغم فساد اعتقادكم في رب السماوات والأرض ! ورغم نَهْبكم لكل ما نملك، ورغم فسادكم وإفسادكم، ومسخكم للإنسان بالغرق في لُجّ المُجون والعهر والفجور، والإلقاء بكل الأخلاق عرض كل حائط، وبتحليلكم لكل ما حرّم الله وبتحريمكم لكل ما أحلّ ... !
لا ... لا وأكثر من هذا ...سنريكم من أنفسنا بِدْعا من السلام، سنريكم كيف أنّ قمّة السلام الاستسلام انتبهوا لقد جئناكم نعلنها : والاحترام المتبادل للرموز المقدّسة للأديان. سنحترم صليبكم، وسنحترم قولكم أن الله هو عيسى، وأنه المصلوب، وأنه تجلّي الإله في بشر ليؤنس عباده وأنّه وأمّه إلاهَان ... سنحترم أيّما احترام أن تبشّروا أهل الأرض بمقدّساتكم المحترمة، وإننا نحترمها ... نقرّ لكم في مؤتمرنا هذا أننا نحترمها ...!!
وبهذا يكون المتنازلُ هو صاحب الحق وحامله لصاحب الباطل والزيغ ... ! لا العكس..
ونعود لروح الآية التي تُنبي عن حياتها كل الحياة، وهي التي يزعمون أنهم عليها استندوا في تسمية مؤتمرهم .. تُنبي عن معنى لا يتبدّل وعن قول لا يتغيّر، وعن عزّة لله وللمؤمنين لا تُساوَم وفي آخرها :" فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ "
إنّ هذه الصيغة في الخطاب صيغة عزّة، صيغة شرط لا بالإلزام أو الغصب أو الاستكبار، بل بالإقناع والتعليم والتواضع الذي لا ينفي العزّة والثبات عليها وعلى الحقّ الذي نحمل، وأننا لا نساوَم ولا نحتاج أن نسترضي ليرضوا عنا ... إنها صيغة الشرط، ولا يكون الشرط إلا للامتثال لأمر... سنكون سواسية، ولن نكون مختلفين، ولن نكون على طرفَي نقيض وتلك الكلمة تجمعنا: " أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ "
هذا هو شرطنا ... فإن تولوا عن هذا الذي من شأنه أن يجمع ويوحّد ولا يفرّق، ولم يقبلوه، فقولوا لهم بكل عزّة ورِفعة وعلوّ بالإيمان : " اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ " اشهدوا بأنّا مختلفون عنكم وأنكم مختلفون عنا، اشهدوا بأنه لا يجمعنا بكم ولا يساوينا بكم شيء وقد تولّيتم عما دعوناكم إليه من الحق. اشهدوا بأننا عليه ثابتون .
هي ذي روح هذه الآية... العزّة بالإيمان، واليقين بالحقّ الذي نحمل، وثباتنا عليه... ولقد قمنا بدورنا في دعوتكم إليه لنجتمع ونتساوى إن قبلتم، فأما إن أعرضتم فإننا على طرف وأنتم على طرف مناقض لا يجعلنا على قدم المساواة ....
إنها الدعوة، دعوة صاحب الحق للضال ليهتدي، دعوة الطبيب الآسي العليلَ إلى العلاج الشافي، دعوة الذي يبيّن لمدعوّه ما يجمعه به ويجعله وهو سواء، وليست دعوة لجلسة يعلن فيها صاحب الحق ابتداء أنه وجليسه سواء رغم كل ما لا يجمعه به من أساسيات الاعتقاد ...
-
ثم نتقدم مع الآيات، ونحن نسمع بعدُ مخاطبة أهل الكتاب، ودعوتهم إلى الحق...
هذه المرة يواجَهون بشأن إبراهيم عليه السلام...
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ(65) هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ(68)
لقد عرفنا في سورة البقرة مباشرة بعد عرض النموذج الفاشل في الاستخلاف ممثّلا في بني إسرائيل، الانتقال إلى إبراهيم عليه السلام صورةً للنموذج الناجح في الاستخلاف، وأنّ المسلمين على خطاه أهل الرسالة الإصلاحية في الأرض ...
كذلك هنا نلاحظ مواجهة أهل الكتاب بشأن إبراهيم عليه السلام لتصحيح تصوّر خاطئ مشوّه عنه يقولون به مع ما يقولون من فساد اعتقاد وتصوّر..
يبدو أنهم يحاجّون في إبراهيم عليه السلام، ولعلّنا لا نبتعد كثيرا عن موقعنا هنا لنتعرّف إلى سبب محاجّتهم فيه، ما الذي يقولون به في شأنه حتى يواجههم الله تعالى ويستنكر عليهم هذه المحاجّة ؟... .
نلقي نظرة سريعة على الآيتَين المواليتين(66و67) لنسمع استنكار الله لمحاجّتهم فيما ليس لهم به علم، وهو ينفي عنه عليه السلام أن يكون يهوديا أو نصرانيا :" مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" ..
فسريعا نفهم أصل هذه المحاجّة... إنّ النصارى يدّعون أنه نصراني، واليهود يدّعون أنه يهودي، الآيات تعطينا الجواب، ولذلك كثيرا ما نجد عند اقتطاع الآيات من سياقها سوءا في الفهم، ونقصا في الإلمام بالحيثيّات والتفاصيل ..
هذا وفي البقرة أيضا عرفنا ما يؤكّد أنّ تلك هي محاجّتهم فيه، وذلك في قوله تعالى : "أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" –البقرة:140-
نتساءل قبلا... ما وجه الربط يا ترى بين الآية السابقة وهذه الآية؟
لقد انتهت الآية64 والله سبحانه يلقّن نبيّه والمؤمنين أن يُشهدوا أهل الكتاب المعرضين عن دعوة الحق أنهم مسلمونوهذه العبارة تحديدا هي حلقة الربط بين آية الدعوة إلى كلمة سواء وبين هذه الآية عن المحاجّة في إبراهيم عليه السلام.
لقد جاءت " اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ " مع ما سبق في الآية معرِّفة بمعنى الإسلام : " أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّه ". وفي هذا السَّوق من الإسلام ومعناه إلى إبراهيم عليه السلام تلميح قويّ جدا إلى حقيقة إبراهيم عليه السلام.
هذا الله سبحانه يقيم عليهم الحجة البالغة بقوله :" لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُون " ... كيف يقول كل فريق منكم بأن إبراهيم منه، بينما لم تنزل التوراة ولا الإنجيل إلا من بعد زمان إبراهيم عليه السلام ؟ كان سابقا لنزول كل منهما، فكيف يكون نصرانيا أو يهوديا ؟ وفي هذا محاجّة عقلية تُفحمهم.
ولقائل أن يقول أنّ إبراهيم كذلك كان سابقا للقرآن، فكيف للمسلمين أن يقولوا بأنّ إبراهيم مسلم ؟
هنا ... هلمّوا نقوم بجولة نحدّد فيها الفرق...
اليهودية والنصرانية تسميتان لم يقرّهما الله تعالى لأصحابهما... ليس الله من أسماهم كذلك. بل هما تسميتان مختَرَعَتَان، واختُلف في أصل اختراعهما، فمِن قائل أنّ "اليهود" نسبة إلى يهوذا أحد أبناء يعقوب عليه السلام، ومِن قائل أن معناها من: "هدنا إليك" أي تبنا إليك، ومن قائل بأنها من التهوّد أي تحريك الرأس عند التعبد، وأما "النصارى" فقيل بنسبتها إلى مدينة الناصرة التي سكنها حواريو عيسى عليه السلام، وقيل أنها من معنى نصرتهم له أي أنصار الله.وكيفما كان الأصل فإنها تسميات بشرية.
وقد جاء كل أنبياء الله تعالى بالإسلام. كلهم جاء يدعو لتوحيد الله وإفراده بالعبادة وألا يُشرك به شيء، وألا يُتخذ رب من دونه سبحانه، تماما كما عرفنا تعريف الإسلام في (الآية64) . إلا أن الاختلاف بينهم كان في الشرائع، فكانت تنزل شريعة من مثل شريعة التوراة فيها تحليل وتحريم، ثم تنزل أخرى بعدها قد تنسخ شيئا مما قبلها وتزيد عليه، كما نزل الإنجيل على عيسى عليه السلام وفيه تحليل بعض ما حُرِّم على بني إسرائيل في التوراة، وهكذا وصولا إلى آخر شريعة نزلت، وهي شريعة القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون مهيمنا على الكتب كلها وتكون شريعته هي التي لا يُقبَل العمل بغيرها إلى قيام الساعة : "وأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" –المائدة:48- لو شاء سبحانه لجعل الناس أمة واحدة، ولكن في تفريقهم أمما مختلفة ابتلاء وامتحان من الله ليرى عملهم فيما آتاهم من شرائع وكتب، ونحن نرى كيف تلاعب اليهود والنصارى بكتبهم.
واليهودية ميّزت طائفة قالت باتباعها لموسى عليه السلام ولما جاء في التوراة وحدها، والنصرانية ميّزت طائفة قالت باتباعها لعيسى عليه السلام ولما جاء في الإنجيل وحده، بينما الإسلام هو حقيقة ما عليه كل أنبياء الله من لدن آدم إلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليهم جميعا. وليتهم إذ قالوا بالتسمية أبقوا على الكتب السماوية كما أنزلها الله تعالى، بل لقد حرّفوا وبدّلوا وكتبوا بأيديهم ما نسبوه لله تعالى كذبا وبهتانا : "فوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ"-البقرة:79-
فقالوا فيما قالوا بما حاجّوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام: "وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً(88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً(89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً(90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً" -مريم-
وقالوا أيضا أن الله هو عيسى، وأنه ثالث ثلاثة : " لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَم..." –المائدة: من17- "لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ... "-المائدة:من73-
وتلك هي عقيدتهم المحرّفة التي يستمسكون بها، وبريئ هو سيدنا عيسى عليه السلام منها، كما نجد بيان حقيقته وحقيقة دعوته بين يدَي آيات سورتنا هذه، والتي تُبطِل كل تخرّصاتهم فيه، وهو ما جاء إلا مسلما داعيا للإسلام... إلى الكلمة السواء : " أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّه ".
-
ثم تجرؤوا وادّعوا أنّ إبراهيم عليه السلام على عقيدتهم تلك ! على تأليه عيسى عليه السلام، أو جعله ثالث ثلاثة، أو نسبه لله ولدا ! فأنّى يكون هذا من نبيّ دعوته كدعوة سائر الأنبياء جاءت بتوحيد الله وعدم الإشراك به، وأنّى يكون منه اعتقاد في الألوهية مخترَع جاء بعد انقضاء زمانه بقرون متوالية... ؟!
فيتصدّى القرآن لأباطيلهم وادّعاءاتهم ويبرّئ أنبياء الله مما نُسِب إليهم زورا وبهتانا ...
وهنا هو الفرق...
فالإسلام أصل أصيل في الاعتقاد، هو القول الذي لم ولن يُبَدّل، والذي جاء به كل الأنبياء عبر كل الأزمنة. هو تلك الكلمة السواء التي لا اعوجاج فيها، الصراط المستقيم، ولقد عرّفها سيدنا عيسى عليه السلام بقوله : " إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ".
وعلى هذا فإن القول بأن إبراهيم مسلم ليس بِدعا من القول، وليس ادّعاء. والأصل أن كل أنبياء الله تعالى مسلمون ... إنّما جاء بيان إسلامه بصفة خاصة وتكرّر في القرآن لادّعاءات أهل الكتاب بانتسابه إلى اعتقادهم الفاسد المحرَّف من جهة، ولأنّ ملّة رسولنا هي ملّة إبراهيم صلى الله عليهما وسلم من جهة أخرى.
فإننا لو تأمّلنا قول سَحَرة فرعون مثلا : " وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ " –الأعراف:126-
بل إنّ فرعون نفسُه لما أدركه الغرق قالها بعد أن لم تعد نافعته: "...حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ" –يونس:90-
وبلقيس لما عرفت الحق مع سيدنا سليمان عليه السلام قالت: " قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين "
وهذا قول المتّبعين المهديّين، فكيف بالأنبياء الدعاة الهُداة ؟
يُضاف إلى هذا أنّ الله أقرّ في القرآن إسلام إبراهيم عليه السلام، فلم يكن ذلك عنه من قول أحد أو اختراعه، كما هو الحال فيما بين أيدينا : " مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(67)"
ولقد أقرّ القرآن إسلامه في أكثر من موضع، أولها ما جاء على لسانه عليه السلام:" إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ" –البقرة:131-
ثم ما جاء على لسانه ولسان إسماعيل من دعاء، ضَمَّنَاهُ الدعاء بأمة نبينا محمد عليهم جميعا الصلاة والسلام :" رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ..."-البقرة:من128-
وكثيرة هي مواضع تقرير إسلامه عليه السلام.
وأكثر من هذا، أن نبينا صلى الله عليه وسلم مأمور من ربه أن يتبع ملة إبراهيم، فالمسلمون تَبَع له في الملة: " قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"-الأنعام:161-
وهكذا يتبيّن الفرق الشاسع بين القول كذبا بيهودية إبراهيم أو بنصرانيته وهما اعتقادان في الألوهية محرّفان مُفتَرَيان، وبين القول بإسلامه، والإسلام معنى أصيلٌ أولٌ قائم منذ بدء الخلق، منذ أن كان آدم عليه السلام داعيا إلى عبادة الله وحده، مرورا بكل أنبياء الله تعالى الذين ما كانوا إلا مسلمين، وصولا إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
والآية السابقة(64) وتعريفها للإسلام بالكلمة السواء التي دُعُوا إليها، قدّمت إلى حقيقة إبراهيم عليه السلام الذي كانت تلك الكلمة اعتقاده ...
ثمّ يزيد الله تعالى في بيان الأمر بقوله : "هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(66)"
لكم العلم بأن عيسى كان فيكم، والإنجيل بين أيديكم، وإن كان على غير حاله التي نزل عليها، إلا أنه نزل فيكم حقا، فحاججتم في عيسى وإنْ بالتصوّر المختلَق منكم، الذي فيه الكذب عليه وعلى الله إلا أنّكم حاججتم فيما ترون أنفسكم عالمين به، ولكن أن تحاجّوا فيما ليس لكم به أدنى علم عن حال إبراهيم عليه السلام، وعما كان عليه، وعما جاء به، فهذا ما لا يكون لكم حقّ فيه.
فلنتأمّل كيف قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم محاجّتهم له في عيسى، واستمع إليهم، ثم قارعهم بالحجّة ودعاهم إلى الحق الذي عرّفه ربّه... أما في إبراهيم فالحاصل أنه لا مستَنَد لهم لا من عقل ولا من نقل، فلا حقّ لهم بالمحاجّة فيه، وإنما النبأ اليقين عنه هو ما جاء به الله تعالى: "وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ " ... هو سبحانه الذي يعلم الحق فيعلمه لعبده صلى الله عليه وسلم، ومن ثمَّ يبلّغه للناس، فمن شاء آمن ومن شاء كفر..فأما المؤمن فيتبلّغ ويتعلم حقّ العلم كما نجدُ حالنا مع الآيات، نستمع، ونتأمل ونتلعم ...
ثم يأتي التقرير الأخير، يأتي التقرير الذي فيه علم الله تعالى المحيط بكل شيء، علمه الذي هو الحقّ الذي يريد منا سبحانه أن نثبت عليه، وذلك بتعليمنا كيف نحاجج بالعقل، وبالدليل القاطع من المصدر الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبالكلمة السواء التي لا عوج فيها ...
مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ(68)
وكما ادّعى النصارى واليهود نصرانية إبراهيم عليه السلام ويهوديته، كذلك كان العرب المشركون يدّعون أنه منهم، وهم على إشراكهم وخلطهم وخبطهم بأهوائهم، فبرّأه الله تعالى مما هم عليه " وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " .
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12629;image)
ثم يُختَم بيان الحق في شأن إبراهيم عليه السلام بذكر الأولى والأجدر باتباعه عليه السلام، فليس كون اليهود من ذريّته مما يُفضي إلى يهوديته، ولا كون النصارى من ذريته مما يجعله نصرانيا، بل هو مسلم قد أسلم وجهه لله رب العالمين، والأخوة والبنوة في العقيدة ليست بالنسب ولا بالدم، بل بالعقيدة الواحدة الجامعة في الله تعالى، إذ أنّ من ذريته مَن لم يحافظ على المحجّة التي جاء بها بيضاء، بل لطّخها وشابها بشوائب هي منها براء، ثم يريد أن يبقى الانتساب، هكذا لمجرّد التباهي الكلاميّ بعيدا عن الامتثال الفعليّ ... لذلك يقرّ الله تعالى أن الأجدر باتباعه هم :
** لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ... من مثل إسحاق ويعقوب عليهما السلام ومن تبعهم من ذريتهم : " وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ" –البقرة:132-
إضافة إلى من ظلّ على الحنيفية من العرب، والذين اشتهروا بعدّهم على أصابع اليد في لُجّ انحراف العرب عن الجادّة، ومنهم مثلا زيد بن عمرو بن نفيل، وقد جاء عنه في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : " أنَّ زيدَ بنَ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ خرجَ إلى الشَّأْمِ،يسألُ عنِ الدِّينِ ويَتْبَعُهُ، فلقيَ عالمًا منَ اليَهودِ فسألهُ عنْ دينهِمْ،فقال: إني لعَلِّي أنْ أدينَ دينَكمْ فأخْبِرْني، فقال: لا تكونُ علَى دينِنا،حتي تأخُذَ بِنَصيبِكَ منْ غضَبِ اللَّهِ، قال زيدٌ :ما أفِرُّ إلا منْ غضَبِ اللَّهِ، ولا أحْملُ منْ غضَبِ اللَّهِ شيئًا أبدًا، وأنَّى أسْتَطيعُهُ ؟فهلْ تَدُلُّني علَى غيرِهِ؟ قال: ما أعلَمُهُ إلا أنْ يكُونَ حَنيفًا، قال زيدٌ: وما الحنيفُ؟قال: دينُ إبْراهيمَ،لمْ يكُنْ يَهوديًّا ولا نصْرانيًّا ولايعبُدُ إلا اللَّهَ. فخرجَ زيدٌ فلَقيَ عالمًا منَ النَّصارَى فذكر مثلَهُ، فقال: لنْ تكونَ على ديننا حتَّى تأْخُذَ بنَصيبِكَ منْ لَعنَةِ اللَّهِ، قال: ما أفِرُّ إلا منْ لَعنَةِ اللهِ، ولا أحْمِلُ مِنْ لَعنَةِ اللهِ، ولا منْ غَضَبِهِ شَيئًا أبدًا، وأنَّى أستَطيعُ؟ فهل تَدُلُّني علَى غيرِهِ؟ قال :ما أعلمُهُ إلا أنْ يكونَ حَنيفًا، قال :وما الحَنيفُ؟ قال: دينُ إبراهيمَ لمْ يكنْ يَهوديًّا ولا نَصْرانيًّا، ولا يعبُدُ إلا اللهَ. فلمَّا رأى زيدٌ قوْلهُم في إبْراهيمَ عليْهِ السَّلامُ خرجَ، فلما بَرَزَ رفَعَ يدَيْهِ، فقال: اللَّهُمَّ إني أشْهَدُ أني علَى دينِ إبراهيمَ."
** وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون هم مِن أجدر من يقول بأنّ إبراهيم منهم وهم منه. يقول ابن عاشور: " وعطف النبي على الذين اتبعوا إبراهيم للاهتمام به وفيه إيماء إلى أنّ متابعته إبراهيم عليه السلام ليست متابعة عامة فكون الإسلام من الحنيفية أنّه موافق لها في أصولها"
ويقول أيضا: "ووجه كون هذا النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا أولى الناس بإبراهيم ، مثل الذين اتبعوه ، إنّهم قد تخلقوا بأصول شرعه ، وعرفوا قدره ، وكانوا له لسان صدق دائباً بذكره ، فهؤلاء أحقّ به ممّن انتسبوا إليه لكنهم نقضوا أصول شرعه وهم المشركون ، ومن الذين انتسبوا إليه وأنسوا ذكر شرعه ، وهم اليهود والنصارى ، ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سَأل عن صوم اليهود ، يوم عاشوراء فقالوا : هو يوم نجّى الله فيه موسى فقال : «نَحْن أحقّ بموسى منهم» وصامه وأمر المسلمين بصومه." -التحرير والتنوير-
وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ... وليّ هؤلاء المؤمنين الذين والُوا إبراهيم، فكانوا أولى به من غيرهم وقد حافظوا على الإسلام الذي يقضي بـ : " أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ "
ولن يكون سبحانه وليّا لمن أعرض عن هذا القول الذي لا يتبدّل، الذي جاء به الأنبياء بلا اختلاف بينهم، جاؤوا جميعا بدعوة واحدة، وبكلمة سواء، ساوت بينهم جميعا، فكانوا على هُدى من ربهم، جاؤوا هُداة الناس إليه ...
وهكذا .... ها نحن نتعلم ...
ها هو المؤمن يتعلم من ربه الحق ... ها هو سبحانه يبيّن أباطيل أهل الكتاب، ويقرّ الحقّ الذي يجب أن يُتَّبَع ويُتَّخذ اعتقادا ثابتا راسخا ...
هذا هو الاعتقاد السليم في إبراهيم، وقد بيّنه سبحانه كما بين الاعتقاد السليم في عيسى من قبل... هذه تبرئة إبراهيم من تقوّلاتهم أنه على ما هم عليه، كما جاءت تبرئة عيسى مما تقوّلوه عليه، عليهما الصلاة والسلام...
في هذه السورة التي رأينا أنّ أول ما عالجته ونوّهت به الثبات على الهُدى الذي علمتنا البقرة أنه في هذا الكتاب ... يعلّمنا الله تعالى كل هذه الحقائق مع ذكره لما حوّره أهل الكتاب وما تقوّلوه فيها، حتى نتعلم الثبات، وألا ننخدع بما يقصّون علينا، وبما يطرحون علينا من شُبهات، وهو عملهم القديم الجديد في كل زمان ... يعلّمنا بهذه الحقائق التي تُزهق أباطيلهم أن نكون على بيّنة وثبات، وأن نحاجج بالحق، وألا نكون خاليي الوِفاض حتى إذا ما ألقوا إلينا بشُبُهاتهم وقعنا وقعة الذي هو على شفا جرف هار، وقعة الذي يعبد الله على حرف ...!
يعلّمنا بمخاطبة أهل الكتاب ليصوّر لنا المحاجة على قواعدها وأصولها، ويعلّمنا بتقرير الحق في الشأن مقابل الباطل الذي يتقوّلونه فيه، فنرى الحقّ صادعا بقوته يعلن عن نفسه، ويتهاوى باطلهم سريعا أمامه، ونحن نتأمل ونجمع الأطراف بعضها إلى بعض، ونحن نجد القرآن يصدّق بعضه بعضا ...
بالعقل حقا نعقل قرآننا ... ولا نخشى قول كل من يدّعي أنه النصّ الذي لا يجوز أن نمرّره على العقل هكذا على الإطلاق دون قيد، بل إنه النصّ الذي يرود العقل، فلا خوف من استخدام العقل فيه لنعقله ونتبيّن معانيه ومراميه ...
ونكون قد عرفنا من 64إلى 68 :
1-الآية64 : بداية دعوة أهل الكتاب ببيان ما يجعل الناس سواء في العقيدة . والتقدمة بمعنى الإسلام لما سيأتي عن شأن إبراهيم تلويحا بأنه حقيقته.
2- (65-68)بيان الحق في شأن إبراهيم عليه السلام أمام باطل اعتقاد أهل الكتاب فيه.
-
2- ونبقى مع أهل الكتاب وما يوجَّه لهم من خطاب فيه بيان الحق من الباطل، باطلهم الذي ينشرونه بين المؤمنين. يبين الله لنا حتى لا نضلّ ولا يتزعزع الإيمان في قلوبنا من فعل شبهاتهم التي يلقونها ... يعلّمنا سبحانه الثبات ..
وهذا قطاع من الآيات من قطاعنا الكلي (64-99)، وفيه الحديث عن خططهم لإضلال المؤمنين ...فلنرَ :
وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(69) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ(70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(71) وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(72) وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(74)
كنا قد عرفنا أعلاه دعوتهم إلى الحق كمقدمة لبيان الحق في إبراهيم عليه السلام الذي جعلوا يحاجّون فيه هو أيضا ... فكانت المخاطبة عقلية بأسلوب الإنكار عليهم وفضح تصوّرهم الباطل، ومن ثمَّ بيان التصوّر السليم ...
أما هنا، فنرى أسلوب الخبر عنهم بمخاطبة المؤمنين وإعلامهم بأساليبهم ونواياهم ...
2-أ) ودّت أي أحبّت طائفة منهم أن يضلوكم، وهذا من إنصاف القرآن للناس وعدم بخسهم حقهم، فلا يجمع كل أهل الكتاب بل يحدّد أن طائفة منهم تمنّت إضلال المؤمنين، والإضلال هنا هو فعل إخراج المؤمنين عما هم عليه من نور الهُدى والحق إلى ظلمات الضلال والباطل...
وهذا الإضلال نلمحه جليّا وهم ينشرون اعتقاداتهم الفاسدة بين المؤمنين، فيلقون بالشبهات في نفوسهم بما يذكرون من تأليههم لعيسى عليه السلام وجعله لله ولدا، وبما يتقوّلون على إبراهيم عليه السلام من أنه منهم وعلى اعتقادهم تلبيسا عليهم وإمعانا في تشكيكهم في دينهم ... وكذلك كانوا يطعنون في صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي صدق ما نزل عليه ...
ولقد عرفنا أنّ الشبهات هي ما تعمل هذه السورة على تخليص المؤمنين من لوثاتها وسعي أصحابها ببيان الحق كما هو على وجهه الصحيح، وبدحض أباطيلهم ... وهذا التمني في قلوبهم لم يكن في زمان معين دون غيره، بل هو قائم في كل زمان، ولقد حذرنا الله منه في قوله سبحانه : "ولَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ " –البقرة:120-
وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ: إنّ إضلالهم الذي يسعون به إنما هو في حقيقته إغراق لأنفسهم في الضلال..
كــــــــــــيف ذلك ؟
إن الضال الذي لم يهتدِ، له مندوحة للبحث والتثبّت والنظر فيما هو عليه وما عليه غيرُه من أهل الهُدى، له فسحة للنظر والتفكّر وأرجحة أمره حتى يستقر على أحد طرفَين، فإما البقاء على ضلاله وإما التفكير الجدّي في الحال المغايرة مما قد يسوقه للهُدى سَوقا بالبحث والنظر والفكر، وإن هو صدق في رنوّه للحق ...
أما المضلّ فهو الساعي بضلاله يريد أن ينشره ويعمّمه، داعية من دعاة الباطل الذين نجدهم في كل زمان، من الأخسرين أعمالا كما عرّفنا القرآن : " قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)"-الكهف-
وعلى هذا فإنّه يُغرق نفسه في سُبُل الإضلال والبحث عن الحِيل ورسم الخُطط، وفتل أحابيل المكر والخديعة، وتحيّن الفرص المناسبة لبثّ سمومه وأباطيله ... كل هذا يستغرق منه جهدا ووقتا يجعله لا ينصرف إلى البحث والنظر في فكر الآخر واعتقاد الآخر، بل يجعله عاملا مثابرا على طريق الإضلال يكرّس الوقت والجهد لتحقيق مآربه المسمومة، وهذا كلّه مما يزيد في ترويض النفس على حبّ هذه السبيل والمضيّ فيها قُدُما والبذل لها ... وعلى ضوء هذا نفهم كيف يضلون أنفسهم وهم يظنون أنهم يضلون غيرهم، غيرهم المستنيرون بنور الحق، المستهدون بهُدى الله والمسترشدون بضوء قرآنه الذي نرى عن كثب كيف جاء ينوّر درب الإنسان عموما، وينوّر درب المؤمن به في كل خطوة... هؤلاء هُم الذين لن يقعوا في شِباكهم ولن تفوز بهم مصائدهم ...
أما مَن كان على شاكلة شباب لا يعرف عن دينه إلا القشور التي لا تجعله مؤمنا إلا بالعنوان، فهو صاحب شهوة سريعا ما ينبهر بأهل الرَّفاه والعيش الرغيد، فتأخذه الشهوة إلى الشُّبهة في دينه، وهو لا يرى خيرا إلا في مظاهر الدنيا وزُخرُفها، وسريعا ما تعبث بعقله شُبهات المضلين العابثين فتستزلّه وتأخذه حيث تريد راميا دينه خلف ظهره. ذلك هو المهزوز الذي تهزّه الشبهات، وينجح معه المضلّون ...
وهنا أحبّ أن أذكر معنَيَيْن تحيّر مَن تحيّر في التوفيق بينهما، وهما عدم تحمّل إنسان وِزر غيره من جهة، وحمل آخر لأوزاره مع أوزار غيره، وذلك في قوله تعالى: " وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قربى" - فاطر: 18-
وقوله جل شأنه : " لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ" - النحل: 25-
يقول الشعراوي رحمه الله : "وهكذا نعرف أن الوزر في آية فاطر هو وزر الضلال في الذات والأوزار في سورة النحل هي لإضلال غيرهم فهؤلاء الضالون لا يكتفون بضلال أنفسهم، بل يزيدون من ضلال انفسهم اوزاراً بإضلال غيرهم فهم بذلك يزدادون ضلالا مضافا إلى أنهم يحملون أوزارهم كاملة"
2-ب) وتسوقنا الآية إلى التي تليها : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ(70)
نداء ثالث من جملة النداءات الموجهة إلى أهل الكتاب، كان أولها " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ... "، وثانيها : " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ... " وهذا الثالث استنكار لكفرهم بآيات الله ..
وماداموا متمنّين إضلال المؤمنين بأباطيلهم كما عرّفتنا الآية السابقة، فهم أولاء كافرون باللفظ والوصف الصريح، يستنكر الله تعالى كفرهم بآياته وهم يشهدون أنّهم أهل كتاب، وأنّ الكتب السماوية نزلت فيهم، وأنّ الأنبياء بُعِثوا فيهم ... ولكنهم ليسوا على الاعتقاد السليم في الله، وليسوا على ما أمرهم الله أن يكونوا، وليسوا حفظة لدينه ولكتبه، بل لقد حرّفوا وبدّلوا، وكذبوا رغم ما يشهدون به من أنّ الكتب والرسل جاءتهم ... ولقد حرّفوا وأخفوا ما شهدوا عليه في كتبهم من ذكرٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه النبي الخاتم، وأنه الذي سينزل في العرب.
لقد كان اليهود يقولون للعرب أنهم سيغلبونهم ويظاهرون النبي القادم عليهم، إلا أنهم نكصوا على أعقابهم لما بُعث صلى الله عليه وسلم : " وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكَافِرِين" –البقرة:89-
2-ج) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(71)
وهذا النداء الرابع، وهو استنكار أيضا متضمّن بيان قبح أفعالهم وشناعة جرائمهم، وقد جاء فيه عن خلطهم الحق الذي أنزل الله بالباطل الذي اختلقوه.
وأرى في هذا التعبير بـ "تلبسون" ما يصوّر أنهم يُلبسون الحق لباس الباطل فيظهر الباطل على أنه هو الحق. وتلك هي الشبهات التي يُلقونها ليتركوا الضعفاء من المؤمنين في حيرة من أمرهم لا يتبيّنون الباطل من الحق، بل يتراءى لهم الباطل حقا ... وهم لا يخلطون وحسب بل يكتمون الحق أيضا، يخفونه وهم يعلمون... يتعمدون ذلك مدّعين أنهم ينقلون رسالة الله كما هي، ورأس هذا الحق الذي خلطوا به باطلهم حقيقة الألوهية التي جاءت توحيدا في الكتب السماوية كلها، فجعلوا العبد إله، جزء منه ناسوت، وجزء منه لاهوت، وجعلوا الله ثالث ثلاثة وجعلوا العبد ابنا لله، وأما الذي كتموه وأخفوه، فهو ما جاء في كتبهم من ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم . ومما يزيد في تقوية معنى أن ما كتموه هو ذكره في كتبهم، قوله تعالى : "الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ"
-
2-د)
وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(72) وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(74)
إننا ونحن نمشي الهُوينى بين الآيات المحدّثة عن أهل الكتاب، سنجمع أطرافا إلى أطراف لنرى نَظما بديعا يختصّ به القرآن. يعطينا صورا مجسّدة عن أحوال هؤلاء وعن صفاتهم، وكأننا نرى إعراضهم بأعيننا، وكأننا نتتبّع خطاهم وهم يتسللون بين المؤمنين، يشيعون أكاذيبهم وأباطيلهم وغاية أمنياتهم أن يضلوهم عما جاءهم من الحق ...
ولكأني ألمحهم وهم يعضّون أنامل الغيظ من الحسد والغيرة ... فهم يسعون سعيهم بكل سبيل بإلقائهم الشُّبهات، وتصيّدهم لما يوقع المؤمنين في شِراك الشك والتململ والاضطراب ...
تمهّلوا ...! فسنجمع هذه الأطراف التي تجعلنا نتحرك حيث يتحركون، ونبصرهم وهم يتحيّنون المكان والزمان لردّ المؤمنين عن الحق ...
أين نحن الآن ؟؟
إنّنا نسمع الله تعالى وهو يخبرنا عن مكرهم الذي يمكرون، وكيدهم الذي يخطّطون له بليل، يخططون له خفية عن أعين الناس جميعا، ولكنّ الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية يفضحهم ويُعلِم المؤمنين بما يحسبه أولئك المجرمون يخفى على العليّ سبحانه !
ولكأني بهم يُتمتمون في ليل مُرخٍ سدوله على الناس فهُم في غيابات النوم والسكون، بينما هُم يظنّون من إجرامهم وانعدام إيمانهم وتقديرهم لله تعالى أنّهم يُسِرّون فلا يدري عن سرّهم حتى عالِم سرّ الأسرار، الذي يعلم دِقّ النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء ...
أراهم مجتمعين... تقدح أعينهم شرا ومكرا وتنضح قلوبهم حقدا على رسول بُعِث بالحق فكان سبب انفضاح حالهم وقد لبّسوا على العرب زمنا طويلا أنهم أهل الكتاب الذين نزلت فيهم الكتب من السماء، والذين بُعث فيهم الأنبياء ...
أطِلّ من نافذة كلمات الآية ... فألمح رؤساءَهم وأسيادهم الآمِرين، وهم الذين وصفهم الله تعالى في الآيتَيْن السابقَتَيْن بـ : "وَأَنْتُمْ تَشْهَدُون" " وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ " ...
الذين يحملون لواء العلم بينهم، ويحملون راية الشهادة على ما أنزل الله تعالى ...
هؤلاء الذين يُفتَرض بهم أن يقودوا الناس إلى هُدى الله، ويبلّغوه لهم وهم ورثة الأنبياء، هم أنفسُهم مَن يسعى حثيث السعي لإضلال الناس ...! وتلك الطامة الكُبرى ...!!
لنستمع إلى ما يقولون... لنستمع إلى ما يأمرون به مَن هُم دونهم لينفّذوه ...
إنّ الآيات ليُصدِّقُ بعضها بعضا ... إني لأرى كيف هُم أولاء أربابٌ آمرون بغير الحق، يأمرون بغير أمر الله، ويتخذهم المأمورون أربابا من دون الله، وهذا ما جعله الله بَندا من بنود الكلمة السواء التي تساوي بين الكلّ وتجعلهم على عقيدة واحدة صافية نقيّة ...
"آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"
هذا قولهم الذي قالوا ... هذا ما حسبوه مستترا عن عالِم السرّ والعلانية، هذا ما ظنوا أنهم يُخفونه ويتسارّون به ولا يعلمه غيرُهم، بينما يكشفه الله تعالى في كتابه، ويصبحون بعد ليل مكرهم ذاك وهم يسمعون المؤمنين يتداولونه فيما بينهم، يتْلُونه قرآنا نازلا حديثاً من ربّ السماوات والأرض ...عالم الغيب والشهادة ...
هم أولاء يأمرون : اذهبوا، وتسللوا بين المؤمنين، وادّعوا إيمانكم بما آمنوا به، ادَّعوا أنكم منهم، وأنكم مصدّقون بما صدّقوا به وجه النهار أي أول اليوم، ثم عودوا آخره وأعلنوا كُفركم بما هُم عليه لعلّ ذلك أن يكون دافعا لهم ليرتابوا ويشكوا، وينظروا في أمركم وأنتم أهل الكتاب المعروفون بينهم من أزمنة بعيدة، الذين اختصّكم الله بالكتب السماوية قبلهم، وتُعرفون بينهم بالعلم...
سيقولون ما كان لهم أن يؤمنوا أصلا إن كان الحسد دافعهم في إعلان كفركم، بل لقد آمنوا ثم هُم أولاء يكفرون، ولو أنهم وجدوا الحق الذي عرفوه قبلنا من كتب نزلت فيهم لما رجعوا كافرين بما آمنوا به وقتا ...! لا بدّ أنهم قلّبوا في هذا الدين نظرهم الفاحص وأعملوا فيه علمهم الراسخ ... ولذلك قد تركوه ... !!
وهكذا سنحقّق مأربنا ... سنحقّق أمنيتنا بأن نجعلهم في حيرة من أمرهم وشكّ من دينهم...
إنها الحيلة المُحاكة المحبوكة التي لن تجعلنا موضع اتهام عندهم، بل ستجعلنا أصحاب قرار مُتَّخذ عن علم وعن بحث وعن نظر، وأصحاب نوايا حسنة. حتى أننا دخلنا معهم ولم نستكبر، ولم يكن إعراضنا هكذا من غير معرفة بما عندهم ...!
إنهم بهذا سيضطربون، سيشكّون ... وليس أقرب للتراجع عن أمر من الشك فيه... وهذا ما نبتغي... سيرجعون ...
ألم تخبرنا آية قريبة سابقة أنهم يتمنون إضلال المؤمنين ؟
فلنتأمل ...
أليس في هذه الآية الآن تفصيل لسبيل من سُبُل إضلالهم ؟؟ أليس في كشف الله لخُططهم معنى أنهم يحسبون أنفسهم الناجحين وهم الفاشلون في الإضلال : "وما يشعرون"
لنتأمل هذا المخطط :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12631;image)
ويتراءى جليّاً أنّ هذا إخبار عن غيب لا يعلم به أحد، وهو لو كانوا على غير حالهم المركوسة دافعٌ من دوافع إيمانهم وتسليمهم لهذا الحق والإذعان له... ولكنهم كما وصفهم القرآن كالحجارة بل أشد قسوة ...
ومازالوا يُتَمْتِمون، ويُسارّ كبراؤهم صُغَراءَهُم، ويعتدّون بهذه الخطط الشيطانيّة منهم وهم يرون فيها غاية المكر والدهاء والانتصار لباطلهم...
مازلت أستمع إليهم يكملون توصياتهم :
وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(73)
احذروا أن تؤمنوا لهم، احذروا أن يأخذوكم في دينهم... لا تؤمنوا إلا لمن كان تبعا لدينكم...
فيكون معناه نَهْيُهُم عن الإيمان بما عليه غيرهم، وهنا نلاحظ كيف أنها " لــمن" مسبوقة بلام، وهناك فرق بين "آمن بـ" و"آمن لـ" (آمَنَ بِهِ : وَثِقَ بِهِ وَصَدَّقَهُ آمَنْتُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ) (آمَنَ لَهُ : اِنْقَادَ لَهُ وأَطَاعَهُ) .
فتأتي هنا : "لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم" مزيد تحريض على ألا يتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يطيعوه، ولا ينقادوا له، على اعتبار ما كانوا يرونه من أنّ شريعة التوراة لا تُنسَخ، ولا يتأتّى لأحد أن يأتي بشرع غير شرعها لأنّ ذلك عندهم يُعدّ من البداء أي تبديل الله لكلامه ... تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ..
وفي هذا حضّ لهم على الثبات على ما هم عليه لأداء مهمتهم كاملة كما خُطّط لها، وتحسبا لئلا ينقلب السحر على الساحر...
يأتي ما لقّنه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم مقابلة لمكرهم وكيدهم وحِيَلِهم الشيطانية ...
"قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ"... الهدى الحق هو هدى الله لا غيره، لا ما يدّعونه دينا وأنهم أتباعه.. ويَدْعون إليه بهذه الحِيل والأحابيل .. وفيها إيماءة إلى أنّ مَن لم يكن من حظه هُدى الله تعالى فلا قدرة لأحد على هدايته .
"أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ" ولقد اختُلِف في هذا الكلام، أهو من تمام ما يلقنه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، أم أنه من تمام توصية رؤساء أهل الكتاب لمرؤوسيهم ..
والغالب والأقرب أنه من تمام كلام رؤساء أهل الكتاب لمرؤوسيهم. فإن "قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ " جملة معترضة يأتي بعدها تمام كلامهم ..
وفي التركيب اللغوي لهذه الآية ما أحب أن أضع فيه كلاما لابن عاشور :" فتقدير الكلام لأن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وحذفُ حرف النفي بعد لام التعليل ، ظاهرةً ومقدّرةً ، كثيرٌ في الكلام ، ومنه قوله تعالى : { يُبين اللَّه لكم أن تضلوا } [ النساء : 176 ] ، أي لئلاّ تضلوا."-التحرير والتنوير-
لئلا يتحقق في أذهان المسلمين أنهم أهل كتاب حقيق بأهل الكتاب أن يتبعوه ويتبعوا دعوته وشريعته، أو أن يحاجوكم عند ربكم بأنّكم وقد اتبعتم فقد أقررتم بصحته .
وفيه تحذير ضمنيّ من أن يطلعوا غير أهل دينهم على ما في كتبهم من ذكرٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولنبوته، لئلا يعلم المسلمون أنهم قد أوتوا ما جاءت كتب أهل الكتاب ذاكرة له ومقرّة بحصوله، أي أنه يتأكد لهم أنهم أوتوا كتابا من الله كما أوتي أهل الكتاب، وأنهم بذلك سيحاجونهم يوم القيامة، منكرين عليهم كفرهم بما جاءت كتبهم مبشرة به مقرّة له ... وفي هذا مزيد تأكيد وتحريض منهم على كتم الحق الذي في كتبهم ...
فيأتي ردّ الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم أنّ الفضل بيد الله، ولذلك آتاهم سبحانه من فضله بمشيئته الواسعة وبعلمه بمَن يستحق هذا الفضل وهذا التخصيص ...
يقول ابن عاشور في "واسع" : " و { وَاسع } من صفات الله وأسمائِه الحسنى وهو بالمعنى المجازي لا محالة لاستحالة المعنى الحقيقي في شأنه تعالى ، ومعنى هذا الاسم عدمُ تناهي التعلقات لصفاته ذاتتِ التعلق فهو واسع العلم ، واسع الرحمة ، واسع العطاء ، فسعة صفاته تعالى أنها لا حدّ لتعلقاتها ، فهو أحقّ الموجودات بوصف واسع ، لأنه الواسع المطلق.وإسناد وصف واسع إلى اسمه تعالى إسناد مجازي أيضاً لأنّ الواسع صفاتُه ولذلك يُؤتَى بعد هذا الوصف أو ما في معناه من فعل السعة بما يميز جهة السعة من تمييز نحو : وَسِع كل شيء علماً ، ربنا وسعت كلّ شيء رحمةً وعلماً."-التحرير والتنوير-
ويقوّي أنّه من تمام كلام رؤساء أهل الكتاب قوله تعالى : " وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"-البقرة:76-
وينتهي هذا الجزء بقوله تعالى : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(74)
لقد اختصّ برحمته سبحانه محمدا صلى الله عليه وسلم، وهو ذو الفضل العظيم.
ونخلُص من هذه الآيات الأخيرة إلى أنّ هذا من الغيب الذي أنبأ به القرآن المؤمنين، فيحصل أنّ إضلال أهل الكتاب لهم أمنية تذهب أدراج الرياح مع ما يتصدّى به القرآن لهم من فضح وكشف لأخصّ أسرارهم، ولأكثر أحابيل حِيلهم حياكة وحبكا...
وأي غباء عليه أهل هذه الحيلة وهم لا يعرفون لله قدره، فيرون أنّ محاجّة المسلمين لهم يوم القيامة عند ربهم سيمنعها ويدفعها كتمُهم الحق الذي جاء في كتبهم، والذي أمِروا أن يبلّغوه ...! بينما يقوم القرآن بدور الكاشف لتلك الحقائق لأنه من عند الله الذي لا تخفى عليه خافية، والذي ينزّل على عبده أنّ الكتب السماوية جاء فيها هذا الذكر ...لقد أخفوا ما أنزله الله عليهم، فأبداه الله فيما أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم.
وكما تعوّدنا في قراءتنا وتأملاتنا أن نرقُب الترابط الحاصل بين الآيات، وإنها لمترابطة أيما ترابط، متّسقة أيّما اتّساق !!
بعد أن أنهينا إطلالنا على تآمرات أهل الكتاب، وتخطيطاتهم وحِيلهم والله سبحانه يُطلعنا على غيب من الغيب، وهم مستترون بالجدران، ملتحفون بدَمَس الليل الصامت الساكن ... نلاحظ كيف أن هذه الآيات (72-74) جاءت تفصيلا للآية 71 : "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ"
وأضع تفصيل ذلك على المخطط التالي:
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12633;image)
-
ونكون قد عرفنا من 69إلى 74 : على مستوى العقيدة (الشُّبُهات) على مستوى اتصالاتهم الدينية:
1- إضلال المؤمنين عما هم عليه من الحق أمنيةٌ من أمنيات أهل الكتاب التي لا تتحقق مع مَن عرف الحق وتمكّنت دلائله الساطعة من نفسه.
2- تفصيلٌ بشيء من حِيَل أهل الكتاب ونواياهم تجاه المؤمنين لتشكيكهم في دينهم.
3- التصريح بكفر أهل الكتاب رغم شهادتهم على ما أُنزِل عليهم من الحق، وبأنهم الكاتمون له، والمُلْبِسون له بالباطل.
4- التنويع في الإخبار عنهم بين التوجّه لهم بالدعوة، والإنكار عليهم، والإخبار عن نواياهم تجاه المؤمنين .
*-*-*-*-*-*-*-*-*-**-*-*-*-*-*-*--*-*-*-*-*-*-*-*-*
3- ننتقل الآن إلى جزء جديد من قطاعنا الكليّ (64-99)، وفيه أيضا عن أهل الكتاب وعن مزيد من باطلهم الذي يُظهر الله ما يقابله من الحق، ومزيد من كشف لحالهم مع المؤمنين ومع عقيدتهم
ويستمرّ بيان أحوال أهل الكتاب، وأهمّ ما نستبينُه من حالهم بين حنايا هذه الآيات هو ما يتصل منهم بالمؤمنين، من محاجّات كما رأينا، مرة عن عيسى ومرة عن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، ومن أمنيتهم إضلال المؤمنين في تفصيل لما يخططون ويمكرون لزرع بذور الشك في نفوس المؤمنين وجعلهم على اضطراب من أمر عقيدتهم ...
وهو ما درجْنا في السورة على تبيّنه من موقع إلى آخر وهي تسعى لتثبيت المؤمنين في كل زمان، ولجعلهم على بيّنة مما يَعرِض لهم على درب الحياة، فهم لا محالة سامعون من أهل الكتاب ومن أهل إنكار الدين بالكليّة ما يُلقونه شُبهة يريدون بها زعزعة إيمانهم وإبعادهم عن نور الهُدى الذي تفضل الله به عليهم من واسع رحمته . يعلّمنا سبحانه في خضمّ ما سيلقى المؤمن من مزعزعات أن نَثبت وأن نكون على يقين مما عندنا، ليس عن يقين تسليم أعمى، بل عن يقين علم وتعليم، وعن محاجّات عقلية، وعن أدلة واضحة بيّنة تصدع بالحق . فيكشف لنا سبحانَهُ الحقائق، ويذكر قُبالتها أباطيلهم، والعقل الحرّ السليم المجرّد عن سَموم الأهواء يشعر بالإشباع والاقتناع من هذا الكشف المُنَزَّه عن كل تعصّب أو تغمية أو تحيّز ...
3-أ) إننا الآن بإزاء آيات تنبئنا عن حالة من حالات تعاملاتهم الدنيوية مع المؤمنين، بعدما عرفنا اتصالهم بهم في مجال الدين .
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(75)
إنه إنصاف القرآن، الصفة اللازمة له، يعرض الحقائق مجرّدة عن التعصّب والتغمية والانحياز لأنّ موضوعه في غنى عن كل هذه الدوافع وهو يعرض الحق للحق، فمن شاء أن يكون عقله حرا عرف، ومن شاء أن يستعبده الهوى أو العصبية أو الانحياز لم يعرف.
يُنصف فيذكر أول ما يذكر الفئة التي إن استأمنها المؤمن على أمانة أدّتها، وكانت الأمينة عليها، وإن كان المستأمَن عليه قنطارا تدليلا على الكثرة ...
وإننا إذا تأملنا عرفنا هذا الإنصاف في القرآن في مقامات كثيرة، حتى فيما كنا بصدده من قبل، ذلك في قوله مثلا : " وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ..." "وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ..."
طائفة على وجه الإنصاف لا التعميم .وهو القائل سبحانه : " لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ"
ولننظر إلى الآية السابقة، لنرى كيف أنّ هذا الكتاب الذي سعى أهل الكتاب حثيث سعيهم لنفي استحقاقه الاتّباع، حتى كانوا يقولون أنه لا ينبغي أن يُؤتى غيرهم مثل ما أوتوا، هو ذاتُه الكتاب الذي ينصف وهو يحدّث عنهم، فلا يعمّم بل يذكر على وجه الدقة والحقيقة أنّها فئات ... فلقد برّأ من لم تكن تلك صفاته منهم ...
وهنا وجه الربط بين هذه الآية وما سبقها . فهم يخطّطون ويمكرون ويكيدون، والحق سبحانه في عُلاه وهو يعلم عن كل مكرهم ودسائسهم ونواياهم لا يعمّم، لا يظلم.. هم يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق، وهذا الكتاب يذكر الحق على وجهه كما كان دون زيادة أو مبالغة أو انحياز أو باستنفار دواعي التحيّز ...
ومنهم من لا يكون أمينا على دينار إذا استأمنه عليه مؤمن إلا مادام صاحبه قائما عليه، طالبا له
فما حجّتهم في ذلك ؟ حجّتهم هي ما ذكرته الآية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ
قالوا أنّ التوراة تقضي بأنه لا إثم ولا حرج ولا مؤاخذة عليهم في خيانة أمانات الأميين، والأميون هم العرب عُرفوا بأنه لم تنزل فيهم كتب سماوية، وهذا الذي قالوا من تحقيرهم لغيرهم، ومن استعلائهم عليهم ... وسريعا يبرّئ الله تعالى كتابه من ادّعاءاتهم، ويكشف تقوّلاتهم وأكاذيبهم بقوله :" وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" .
أهذه هي التوراة التي تقولون بأنها الكتاب الذي لا تقبلون بغيره وتستمسكون به وحده، وتؤمنون به وحده، وأن شريعته لا يجوز لأيّ كان القول بمجيئه بشرع بعدها ؟! وأنّ أحدا لن يُؤتى مثلها ؟! أهذا ما جاءت به توراتكم ؟؟ قريبا غير بعيد في الآية السابقة عرفناكم تقولون بهذا ...
الحمد لله الذي جعل في القرآن براءة لكتبه من تحريفات أيديهم، وبراءة لرسله من لوثات تقوّلاتهم فيهم ... الحمد لله الذي حفظ القرآن حاملا للحق مبينا ...
أيّ حق هذا الذي يُحابي فالنصراني أو اليهودي أمين على وديعة من يواليه في اعتقاده، وأما غيرهم فليس عليهم فيهم من سبيل ... خيانة الأمانة معهم دين من الدين !! قضى به كتابهم وقضت به شريعتهم !!
أما هُم فقد كذبوا على كتب الله، فجعلوا كذبا وافتراء شريعة أهوائهم شريعة الله، وعلى ضوء هذا يقوى صدى قوله تعالى الذي عرفنا : " قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ ". جعلوا خيانة الأمانة مع غيرهم دينا منصوصا عليه !
وأما القرآن فيُنصفهم فلا يعمّم حتى ورؤساؤهم وكبراؤهم هم رؤوس مناصبة العِداء لله تعالى وللقرآن وللذي جاء به صلى الله عليه وسلم ولأتباعه...
وهذا عرض من العرض، نشر من النشر، وهذا العقل بالمقابل يقرأ ويرى ويسمع ...فأيّهما أحق بأن يكون الحق ؟ أيهما أحق بأن يكون العدل ؟ أيهما أقرب للفطرة والسلامة والنقاء ؟
-
وفي استثنائه سبحانه بـ: "إِلّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِما " صفة ذكرتني بما عليه كثير من المؤمنين مع المؤمنين إذا ما استأمنوهم على شيء من أشيائهم، أو إذا ما أقرضوهم...يستسهلون الإبطاء عليهم، متحججين بالحجة الواهية خلف أختها أنها معجزتهم عن الأداء، وعن ردّ الأمانة لصاحبها، وما هُم إلا الكاذبون اللامبالون، الذين لا تقدير عندهم لجسامة الأمانة ولعِظم مقامها عند الله...
أوليس هذا من ذاك ؟ أليس هذا من المؤمن بُعدٌ عن الحق الذي في منهجه وكتابه، واتباع منه لهواه ؟ أوليس دُربةً على نهجهم الهوائيّ واقتفاء لأثرهم الملتوي ؟؟ أوليس داعيا للخوف من أن نكون على شاكلتهم ؟؟
هذا حتى لا نغفل عن إسقاطات من واقع عليل نعايشه مردّ العلّة فيه غفلتنا عن منهجنا الأصيل ...
يجيب الله تعالى على كذبهم : " لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ "بقوله : بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(76)
أما " بَلَى " فهو حرف جواب مختص بإبطال النّفي. هو هنا لإبطال قولهم :"لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ" . أي بمعنى بلى عليكم سبيل. ثم تُردَف بـ :" مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ".
قيل في هذا الجزء من الآية أنه عن أداء الأمانة إذ هي أصلا وفاء بعهد، ولكنّني أرى الأقرب إلى معناها هو ما يسوق إلى الآية التالية لهذه في قوله سبحانه : "إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ..." وفيه ترابط وتناسق بيّن.
وعلى هذا يكون "العهد" في: " مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ " هو الذي عاهدوا الله عليه من أخذ الكتاب بقوة، ومن الإيمان به سبحانه وبما أنزله، ومن الإيمان بالنبي المبشَّر به في كتبهم صلى الله عليه وسلم واتّباعه . فيُحقق هذا المعنى صلة بما كان قبله (أنه لا سبيل عليهم في الأميين-75-)وصلة بما يأتي بعده (الذين يفرّطون في عهد الله-77-).
فمن أوفى بهذا العهد مع الله تعالى لن يكون من الذين يقولون على الله الكذب... لن يكون من الذين يكتبون بأيديهم ما ينسبونه إلى الله تعالى... لن يكون من الذين يشرّعون بأهوائهم ويدّعون أنه شرع الله ... بل سيكون من الذين يتّقون فيحبّهم سبحانه...
من الذين يستمسكون بالهدى... هدى الله . من الذين يثبتون
إذن ...هؤلاء أحباء الله ..
الذين يوفون بعهدهم + يتقون ----> يحبهم الله.
3-ب)أما غيرهم فهم الذين لا يوفّون بعهدهم مع الله ولا يتقون ...ترى ما مكانتهم عند الله تعالى ؟
لنتأمّل هذا السَّوْق ...
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(77)
أولئك :
**لا نصيب لهم في الآخرة ولا حظ.
** لا يكلمهم الله.
** لا ينظر إليهم.
**لا يزكّيهم .
**لهم عذاب أليم.
أي همّ هو همُّهم وأي غمّ هو غمُّهم ؟!! وأي مصيبة وأي كارثة وأيّ رُزْء هو حالهم !!!
إنهم الذين يشترون بعهد الله وبأيمانهم التي حلفوا بها وأقسموا أنّ ما يتقوّلون به هو من قول الله.. أو بأيمانهم التي حلفوا بها على أن يوفّوا بعهد الله...
فبمَ هم يشترون وماذا هم مشترون ؟
لنتأمل ...
لقد اشتروا ثمنا قليلا .. فهل يُشتَرى الثمن ؟!
إننا إذا دققنا وجدنا أنهم قد خرجوا كما يخرج المشتري يحمل ما سيتركه ليأخذ مقابله ما يريد أن يمتلكه... وبالتعبير عن فعلهم بالاشتراء فإن نيتهم نيّة المشتري الذي سيترك ما بين يديه لقاء ما يتمنى أن يمتلكه، فما سيمتلكه لا محالة أكبر في نفسه مما سيتركه وهو هنا عهد الله تعالى وأيمانهم أي حلفهم بالله تعالى على أنّهم الموفّون بعهد الله أو على أنّ ما يتقوّلونه هو من قول الله، ذلك ما خرجوا به يريدون تبديله وتعويضه بما يرونه خيرا منه...! وكذلك كان البائع والمشتري يستبدل كل منهما شيئا بشيء. كلاهما يكون مشتريا ويكون بائعا في آن ...
يصف سبحانه هذا الذي سيشترونه ب:" ثَمَناً قَلِيلاً " اشتروا الثمن، بمعنى أنّ أصل ما فعلوه وحقيقته بيع لا اشتراء، لأنّ قيمة ووزن ما جعلوه قيمة للاشتراء مقابل سلعة -هي عندهم مرغوب فيها بينما المشتَرى به مرغوب عنه- ليس هناك على الحقيقة ما يقابله قيمة ووزنا... أيّ شيء هو أعلى قيمة وأثقل وزنا وأغلى من عهد الله ومن الأيمان بالله ؟!
إذن فإنهم يبيعون وهم يحسبون أنهم يشترون ...!
لقد باعوا عهد الله تعالى وأيمانهم المغلظة على التوفية به بعَرَض من الدنيا قليل، هو الجاهُ الذي لا يريدون له زوالا، والحظوة التي كانوا يتمتعون بها كونهم أهل كتب سماوية وأهل بعث الأنبياء فيهم ... هو تمكينهم لأهوائهم على أنها شرائع الله سبحانه ليعيثوا في الأرض فسادا باسم الدين، وليملؤوها ظلما وتجبرا باسم الدين، وليبقوا على تسلّطهم وتفرْعُنهم لا تقوم لغيرهم قائمة.. ولا يسودهم غيرهم ولا يقودهم غير أهوائهم ...
وإنّ هذا دَيْدنهم ودأبهم لا يتبدّل عبر الأزمنة، تواصوا به واصطلحوا عليه جيلا بعد جيل... يتشدّقون بأنهم شعب الله المختار، وبأنهم أبناء الله وأحباؤه كذبا منهم وافتراء واستعلاء على عباد الله تعالى الذين لا فرق بين فريق منهم وفريق إلا بالتقوى ...
كما أنّ هذه الآية أيضا تذكّرنا بمُروق يمرقه كثير من المؤمنين بالله وبرسوله عن ربقة الدين مستسهلين متمادين، وأنت تسمع مَن تسمع منهم يغلظ الأيمان ويقسم بالله على كذب غير هيّاب ولا مقدّرا لعظمة اليمين باسم الله تعالى، لا لشيء إلا ليحوز عرضا من الدنيا مهما كبر في نفسه فهو أدنى وأقل وأصغر من أيمان بالله كانت في كذب ... وكثيرا ما يكون ذلك في التجارة ..
ونجد في الصحيح من الحديث عن نزول هذه الآية فيمَن حلف كذبا ... وهذا ما يعلّمنا دوما أنّ تربية القرآن لا تُقيَّد بخصوص السبب بل تعمل عملها بعموم اللفظ، فهي هنا مناسبة تماما لعمل أهل الكتاب، كما أنها أيضا مناسبة لكلّ من هذا فعلُه ...
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :" ( مَنْ حلَفَ على يمينٍ يستَحِقُّ بهَا مالًا ، لَقِيَ اللهَ وهوَ عليهِ غضبانُ ) . ثمَّ أنزَلَ اللهُ تصديقَ ذلكَ : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ - إلى - عَذَابٌ أَلِيمٌ} . ثمَّ إنَّ الأشْعَثَ بنَ قيسٍ خرجَ إلينَا ، فقالَ : ما يُحَدِّثُكُم أبو عبدِ الرحمنِ ؟ فحَدَّثْنَاهُ بما قالَ ، فقالَ : صدَقَ ، لَفِيَّ أنْزِلَتْ ، كانَ بينِي وبينَ رجلٍ خُصُومَةٌ في شيءٍ ، فاخْتَصَمْنَا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ : ( شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ ) . فقلتُ لهُ : إنَّهُ إذنْ يحلفُ ولا يبَالِي ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ( مَن حلَفَ على يمينٍ ، يسْتَحِقُّ بهَا مالًا ، وهوَ فيها فَاجِرٌ ، لَقِيَ اللهَ وهوَ عليهِ غضبانُ ) . فأنزَلَ اللهُ تَصدِيقَ ذلكَ ، ثمَّ اقتَرَأَ هذهِ الآيةَ ." –صحيح البخاري-
-
3-ج) وما يزال القرآن يصفهم، ويعدّد من شنائعهم، ولقد عرفنا من تعاملاتهم المستعلية على المسلمين باسم الدين كذبا وافتراء... والآن ...
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(78)
ومازال القرآن منصفا وهو كذلك في كل مقام ... فيحدّد بـ : " وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً " دون تعميم..
إنّ هذه الآية تفصيل لرضاهم بالثمن القليل من عرض الدنيا مقابل عهد الله تعالى وأيمانهم، فهم أولاء يحرّفون كلام الله...
يلوون ألسنتهم بالكتاب، زاعمين أنّ ما يقرؤون منه هو الذي نزل من عند الله وهو كما أنزِل، بينما هم يلوُون ألسنتهم فلا ينطقون الحق، بل ينطقون باطلهم الملتوي والذي هو على غير الاستقامة التي نزل عليها الحق من عند الله، ليلبّسوا على المؤمنين فيحسبونهم منهمكين في تلاوة كتاب الله...
يبدّلون حروفا مكان حروف ليتبدّل المعنى الذي نزل بالمعنى الذي يريدون بأهوائهم من مثل قولهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم : "راعِنا" يريدون بها مسبّة له صلى الله عليه وسلم: " منَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا" –النساء:46-حتى علّم الله المؤمنين ألا يقولوا له بمثل مقالتهم: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ "-البقرة:104-
ثم زيادة على بيان أنّهم يلوُون ألسنتهم وهم يقرؤون بغير ما أنزل الله على أنه الذي أنزله الله، يخبر سبحانه عنهم أنهم يزيدون فيقولون أنه من عند الله وما هو من عند الله ...
وإني لا أرى في الغاية من هذا التكرار منه سبحانه مجرّد التأكيد على تحريفهم مرة بأنهم يلوون ألسنتهم عند القراءة، ومرة بقولهم أنه من عند الله ...
لا أرى في هذا التكرار تأكيدا وحسب، وإنما أرى أنّه البيان فوق البيان على أنهم بكل سبيل قد حرّفوا، فهم :
1- يقرؤون من الكتاب، وهذا يدلّ على كتابتهم لتحريفاتهم بتبديلهم لآيات الله بكلامهم الذي أصبح مكتوبا يُقرأ من كتاب على أنه كتاب الله، تداولته الأجيال متتابعة مكتوبا موثّقا متناقلة الباطل دهرا عن دهر..
2- يُشيعون أنّ هذا الذي حرّفوا وبدّلوا ووثّقوا كلام الله لإتمام حَبْك جريمتهم الحبك اللازم إذ يُعلنون الكذب وهم يعلمون أنه الكذب ليُكرَّس لباطلهم على أنه الحق .
ونكون بهذا قد عشنا مع آيات القطاع الجزئيّ (75-78) ما علّمنا عن تعاملاتهم الدنيوية التي هي أيضا من وحي أباطيلهم التي سموها دينا وتشريعا إلهيا .. إنهم على تلك الجبلّة التي لا تتبدّل ولا تتحوّل، هذا حالهم، فما نفعهم كتاب سماوي ولا أثمر فيهم خير نبيّ مبعوث من الله، ولا هذّبهم الاصطفاء بكثرة الأنبياء ... لقد تطاولوا كل تطاول، وتمادوا كل تمادٍ حتى جعلوا منهج حياتهم أهواءهم وأكاذيبهم وأباطيلهم، وليتهم جعلوها لهم منهجا معلنين نُكرانهم للإله جملة وتفصيلا ! لكان ذلك خيرا من نسب افتراءاتهم إلى الله كذبا عليه سبحانه قبل أن يكذبوا على أنبيائه وعلى غيرهم ...!
ونكون قد عرفنا منه :
1-ادّعاؤهم أنّ شرع الله يحابي فخيانة غير أهل الكتاب دين من الدين .
2-الإنصاف صفة لازمة للقرآن إذ يحدّد أنّ منهم من يفعل تلك الشنائع ولا يعمّم، وفي ذلك تمام البيان على صدق القرآن وهو ينصف ألدّ أعدائه الذين تصدوا لرسالته بكل سبيل.
3-الموفي بعهده على الحقيقة هو الذي يكون رأس التوفية منه توفيته بعهده مع الله تعالى على الإيمان والتصديق ومن ثَمَّ الائتمار بأمره والانتهاء عن نهيه.
4-الله يحب المتقين الذين كان أساس تقواهم التوفية بعهد الله، بينما يُحلّ غضبه وسخطه وعذابه على الذين يبدّلون العهد بعرض الدنيا الزائل. فهم محرّفون مبدّلون لما أنزل الله متقوّلون كذبا أنه من عند الله.
وأجمِل في هذا المخطط من الآية 64 إلى الآية78، وفيها دعوة أهل الكتاب ومحاجّتهم وبيان باطلهم والحق مقابل باطلهم .
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12647;image)
-
إذن فقد عرفنا منهجيّة في التوجّه لأهل الكتاب لغاية جعل المؤمنين على بيّنة من الحق وعلى بيّنة من أساليب المضلّلين الذين يسعون حثيث السعي لإخراج أهل الهدى عن هُدى الله، وهي تلك الغاية السامية لهذه السورة التي تعمل على تثبيت أهل الهُدى على الهُدى...
وإننا فقط لو عدّدنا ما عرفنا حتى الآن في السورة من إلقاء أهل الشبهات لشبهاتهم لسلّمنا ببالغ أهمية العمل على التثبيت... حقا وصدقا أحَسِبَ الذين آمنوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يُفتَنون ؟
المنهجيّة التي عرفناها من 64إلى 78 تبيّن كيف بُدئوا بالسلام وإرادة الخير والصلاح بهم بدعوتهم إلى الحق، ثمّ نتبيّن حقيقتهم شيئا فشيئا في عَرَض الآيات، لنعرف عن إصرارهم على باطلهم، واستكبارهم به، وهنا لا يبقى مجال للمداراة والمداهنة على حساب الحق، بل الحق هو الأعلى... وهو الذي يستحقّ الإعلاء، ولا تساوي الدنيا بما فيها إعلاء كلمة الله وتوحيده في الأرض، ولذلك خلقنا سبحانه...
وعلى هذا فإنّ المؤمن مطالَب بالاعتزاز بالحق الذي يحمل، ومطالَب بأن يجعل إعلاءه بُغيته وغايته، وليس لعلوّ شأن الكفرة الدنيويّ من مقام يعلو على كلمة الله وتوحيده ... ولذلك نلمح في ظل هذه المنهجية وهذا التدرج معهم ما يبيّن التصريح بكفرهم وقد تبيّن إصرارهم على الباطل بل والدعوة إليه بتمني إضلالهم للمؤمنين، ثم يزوّد الله المؤمنين بأساليبهم الملتوية ويكشف صفاتهم وتقوّلاتهم ...
وكل هذا من عمل السورة على التثبيت ...
وإننا ما نزال في رحاب آيات القطاع (64-99). فلننظر فيما هو آت أمازالت سلسلتنا مترابطة أم أنّ هناك انفكاكا سيحصل .... :
4- مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ(79) وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ(80)
إنّ الله سبحانه يحدّثنا هنا عن الأنبياء، نافيا عنهم منسوبا إليهم من القول ...
ما كان لبشر من البشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يدعو الناس لعبادته من دون الله ...
ما علاقة هذا الجديد بما مضى يا ترى ؟
ألم نكن قريبا بين يدي آيتين أخيرتَين علمتانا أنّ غضب الله تعالى وسخطه حالّ على مَن يفرّطون في عهد الله وأيمانهم على أخذ الكتاب بقوة، وعلى التوفية بعهد الله ؟
ألم يفصّل لنا الله تعالى أن منهم فريقا يلوُون ألسنتهم بتحريفات من محض أهوائهم ناسبين إياها إلى الله تعالى كذبا وبهتانا ؟؟
ألم يعلّمنا أنهم القائلون أنه من عند الله وما هو من عند الله ؟؟
بلى ... عرفنا ذلك .... وإنّ هذا الجديد من ذاك ...
أليس رأس تقوّلهم وكذبهم على الله، ورأس ليّهم ألسنتهم بالكتاب أن قالوا بألوهية عيسى عليه السلام، وأنه ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة ؟
أليس أخطر تقوّل وأشنع قالة ما كان منهم في جنب الله تعالى بقلب توحيده سبحانه وهو الواحد الأحد الفرد الصمد إلى تثليث، وإشراك غيره به في العبادة ؟!
وهذا ما جاءت به هذه الآية، جاءت بشأن ما افتروه على سيدنا عيسى عليه السلام، من أنه هو الذي قال لهم أن يعبدوه من دون الله، اتهموه بالتقوّل أنّه جاء داعيا لعبادته من دون الله.
والجميل هو هذه المحاجّة التي لا تغادر مخاطبة العقل السليم، العقل الحرّ الذي كرّم الله به الإنسان، فجعله وعاء يوافق ما أنزل الله تعالى كلّ موافقة، بل يشبع ويرتوي منه أيما شبع وأيما ارتواء ...
فلنتأمل ...
1-4/ نلاحظ أولا خصوصية الوصف الأول للذي يؤتيه الله سبحانه الكتاب والحكم والنبوءة : "لبشر"
وفيه بيان لكون عيسى عليه السلام بشرا من البشر، ليس في تكوينه ما يفرّقه عنهم، بل هو بشر، وهم قد لوّنوا وحوّروا، فجعلوه كائنا –على كلماتهم- منقسما إلى لاهوتية وناسوتية، فأما الناسوتية فهي صفة البشرية فيه، وأما اللاهوتية فهي صفة الألوهية التي أضفوها عليه. كائن مختلط، جعلوه إله متجسدا في بشر، وجعلوه بشرا إله ... تعالى الله سبحانه عن ذلك علوا كبيرا ... ليس كمثله شيء سبحانه، يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار.
2-4/ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ : الذي يؤتي هذا البشر هو الله سبحانه، يعطيه من عطائه، يتفضل عليه من فضله، فهو سبحانه الأعلى وهذا عبده الأدنى المتفضَّل عليه. يؤتيه الكتاب من عنده، ويؤتيه الحكم من عنده، وبأمره، الحكم الذي يَحتمِل هنا معنى العلم والفهم، من مثل قوله تعالى : " يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا "-مريم:12- كما يحتمل معنى الحكم أيضا بما أنزل عليه في هذا الكتاب، يقول سبحانه : "إنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ..." –المائدة:من48- ويؤتيه النبوّة مع الكتاب والحكم. كله من عطاء الله تعالى.
3-4/ كيف يكون لهذا المتفَضَّل عليه، والذي اصطفاه الله من خلقه، فخصّه بهذه العطايا، وقد أخلصه له بأرفع الخُلق وأكمل الصفات وهيّأه لأن يكون لذلك العطاء أهلا، كيف يكون له :" ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ." ؟
لقد اتهموا عيسى عليه السلام بهذا القول، اتهموه أنه الداعي إلى عبادته، وأنه ابن الله ... حرّفوا الكتب السماوية على هذا، فملؤوها بهُراءاتهم ...
وهذا القرآن الذي تعهّد الله بحفظه يحفظ لنا هذه الحقائق ... ينقل لنا براءة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم من هذه الاتهامات .
4-4/ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ هذا هو الذي كلّفهم الله تعالى بتبليغه، وهذا ذاتُه الذي بلّغوه للناس، أن يكونوا ربانيين . قال الفخر الرازي : " قال سيبويه: الرباني المنسوب إلى الرب، بمعنى كونه عالما به، ومواظبا على طاعته، كما يقال: رجل إلهي إذا كان مقبلا على معرفة الإله وطاعته وزيادة الألف والنون فيه للدلالة على كمال هذه الصفة، كما قالوا: شعراني ولحياني ورقباني إذا وصف بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة "–مفاتيح الغيب-
فأما سبب أن يكونوا ربانيين، فبما يعلمون من الكتاب، وبما يدرسون . إذن فمصدر علمهم بالله وبتوحيده وبتقديره حقّ قدره، وبتعظيمه وإجلاله وطاعة أمره والانتهاء عن نهيه هو الكتاب وما حوى، وبما يدرسونه من هذا الكتاب، أي ما يدأبون على تعلّمه منه بحفظه وبتدبره وبالعمل به، وهذا معنى دراسته . عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللهِ ، يتلون كتابَ اللهِ ، و يتدارسونه بينهم ، إلا نزلتْ عليهم السَّكينةُ : وغَشِيَتْهم الرحمةُ ، و حفَّتهم الملائكةُ ، و ذكرهم اللهُ فيمن عندَه" –صحيح الجامع-
وعلى هذا فإن اجتماع العطايا الثلاث جاء مرتبا ومترابطا، فهو أولا:الكتاب مصدر الهدى ومصدر المعرفة بالله، ثم ثانيا: الحكم. ولا يكون إلا بالكتاب سواء كان العلم أو الحكم الذي هو الفصل، وهو أيضا بأمر الله، وثالثا:النبوة التي هي كمال الخُلُق البشريّ السويّ رائد الناس إلى الهدى، وقائدهم على سبل الخير في الدنيا والآخرة، وكلها من الكتاب الذي فيه كلام الله وأمر الله والعلم بالله ... فأنّى يكون لأحد هذه صفته وهذه العطايا الربانية التي حُبِي بها أن يدعو لعبادة غير الذي حباه وأعطاه واصطفاه وأمره وأرسله ليهدي الناس إلى هُداه سبحانه ؟!
-
ثم تأتي الآية الموالية بزيادة نفي لما يُنسب إلى الأنبياء :
وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ(80)
لا يكون للنبي أن يأمركم بعبادته من دون الله كما لا يكون له أن يأمركم باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا من دون الله...
ولقد خلط الناس وخبطوا فألّهوا الملائكة، وجعلوها بنات لله. تعالى عن ذلك علوا كبيرا...
هكذا كانوا وهكذا ما يزالون ... كفعل من يفرّ من النقاوة والصفاء إلى الكدر والدّرن ... وسبحان الله لكَمْ جهول هو الإنسان، ولكم هو ظلوم !!
ونلاحظ تكرار الأمر بالنسبة للأنبياء، مرة في الآية السابقة حينما نفى سبحانه عن أي نبي أن يدعو لعبادته هو من دون الله تعالى، ومرة هنا في :" وَالنِّبِيِّيْنَ " . وهكذا يُنفى عن كل نبيّ الدعوة إلى عبادته بالتكرار للتأكيد على براءته من ذلك، وكذلك تُنفى عنه الدعوة لعبادة غيره من الأنبياء.
وإني لأرى فيها إشارة قوية إلى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالقرآن مبرئا عيسى عليه السلام مما نُسب إليه من أمره لهم بعبادته، كما جاءت لتؤكّد أيضا أنه ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُقِرّ ما اختلقوه من تأليه عيسى ، ما كان له أن يدعو لاتخاذ النبيين أربابا من دون الله، ولقد جاءه وفد نجران بهذا الاعتقاد في جعبته، ولا ريب في أنهم أحبوا أن يجيبهم إلى اعتقادهم الباطل ...! فيأتي القرآن بما يحقق نفيا يعمّ كل الأنبياء، ونفيا يخصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعايش ويواجه هذه الاختلاقات ...
أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ
وهذه من المحاجّة العقلية وقد عرفنا في دعوة أهل الكتاب إلى الكلمة السواء ما يعرّف بالإسلام في قوله تعالى : " أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ..." –آل عمران:من64-
وأستحضر مع هذه الآية عبادة العرب للملائكة مع ما عبدوا، مع ما جاء به أهل نجران من اعتقاد باطل في عيسى عليه السلام، فأرقُب عبارة " بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ " فأراها تحتمل أن تكون موجّهة إلى المسلمين ليبيّن لهم الله تعالى في مزيد تعليم لمعنى إخلاص العبادة له وحده ما ينفي العبادَتَيْن الباطلتَيْن، فلا جاء محمد صلى الله عليه وسلم بما يرسّخ عبادة الملائكة مع ما عبد العرب، ولا جاء ليداهن أهلَ الكتاب -فيقول بألوهية عيسى عليه السلام- وإن عُرِفوا بين العرب لدهور بسلطان العلم، وإن تعوّدوا النظر إليهم على أنهم أهل العلم الذي لم يُؤتَوه هم من قبل... بل جاءهم داعيا إلى الكلمة السواء، فلا يُعبَد غير الله، ولا يُشرَك به شيء، ولا يُتخذ ربّ من دونه سبحانه وإن كان نبيا من الأنبياء، وإن كان هو ذاتُه صلى الله عليه وسلم.
أفيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ؟؟ بعد أن جاءكم داعيا لإسلام وجوهكم لله وحده فأسلمتم ...؟!
لا ... لقد جاءكم بالقول الواحد الذي لا يُبدَّل ...
فإن الإسلام الذي هو : "أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ" يقابله الكفر الذي هو: "أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً"
كما تحتمل هذه الآية أن تكون موجّهة أيضا لكل أتباع الأنبياء، لأنّ الدين الذي جاؤوا به جميعا هو الإسلام، الكلمة السواء جاؤوا بها جميعا على حد سواء ... الكتب السماوية كلها جاءت تدعو إليها... فجاؤوا يبلّغون أقوامهم الإسلام، أفيأمرونهم بالكفر بعد أن غدوا بدعوتهم مسلمين ؟!
لنتأمّل، ولنتدبّر ...
ألسنا في معرض الانسياق نحو ما يبيّن وحدة الدعوة، ووحدة ما جاء به الأنبياء جميعا من لدن آدم إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم جميعا ؟
-
سبحان الله ...!!
لَكَمْ يأخذني أسلوب القرآن، ولكم يُنعشني... ولكم أجد فيه الرَّوح والرّواح، وأتلمّس فيه الجمال وهو موحّد الأطراف، مترابط التركيب، متسلسل المعاني، متّسق الموضوع...!
فلكأنّ الذي يَطَّوَّف برِحابه الطاهرة ويتنسّم أجواءه العليلة النقيّة يتملّى الكمال في الجمال والوحدة في البنيان ...
إنه ذلك الكتاب العظيم ....
إنه تلك النافذة النورانية التي نُشرف منها على الحقيقة والحق، وعلى الهُدى والرشاد، وعلى النور والضياء... وعلى أصل الكون وأصل الإنسان وأصل الوجود وأصل الخلق ...
هذا الكتاب الذي تَطبع منه الدول والهيئات والمنظمات والشخصيات ذات الطَّول ملايين النسخ لتُوزّع على أسقاع الأرض، شمالها وجنوبها، وشرقها وغربها ليقرأه الناس في كل مكان ...
هذا الكتاب الذي لا يخلو بيت من بيوت المسلمين منه...
هذا الذي تُرجِم إلى لغات الدنيا...
هذا الكتاب الذي كثيرا ما يُتَّخَذ هدية للإهداء، ويُتّخذ معها القول باللسان أنه أغلى ما يُهدى! فقط لتثمين الهدية ...!
وكثيرا ما يُهجَر في بيت من بيوت المؤمنين، يغفل أهله عن نداءاته : "يا أيها الذين آمنوا"... فلكأنّه المنادي الذي يُكتَم صوته بأياد كاتمة ... إذ هو لا ينفكّ مناديا، ولكنّ صوته لا يُرفع ببيت ما ظلّت أيادي أهله له كاتمة ...!
ما أكثر ما يُطبع بالكلام الواحد الذي لم يُبدّل، وبالحروف ذاتها التي تنتظم انتظام الدُّرر في العقد الموثّق المُحكَم الذي لا تنفكّ حبّاته ... ما أكثر ما يُتداوَل، ما أسهل ما يقع مؤمن على النسخة منه والنسخة...
هو الغالي الذي لا يُفتَقد، وهو الثمين الذي يُقدَر عليه، وهو النفيس الذي لا يُبذَل لأجل حيازته نفيس لا من جهد ولا من مال ... هو العظيم الذي لا يعسُر على طالبيه ... هو الأعلى الذي لا يستعصي على ناشديه، وهو النور الذي لا يحتكره أحد، وهو الحق الذي لا يُحابي عربيا على أعجميّ ولا أسود على أبيض ... !
هو أغلى ما في الوجود وهو أيسر ما يوجَد ... بينما يستعصي على المرء شيء من أشياء الدنيا ومن عرَضها الزائل لمجرّد أنه الذي تنادى الناس بأنه الثمين ...!!
ولكــــــــــــــــــن .... !
رغم يسر اليسر في حيازته، وتمام السهولة في قراءته، فإن تقلّبنا في الحياة، وحركتنا على الأرض لا تُسمِع منه صدى ولا تترك منه أثرا ... ولقد كان النبي الذي جاء به قرآنا يمشي على الأرض ...!
وربما ستتعالى الأصوات أمام كلماتي، وكأنها أصوات المنبّهين الموقظين لنائمة مغيّبة ضُرب على أذنيها فهي الذاهبة في نومها عن الحياة ... ! يا هذه ...! أليست مساجد المسلمين تمتلئ بالمصاحف وتغصّ بالقراء ؟ أليست مدارس القرآن تُخرّج كل عام مئات الحافظين والحافظات الموسّمين والموسَّمات بشارات الحفظ والترتيل .. ؟! ويْحكِ أما ترين أم أنكِ فقدتِ ما به ترين؟!
أجل أيها اللائم الموقظ لي من نومي ... أدري ...
أدري أن الحفّاظ كُثُر كما أدري أنّ القراء كُثُر، وأدري مع كل هذا أيضا أنّ المؤمن كسيح ما لم يتحرك بقرآنه على الأرض... كسيح ما لم يجعله مِشكاته على دربه ... كسيح ما جعله حروفا تُحفَظ لا يزيد على الحروف إلا تخريجها من مخارجها ..!!
معذرة... فإنّ جمال العيش مع القرآن نعمة حقيق بي أن أحدّث بها ...
وأعود من الحديث عنه إلى حديثه ....
-
لنـــــــــــــــتأمّل ...
ها نحن نتقدّم نحو معنى يسوق له المعنى السابق، لنستوثق منه ولنتعلّمه كما تعلّمنا ما قبله ...
هؤلاء الأنبياء وقد نفى القرآن عنهم أن يدعوا لعبادة غير الله، ها هو ينقلنا إلى مشهد عظيم، يوغِل بنا في الأغمار النورانية، ويُشهِدُنا على خاصّة من أمره سبحانه، بينه وبين أصفيائه من عباده، ها هو يدعونا لنَحْضر ولنستمع إلى الملأ الأعلى، إلى زمان بعيد موغِل في البعد...
إلى بداية الإنسان والإنسانية والأرض والدنيا ... إلى بداية العهد الذي لأجله قامت الدنيا، ولأجله ستقوم الحاقّة ... !
وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ(81) فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ(83)
إنه ميثاق ... وأي ميثاق ! ذاك الذي أخذه الله تعالى على أنبيائه ...
فما الميثاق أصلا ؟
الميثاق مأخوذ من الوثاق، وهو ما يشد به الأمر، ويثبت ويؤكد. وهو هنا العهد. عهد بين الله وبين أنبيائه.
يقول أبو زهرة : "عهد موثق بين العبد المختار، والرب الذي اختاره، كمن يرسل رسولا، فإنه يكون ثمة عهد بين الرسول ومن أرسله، بأن يقوم بواجب الرسالة على الوجه الأكمل."-زهرة التفاسير-
إننا في حضرة نورانية تجمع الله تعالى بأنبيائه، وهو يأخذ عليهم العهد، العهد الذي لأجله خلق الله الدنيا ولأجله جعل الآخرة وفيها الجزاء لمن وفّى بهذا العهد والعقاب لمن لم يوفِّ...
فلنأخذ معانينا من الآية ذاتها ولا نستبق ... نتقدم فنلمح التفصيل ...
"لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ " ... نأتي أولا على التركيب اللغوي حتى نتبيّن المراد منه، فأما اللام هنا فدورها التوطئة لأخذ الميثاق كما تقوم بدورها للتوطئة للقسم، لأنّ الميثاق هنا بمعنى الاستحلاف . و"ما" متضمنة معنى الشرط، فيكون المعنى: "مهما آتيتكم من كتاب وحكمة" والكتاب هو الذي يؤتيه سبحانه النبيَّ من أنبيائه، والحكمة هي الفهم والعلم بما في الكتاب وبالحكم به والدعوة إلى ما فيه...
"ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ "
هذا هو الميثاق الذي أخذه الله على أنبيائه، أنه إذا ما جاء النبي أن يؤمن به الذي سبقه وينصره على أعدائه، على هذا يعاهد اللهَ كل نبيّ من أنبيائه.
وهنا أدقّق في معنى أراه مهما :
إننا بإزاء الإله الخالق العليم الحكيم، وبإزاء أنبيائه الذين هم بشر من البشر ولا علم لهم إلا بما يعلّمهم ربهم ... فهم لا يعلمون الغيب ولا يعلمون عن أمر الله ما لم يعلمهم الله ..
وعلى هذا فإنني أرى في هذا العلم ضرورَتَين اثنَتَين:
أولا/ ضرورة علم النبيّ أنه ليس الوحيد المبعوث من عند الله:
هو سبحانه يعلّم النبيّ منهم أنه لا يبعثه وحده لدعوة الناس إلى توحيده وإفراده بالعبادة، بل إنه باعث غيره، أي أنه يعرّف الأنبياء بعضهم ببعض، فأستحضر من القرآن :
**"رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" –البقرة:129-
**"وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي"-البقرة:124-
** وجاء عن زكريا عليه السلام : "قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)"-مريم-
**وجاء عن يعقوب عليه السلام : "وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)"-يوسف-
**كما جاء عن سيدنا موسى عليه السلام:" قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35)" -القصص-
كانت كبرى أمنيات النبيّ منهم أن تبقى الدعوة إلى الله وإلى عدم الإشراك به وتتجدّد عبر الأجيال، وكان النبي يعلم أنه بشر من البشر والموت حق لا يستثنيه الله منه، فكان من تمام إيمانه وإخلاصه لربه تمنّيه أن يرث النبوةَ غيرُه، وأن يحمل رسالةَ التوحيد غيرُه ما دامت الأرض وما بقيت الدنيا... فكان لا يوصي النبيّ ذريته بشيء من أشياء الدنيا، بل كان يوصيه بالدين، بالإسلام : "وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ"-البقرة:132-
وإننا لو فرضنا أنّ النبي الواحد منهم لا يعلم أن الله سبحانه يبعث أنبياء غيره وِفق اختياره ووِفْق حكمته، لعرفنا من النبيّ تعصبا لنفسه وتكذيبا لغيره ممن يبعث الله، لا تكذيب عناد أو كفر معاذ الله، ولكن تكذيب حرص على دعوة الله، وعملا بحدود ما يعلم إن كان اقتصر علمه على أنه النبي وكفى دون أن يعلم أنه واحد من الأنبياء، ضمن سلسلة من الأنبياء الذين يُبعثون بالدعوة الواحدة وبالدين الواحد... تكذيب من يحمل على عاتقه الدعوة ويحميها، ولا يقبل ادّعاء من أحد أنه بُعث نبيا، وعلى هذا المحمل كان النبيّ أولى من يُعلِمه ربُّه أنه واحد من الأنبياء، وليس النبيّ الوحيد، وكان علمه بذلك ضرورة يقتضيها الحفاظ على وحدة الدين مع تعدّد الأنبياء، وتصديق دعوة النبيّ لدعوة غيره منهم.
يأتي النبيّ من بعده النبيّ، كلّ مصدّق بمَن سبقه، مؤيّد له، سواء عاصره في زمانه أو جاء بعد موته. وقد كان من الأنبياء من تزامنت بعثتهم من مثل إبراهيم ولوط، ومن مثل موسى وهارون وشعيب، ومن مثل عيسى ويحيى عليهم جميعا صلوات الله وسلامه.
وإن هذا العلم لم يبقَ في حدود العلم وحسب، بل لقد وُثّق وأحكِم ليصبح ميثاقا وعهدا يأخذه الله تعالى على أنبيائه بأن يصدّقوا بغيرهم من الأنبياء، وأن ينصروهم : " لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ "
وهناك تساؤل لا أحب تفويته، لأنه قد يَعرض للكثيرين ويحبون تبيّنه، عن النبي الذي يُبعث في زمن نبي آخر معه، هل شرعه ناسخ لشرع النبي الذي سبقه وهو يعاصره ؟
أضع ها هنا جوابا من الإمام محمد عبده نقله عنه محمد رشيد رضا في كتابه (تفسير المنار): "وَسُئِلَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الدَّرْسِ عَنْ إِيمَانِ نَبِيٍّ بِنَبِيٍّ آخَرَ يُبْعَثُ فِي عَصْرِهِ هَلْ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ نَسْخَ الثَّانِي لِشَرِيعَةِ الْأَوَّلِ؟ فَقَالَ لَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وَلَا يُنَافِيهِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ تَصْدِيقُ دَعْوَتِهِ وَنَصْرِهِ عَلَى مَنْ يُؤْذِيهِ وَيُنَاوِئُهُ فَإِنْ تَضَمَّنَتْ شَرِيعَةُ الثَّانِي نَسْخَ شَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْأَوَّلُ وَجَبَ التَّسْلِيمُ لَهُ وَإِلَّا صَدَّقَهُ بِالْأُصُولِ الَّتِي هِيَ وَاحِدَةٌ فِي كُلِّ دِينٍ، وَيُؤَدِّي كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ أُمَّتِهِ أَعْمَالَ عِبَادَتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ اخْتِلَافًا وَتَفَرُّقًا فِي الدِّينِ، فَإِنَّ مِثْلَهُ يَأْتِي فِي الشَّرِيعَةِ الْوَاحِدَةِ كَأَنْ يُؤَدِّي شَخْصَانِ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ أَوْ غَيْرِهَا بِغَيْرِ مَا يُكَفِّرُ بِهِ الْآخَرُ هَذَا بِالصِّيَامِ وَذَاكَ بِإِطْعَامِ الْمَسَاكِينِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ اخْتِلَافُ حَالِ الشَّخْصَيْنِ فَأَدَّى كُلٌّ وَاحِدٍ مَا سَهُلَ عَلَيْهِ .
أقُولُ: وَلَنَا أَنْ نَضْرِبَ لِلْمَسْأَلَةِ مِثْلَ عَامِلَيْنِ يُرْسِلُهُمَا الْمَلِكُ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ إِلَى وِلَايَتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ مُتَجَاوِرَتَيْنِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا تَصْدِيقُ الْآخَرِ وَنَصْرُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَا مُتَّفِقَيْنِ فِي الْأُصُولِ الْعَامَّةِ لِلسَّلْطَنَةِ أَوْ مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ أَهْلُ هَذَا الْعَصْرِ بِالْقَانُونِ الْأَسَاسِيِّ، وَمَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ. وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَ الْوِلَايَتَيْنِ اخْتِلَافٌ فِي طِبَاعِ الْأَهَالِي وَاسْتِعْدَادِهِمْ وَحَالُ الْبِلَادِ يَقْتَضِي اخْتِلَافَ الْأَحْكَامِ الْجُزْئِيَّةِ كَأَنْ تَكُونَ الضَّرَائِبُ قَلِيلَةً فِي إِحْدَاهُمَا كَثِيرَةً فِي الْأُخْرَى، وَكُلٌّ مِنَ الْعَامِلَيْنِ يُؤْمِنُ لِلْآخَرِ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعَمَلِهِ، وَكَذَلِكَ يُؤْمِنُ كُلٌّ مِنَ النَّبِيِّينَ الْمُرْسَلِينَ بِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ الْآخَرُ وَإِنْ وَافَقَهُ فِي الْأُصُولِ دُونَ جَمِيعِ الْفُرُوعِ. وَلَا يُعْقَلُ أَنْ يُنْسَخَ مَا جَاءَ بِهِ الْأَوَّلُ عَلَى لِسَانِ رَسُولٍ آخَرَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ.
وَأَمَّا إِذَا بُعِثَ الرَّسُولَانِ فِي أُمَّةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُمَا يُكُونَانِ مُتَّفِقَيْنِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَنْسَ مُوسَى وَهَارُونَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -، وَأَمَّا مَجِيءُ النَّبِيِّ بَعْدَ النَّبِيِّ فَيَجُوزُ أَنْ يَنْسَخَ مُعْظَمَ فُرُوعِ شَرْعِهِ. وَبِهَذَا يَتَّضِحُ لَكَ مَعْنَى تَصْدِيقِ نَبِيِّنَا بِالْكُتُبِ السَّابِقَةِ وَلِمَنْ جَاءُوا بِهَا مِنَ الرُّسُلِ وَأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ شَرْعُهُ التَّفْصِيلِيُّ مُوَافِقًا لِشَرَائِعِهِمْ، وَلَا أَنْ يُقِرَّ أَقْوَامَهُمْ عَلَى مَا دَرَجُوا عَلَيْهِ."-تفسير المنار-
-
طيب.. وهل يقتصر هذا الميثاق على الأنبياء ولا يتعدّاهم ؟
الجواب على هذا السؤال هو ما سأرقمه ضرورة ثانية :
ثانيا/ ضرورة تعليم النبي لقومه بِعْثة غيره ووجوب الإيمان بهم:
إنّ توفية الأنبياء بهذا العهد لا تقتضي أن يصدّق كلّ منهم بالنبيّ الآخر وينتهي الأمر، إذ أنّ الأنبياء وهم أكثر عباد الله علما بالله وطاعة لأمره لن ينكص أحدهم عن الطاعة ولن يرتكس وهم وعاء الأرفع من الخُلق والأخلص من العبادة. الأمر لا يقتصر على ما بينهم بل إنّنا لو دققنا لعرفنا أنّ في : " وَلَتَنصُرُنَّهُ " والتي معناها نصر النبيّ على أعدائه، وما أعداؤه إلا الذين كفروا به وبدعوته، تتضمّن معنى أن يبلّغ ذلك النبي الناصر قومَه عن النبيّ المنصور، أن يبلّغهم أنه نبي من الله وأنه مصدّق لما معه، وأنه وهو على دعوة واحدة وعلى دين واحد، وأنّ عليهم أن يؤمنوا به هو أيضا وأن ينصروه .
ثم نستكمل ما بقي من الآية لنتبيّن ثنائيّة غاية هذا الميثاق الذي أخذه الله على أنبيائه، بأن يكون:
1- عهدا منهم لله أن يصدّق بعضهم بعضا وينصر بعضهم بعضا.
2- وأن يكون من توفيتهم بهذا العهد وهذا الميثاق أن يبلّغوه لأقوامهم ...
لننظر سويا في قوله بعدها:" قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ "
هذا الله تعالى يسأل أنبياءه بعد أخذ العهد عليهم : " أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي "
والإصر في اللغة هو الميثاق الثقيل المؤكّد ومنه الإصار وهو الذي يُعقَد به، فهو زيادة تأكيد على الميثاق بـ :
1- سؤالهم الإقرار بأخذ العهد وتوثيقه :" أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي "
2- فأجابوا : " أَقْرَرْنَا " لقد أقرّوا التوفية بهذا العهد، وهم أولى وأحقّ وأصدق من يوفّي ...
3- فقال سبحانه :" فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ" : ومع هذا المقطع من الآية تحديدا يتبين ما كُلِّف به الأنبياء من تبليغ هذا الميثاق، وجَعْلِه ميثاقا متعدّيا من ميثاقهم مع الله تعالى إلى ميثاق بينهم وبين أقوامهم، بأمر الله تعالى لهم : " فَاشْهَدُواْ " . أستحضر في هذا قول الله تعالى : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا "-الأحزاب:45-، وقوله أيضا : "إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا"-المزمّل:15- "مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ..." –المائدة:من117-
أمرُ الله لهم بأن يشهدوا هنا يتضمّن أخذ الأنبياء على الناس ميثاقا بضرورة أن يؤمنوا بالنبيّ اللاحق، والشهادة على مدى توفيتهم به . وعلى هذا جاء كل أنبياء الله دعاة للتصديق بمن يأتي بعدهم، كما عرفنا مثلا ما جاء من ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة." إِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ" –الصف:06-
"الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ"-البقرة:145-
أمِروا أن يشهدوا على أقوامهم، والله معهم شهيد عليهم، شهيد لا تنقطع شهادته ما بقيت الدنيا، ويوم تقوم الساعة. شهيد على من أدّى ومن لم يؤدّ، على من وفّى ومن لم يوفِّ من الذين بُعث فيهم الأنبياء .
وبالتالي فإنّ أهل الكتاب مخاطًبون بهذا، وهم الذين أبلغهم رسلهم وأنبياؤهم هذا الميثاق وأخذوا عليهم العهد أن يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم .
وتأتي الآية الموالية مؤكّدة لتعدّي هذا الميثاق وثنائيّة غايته في قوله تعالى : فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(82)
الذين يتولّون عما أبلغهم أنبياؤهم من ضرورة التصديق بغيرهم من الأنبياء ونصرتهم، أولئك هم الفاسقون الذين مرقوا وخرجوا عن الدين بخروجهم عن التوفية بهذا العهد، وبنكرانهم لهذا الميثاق .
و قبل أن ننهي مع هاتين الآيتين أحب أن أتعرض لتساؤل مَن يتساءل عن مضيّ النبيّ، فكيف تُتصوّر منه النصرة لنبيّ يأتي بعده ؟
يقول في ذلك أبو زهرة : "إن تصور الإيمان منهم ممكن باعتبار أن الله تعالى مخبرهم بمبعثه، ولكن النصرة غير متصورة، والجواب عن ذلك: أن الكلام بالنسبة للأنبياء فرضي، وبالنسبة لأتباعهم واقعي؛ وكان المراد أن هؤلاء الأنبياء لو كانوا أحياء في عهد الرسول الذي يجيء مصدقا لما معهم، لآمنوا به، ولاتبعوه ونصروه وآزروه، لأن ذلك ميثاق الله الذي ربط النبوات بعضها ببعض، فهي متلاقية عند غاية واحدة، وإذا كان النبيون لَا يفرض فيهم إلا ذلك فاتباعهم يجب عليهم أن يفعلوه إن كانوا متبعين لهم."-زهرة التفاسير-
لقد أحببت الإسهاب في الآية السابقة، لأنّ فيها عن العهد والميثاق الأعلى في هذه الدنيا، بل الذي على أساسه قامت الدنيا، ولأجل التوفية به جعل الله الإنسان في الأرض خليفة.
فخلُصتُ إلى أنّ هذا الميثاق أخذه الله على أنبيائه، وفيه أخذ الأنبياء له على أقوامهم تعدّيا، وأنّ كل نبي شهيد على مَن بُعث فيهم، والله شهيد على كل الأقوام... وأنّ من تولّى عنه إنما هو من الفاسقين المارقين عن رسالة الله إلى عباده وعن دعوته لهم .
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12649;image)
منها نخلُص إلى أنّ دين الله واحد، ودعوة الأنبياء واحدة ...
**بدءا بدعوة أهل الكتاب إلى الكلمة السواء التي جاء فيها إفراد الله بالعبادة وألا يُشرك به أحد، وألا يَتّخِذ بعض الناس أو بعض الفرق بعضا أربابا من دون الله. (64)
** ثم إلى بيان براءة إبراهيم عليه السلام من نصرانية ومن يهودية ومن إشراك وأنه الحنيف المسلم(67)
** ثم إلى نفي دعوة الأنبياء مدعوّيهم إلى عبادتهم أو إلى عبادة نبي منهم من دون الله (79-80)
** وصولا إلى هاتين الآيتين الأخيرتين (81-82)
-
دعوة واحدة بها جاء الأنبياء جميعا، إلى الكلمة السواء، إلى الإسلام ... ولقد دُعي أهل الكتاب إليها، ولقد علّم الله نبيّه والمؤمنين أن يقولوا والعزّة تملؤهم لمن تولّى عن الدعوة إليها : "اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُون" ...
ولقد برأ الله الأنبياء من تقولات المتقوّلين عليهم أنهم جاؤوا ليدعوا لعبادتهم من دون الله، أو لعبادة واحد منهم...
ولقد أطلعنا الله على نورانية الميثاق الذي كان بينه وبين أصفيائه صلوات الله وسلامه عليهم، وكيف أنه الميثاق ذو الغاية الثنائية، فهو يتعدّى إلى ميثاق بين الأنبياء وبين مدعوّيهم ...
بأن يؤمنوا بكل الأنبياء، وخاتمهم جميعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أقرّ كل الأنبياء فآمنوا به، ودعوا أقوامهم للإيمان والتصديق به ... فمن تولّى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ...
والآن ... ها هو الله تعالى يزيد في تفصيل عن هذا الإيمان وهذا التصديق، ينتقل بنا درجة إثر درجة حتى يبلّغنا سنام الأمر كله ... فلتشرئبّ أعناقنا لنرى ما سيلوح في الأفق القريب ....
أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ(83) قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(84) وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ(85)
هؤلاء الفاسقون، الذين تولّوا عن ميثاق الله تعالى، عن الميثاق الذي أخذه الأنبياء عليهم وقد أقرّوا هُم وأخذوا إصر الله عليه ... هؤلاء المارقون ... عمّ يبحثون ؟؟ ماذا يرومون ؟
5- أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ(83)
استنكار من العليّ سبحانه، استنكار لما هم عليه من الإعراض والظلم لأنفسهم، والظلم لغيرهم بإصرارهم على باطلهم وبسعيهم لنفث سُمِّه الناقع بين الناس ...
ماذا يريدون ؟؟ أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ ؟!...
أجل... إنهم يريدون أديانا من صنع أخْيِلتهم ومن اختلاقهم، تماما كما ألّهوا عيسى عليه السلام، وكما ادّعوا أنه ابن الله، وكما قالوا أن الله ثالث ثلاثة لا واحد ... وكما عبدوا الحجر والشجر والخشب والنار، وكما عبدوا الملائكة، وجعلوا بين الله وبين الجنّة نسبا وصهرا... وكما ما يزالون إلى يومنا مارقين، يصنعون بوذا من ذهب ويُلبسونه الحُليّ والدّباج وينثرون عليه الورود، ويبنون له القصر المشيد، ويشعلون الشموع من حوله، ليدخلوا فيسجدوا بين يديه الذهبيّتَين خاشعين ساكنين... !
وتماما كما يعبدون البقر! فهي المُبجّلة في الطرقات المقدّمة على البشر ...
وكما يعبدون الفئران والجرذان...! وكما يعبدون صورة لرئيس بين الرؤساء العُدول الأسوياء!!! وأنّى لسويّ أن يأمر فيُسجَد له من دون الله ! ... وكما يعبدون ما يُسمّى وما نستحيي أن نسمّيه ... !! كلها آلهة يقدمون لها آيات الطاعة والولاء ... !
لكَم جَهول هو الإنسان ....!! أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ ؟!...
دين الله، هذا الذي عرفنا أنه دين كل الأنبياء، أنه الكلمة السواء، أنه الذي جاء الأنبياء يصدّقون به بعضهم بعضا، هذا الذي جاؤوا جميعا دعاة إليه... إنه الإسلام ...
ونُسب إلى الله تعالى نسبة تشريف وتعظيم لمقامه ...
الله الذي : وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
من في السماوات والأرض، كلهم أسلموا لله ... هكذا بهذا التعبير، أسلموا له، وكذلك جاء اسم دين الله: "الإسلام" ... التسليم والخضوع الكامِلَين له، والائتمار بأمره وطاعته وحده (أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ) وألا يُتّخذ من دونه إله ولا معبود (وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً) ولا يُتّخذ ربّ من دونه (وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ) . فإما هذا وإلا فهي الأهواء، إما هذا الحق، وإلا فهو الباطل .
كل من في السماوات والأرض أسلم لله طوعا وكرها، فأما من في السماوات فعمومهم وهم الملائكة الذين لا اختيار لهم بين إيمان وكفر، كلهم أسلموا لله طوعا، وأما من في الأرض فمنهم من أسلم طوعا بإرادته المختارة بعد تبيّن الأدلة لعقله، وبقي منهم من أسلم كرها ...
فكيف تُراه يكون إسلام الكره ؟
هو ليس الإسلام تحت سطوة السيف كما قال به عدد من المفسّرين، لأنه حتى على افتراض صحّة ذلك، فإنّ من سيسلم بفعل الخوف من حدّ السيف لن يحقّق عموم :"من في الأرض"، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن حروب الإسلام لم تقم ليدخل الناس في الدين كرها، بل لوضع حدّ للمتصدّين لدعوة الله ولإقامة دين الله، وللذين يمنعون مَن اختار الإسلام من اعتناقه . ولم ينتشر الإسلام يوما بحدّ السيف كما يروّج لذلك المغرضون من أعداء الإسلام في كل زمان، ولو أن العاقل أعمل عقله لوجد أنّ البلاد التي فُتحت للإسلام لا يستقيم أن يبقى فيها نصارى أو يهود -وهو ما نعرفه إلى يومنا فيها- على اعتبار هذه الضلالة من القالة .
أسلم له سبحانه من في السماوات والأرض طوعا وكرها ... كيف لنا أن نفهم هذا ؟ ...
فهل للكافر اختيار في قهر المرض له ؟ من ذا الذي يُمرضه ؟ هل له اختيار أمام الموت ؟ من ذا يُميته ؟ من يستطيع أن يعارض مشيئة الله تعالى بقبض روح فلان أو علان في الحين الذي حدّده الله سبحانه نهاية لأجله، من ذا سمّى أجلَه وحدّده ؟هل له اختيار في سريان الأقدار وما يجري عليه وعلى الكون كله ؟ من له القدرة على تسيير الأقدار وتسخير الأسباب ؟ من ذا يتحكّم بما يكون وبما سيكون ؟ من ذا يعلم من أمره ما سيُقبِل ؟ بل من علم بما استدبر منه إلا ساعة أن وقع ؟!
أليس كل هذا إسلاما لله تعالى من المؤمن والكافر ولو كره الكافرون ؟!
فإسلام الكره هنا متعلق بالتكوين والإيجاد والإعدام أكثر من تعلّقه بالتكليف.
ولقد أعجبني كلام للفخر الرازي أنقله : "أن كل ما سوى الله سبحانه ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه فإذن كل ما سوى الله فهو منقاد خاضع لجلال الله في طرفي وجوده وعدمه، وهذا هو نهاية الانقياد والخضوع، ثم إن في هذا الوجه لطيفة أخرى وهي أن قوله {وله أسلم} يفيد الحصر أي وله أسلم كل من في السماوات والأرض لا لغيره، فهذه الآية تفيد أن واجب الوجود واحد وأن كل ما سواه فإنه لا يوجد إلا بتكوينه ولا يفنى إلا بإفنائه سواء كان عقلا أو نفسا أو روحا أو جسما أو جوهرا أو عرضا أو فاعلا أو فعلا، ونظير هذه الآية في الدلالة على هذا المعنى قوله تعالى: {ولله يسجد من في السماوات والأرض} (الرعد: 15) وقوله {وإن من شىء إلا يسبح بحمده} (الإسراء: 44). "-مفاتيح الغيب-
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ... إليه سبحانه الرجوع، والرجوع إليه سبحانه من قهره لعباده، كما يقهرهم جميعا بما ليس لهم فيه اختيار، بالموت، ثم بامتثالهم بين يديه ليحاسبهم .
إنه دين الله، الإسلام لله ... الكلمة السواء ...
وعلى هذا ... فقل يا محمد ... قل ما الله به آمرُك ... تلقّنه ولقّنه ...
قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(84)
ها هو التلقين الإلهيّ لنبيه صلى الله عليه وسلم ولأتباعه ...
ها هو الهُدى الذي من عنده سبحانه... ها هو الإيمان الذي عرفناه من قريب في الآيات السابقة، إيمان النبي بما يُؤتاه نبي غيره، هذا هو الميثاق الذي أخذه الله على أنبيائه، من هذه الشاكلة هو تلقين الله تعالى لكل أنبيائه هذا الميثاق ... من شاكلة التلقين الذي في هذه الآية ... ولقد عرفنا أنه الميثاق المتعدّي، فلا ينحصر في الأنبياء وحدهم، بل يمتدّ إلى المدعوّين ...
-
فلــــــــــــنتأمل ....
قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا
لم تأتِ : "قل آمنتُ بالله وما أنزِل عليّ" ... بل جاءت على صيغة الجمع، مبيّنة انصهار النبي صلى الله عليه وسلم في جماعته، عن دوره معهم، وعن رسالته إليهم، عن قيادته لهم إلى هدى الله، فهذا الأمر بالقول له بصيغة المفرد، ثم ما تفتأ أن تنقلب الصيغة جمعا ...
هكذا هي رسالة النبيّ، أن يعلّم الناس، أن يكون رائدا لهم على طريق الهُدى ...
وكأنّ استجابته لأمر: "قُلْ" من الله هي أصلا استجابة جماعته، استجابة الناس : " آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا" ...
ها هو صلى الله عليه وسلم يُلقَّنهم بنود الميثاق، ها هو يقرّ أنه قد آمن بما أنزل على غيره من الأنبياء، مع الإيمان بما أنزِل عليه، بل ويعلّمه من توّه ومن فوره المؤمنين ليجيبوا به، وليستجيبوا له، وليوفّوا به أيضا بالتعدّي ...
وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ
هذه الآية تشبه إلى حدّ كبير التي في البقرة، إلا أن هذه جاءت بالإنزال "على"، وتلك جاءت بالإنزال "إلى" : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ "-البقرة:136-
يقول اللغويّ الدكتور فاضل السامرائي عن الفرق بين "على" و"إلى" أنّ "على" للأمور المستثقَلة، تأتي بمعنى الاستعلاء، :" كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ " "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ" "إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا"-المزمّل:5-
فعندما يكون المبتغى هو بيان التبليغ كمهمّة مسنَدة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي الإنزال بـ: "على" من مثل قوله تعالى : "ومَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ... "
بينما عندما يكون الأمر خاصا به صلى الله عليه وسلم وحده، تأتي بـ "إلى" من مثل قوله تعالى: " إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ "-الزمر:02-
ونلاحظ هنا أنّ التلقين مردِف للميثاق العظيم الذي أخذه الله على أنبيائه، ووجب أن يأخذه الأنبياء على أقوامهم. فالمقام بيانٌ لما على المؤمنين من توفية بعهد الله الذي هو أمر الله وتكليفه، فالإيمان بما أنزل الله يجب أن يكون إيمانا بعمل، يصدّقه العمل توفية لما أمر الله وقياما بما كلّف سبحانه.
وتُختتم الآية بقوله سبحانه :
لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
يتأكد بهذا المقطع من الآية الإيمان الحق، والذي هو إيمان أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، لا يفرّقون بين أحد من الأنبياء، كلهم عندهم سواء، جاؤوا بالكلمة السواء... كلهم اصطفاهم الله، وبعثهم الله، واختارهم لتأدية الرسالة، وللتبليغ عنه ولهداية عباده .
وتمام كلام الجماعة المؤمنة :" وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ "... نحن لله مسلمون ...كما أسلم له سبحانه من في السماوات والأرض طوعا وكرها ... نحن أولاء مسلمون له طوعا ...
إسلام...انقياد... طاعة... عمل بأمره الذي يأمر، عمل بالتكليف الذي يكلّف به سبحانه عبادَه.
وهكذا، ونحن نتقدّم مع الآيات، ببيان وحدة الدين عند كل الأنبياء عبر كل الأزمنة، ووحدة الدعوة، ووحدة الرسالة السماوية يتدرّج الله تعالى ليبلّغنا معنى "الإسلام" ليبلّغنا الاتصاف بصفة الإسلام، ليبلّغنا بنود الإسلام ...
ابتُدئ أولا: بما يوافق ما عليه أهلُ الكتاب من افترائهم على عيسى عليه السلام، وتبرئته مما نسب إليه من دعوة لعبادة غير الله، وثانيا: ببيان دأب كل الأنبياء على الدعوة لله وحده، ثم ثالثا: الميثاق ثنائيّ الغاية، وصولا إلى: إعلان الإيمان بكل ما جاء به الرسل مجسّدا للإيمان بالدين الواحد الذي بعث به الله كل أنبيائه... وذلك هو الإسلام حركة في الحياة تترجِم تصديق القلب.
ولا أنفكّ مذكّرة بدأبنا في حنايا الآيات وفي تطوافنا بها أننا نتتبّع الترابط، ونراقب عن كثب إن كان كائنا أم أنّنا نتكلّفه ... فإذا نحن في سورة محورُها التثبيت ... وإذا الله تعالى علّمنا عوامل الثبات وسبيل الثبات متدرّجا معنا :
** أنه الحيّ القيوم الذي لا إله إلا هو العزيز الحكيم .. (02)
** أنه الذي يصوّر في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم(06)
** أنّه الذي نلجأ إليه سائلين التثبيت على الهُدى الذي عرّفَنَاهُ في سورة البقرة (08)
** أن الهزيمة النفسية من قوة الكافرين من أهم دواعي الضعف وعدم الاعتزاز بالدين (10)
** أن الشهوات والشبهات معيقات على طريق الثبات، فيعلمنا الله طريق الخلاص من إسارها (14)
** ومن طرق التثبيت التزويد بالمقوّمات اللازمة وأولها أن الدين عند الله الإسلام "إنّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ..." (19)
** أن من أوجه الاعتزاز بالدين إعلان الإسلام لله أمام كل محاجّ وإن كان حائزا لأقوى أسباب الدنيا : "فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ..." (20)
** أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم من تمام طاعة الله ومن موجبات حبّه سبحانه لعبده. "قلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ..."(31)
** أن القصص الحق والنبأ اليقين بشأن عيسى عليه السلام ميلاداً ورسالةً وخروجاً من الدنيا هو ما قصّه الله تعالى علما يعلمه المؤمنين ليكونوا على بينة من الحق، فلا يغتروا بتقولات أهل الكتاب وأكاذيبهم، ولا يضطرب إيمانهم ولا يتزعزع يقينهم، وليتبيّنوا أن الأنبياء دعاة لله وحده . وكلهم على الدين الواحد "قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ" (52)
** أن الدعوة من المسلمين إلى أهل الكتاب قائمة على أن الكلمة التي تسوي بينهم هي : "ألَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ" وأما التولي عنها فهو تولٍّ عن الإسلام "فإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ" (64)
** أن إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا مشركا : " ولَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"(67)
** التقدمة لمعنى الميثاق الذي بين العبد وبين ربه ووزن التوفية به: " بلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ " (76) "إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ..." (77)
** تبرئة الأنبياء من الدعوة لغير الله "...أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ" (80)
** الميثاق الذي أخذه الله على أنبيائه وتعديته تبليغا من الأنبياء ليصبح ميثاقا للأنبياء على أقوامهم " أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ" (83)
** إعلان إيمان المسلمين بكل الأنبياء وعدم التفريق بين أحد منهم وأنّ الإيمان بهم وبما جاؤوا به هو تجسيد عبادة الله وحده وطاعته وعدم الإشراك به وعدم اتخاذ رب من دونه "...لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " (84)
-
فلنتأمل ورود "الإسلام" بمشتقاته فعلا واسما وصفة خلال هذه الآيات ... فإن دلّ ذلك على شيء، فإنما يدلّ على تمام بيان وحدة الدين عند كل الأنبياء وأنه الذي يقبله الله، وأنّ مقتضاه الإيمان بكل الأنبياء وبكل ما أنزل عليهم وبكل ما أوتوه .
وعلى هذا يقرّر الله تعالى في الآية الموالية أنّ :
وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ(85)
لأن الدين عند الله الإسلام ... الإسلام الذي عرفنا أنه الكلمة السواء: " ...أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ" ، وعرفنا عيسى داعيا إليه: " إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ" ، وعرفنا إبراهيم داعيا إليه ومُتّبَعاً عليه: " إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ"
بل وعرفنا أن كل أنبياء الله تعالى صلوات الله وسلامه عليهم جميعا عليه وعلى الدعوة إليه : "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ".
وعرفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم داعيا إليه : "...وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12677;image)
وهو صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين:"مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا"-الأحزاب:40- .
وهو الذي جاء بالكتاب المصدّق لما جاء في الكتب السابقة، المهيمن عليها: " وأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ..."-المائدة:من48- المحفوظ من ربّ العزة: "إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"-الحجر:09-
والإسلام الحق الذي لا تحريف في كتابه ولا تبديل هو ما عليه صلى الله عليه وسلم، وهو النبي الذي جاء كل الأنبياء مصدّقين به، وجاء ذكره في كتبهم، وقد أمّهم جميعا ليلة الإسراء والمعراج. ولذلك فإن ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عليه المسلمون هو ما يجب أن يُتَّبَع .
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ مَثَلي ومَثَلَ الأنبياءِ من قبلي ، كمَثَلِ رجلٍ بنى بيتًا ، فأحسَنه وأجمَله إلَّا موضِعَ لبِنةٍ من زاويةٍ ، فجعَل النَّاسُ يطوفونَ به ، ويعجَبونَ له ويقولون : هلَّا وُضِعَت هذه اللَّبِنةُ ؟ قال : فأنا اللَّبِنةُ ، وأنا خاتمُ النَّبيِّينَ"-صحيح البخاري-
عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "جاء عمرُ بجوامعَ من التوراةِ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال يا رسولَ اللهِ جوامعَ من التوراةِ أخذتُها من أخٍ لي من بني زُرَيْقٍ فتغيَّرَ وجهُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ الذي أُرِي الأذانَ أَمَسَخَ اللهُ عقلَكَ ألا تَرَى الذي بوجهِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال عمرُ رضينا باللهِ ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ نبيًّا وبالقرآنِ إمامًا فَسُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثم قال والذي نفسُ محمدٍ بيدِه لو كان موسَى بينَ أظهرِكم ثم اتبعتموهُ وتركتموني لضللتمْ ضلالًا بعيدًا أنتم حَظِّي من الأممِ وأنا حَظُّكُمْ من النبيينَ"-السلسلة الصحيحة-
-
والآن ... لم يبقَ الكثير من قطاعنا (64-99).. إننا نشرف على نهايته ...
ولقد تبيّن لنا الكثير مما سلف...
قطاع علّمنا هذه المرة أحوال أهل الكتاب. تارة بخطابهم، وتارة بالإخبار عنهم، وتارة باستنكار ما هم عليه، حتى بلغْنا بمنهجيّة وبتدرّج بديعَيْن ليسا إلا من إله عليم خبير حكيم أن الدين الذي يقبله الله تعالى هو الإسلام، لا دين غيره، لا شيء مما يدعيه أهل الكتاب في كل زمان بَلَهْ ما يدّعيه غيرهم من أصحاب الديانات البشرية الوضعية والوثنية، ومما يهذي به غيرهم من أصحاب الأهواء وإنكار الله جملة وتفصيلا ...
هذا زمان نعيشه... كل هذه الأصناف تعترض طريقنا ... بما يحملون من فساد اعتقاد، كلهم يسعى لنشر فساده، منهم من يحسب أنه يحسن صنعا، ومنهم مَن يعلم أنه الباطل وأنه الهُراء ولا يرنو إلا لتعميم الفساد ولإبعاد الناس عن هدى الله ...
وعلى هذا نعرف عن كثب مع ما نُلامِس من حياة وحركة في الآيات الدورَ العظيم لهذه السورة ... نسمع يوميا عن شُبهات قديمة تتجدد وأخرى من ابتكار المتأخرين، موضة الشبهات تلقي بأحابيلها صباح مساء في ظلّ التواصل العالمي الذي صيّر الأرض كرة صغيرة لا يلعب على سطحها لاعب إلا وسُمِع للعِبِه صوت ... !
ومع كثرة الأصوات وتعاليها واختلاطها، ومع تنادي الناعقين بالأهواء المطوِّحة، أنّى للمؤمن أن يعيش في معزل عن مقوّمات الثبات، وعوامل التثبيت ؟!
أنّى للمؤمن أن يقول آمنتُ وهو آمِنٌ من كل فتنة ؟!
أنّى للمؤمن أن يكون على الهامش بدينه وبالحق الذي أوتيَه، وأن يكون فريسة بين الفرائس السهلة في غابة من السّباع الأكَلَة التي تتصارع لا على شيء إلا على ما تأكل وعلى ما به تسود ؟! فيسهل على الأسد فيها أن يُبرِز أنيابه لا أكثر ليظنّ به الحمقى ابتساما!!
ونعود إلى مزيد علم من علم الله تعالى، علم اليقين، علم الحق، علم الهُدى والتثبيت على الهُدى...
كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(86) أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(87) خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ(88) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ(89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ(90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ(91)
6- بعد كل هذا العلم من الله، بعد كل هذا البيان وهذا التمييز بين الحق والباطل، بعد كل هذه المحاجّات العقلية، والمواجهات المسفِرة لأهل الكتاب، ماذا يبغي مَن لا يُذعِن ؟!
ماذا يبغي من يتولّى مصرّا مستكبرا ؟! أين يجد الإنسانُ نورا يهديه كهذا النور الإلهي الهادي؟ ماذا يريد مَن يُعرض عن الهداية ويأبى إلا أن يسير معتما مظلما ؟!
ولقد قالها سبحانه : "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ"
هذا ما يبتغيه المُعرض عن الحق الواحد الذي هو في هذا الكتاب المبين ... وعلى هذا يأتي بعدها مباشرة ما يوضّح أكثر أن ابتغاء غير الإسلام يعني الكفر، إنه الاستفهام الاستنكاري الإلهي من رب العزة : كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
لنتأمل تعدّد وبُعْد أطراف هذه الآية، ولقد تحدّث المفسرون عن معنيّين بها، ولكنهم غفلوا عن بُعْد جوهري وبالغ الأهمية فيها، سأجعله
أولها جميعا بين ما أرقُم أدناه :
-
أولا : إنها تخاطبنا... تخاطب مسلم اليوم...
لندقّق في "مسلم" ... حيث أننا ومع خطواتنا قد تقدّمنا وصرنا نفهم جيدا ونعي أنّ هذا الإيمان هو الإيمان الذي عليه المسلم لا أحد غير المسلم ...
المسلم الذي عرفنا فيما سلف أنه الذي أُمِر من رَبِّه أن يُعلن مع نبيّه عن إيمانه بالله وبما أنزل عليه، وما أنزل على الأنبياء من قبل صلوات الله وسلامه عليهم، وبأنّهم جميعا جاؤوا بدعوة واحدة لا ثاني لها، ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، وألا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ... الدين الذي عليه محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والذي عليه أصحابه وأتباعه ...
مسلم اليوم يخاطبه الله تعالى، ويستنكر عليه أن يكفر بعد إيمانه الذي أعلنه، وبعد شهادته أن الرسول صلى الله عليه وسلم حق وبعد ما جاءه من البينات، هذه البينات التي هي كالنجوم الهادية تصطفّ لنا واحدة تلو الأخرى في معرِض خطواتنا على دربنا هذا ...
مسلمو اليوم الذين لا يخلو بيت كل واحد منهم من مصحف بين دفّتَيْه هذا النور وهذا الهُدى العظيم ..
مسلم اليوم الذي عالج كتابُ الله تعالى أحوالَه المتقلّبة على الأرض وعبر الأزمنة المختلفة وصولا إلى زماننا هذا، ففَحْواه يوائم كل المواءمة ما يعترضنا، ما نستشفّ منه أنه العلم الإلهي العظيم المحيط بكل ما كان وبما هو كائن وبما سيكون ... فعرّفه سبحانه بأعدائه، وعرّفه بنواياهم، وبباطلهم وبدأبهم على إضلاله ...
مسلم اليوم الذي نعرف مع بدايات هذه السورة كيف يعلم عنه ربُّه مدى تمكّن الهزيمة النفسية منه وهو يرى علوّ أهل الباطل وتهاوي أهل الحق والحق معهم وهم ليسوا معه ...!
مسلم اليوم وهو ينبهر ويؤخذ بأسباب الدنيا التي سخّرها الكافر وجعلها طوع يمينه على كفره، ويظلِم ولا يُنصِف وهو يرى السبب في تقهقره وتأخره دينه لا هو ولا تقاعسه ! يرى السبب في تأخّره دينه لا سوء فهمِه لدينه...!
مسلم اليوم الذي يتذمّر من حاله ومن تنكّبه عن ركب الحضارات، فيجعل من الدين مِشْجبا يعلّق عليه أخطاءه وارتكاسه ...!
مسلم اليوم الذي لا يعرف من قرآنه إلا أنه الكتاب السماويّ المقدّس، فمن يجوّد حروفه كثيرٌ ما هم ... وكثير كثير من لا يعرف منه إلا النزر القليل حفظا لا فهما ووعيا وتشربا لمعانيه وعيشا بها ...
اليوم والأرض مفتوحة على مصراعَيها، كل ما عليها في حينه مسموع منظور...
وهذه الشبهات التي يلقيها أهل الباطل بكَلّهِمْ وكَلْكَلهم ألوانا وأشكالا، وهذا الطعن في مقدّساتنا صار مضغة أسنان بني الإسلام أكثر مما هو مضغة غيرهم ... طعن في السنة، وطعن في الصحابة، وطعن في صحة ما وصلنا من صحيح الحديث ... طعن في الأصول بدعوى الموروث والتمرّد على الموروث ... وبدعوى العقل وإعمال العقل، وما هو إلا إعمال الهوى وشطحات الهوى والانسياق خلف كل ناعق يُبهِر ويغرّر بالتجديد وبالعقل وبسيادة العقل، والعقل من كل تلك الشطحات براء ... والعقل أكثر ما جاء القرآنُ يستنهضُه ويستنفره ليعمل وليس عن الإسلام غريبا ليأتي من ينصره اليوم نُصرة مكذوبة تُطيح بالأصول وتستسهل الطعن فيها بانحياز للحرب عليها لا بنظر وبإعمال فِكر ...
وكل هذه الانسياقات، وكل هذا الضعف والشحّ في المؤونة من أكبر مقدّمات تخلي المؤمن عن دينه، وتشبّثه بعرض الدنيا الزائل بديلا عنه !
إنّ هذه الآية تخاطب المسلم اليوم... المنبهر، المنهزم نفسيا، ضعيف الحجة في دينه، فاقد الهويّة ومضطربها... ولقد أعرض المفسرون عن هذا البعد في الآية، وهو واحد من أهم أبعادها، ونعايشه في زمنٍ حالُ شبابِ المسلمين فيه كحال المتفرّج على زهرة الدنيا تتفتح بين أيدي غيرهم وتغدق عليهم بألوانها، يُشبعون شهواتهم كيفما كان من غير رادع من دين ولا من خلق، فيرنو المتفرّج لِما يستمتع به الآخر، ويرى نفسه المحروم المكبوت الذي يحكمه الدين فهو حابسُه عن هوى يصبح به وعن شهوة يمسي فيها ...
هؤلاء من السهل جدا أن يبيعوا دينهم... وإنّا لنغتمّ في كل حين بأخبار شاب مسلم من هنا ألحد وقد غدا يرى نفسه الحرّ المتحرّر من كل قيد، أو العقلانيّ الذي لا يؤمن بإله آمرٍ ناه، وتَلُوح لنا علامات من شاب آخر هناك تنذِر بشكّ يسكنه ليس شكّ الباحث عن الحقيقة بل شكّ ضعيف المؤونة شحيح الزاد الذي فعلت فيه شبهة قرأها على النّت فعلها فجعلته متخبطا تائها مسوقا لبحر من الشبهات متلاطم الأمواج تهزّه موجة وتُلقي به أخرى، حتى لم يعد يعرف من نفسه قرارا، وصار نَهب الشكوك التي ضيعته وضيّعت دينَه ... !
ونُفجَع بآخر يخوض مع الخائضين فهو المتحرر من الموروث ومن المُملى عليه، يعارض أصول الدين وينتقدها، لا يريد إلا الهوى دينا وحاكما ...
وحدّثْ عن المتصدّرين لصفحات التواصل الاجتماعي ولا حرج وهم قد صاروا المفتين والمُلقين بالخلط والخبط على أنه تحرّر العقل ونظر العقل في الدين، وليته كان حقا...!
فأيّ عجب في أن يُستخدم العقل مع الدين ؟! بل هو اللامنطق والهوى والكذب في شكل تقريرات ومراسيم من رسمهم يُضفون عليها صبغة التحرّر، والمتابعون المصفّقون أعداد وأعداد، وكلّهم لا يكلّف نفسَه عناء النظر في قرآنه وفي سنة نبيّه نظر الباحث المتدبّر المتأمل المتبحّر، ولكنه يجد سهلا ومُحبّبا أن يتجرأ متجرّئ ويحمل راية النقد العشوائية الناسفة للأساسات والقواعد، وأنّى لمثله أن يكون تصفيقه عن وعي وهو لا يعرف عن المطعون فيه شيئا ... ؟!
وكم انقلب حال كثيرين من النقيض إلى النقيض، ناصبوا السنة العِداء وتنادوا بالانتساب للقرآن وحده حاملين شعار تصفية الدين من الأكاذيب والخرافة ... ! وكأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان أبكما لا يتكلم ! منعزلا لا يُخالِط !
وغيضٌ هذا من فيض الشبُهات المقدِّمة للتخلّي عن الدين في نفوس من وجدت فيهم مرتعا وملعبا ...
فـ : كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ
وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
أبَعْد كل هذا البيان، وكل هذا العلم وبعد بديع هذا النظم والتدرج والمنهجية أيها المسلم تكون أول من يغفل عن كتابك ؟ تكون أول من يزهد في تعلّم مقوّمات الثبات على درب حياتك ؟ أبَعْد أن جاءتك كل هذه البينات ؟؟ !
ظلموا أنفسهم بتركهم الحق ساطعا بين أيديهم وحُسبانهم أنفسهم أبطالا تحرّروا من إسار قيد عظيم...!
ظلموا غيرهم بأن أحبوا لهم الوقوع كما وقعوا، وأوقعوهم ...
ظلموا دينهم بأن جعلوه سبب التأخر ...
ظلموا هذا الكتاب العظيم الذي ينير في العتمات، وما عرفوا حفرا للظّفر بكنوزه النفيسة ...
-
ثانيا : وكعادة روعة القرآن وتعدّد محامله، تعني الآية أيضا أهل الكتاب ومناسبٌ هذا كلّ المناسبة ونحن بصدد أحوالهم.
أعلنوا إيمانهم برسلهم، وعرفوا في كتبهم نعتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بُعث حسدوا العرب أن بُعِث فيهم فأنكروه وكفروا بعد أن شهدوا أنه حق، وهنا الشهادة تعني المعاينة، وقد عاينوا مجيئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عرفوا في كتبهم. وهؤلاء هم المحرّفون المبدّلون، الكاتمون للحق ...
ولكأني بسائل يسأل لماذا لم يهدِهم الله ؟ لماذا تُركوا لضلالهم ؟
فيأتي الجواب من الله تعالى أنْ كيف يهديهم وهم ظالمون ظلما كبيرا بتحريفهم كتب الله، وبقولهم عما حرفوه أنه من عند الله وما هو من عند الله، وبنشرهم الضلال بكل سبيل ... ؟ لم يظلمهم الله، وما كان ظلاما للعبيد سبحانه، بل ظلموا أنفسهم وناصبوا الله ورسُلَه العِداء وتصدوا لرسالاته ... فكيف يهديهم وهم بهذا الظلم والتعنّت والإصرار ؟!
ولقد عرفناه سبحانه يلقّن نبيه صلى الله عليه وسلم دعوتهم ومحاورتهم ومحاجّتهم، وكل ذلك ابتغاء هدايتهم، أفئن استكبروا وأصروا، وسعوا سعيهم لإضلال المؤمنين يهديهم الله ؟؟ ولقد قال سبحانه فيهم : "وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)." -البقرة-
ثالثا: قيل بنزول الآية في جماعة من العرب أسلموا ثم ارتدّوا، ثم كان منهم من تاب وعاد وحسن إسلامه وهو الحارث بن سويد .
وكل هذه أوجه تحتملها الآية، وهذا هو معنى عموم اللفظ ودورُهُ في القرآن لا خصوص السبب، وهو الذي نجد به ذهاب الآية إلى معاني أكثر من معنى سبب نزولها، وكذا أكثر من خصوص أحوال زمان النزول .
وتأتي الآية الموالية مبيّنة مآلهم :أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(87)
أولئك الذين ارتضوا التفريط في دينهم، ارتضوا ظلم أنفسهم بخروجهم من أنوار الهدى والرشاد إلى ظلمات الضلال والفساد ... جزاؤهم لعنة من الله، وهي حلول سخطُه سبحانه عليهم، وإخراجهم من رحمته التي بها توفيقهم لسبل الهُدى، بل وكذلك الملائكة تلعنهم بالدعاء عليهم، والناس أجمعون.
وقد يقف أحدهم عند هذا التعميم بـ: "والناس أجمعين"، فنذكر أنّ ذلك يكون في الآخرة من الكافر على الكافر بعدما يوردهم ضلالهم المهالك، كما يكون من المؤمن على الكافر...
يقول سبحانه : "قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ " –الأعراف :38-
كما أن الآية اللاحقة تؤيّد معنى اللعنة التي تكون من الناس جميعا كافرهم ومؤمنهم في الآخرة، وذلك في قوله سبحانه :خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ(88)
إذ يتراءى من : "فيها" الخلود في النار، وإن لم تُذكَر إلا أن متعلقاتها واضحة، وأهمها تلك اللعنة العامة . كما تحتمل معنى أن يكون الخلود في اللعنة . يقول الفخر الرازي: "أن اللعن يوجب العقاب، فعبر عن خلود أثر اللعن بخلود اللعن، ونظيره قوله تعالى: مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً خالِدِينَ فِيهِ [طه: 100- 101] "-مفاتيح الغيب-
ويستثني سبحانه من هذا الوعيد الذين تابوا وأصلحوا: إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ(89)
نتقدم، فنعرف فئة ثانية غير الأولى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ(90)
حالة هؤلاء تختلف عن الأولى، هؤلاء فوق كفرهم بعد إيمانهم : "ازدادوا كفرا" وهو ما يوحي بإمعانهم في الكفر وتماديهم فيه، وعدم بقاء منفذ في قلوبهم لتوبة صادقة نابعة من القلب ... هؤلاء لم يسارعوا للندم الذي يفتح بابا للعودة ...
وهنا أستحضر قول الله تعالى في الآيات السابقة يصف طائفة من أهل الكتاب : "وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(69) "
فهؤلاء كما عرفنا ضالون مضلون، لا يبقى لهم من مندوحة للنظر والتفكر في حالهم بل يبذلون قصارى جهودهم وأوقاتهم لخدمة ضلالاتهم . فأي توبة تكون من أمثالهم ؟ إلا أن تكون ادعاء وكذبا وتلبيسا لقضاء مأرب من مآربهم ...
وهي كذلك تعني فيمَن تعني كل من ارتد عن الإسلام من بني الإسلام كما أسلفتُ، وأيضا تعني أهل الكتاب، اليهود منهم لما آمنوا بموسى ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا لما أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك النصارى الذين آمنوا بعيسى، ثم حرّفوا وكذبوا وكتموا بشارته به، فأنكروا أن يكون محمد نبيا صلوات الله وسلامه عليهم جميعا... فهو كفر متصاعد بالدعوة الواحدة التي جاء بها الأنبياء إذ جعلوها دعوات متفرقة .
وهنا نلمس التأكيد على أن الإيمان الصحيح هو الإيمان بكل الأنبياء سواء بسواء ..
أما هذه الآية فلكأنها تعرّف بمآل الذين كفروا وازدادوا كفرا ... بحالهم في اليوم الآخر...
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ(91)
وهذا يوم القيامة ... لن يقبل منهم فِدى حتى وإن أمكنهم، وهو ليس بإمكانهم أصلا ..
فأي عذاب، وأيّ هول ينتظرهم ؟! أجارنا الله من سخطه وعذابه
ولو أننا أمعنّا وتفكرنا لعرفنا أن الإعراض عن كل هذا الهدى والحق البيّن الذي يفصّله لنا الله تعالى ويعلمنا إياه ليس إلا من العناد واللّجاج الباطل الذي يورِد أصحابه المهالك...
فهو سبحانه يمهل في الدنيا، ويفتح باب العودة والأوبة، ويقبل التوبة الصادقة، ويرحم ويفصّل الهُدى، وأنزل النور من عنده هاديا وما ضنّ به على عباده، وما ظلمهم ولكن كانوا أنفسَهم يظلمون ... ثم بعد كل هذا هو سبحانه الذي يأخذ أخذ عزيز مقتدر، فلا يُنظِر من لم يعرف حسن استغلال وقت الإنظار... الدنيا...
وعلى هذا المخطط أضع المنهجيّة التي نجدها في بيان مآل الذين تعمل فيهم المزعزعات ... مآل الذين لا يتزوّدون للثبات
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12653;image)
-
وننتقل إلى جزء من أواخر قطاعنا ...
7- لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ(92) كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(93) فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(94) قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ(96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(97)
ولقد توقفنا عند:" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ(91) "
هذا كما عرفنا مآل الذين كفروا وماتوا وهم كفار، لو أنّهم كانوا ليفتدوا أنفسهم فينجّوها من النار ومن عذاب الله الأليم بملئ الأرض ذهبا لفعلوا، وإنهم وإن أمكنهم وفعلوا فلن يُقبل منهم ... !
إنه ملء الأرض ذهبا ...! ما لا يكون ولا يتحقق لأحد في الدنيا، بَلَهْ بعد الخروج منها وكلّ خلق الله بين يديه ذليل صاغر...! وحتى إن افترضنا إمكانه، فإنّ الله تعالى لن يقبله من أحد . قُضي الأمر، وانتهى الامتحان وآن أوان الحساب والجزاء ...
فلنرَ ... ونحن مع هذا المعنى الذي خُتم به الجزء السالف من القطاع ... أتُراه يسوقنا هو أيضا إلى الجديد من الآيات، أم أنّنا سننقطع عنها .. ؟
7-أ) لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ(92)
أليس ما كنّا فيه أخيرا من خُسران مبين لمَن مات على الكفر ومِن هوان الدنيا بما فيها في عينه لو كان بمَلكه أن يفتدي بها نفسه... أليست هذه الآية تقابله ؟
أليس يرشدنا سبحانه إلى أنّ الدنيا ساحة العمل وفرصة العمل، وأنّه فيها هو المنجّي ؟ أليس ينبّهنا سبحانه إلى أن نسارع لتنجية أنفسنا ما دام العمل فيها يُقبَل وهو ميزتها وسَمْتُها؟ مادام أوان الجزاء وتوقّف العمل لم يئن بعد ؟؟ أليس سبحانه يدعونا لأن نستغل زمن الدنيا أحسن استغلال ... ولأن ننتهز الفرصة كما يجب أن تُنتهز قبل فوات الأوان ؟!
أليس يعلّمنا ونحن نقرأ قرآننا في الدنيا أن نعمل بما جاء فيه قبل أن يأتي أجلنا ويُقضى الأمر وندخل مرحلة الجزاء ولا عمل ... ؟ جاء رجُلٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يسأَلُه عنِ السَّاعةِ فأجابه بقوله : ماذا أعددتَ لها ؟
فلننظر ... إن الاستعداد لإنفاق الدنيا وما فيها يوم القيامة من ذاك الذي مات على الكفر لن يُجديه نفعا... لن يُقبل منه... إنّ الله قد قضى أن الدنيا هي دار العمل والامتحان، ولا يجوز لممتحن أن يجيب بعد أن يدقّ جرس انتهاء ساعة الامتحان ... !
وبهذا ألسنا مَسُوقين من آية إلى آية أخرى تتمّم معناها وتبلّغ الموعظة منتهاها ؟
ألسنا في السياق ذاته ؟
كنا مع الذين كفروا ومآلاتهم، ونجدنا مع المؤمنين وإرشادهم إلى ما يُجديهم من العمل وينجّيهم...
ما دمتَ في الدنيا فانتهز... لنْ تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ(92)
لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون ... نَالَ مَطْلُوبَهُ : بَلَغَهُ وأدركه
لن تبلغوا البرّ ولن تدركوه حتى تنفقوا مما تحبون . إننا على دربنا هذا نستذكر من خطواتنا السابقة ما يكون لنا عونا على اللاحقة ...
لقد عرفنا البرّ في سورة البقرة، عرّفتنا معناه : "ليْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ "-القرة: 177-
البرّ هو أوجه الخير، بل هو أساسات الخير كله، فهو الإيمان بالله واليوم الآخر والكتاب والنبيين كمنطلق لما بعدها، فكل ما ينبثق منه ويتفرّع من خير هو من هذا المنطلق وهذا المعتقد السليم
تبيّن آية البقرة أن من البرّ : وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ
إيتاء المال من أهم انبثاقاته، وهو عمل وِفق ذلك المعتقَد الأساس. ومن كان بارّا كان من الصادقين ومن المتقين: " أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ "
إذن فالبر هو التقوى وهو كمال الخير، ولقد جمع الله بينه وبين التقوى في قوله سبحانه : " وتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ "-المائدة: من02-
فإنكم لن تدركوا ولن تبلغوا كمال البرّ ومنتهاه وسنام التقوى إلا بأن تنفقوا مما تحبون ...
هذا من وجه، ومن زاوية رؤية البرّ كسبب موصِل.. كعمل يُعمل، ويبقى وجهٌ آخر تحتمله الآية ويحتمله المعنى، بل يجتمع مع الأول ويكمّله ويجعل من الآية درّة من دُرر جوامع الكلِم ...
ذلك عندما ننظر من زاوية الغاية الموصول إليها، على أنّ البرّ هو غاية تُبلغ، وهو وِفق ذلك بمعنى تمام الإحسان من الله تعالى لعبده المؤمن، وقد أعجبني في هذا قول الرازي : "بر الله أولياءه وإكرامه إياهم وتفضله عليهم، وهو من قول الناس: برني فلان بكذا، وبِرّ فلان لا ينقطع عني، وقال تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} إلى قول: {أن تبروه" –مفاتيح الغيب-
"إنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا"-الإنسان:05-
"إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ(22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ(23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ(24) يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ(26) " -المطففين-
والبرّ من الله تعالى لعبده المؤمن هو تمام إنعامه سبحانه عليه . فيكون المعنى متّحدا مع المعنى الأول:
لن تدركوا تمام البرّ من الله حتى تبلغوا تمام البرّ من أعمالكم ، وتمامها أن تنفقوا مما تحبون. إحسان من العبد يقابله إحسان الله تعالى له ويؤيّد ذلك قوله سبحانه :"هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ"-الرحمن:60-
-
وإنه لإعجاز من من إعجاز أسلوب القرآن العظيم أن تحمل الآية المعنيين :
** البرّ كفعل من العبد **والبرّ كجزاء من الله ..
** الحديث عن سوء استغلال الدنيا من الكافر** يقابله حُسن استغلالها من المؤمن
وكالعادة دأبي في عَرَض حياتنا على هذا الدرب أن أتبيّن التسلسل والتناسق فلا يُغمّيه عليّ شيء، سائلة الله أن يرزقني بصيرة لذلك من عنده... فأين الانقطاع وما تكلّفْنا الترابط بل هو الناطق عن نفسه بنفسه ... ؟!
وما أزال أتملّى جمال الآية وتعدّد أوجهها ... حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ
لعلّ أحدا أن يرى الإكثار على المؤمن بهذه الدعوة للإنفاق مما يحب، من أكثر شيء يحبّه في الدنيا، لعلّه يقول بأنه التعسير والتضييق ...
أقول ... بل إنه على حقيقته التخفيف ... أجل التخفيف بما تؤتيه الكلمة من معنى ...
ألم نعلم ونفهم، بل ألم نُفجَع بصورة ذلك الكافر يوم الهول الأعظم وهو يودّ لو يفتدي نفسه بملئ الأرض ذهبا، والأمر أنّ أمنيته هباء من الهباء وسراب من السراب والله لا يقبلها منه ؟
أي إكثار بالإنفاق مما يحبّ العبد في الدنيا أمام صورة ذلك الكافر الذي لن ينجّيه من عذاب الله ملء الأرض ذهبا ؟! بل إنه التخفيف وإن الذي يقرأ لليوم الآخر قراءته السليمة، وينظر بعين المؤمن به وبحلوله لن يستكثر تكليفا من ربه، ومن لا يحسن إلا قراءة ظاهر من الحياة الدنيا فسيستثقل كل تكليف ...
وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ(92)
عليم سبحانه بالنية من إنفاقه، سواء كان الكثير أو القليل، ورُبّ قليل مخلصٌ صاحبه لوجه الله وهو ينفقه، خير من كثير ينفقه صاحبه رياء ...! ولا يعزب عنه سبحانه مثقال ذرة، وحتى لا يظنّ ظانّ أنّ: "مما تحبون" تقتضي الكثير والنفيس، بل هي مما يحب كلٌّ بما هو مُيسَّر له، فمَن ينفق بما يتناسب وبسيط إمكانياته وهو مما يحب أدرك البرّ، ومن أنفق مما يحب متناسبا مع إمكانيات أكبر هي في متناوله قد أدرك البرّ أيضا .إلا أن الشرط اللازم لكليهما أن يكون لوجه الله تعالى خالصا ... ولذلك جاءت: "من شيء" لأن قليلا خالصا لله خير من كثير لا يُتوِّجُه الإخلاص.
وسبحان الله والحمد لله على كلام الله بين أيدينا جمالا وجلالا وكمالا يجعلنا نسبح في عالم من الإعجاز الذي يزيد العبد يقينا على يقين ... رزقنا الله اليقين .
إذن فبعد ما كان من بيان أحوال أهل الكتاب، وبيان أن الدين الحق هو الإسلام وهو ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه على خطى كل أنبياء الله دينا واحدا، وبيان أن ما عداه من اعتقاد كفر تكشّفت لنا في الآيات الأخيرة مآلات أصحابه ...
بعد كل هذا نلاحظ كيف أنّ الله تعالى توجّه للمؤمنين بهذا الخطاب الأخير دخولا إلى جوّ من العمل بمقتضى الدين وبمقتضى اعتقاده، وفي معنى نوال "البرّ" ما يدلّل كبير دلالة على أن هذا الدين ما جاء إلا ليسمو بالعبد بدعوته إلى خير العمل الذي يقابله خير الجزاء.
ماذا بعدُ... ؟ فلــــــنرَ ...
7-ب) كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(93) فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(94) قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(95)
لقد أرشد الله تعالى المؤمنين إلى البذل من أكثر ما يحبون ابتغاء نوال البرّ درجةً سامقة في الثواب والجزاء، وحتى يوقَى شُحّ نفسه فيبلغ منها درجات العطاء العُليا... وإنّ هذا الذي يترك مما يحبّ في سبيل الله وفي سبيل جزائه يقابله في هذه الآيات تطبيق من تطبيقات الأنبياء قادة الناس إلى أوجه البرّ ...
كيف ذلك ؟ وأين ؟
كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(93)
سنمشي مع هذه الآية خطوة بخطوة ... فإنها تبدو لي بحاجة إلى فهم دقيق لتشرّب معناها ووجودها في هذا السياق، وعليه فسأرتب أبعادها في نقاط :
أولا : إنه إسرائيل وهو الاسم الثاني ليعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام.. حرّم على نفسه بعض الأطعمة مما يحب نذرا لله تعالى عندما شفي من مرض أصابه . ورد ذلك عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في مجيئ وفد من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه في خِلال لا يعلمهنّ إلا نبيّ، فكان حوار بينه وبينهم جاء فيما جاء فيه قوله صلى الله عليه وسلم لهم:
"هل تَعلَمون أنَّ إسرائيلَ يعقوبَ عليه السَّلامُ مرِضَ مرَضًا شديدًا وطال سَقَمُه، فنَذَرَ للهِ نذْرًا، لَئِنْ شفاهُ اللهُ تعالى مِن سَقَمِه ليُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الشَّرابِ إليه، وأَحَبَّ الطَّعامِ إليه، وكان أَحَبُّ الطَّعامِ إليه لُحمانَ الإبلِ، وأَحَبُّ الشَّرابِ إليه ألبانُها؟ قالوا: اللَّهمَّ نعَم. قال: اللَّهمَّ اشهَدْ عليهِم. " –مسند الإمام أحمد-
وهذا هو وجه مناسبة هذه الآية لما قبلها من حيث سلوك سيدنا يعقوب عليه السلام سلوك البرّ بأن حرّم على نفسه أحبّ مأكل إلى قلبه وأحب مشرب، لحم الإبل ولبنَها نذرا عن طيب خاطر متقرّبا به لله تعالى، زاهدا في أكثر ما يحبّ لينال من الله ما يحبّ. برَّ وبلغ البِرَّ لينال بِرّ الله تعالى وإحسانه .
وهذا التعبير بـ: " حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ " يبيّن لنا تمام البيان كيف أنه لم يشرّعه لقومه تحريما، وذلك ليس له بل لله تعالى المحلل والمحرم سبحانه، ولكنه حرّم على نفسه على وجه التقرّب لله والشكر له على نعمه. وهذا ما يُسمّى تحريم المنع ، وغيرُه يسمى تحريم الشرع
ومن أمثلة تحريم المنع قوله تعالى : "وحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن ..." –القصص:من12- ومن أمثلة تحريم الشرع : " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ... "-النساء:من23-
ثانيا : ما يريده الله تعالى من أن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا الذي حرّمه إسرائيل على نفسه هو ذاك الذي حاجّت فيه يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإننا بهذه الآية نعود إلى سابق الآيات التي حكت عن أحوال أهل الكتاب، وعن الحوارات التي كانت معهم، وعن محاجّاتهم ... يعود بنا الله تعالى إليها استكمالا، وفي مزيد بيان للحجة الدامغة لباطلهم الذي يتمايلون به ذات اليمين وذات الشمال ...
ولقد عرفناهم يحاجون في إبراهيم عليه السلام على أنه اليهودي أو النصراني(66-68)، وعرفنا التلقين الإلهي لنبيه صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين، وعرفنا زيادة على ذلك أن أولى الناس بإبراهيم هم الذين اتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم .
ولكأنّ الله تعالى يعود بنا إلى تكملة تلك المحاجة، وهم قد لغَوا في القول بأهليّة المسلمين لإبراهيم لا بأهليّتهم هُم وهم يفترون على اعتقاده الكذب ... فقالوا لرسول الله لو أنك كنت على ما كان عليه إبراهيم لكانت هناك مطاعم محرّمة عليك وعلى من اتبعك كما كانت محرّمة على إبراهيم وعلى من جاء من بعده ...
إنهم هنا قد افتروا على إبراهيم فرية جديدة بأن ادّعوا أنّ لحوم الإبل وألبانها كانت عليه محرمة كما هي محرّمة عليهم، وليس هذا منهم إلا تعزيزا لقولهم بأنهم الأولى بإبراهيم، وما أولويتهم به إلا بمزيد افتراء عليه، وأنّ ما عليه محمد وأتباعه ليس ما كان عليه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.
وقبل أن أستطرد ... أحب أن أتأمل أولا موضع تكملة هذا الحوار ... لماذا لم تكن في سياق الحوارات والمحاجات ؟ بل جاءت متأخرة عنها ....
لقد تبيّن الآن حقيقة ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه من اعتقاد مع ما رأينا من تدرّج في تعريف الإسلام وصولا إلى أنه الدين عند الله الذي لا يُقبل من أحد دينٌ غيرُه... دين الفطرة والأصل، الدين الذي عليه كل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جميعا، بالدعوة الواحدة والاعتقاد الواحد .
ولندقق بالمخطط أدناه :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12655;image)
-
ثالثا: جاء الجواب الإلهي أن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزّل التوراة، وقد عرفنا أنما سبب تحريمه لتلك الأطعمة على نفسه -لا على غيره- التقرّب لله وشكره سبحانه ..
مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ
وعليه فإنها لم تكن محرّمة على آبائه لا تحريم منع من أنفسهم، ولا تحريم شرع .. زمن يعقوب عليه السلام وحده كان فيه تحريم المنع منه . وبعيدٌ هو عن زمن التوراة التي نزلت على موسى عليهما السلام .
وعندما نزلت التوراة جاءت وفيها تحريم شرع على كل بني إسرائيل لتلك الأطعمة التي حرّمها إسرائيل على نفسه.
انتقل التحريم في عهد التوراة من منع إلى شرع، بمعنى أنها جاءت معمّمة لذلك التحريم الذي كان تحريم شكر وتقرّب إلى الله، ليصبح تحريم شرع، وهو في حقيقته جاء عقابا لبني إسرائيل على ظلمهم ومعاصيهم .
ولنلاحظ الفرق بين تحريم إسرائيل على نفسه، وتحريم الله على بني إسرائيل :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12657;image)
إذن فلقد أحبوا أن يلاجّوا لجاجا باطلا مصرّين على ضلالاتهم وأكاذيبهم أنّ ما هو محرم عليهم من المأكل والمشرب إنما كان محرما من قبل على إبراهيم وعلى من بعده من أنبيائهم، فكيف يأتي محمد صلى الله عليه وسلم ويستحلّه ولا يحرّمه شرعُه ثم يقول أنه أولى الناس بإبراهيم... ! عندها جاء النبأ القرآني الحق المبين أنه لِجاجٌ باطل، وأنّ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرمه يعقوب على نفسه من قبل نزول التوراة ..
فلما أن نزلت التوراة جاءت مقرّة لتحريمٍ كان عن قُربة وشكر لله من عبده المنيب يعقوب عليه السلام ...تحريم جاء عقابا لهم على ظلمهم وصدّهم عن سبيل الله، وكان واحدا من تحريمات مأكل أخرى نزلت عليهم، وهم أحبوا كتمان ذلك عن المؤمنين وتصييره تحريم شرع قديم ليس لهم يدٌ في نزوله بهم .
رابعا: قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(93)
هذا تبكيتٌ من الله سبحانه لليهود من أهل الكتاب يلقّنه نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يأتوا بالتوراة فيتلوا منها ما يدلّ على أنّ تحريم تلك الأطعمة كان من عهد إبراهيم عليه السلام .
يقول الفخر الرازي : " وطالبهم بأن يستخرجوا منها آية تدل على أن لحوم الإبل وألبانها كانت محرمة على إبراهيم عليه السلام فعجزوا عن ذلك وافتضحوا فظهر عند هذا أنهم كانوا كاذبين في ادعاء حرمة هذه الأشياء على إبراهيم عليه السلام." –مفاتيح الغيب-
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12661;image)
7-ج) فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(94)
من افترى الكذب على الله من بعد حجة الدعوة إلى تلاوة التوراة واستخراج ما يؤيّد ادعاءاتهم منها فأولئك هم الظالمون ... وإنه لا يُستبعد منهم المداومة على الكذب والتلفيق والكتم والتستّر ... ولذلك يأتي قوله سبحانه :
قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(95)
هم الكاذبون والله سبحانه هو الذي يقول الصدق والحق. فكن على يقين من قول الله ونبأ الله وتعليم الله، واحذر من بدّل دين الله وحرّفه، وتقوّل على أنبيائه وناصب الله وأصفياءه العداء...
ويأتي أمر باتباع ملّة إبراهيم عليه السلام خاتما في بيان اتباع المسلمين له، وأنهم على خُطاه، وأنهم الأولى به ...
إنه من بعد ما جاء بيان نقاء ما يتبع أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الإيمان الحق عندهم في كتابهم وفي تصديقهم بكل الأنبياء وبكل ما أنزل عليهم، وبكل ما أوتوه وأنهم سلسلة منتظمة الحبات للدعوة الواحدة في الدعوة إلى الله الواحد ...
ومنها إلى التأكيد على أصل هذه الملّة ومنبعها وأنها كما بَدأت بُعث بها محمد صلى الله عليه وسلم نقيّة واحدة متسلسلة متصلة غير منقطعة ... نسخُ الشريعة فيها للشريعة لا يعني اختلاف الدعوة بل يعني إنزال أحكام بما يناسب أهل كل زمان ...
-
وما يزال التسلسل والترابط قائما ... فينقلنا الحديث عن أصل الملّة الحنيفية التي هي ملّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه إلى :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ(96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(97)
8- إن أهم ما عُرف عن أبي الملّة الحنيفية عليه السلام منسك الحج، ولقد بقي في العرب أثرا عن أثر، فكانوا يحجّون ويعرفون قداسة المنسك وقداسة المكان وإن أدخلوا على الحنيفية ما أدخلوا من الوثنية والشرك بالله والطقوس المختلَقة من أهوائهم ...
قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
ما كان من المشركين عليه السلام، بل كان موحدا حنيفا قائما لله لا يدعو غيره ولا يدعو إلى غيره ...
نلاحظ بالمقام الأول أن الله تعالى نفى عن إبراهيم أن يكون من المشركين ثم ذكر بعدها البيت والحج حتى يتبيّن أنّ الحجّ في الشرع الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم منسك قائم، وأن قداسة البيت قائمة، ولكن ليس على ما عليه المشركون، بل على ما كان عليه إبراهيم عليه السلام بعيدا عن الإشراك كل بُعد، نقيّا خالصا لله تعالى ...
حتى يتبيّن أن هذا الدين وأن هذا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه جاء ليعيد الحنيفية لنقاوتها ولمعناها السليم، وليعيد للأنبياء مقامهم وقدرَهم الذي ينبغي لهم ...
ما كان إبراهيم من المشركين، ولكنّ الحج منسكه وعبادتُه التي عُرِفت عنه، وتوارث الناس ذكره به ولكنهم ما حفظوه كما أمر الله به وكما ائتُمر بأمره إبراهيم عليه السلام، بل كانوا يقولون بالله ربا خالقا مدبرا رازقا، ولكنهم كانوا يُشركون في عبادته وثنا وصنما: "قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ" –يونس:31-
وكانوا يدّعون حول البيت طوافا مما أثروا من بقايا حكايات عن الحنيفية شابوها بخرافاتهم، فكانوا يطوفون عراة يصفقون ويصفّرون: " وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ " –الأنفال:35-
وهكذا نجد تمام المناسبة لما قبل هذه الآيات في نفي الله تعالى الشرك عن إبراهيم، ليأتي بعدها على ذكر الحج قائما أمرا من أوامره سبحانه، وقداسة من قداسة المكان والزمان مع تطهيره من دنس الإشراك وخرافات المشركين كعادة هذا الدين الذي جاء ليقرّ ما يقرّ مع تطهير وتصحيح وإرجاع للأصل الأول الذي قضى الله به.
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ(96)
الذي ببكة هو أول بيت وضع للناس، فأما بكة فهو اسم لمكة، وفيما يقال عن معناها أنه البكّ وهو التمزيق والكسر كناية عن كسر عنق من يريد بها سوءا، إلا أنّ ابن عاشور ذكر معنى جديرا بالاهتمام، أورِدُه هنا : "فيكون أصله من اللغة الكلدانية ، لغة إبراهيم ، ألا ترى أنَّهم سمّوا مدينة ( بعلبك ) أي بلد بَعل وهو معبود الكلدانيين ، ومن إعجاز القرآن اختيار هذا اللَّفظ عند ذكر كونه أوّل بيت ، فلاحظ أيضاً الاسم الأوّل ، ويؤيّد ذلك قوله : { ربّ هذه البلدة } [ النمل : 91 ] وقوله : { ربّ اجعل هذا البلد آمناً } [ إبراهيم : 35 ]."-التحرير والتنوير-
أول بيت وُضع للناس هو بيت الله الحرام، الكعبة، و "أوّل" هنا تعني أوليّته في هداية الناس وأنه المعلم الحسي الذي يؤمّونه لعبادة الله وتوحيده، فهي هنا لا تعني أوليّة بناء البيوت على إطلاقها، بل أولية بقيد الهدى والبركة . روي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أن رجلا سأله : "أهو أول بيت؟ فقال عليّ : لا قد كان قبله بيوت ، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً فيه الهدى والرحمة والبركة" –عمدة التفاسير: إسناده صيح-
كما أنّ أبا ذر الغفاري رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا رسولَ اللهِ ، أيُّ مسجدٍ وُضِع في الأرضِ أولَ ؟ قال : ( المسجدُ الحرامُ ) . قال : قلتُ : ثم أيٌّ ؟ قال : ( المسجدُ الأقصى ) . قلتُ : كم كان بينهما ؟ قال : ( أربعونَ سنةً ، ثم أينَما أدرَكَتكَ الصلاةُ بعدُ فصلِّهِ ، فإنَّ الفضلَ فيه ) "
وإننا كالعادة ... كلما أكملنا أجزاء الآية أو ربطنا آيات السياق الواحد وجدنا التفصيل والبيان عما قد يقفز للأذهان سؤالا ينمّ عن حاجة العقل للمزيد .. وهذه تتمة الآية تفصّل عن الأوليّة :
مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ...
أولا: البركة والهدى صفتان له لازمتان، فأما البركة فهي زيادة الخير وفيضُه، ولقد عرفنا من دعاء إبراهيم عليه السلام لمكان البيت : " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ..."-البقرة:من126- كما قال سبحانه ردا على المشركين وتذكيرا لهم بما تفضل عليهم : "...أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا... " –القصص:من57-
ولقد أجرى الله ماء زمزم لإغاثة هاجر وابنها اللذَيْن تركهما إبراهيم وحيدَين بواد غير ذي زرع امتثالا لأمر ربه : "ربَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" –إبراهيم:37- والناس تأتيه من كل حدب وصوب، فتفيض عليه من الخيرات، ورغم قحالة أرضه وحرارة مناخه إلا أنّ الثمرات فيه على ضروب وألوان، وجزيل الثواب الذي يظفر به من يتعبّد فيه ويطوف بأرجائه، كل هذا من بركته...
بل إن رأس بركات بناء هذا البيت ورفع قواعده بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي كان استجابة دعوة أبيه إبراهيم وهو يرفع القواعد وابنه إسماعيل عليهما السلام : " رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "-البقرة:129-
ثانيا:أما صفة الهدى فلكونه أول بيت كان مَعْلما لتوحيد الله تعالى ولاجتماع الناس على إفراده بالعبادة، يقول ابن عاشور: " وصفه بالمصدر في قوله : { وهُدى } مبالغة لأنَّه سبب هدى."
ويقول أبو زهرة : "أي هو بذاته مصدر هداية للعالمين أي للناس أجمعين؛ ففي وسط الشرك كانوا يلتحمون ويتقاتلون حوله، فإذا جاءوا إليه كان الرجل يلقى قاتل أخيه أو أبيه فلا يمسه بسوء لعظم حرمة البيت في قلبه، وإن مس الشرك نفسه. والذين أرادوه بسوء ما إن جاءوا إليه حتى ارتدوا على أدبارهم خاسئين؛ وبذلك ثبتت حرمته، وأشع نوره لغير العرب، كما امتلأت قلوب العرب بحرمته، وبعد الإسلام كان قبلة المسلمين في كل العالمين ومزارهم وموضع مؤتمرهم الأكبر، وإلى البيت الحرام يَأْرِزُ الإسلام، فكون هذا " –زهرة التفاسير-
-
فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(97)
** فمن آياته البينات مقام سيدنا إبراهيم، وهو موضع قدميه الغائرتَين بصخرة جعلها مُرتقاه لرفع جدران الكعبة عند بنائه لها بمساعدة ابنه إسماعيل عليهما السلام، بقيت آثار قدمَيه من ذلك اليوم إلى يومنا، وفي ذلك آية وأي آية اختصّ بها الله تعالى هذا البيت العظيم.
يروي جابر بن عبد الله عن حَجّة رسول الله صلى الله عليه وسلم تفاصيل ذكر منها : " حتى إذا أتينا البيتَ معه ، استلم الركنَ فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا . ثم نفذ إلى مقامِ إبراهيمَ عليه السلامُ . فقرأ : واتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [ 2 / البقرة / الآية 125 ] فجعل المقامَ بينه وبين البيتِ..." -صحيح مسلم-
كما يروي عبد الله بن عمر في صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم ركعَ حينَ قضَى طوافهُ بالبيتِ عِندَ المقامِ ركعتينِ.
وإن في اتصال إبراهيم عليه السلام بهذا البيت الأول الذي هو أول ما وُضع للهدى كبير دلالة على حنيفيته وأوليّة العقيدة وأصالتها ... وأصالة ما كان عليه إبراهيم، وهو ذاتُه الذي عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه .
**ومن آياته أيضا أن من دخله كان آمنا، إذ أنها آية من آياته تواضُعُ الناس في الجاهليّة رغم غياب الدين الصحيح على أنّ من يدخل البيت آمن، حتى إن الرجل ليلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يمسّه بسوء . هكذا توارثوها أبا عن جد .
"إلا أن الإجماع انقعد على أن من جنى فيه لا يؤمَّن، لأنه هتك حرمة الحرم ورد الأمان، فبقي حكم الآية فيمن جنى خارجاً منه، ثم لجأ إلى الحرم. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أحمد في رواية المروذي: إذا قتل، أو قطع يداً، أو أتى حداً في غير الحرم، ثم دخله، لم يقم عليه الحدُّ، ولم يقتصَّ منه، ولكن لا يبايع، ولا يشارى، ولا يؤاكل حتى يخرج، فإن فعل شيئاً من ذلك في الحرم، استوفي منه.
وقال أحمد في رواية حنبل: إذا قتل خارج الحرم، ثم دخله، لم يقتل. وإن كانت الجناية دون النفس، فإنه يقام عليه الحد، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. وقال مالك والشافعي: يقام عليه جميع ذلك في النفس، وفيما دون النفس." –زاد المسير لابن الجوزي-
ولسائل أن يسأل، هاتان آيتان قد ذُكِرتا، مقام إبراهيم وأن من دخله كان آمنا، فكيف تكون آيات : " فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ " ؟
لنكمل مع الآية لعلّ في ما تبقى منها جوابا ...
وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(97)
ألا يُعدّ تشريع الحجّ آية من آيات هذا البيت ؟ أليس آية من آياته البيّنات أن تصبح زيارته وأداء مناسكه ركنا من أركان الإسلام ... ؟
هؤلاء المشركون قد دنّسوا حِماه، ومسخوا قَداسته، وأحاطوه بالأصنام، وجعلوا يطوفون به عراة مصفقين مصفّرين في شكل مسخ للإنسانية المكرّمة من رب العزة، فإذا الطائف بالبيت الذي جُعل رمزا للتوحيد وللتوجّه لله الواحد هو أقرب للحيوان منه للإنسان ...!
أليس في فرض الحج على الناس استردادا لقداسةٍ مُهدَرة وهيبة مُحطّة ... ؟
لقد عُرفت هذه الآية في آل عمران بآية فرض الحج وتشريعه، وكان ذلك حوالي العام الثالث للهجرة ...لقد رُدّت الحقوق لأصحابها، رُدّ للحج مقامه، وللمقدّسات حُرمتها... رُدّ ما كان لإبراهيم وما كان عليه إبراهيم لمتّبعي ملّته، للذين هم أولى به ودينُهم قد جاء يردّ الأمور إلى نِصابها، ويردّ الحال إلى أصله الأول النقيّ الذي كانت عليه أول ما كانت ...
وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ
أما من كفر وأنكر فريضة الحج، وجحد هذه الهيبة المردودة للمقدّسات، فإن الله غني عن العالمين .
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12663;image)
-
إذن فإننا في معرض الآيات (93-97) عرفنا أمرَين اثنَين كلاهما له علاقة بإبراهيم عليه السلام .حاجّ أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في :
1- شأن عدم تحريم شرعه لما هو محرم على اليهود، وجعل ذلك مطعنا في نبوته وفي مصداقية شرعه مدّعين أنه يستحل ما كان محرما على إبراهيم عليه السلام بينما يقول بأولويته به وبأهليته لاتباعه .
2- اتخذوا من ذلك ذريعة لدفع النسخ الذي يتنادون بأنه لا يمسّ بشريعة التوراة، ليطعنوا بشرع القرآن .
3- كان لهم صيحات معروفة حول تحويل المسلمين للقبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام، فقالوا أنّ بيت المقدس أكرم وأعظم وهو في الأرض المقدّسة التي هي مُهاجَر الأنبياء وأرض المحشر، كما عرفنا في سورة البقرة سعيهم بالتشكيك بين المسلمين حينما قالوا أنه شرع يقول بتبديل الله لكلامه.
**وجاءت الآيات بالمقابل داحضة لهذه الشبهات، ببيان أن المحرم على اليهود من المطاعم لم يكن محرما على إبراهيم، ولذلك فإن شرع القرآن يقرّ ما كان عليه إبراهيم والأنبياء من قبل فلا محرّم عليهم في المطاعم بل كلها كانت حِلا لهم....(1)
**كما جاءت تبيّن بعد ذلك أحقيّة المسلمين بالحج وبمناسكه وبمقدساته بتشريعه فرضا عَودا به إلى أول حاله مع إبراهيم عليه السلام يوم كان عبادةً موجّهة لله وحده على غير ما عليه المشركون، وذلك ببيان مقامه وأنه البيت الأول المتخذ لعبادة الله وتوحيده، وبذلك كان بيان أفضليته وأولويته على بيت المقدس ...(2)
من (1) ------ إبراهيم لم يكن على ما عليه اليهود ولا النصارى : "مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا ..."
من (2) ------ إبراهيم لم يكن على ما عليه المشركون : "...وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"
(1) + (2) = إبراهيم كان على ما عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه (3): "ولَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا..."
(3) = محمد ومن معه متبعون لملة إبراهيم الحنيفية : "قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12675;image)
ومن كل هذا يزداد بيان أن المسلمين على الحال التي بُدِئ بها هذا الدين، على الإسلام الصحيح، الكلمة السواء التي جاء بها الأنبياء منذ بداية الأرض...
إنهم على الأصل الأول، و"أول" تدلّل على عراقة هذا الدين الذي يتخذ من البيت الحرام قبلة، هذا البيت الأول، الأصل ... إنهم امتداد لإبراهيم وللأنبياء من قبله، امتداد للدعوة الواحدة والعقيدة الواحدة والملة الواحدة ...إنهم على الأصل الذي خلق الله لأجله السماوات والأرض تشهد بما فيها أنّه الإله الواحد.
إننا بهذا قد دخلنا إلى جوّ المسلمين وحركتهم بالإسلام ... لقد بدأنا ندخل حِياض الإسلام والمسلمون يحيَون به ... طعام حلال حلّله الله، وشرع فريضة حرّم بها عبث المشركين بالمقدّسات معيدا لها هيبتها وحرمتها..
شريعة نقيّة منقيّة ...
لقد كنا مع الإسلام اعتقادا وإننا مع الإسلام شريعة
-
أما الآن فنأتي على نهاية قطاعنا (64-99) . إنهما الآيتان الأخيرتان منه :
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ(98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(99)
ابتدأ القطاع بقوله تعالى : "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(64)"
بدعوة أهل الكتاب إلى الكلمة السواء، إلى الكلمة الحق.. ابتدأ بتلقين النبي صلى الله عليه وسلم كيف يدعوهم ..
ثم ها هو ينتهي بتلقينٍ آخر له صلى الله عليه وسلم أن يستنكر عليهم كفرهم بآيات الله تعالى، فكانت الآية الأولى والآية الأخيرة حاضنَتَيْن لما عالجه القطاع معالجة منهجيّة متدرّجة فيها تتجسّد خطوات الدعوة الرصينة التي ليس فيها ذلك الانهزام أمام أصحاب القوة الدنيوية حدَّ الترخّص في الأصول والمنطلقات العقدية عندنا استرضاء لهم باسم التعايش المزعوم الناسف للعزّة بالله وبالدين الحق ...
فعرفنا بيان باطلهم وباطل محاجّاتهم وما يقابله من حق هو من عند الله تعالى تعليما للمؤمنين على درب الحياة أن يتصدّوا لمن يترصّد لهم بألوان الشبهات والتشكيك والتغمية على الحق والسَّوق إلى أباطيلهم لإضلالهم .
لم يُبخَسوا حقا هو لهم كما هو لسائر خلق الله، أن يُدعوا إلى الهُدى من أهله الذين نزل فيهم خاتما لكل ما نزل من كتب سماوية حاملة للحق والهدى ومهيمنا عليها ... فدعاهم إلى ما يجعلهم والمؤمنين عند الله سواء.
ثمّ جاءت الآيات مبرّئة للأنبياء من أباطيل ألصقوها بهم حاجّوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما بيّن سبحانه سعيهم بين المؤمنين بالإضلال والإفساد والتشكيك ...
وكلّ ذلك والإيمان الحق بقواعده السليمة، والإسلام وهو الدين الواحد الذي يقبل الله يتّبيّنان ويتّضحان لنا صُعُدا من مقام إلى مقام، وأنّ المسلمين على الأصل الأول للدعوة الواحدة التي جاء بها كل أنبياء الله، أصيلة عريقة ضاربة في أعماق وأغوار الزمن الإنساني منذ بدايته ...
ولقد بلغْنا أخيرا دفعا لشُبهَتَين عمل أهل الكتاب على بثّ سمومهما بين المؤمنين، مبتغاهم من الأولى نفي أن يأتي من يقول بشرع ينسخ شرع التوراة، مدّعين أن إبراهيم عليه السلام كان محرَّما عليه ما هو محرّم عليهم من الطعام وأن استحلال القرآن لها بُعد عن الأصل الأول، ومبتغاهم من الثانية أن يجعلوا قبلتهم أفضل وأولى من قبلة المسلمين. وصولا إلى آية تشريع الحج وجعله ركنا من أركان الإسلام، وفرضا من فرائضه بأحقيّة من يعبد الله لا يشرك به شيئا، وردا لحُرمته من عبث أيدي المشركين، وبيانا للآيات البيّنات التي فيه ..وانتهى بأن الله غني عمّن جحد حرمته وكفر به تشريعا من التشريع ...
يُلقَّن صلى الله عليه وسلم أخيرا أن يسائلهم ويبكّتهم بما يعرفون وبما يعلمون ويدّعون ألا علم لهم به :
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ(98)
تأتي مباشرة بعد : "... وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(97)"
وأنتم يا أهل الكتاب تكفرون بالحج، ولا تؤمنون به منسكا أصله ومُبتدؤه من عهد إبراهيم عليه السلام، وتدّعون أنه كان على ما أنتم عليه، بينما تُنكرون أهم ما يتصل بإبراهيم ... بالحج .. تكفرون بعباداته وشعائره وحُرمته وبالبيت أصلا وبحُرمته ومكانته ...
فلمَ تكفرون بآيات الله التي في هذا البيت ...
هذا في مناسبة الكفر بالحج لهذا الاستنكار من الله ...
كما أنّ الآية تحتمل أيضا وَجه كفرهم بكل آيات الله، بآيات القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهم يكفرون به نبيا، وبكتابه كتابا سماويا وبشرعه ناسخا لما كان من الشرائع قبله .. بل ويكتمون الآيات التي جاءت في كتبهم تدلّل على بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيا خاتما جاء كل الأنبياء من قبله دعاةً للتصديق به ولنصره كما عرفنا في الميثاق ثنائيّ الغاية الذي أخذه الله تعالى على أنبيائه، وأخَذَهُ بالتعدّي الأنبياء على أقوامهم ...
كنتم من قبلُ تُعلنون إيمانكم بنَعْتِه الذي جاءت به كتبكم بدليل قول الله تعالى عنكم : " ولَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ"
فلما أن جاءكم جحدتم، وكتمتم، وكذبتُم ونفيتُم النبوة عنه حسدا من أنفسكم أن يُبعَث نبي في غيركم، وإيغالا في الكفر والتولّي عن الحق، خوفا على سلطانكم من الزوال وعلى هيبتكم المُصطنعة المزوّرة من الاضمحلال ...
تكفرون بآياته والحال أنّه سبحانه : "شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ "
تكفرون بآياته التي جعلها دلائل قائمة على صدق ما يبعث وما يرسل، وما ينزّل وما يأمر وما به يحكم .
وإنكم لا تكتفون بالكفر، بل إنكم :
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(99)
إنكم تعملون عملا دؤوبا وتسعون سعيا حثيثا لصدّ مَن آمن عن سبيل الحق والهُدى التي اختار، تسعون لجرّ المؤمنين إلى ضلالاتكم، وقد عرَّفَنَا الله بذلك فيكم :
"وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ..."
"وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(72) "
كانوا يمكرون، ويكيدون ويخططون بليل ليُمضوا كيدَهم، ولينفثوا سُموم تشكيكاتهم، ولينشروا شُبُهاتهم
وإنكم تبغون لهذه السبيل المستقيمة التي عليها المؤمنون، هذا الصراط المستقيم الذي جاء كل أنبياء الله يدعون الناس إليه، كما عرفنا ذلك من عيسى عليه السلام : " إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ"
تبغون له عِوجا ... تريدون أن تجعلوه معوجّا بتشكيك المؤمنين، وبإضلالهم وبتعرّضكم لهم بالشُبُهات حتى يُغمّى على بصائرهم فيرون المستقيم أعوجا ...
وذلك –عياذا بالله- حال مَن تُظلِم بصيرته فيرى الحق باطلا والباطل حقا ! وإنّ كثيرا من الضالين ليرون في ضلالهم هُدى، وأولئك الذين وصف الله تعالى في قوله : " قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)"
هكذا يريدون بالمهتدين ... إضلالا وصدّا عن سبيل الله ...
وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
وأنتم أيها المضلون معاينون للحق، شهداء عليه، تعرفون أنه الحق وتعرفون أنكم على الباطل ولكنكم تصرّون ... تُحادّون الله وتُحادّون رُسُله ... تُحادّون رسالاتهم في الأرض ...
وأغلب مساعيكم تخططون لها بليل لتُلبسوا الحق بالباطل، لتُلبسوه الباطل وأنتم على علم تام وفي وعي كامل بالحق من الباطل ... وإنكم لتحسبون الله غافلا عما تعملون !!
وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
ملاحظة :
في الآية السابقة : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُون---(1)
وفي الأخيرة : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ---(2)
(1) جاءت " شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُون " لأنه عن أمر ظاهر منهم يُعرف فيهم، وهو كفرهم " لِمَ تَكْفُرُونَ "
(2) جاءت " وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " لأنها تناسب تخفّيهم بخططهم التضليلية وبتشكيكاتهم التي يُحكِمون حَبْكها للتشويش على عقيدة المؤمنين .
-
وهكذا انتهى القطاع الذي تعلّمنا فيه عن أباطيل أهل الكتاب، وتجرئهم على المحاجّة بها، وسعيهم لنفث سمومها تشكيكا للمؤمنين ابتغاء إضلالهم وإبعادهم عن الهُدى ... وكل هذا متضمّن لمعنى محور السورة الذي عرفْنا، كل آياتها نجوم هادية تدور في فلك التثبيت على الهُدى الذي هو هُدى الله كما عرّفتنا السورة، للتثبيت على الإيمان الذي عرّفتنا بمقوّماته آيات من هذا القطاع، للتثبيت على الإسلام الذي ما انقضى القطاع حتى بلّغنا معناه وركائزه .
وما انقضى القطاع حتى بلّغَنَاهُ اعتقادا، ثم أوْلَجَنَا دنيا الإسلام والحياة والحركة بتشريع الإسلام بما أحلّ من طعام وبفرض الحج .
ولنتأمل ... فإننا بعدما عرفنا علما علَّمَناه الله تعالى عن حقيقة عيسى عليه السلام بدءا من جدته أم مريم، إلى مريم إلى زكريا ويحيى وصولا إليه عليه السلام، عرفنا فيه اصطفاء الله تعالى لآدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين في سلسلة من الاصطفاء تنتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لا تنطلي أكاذيب الكاذبين المضلّين على المؤمن المتزوّد بالعلم الصحيح من عند الله تعالى لا من عند غيره ... سبحانه الذي يقصّ الحق وما من إله إلا هو ..
بعد هذا العلم الذي هو زاد المؤمن على درب الحياة ليثبت على الحق، تقدّمنا على دربنا خطوة جديدة فيها بيان أن المؤمن كحامل حق وصاحب حق على الأرض -وهو الذي عرفنا دوره في تحمل رسالة الهدى والإصلاح في الأرض- لنعرف عن كثب كيف تكون دعوة الآخر إلى الكلمة السواء... في هذا القطاع الأخير انتقلنا من التعلّم إلى التعليم ... وفي خضمّ التعليم وفي زخمه نتعلم عن أباطيل أهل الباطل لنكون على بيّنة منها، ولنكون على ثبات من أمرنا وعلى علم بمدى سعيهم لإضلالنا ...
وإني لأجد أن مؤمن هذا الزمن الصعب لأحوج ما يكون إلى سورة آل عمران، إلى العلم الذي فيها، إلى مقومات الثبات التي نتعلمها منها، إلى أساليب أهل الباطل والمغرضين في التعرض لأهل الحق بأباطيلهم ليصيّروها باسم السيادة المادية في الأرض حقا ... والمؤمن المهزوم نفسيا، المُحبَط الذي لا يرى لأمته قائمة تقوم، بل هو من نكسة إلى نكسة أكثر عرضة لهذا التشويش ولفعل هذه الشبهات التي نعاين عن كثب كيف نصبح ونُمسي على أخبارها، وشباب المسلمين الذين يعرفون من القرآن اسمه غافلون عن علم عظيم فيه، كفيل بأن ينجّيهم من مساقط الهوى والضلال إن هم استمسكوا بتدبّر معانيه وجني قُطوفه الدانية... إن هم عاشوا مع الآيات عيش التأمل والتملّي...
مؤمن اليوم الذي يشنّف آذُنَيه لكل ناعق بهواه وبشطحاته وبإنكاراته باسم التحرر الفكري وتحت راية التشدّق بالعقل الذي لا ينقص عن أصحاب العقول الأولى التي تلقّت الهُدى فعاشت به حركة على الأرض فتحت بها مغاليق البلاد للحق وأضاءت بنورها عتمات الأرض ... ذلك الناعق بالهوى وهو يقول : هم رجال ونحن رجال ... وليته فعل فِعل الرجال وهو يتخذ القانون الرباني والدليل الرباني للحياة مشكاة تنير الدرب المُعتِم ... بل إنه ليأخذ من"فلاسفة الأنوار" ما يقارع به نور الله تعالى ! وكله تحت مسمى التحرر والعقل .... !
أما أن يشنّف أذُنيه لكلام رب العباد يريد فهمه وتشرّب تربياته وتوجيهاته، وترتيب معانيه في حُجُرات عقله، ومراقبة اتساقاته ... فذلك عصيّ عليه، بعيد عن تفكيره....! كتب "التنويريين" أولى من النور المبين !! تلك ثقافة وفِكر وهذا ثابت قديم لم يعرف كيف يرى فيه نفسه لو أنه كان قائما بين يديه على درب الحياة يقتبس من نوره لتبيّن الطريق المستقيم ... !
فيا أيها المؤمن متى عرفتَ في القرآن بُعدا عن العقل وعن إعمال العقل والتعقّل وهو لا ينفكّ مناديا بكل هذا، داعيا إليه ... لا يخشى من تعقّل الإنسان وما أنزِل إلا لإشباع عقله ولتنوير قلبه ... أما إن كنت تريد إلصاق ما شُوِّه من فهم للدين بالدين فأنت المُبطل لا المحق، وأما إن كنت تتباكى وترى نفسك ضحية من يُملي عليك الدين إملاء ويحجر عليك أن تمسّ القرآن بعقلك فذلك منك تباكٍ وادّعاء ولا أحد يُملي على أحد هذا الابتعاد ... وأما إن اتبعت الهوى تريد أن تجعله فوق قانون ربّ العقول والقلوب فأنت المبطل لا المحق، وأما إن كنت تريد أن تجعل من إرضاء الآخر المتنعّم بأسباب الدنيا غاية من أجل تحقيقها تترخّص وتتنزّل ولا تُبقي لك من الثوابت ثابتا ولا من الأصول أصلا فأنت المُبطل لا المُحق ...
وأعود إلى قطاعنا لأقول... نعم هذا هو الوعي القرآني ... أن أعي وأتعلم وأعرف وأتبصّر بسعي قديم متجدّد لأهل الباطل وأصحاب الأباطيل لإضلال المؤمنين، ولست أعيب هنا على الذئب أن يرتع في قطيع غنم بلا حارس ولا مُحترس ولكنني أعيب على صاحب الغنم وهو يغطّ في نوم هو مَسَرّة الذئب وفرحه العظيم ...
الوعي القرآني الذي يفرّق بين حامل الحق وحامل الباطل، ولا يجعلهما سواء، بل يبيّن لصحاب الحق أنه صاحبه ، بل وأنّ تنوير الآخر دوره ورسالته، وأنّ تقبله للآخر ومسالمته وموادعته لا تعني بحال من الأحوال استسلاما وترخّصا وتنزّلا حتى يتساوى الحق بالباطل...
شيء واحد يوحّد بينهما ويجعلهما سواء ... إنها الكلمة السواء ... كلمة التوحيد، كلمة الإسلام ... تفريق ليس هو التفريق العنصري الذي يتباكى أهل التعايش المزيّف أنّه لا يجوز وأن الإنسان إنسان لا فرق بين من ينوّره الهُدى وبين من يُعتمه الضلال!! لا يتوقفون عند المساواة الإنسانية في حقوق الإنسان على أخيه الإنسان، وواجبات الإنسان تجاه أخيه الإنسان ...بل يتقدّمون في حنان فيّاض ورقة متناهية ليجعلوا دين الحق والأديان الوضعية سواء، ودين الحق والمحرّف من أيادي المتقوّلين على الله وعلى رُسُله سواء، وليجعلوا الثقافات سواء، وليجعلوا الحق الواحد ذا أوجه متعددة حتى لا يقول إنسان بأن أحدا من الناس على باطل، فكلٌّ يعمل وِفق حقّه الذي يراه حقا !!
هكذا يريدون للمؤمن أن تُمسخ خصوصيته، أن تذهب عزّته بربّه وبهُداه ... أن يجعل من التنزّل والتنازل والترخّص في الثوابت والأصول عملا بطوليا يحقق التعايش بين الحق والباطل ... ! فيتحقق السلام المنشود !!
-
وهذه محاولة تلخيص لنقاط هذا القطاع (64-99) كخطوة خامسة من خطواتنا مع السورة ...
من خطواتنا على درب الحياة ...
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12673;image)
وأجمعها إلى الخطوات السابقة لنبلغ من مخططنا الكلي للسورة القدر التالي :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12580;image)
يعرّفنا سبحانه أسباب الاهتزاز
ويعلّمنا عوامل الثبات
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12621;image)
يعلّم المؤمنين ثوابتهم على درب الحياة
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12623;image)
ثم يبدأ سبحانه بتعليم المؤمنين الحق :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12627;image)
ويأتي دور بيان تمام الحق الذي مع المؤمن
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12673;image)
-
ثالثا: جاء الجواب الإلهي أن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزّل التوراة، وقد عرفنا أنما سبب تحريمه لتلك الأطعمة على نفسه -لا على غيره- التقرّب لله وشكره سبحانه ..
مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ
وعليه فإنها لم تكن محرّمة على آبائه لا تحريم منع من أنفسهم، ولا تحريم شرع .. زمن يعقوب عليه السلام وحده كان فيه تحريم المنع منه . وبعيدٌ هو عن زمن التوراة التي نزلت على موسى عليهما السلام .
وعندما نزلت التوراة جاءت وفيها تحريم شرع على كل بني إسرائيل لتلك الأطعمة التي حرّمها إسرائيل على نفسه.
انتقل التحريم في عهد التوراة من منع إلى شرع، بمعنى أنها جاءت معمّمة لذلك التحريم الذي كان تحريم شكر وتقرّب إلى الله، ليصبح تحريم شرع، وهو في حقيقته جاء عقابا لبني إسرائيل على ظلمهم ومعاصيهم .
ولنلاحظ الفرق بين تحريم إسرائيل على نفسه، وتحريم الله على بني إسرائيل :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12657;image)
إذن فلقد أحبوا أن يلاجّوا لجاجا باطلا مصرّين على ضلالاتهم وأكاذيبهم أنّ ما هو محرم عليهم من المأكل والمشرب إنما كان محرما من قبل على إبراهيم وعلى من بعده من أنبيائهم، فكيف يأتي محمد صلى الله عليه وسلم ويستحلّه ولا يحرّمه شرعُه ثم يقول أنه أولى الناس بإبراهيم... ! عندها جاء النبأ القرآني الحق المبين أنه لِجاجٌ باطل، وأنّ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرمه يعقوب على نفسه من قبل نزول التوراة ..
فلما أن نزلت التوراة جاءت مقرّة لتحريمٍ كان عن قُربة وشكر لله من عبده المنيب يعقوب عليه السلام ...تحريم جاء عقابا لهم على ظلمهم وصدّهم عن سبيل الله، وكان واحدا من تحريمات مأكل أخرى نزلت عليهم، وهم أحبوا كتمان ذلك عن المؤمنين وتصييره تحريم شرع قديم ليس لهم يدٌ في نزوله بهم .
رابعا: قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(93)
هذا تبكيتٌ من الله سبحانه لليهود من أهل الكتاب يلقّنه نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يأتوا بالتوراة فيتلوا منها ما يدلّ على أنّ تحريم تلك الأطعمة كان من عهد إبراهيم عليه السلام .
يقول الفخر الرازي : " وطالبهم بأن يستخرجوا منها آية تدل على أن لحوم الإبل وألبانها كانت محرمة على إبراهيم عليه السلام فعجزوا عن ذلك وافتضحوا فظهر عند هذا أنهم كانوا كاذبين في ادعاء حرمة هذه الأشياء على إبراهيم عليه السلام." –مفاتيح الغيب-
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12661;image)
7-ج) فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(94)
من افترى الكذب على الله من بعد حجة الدعوة إلى تلاوة التوراة واستخراج ما يؤيّد ادعاءاتهم منها فأولئك هم الظالمون ... وإنه لا يُستبعد منهم المداومة على الكذب والتلفيق والكتم والتستّر ... ولذلك يأتي قوله سبحانه :
قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(95)
هم الكاذبون والله سبحانه هو الذي يقول الصدق والحق. فكن على يقين من قول الله ونبأ الله وتعليم الله، واحذر من بدّل دين الله وحرّفه، وتقوّل على أنبيائه وناصب الله وأصفياءه العداء...
ويأتي أمر باتباع ملّة إبراهيم عليه السلام خاتما في بيان اتباع المسلمين له، وأنهم على خُطاه، وأنهم الأولى به ...
إنه من بعد ما جاء بيان نقاء ما يتبع أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الإيمان الحق عندهم في كتابهم وفي تصديقهم بكل الأنبياء وبكل ما أنزل عليهم، وبكل ما أوتوه وأنهم سلسلة منتظمة الحبات للدعوة الواحدة في الدعوة إلى الله الواحد ...
ومنها إلى التأكيد على أصل هذه الملّة ومنبعها وأنها كما بَدأت بُعث بها محمد صلى الله عليه وسلم نقيّة واحدة متسلسلة متصلة غير منقطعة ... نسخُ الشريعة فيها للشريعة لا يعني اختلاف الدعوة بل يعني إنزال أحكام بما يناسب أهل كل زمان ...
جزاك الله خيرا
استفدت كثيرا
وارسلت رابط هذه المشاركة لمحمد
-
فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(97)
** فمن آياته البينات مقام سيدنا إبراهيم، وهو موضع قدميه الغائرتَين بصخرة جعلها مُرتقاه لرفع جدران الكعبة عند بنائه لها بمساعدة ابنه إسماعيل عليهما السلام، بقيت آثار قدمَيه من ذلك اليوم إلى يومنا، وفي ذلك آية وأي آية اختصّ بها الله تعالى هذا البيت العظيم.
يروي جابر بن عبد الله عن حَجّة رسول الله صلى الله عليه وسلم تفاصيل ذكر منها : " حتى إذا أتينا البيتَ معه ، استلم الركنَ فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا . ثم نفذ إلى مقامِ إبراهيمَ عليه السلامُ . فقرأ : واتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [ 2 / البقرة / الآية 125 ] فجعل المقامَ بينه وبين البيتِ..." -صحيح مسلم-
كما يروي عبد الله بن عمر في صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم ركعَ حينَ قضَى طوافهُ بالبيتِ عِندَ المقامِ ركعتينِ.
وإن في اتصال إبراهيم عليه السلام بهذا البيت الأول الذي هو أول ما وُضع للهدى كبير دلالة على حنيفيته وأوليّة العقيدة وأصالتها ... وأصالة ما كان عليه إبراهيم، وهو ذاتُه الذي عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه .
**ومن آياته أيضا أن من دخله كان آمنا، إذ أنها آية من آياته تواضُعُ الناس في الجاهليّة رغم غياب الدين الصحيح على أنّ من يدخل البيت آمن، حتى إن الرجل ليلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يمسّه بسوء . هكذا توارثوها أبا عن جد .
عن أبي شُريحٍ العدويّ أنه قال لعمرو بنِ سعيدٍ، وهو يبعث البعوثَ إلى مكةَ : "ائذنْ لي أيها الأميرُ، أحدثْك قولًا قام به رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الغدَ من يومِ الفتحِ، سمعتْه أذناي ووعاه قلبي، وأبصرتٍه عيناي، حين تكلم به : أنه حمد اللهَ وأثنى عليه، ثم قال : ( إنَّ مكةَ حرمها اللهُ، ولم يحرِّمها الناسُ، لا يحل لامرئٍ يؤمن باللهِ واليوم الآخرِ أن يسفك بها دمًا، ولا يعضدُ بها شجرًا، فإن أحدٌ ترخص لقتالِ رسولِ اللهِ فيها، فقالو له : إنَّ اللهَ أذن لرسوله ولم يأذنْ لكم، وإنما أذن لي فيها ساعةً من نهارٍ، وقد عادت حرمتُها اليومَ كحرمتها بالأمسِ ولْيبلِّغ الشاهدُ الغائبَ ) . فقيل لأبي شُريحٍ : ماذا قال لك عمرو ؟ قال : قال : أنا أعلمُ بذلك منك يا أبا شريحٍ، إنَّ الحرمَ لا يعيذُ عاصيًا، ولا فارًّا بدمٍ ولا فارًّا بخربةٍ . " –صحيح البخاري-
وأبو شريح هذا صحابي، وعمرو بن سعيد والي يزيد بن معاوية على المدينة، وكان معاوية يرسل بالجيوش إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير لما امتنع عن مبايعة يزيد بن معاوية. فأرشده أبو شريح إلى ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ترخّصه بالقتال يوم الفتح خصيصة من خصائصه هو لا عام من الحكم الذي يسري على الناس جميعا .
وردّ عمرو عليه أن الحرم لا يُعيذ عاصيا ولا قاتلا ولا سارقا خائنا . وهذا ما استند عليه الفقهاء في أنّ الاستجارة بالبيت واللَّواذ به لا يوفّر الأمان لأيّ كان .
"فقد اتفق الفقهاء على أن من جنى فى الحرم جناية فهو مأخوذ بجنايته سواء أكانت فى النفس أم فيما دونها .واختلفوا فيمن جنى في غير الحرم ثم لاذ إليه . فقال أبو حنيفة وابن حنبل : إذا قتل في غير الحرم ثم دخل الحرم لا يقتص منه ما دام فيه ، ولكن لا يجالس ولا يعامل ولا يؤاكل غلى أن يخرج منه فيقتص منه . وإن كانت جنايته فيما دون النفس فى غير الحرم ثم دخل الحرم اقتص منه ." –التفسير الوسيط للطنطاوي-
ولسائل أن يسأل، هاتان آيتان قد ذُكِرتا، مقام إبراهيم وأن من دخله كان آمنا، فكيف تكون آيات : " فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ " ؟
لنكمل مع الآية لعلّ في ما تبقى منها جوابا ...
وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(97)
ألا يُعدّ تشريع الحجّ آية من آيات هذا البيت ؟ أليس آية من آياته البيّنات أن تصبح زيارته وأداء مناسكه ركنا من أركان الإسلام ... ؟
هؤلاء المشركون قد دنّسوا حِماه، ومسخوا قَداسته، وأحاطوه بالأصنام، وجعلوا يطوفون به عراة مصفقين مصفّرين في شكل مسخ للإنسانية المكرّمة من رب العزة، فإذا الطائف بالبيت الذي جُعل رمزا للتوحيد وللتوجّه لله الواحد هو أقرب للحيوان منه للإنسان ...!
أليس في فرض الحج على الناس استردادا لقداسةٍ مُهدَرة وهيبة مُحطّة ... ؟
لقد عُرفت هذه الآية في آل عمران بآية فرض الحج وتشريعه، وكان ذلك حوالي العام الثالث للهجرة ...لقد رُدّت الحقوق لأصحابها، رُدّ للحج مقامه، وللمقدّسات حُرمتها... رُدّ ما كان لإبراهيم وما كان عليه إبراهيم لمتّبعي ملّته، للذين هم أولى به ودينُهم قد جاء يردّ الأمور إلى نِصابها، ويردّ الحال إلى أصله الأول النقيّ الذي كانت عليه أول ما كانت ...
وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ
أما من كفر وأنكر فريضة الحج، وجحد هذه الهيبة المردودة للمقدّسات، فإن الله غني عن العالمين .
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12663;image)
جزاك الله خيرا كثيرا
ولي ملاحظات:
1- ثمة خطأ تاريخي هنا فيما أظن
فلم يكن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما فقط من امتنع عن بيعة يزيد
ولم يرسل سيدنا معاوية رضي الله عنه جيوشاً لمكة لحمله على البيعة أو مقاتلته، وإلا لقاتل عبد الله بن عمر وسيدنا الحسين في المدينة ايضا وقد امتنعا أيضا عن البيعة
وإنما قتال ابن الزبير كان في عهد مروان بن الحكم، لما كان الزبير خليفة المسلمين، ولم يبايعه مرروان بن الحكم، بل اخذ يشتري الولاة بماله وعطاءاته حتى استولى على الأمصار واحدا تلو الآخر ثم انتهى الى الحجاز، وحاصر ابن الزبير في مكة، وقصفها عامله الظالم الحجاج بالمنجنيق
والله أعلم
-------------
2- أيضا لا أظن العزو لتفسير سيد طنطاوي صائبا، لان الرجل عليه ما عليه من مآخذ وزلات غمرت روائحها النتنة الآفاق، فالاستشهاد بآرائه وكتبه يضعف البحث.. وما فيها من صواب ستجدينه بالتأكيد في كتب الأقدمين الموثوقة، وما فيها من خلل لا نريده ان يتسر لبحثك
------------------
3- من الأفضل ان نتجنب عند تفسير آيات كتاب الله الإسقاطات التاريخية، التي تنحرف بالمفسر (خاصة في المحاضرة المسموعة) إلى مواضيع جانبية حساسة يكثر فيها اللغط، وخاصة أحداث الفتنة، التي لا يستطيع أغلب المسلمين هضمها او فهمها، ويتطلب شرحها محاضرات طويلة مستقلة.. فالصواب هو التركيز على معاني الآيات
أنت اردت هنا أثبات الحكم الفقهي من ان الحرم لا يعيذ جانيا او محدثا، فضعي آراء الفقهاء في ذلك او اقوالهم، دون الاسقاط التاريخي الذي يمكننا ان نجادل فيه كثيرا، وندخل في مسألة الخروج على الحاكم، ومن احق بالخلافة، ومن الجاني الحقيقي، وكيف يقال عن صحابي اختلط ريقه بريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حواريي رسول الله وحفيد الصديق، نقول عنه انه محدث لا يجيره الحرم!!...
-
اقتراح
أسماء بما أنك لا تتناولين السور القرآنية بالإجمال، بل تفسرينها بالتفصيل والإسهاب، فأرى الاولى ان تفردي كل سورة منها بموضوع مستقل، وتضعي له عنوانا واضحا (تفسير وتدبر سورة كذا) ليسهل علينا الرجوع لها والاستفادة حين الحاجة
-
جزاك الله خيرا كثيرا
ولي ملاحظات:
1- ثمة خطأ تاريخي هنا فيما أظن
فلم يكن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما فقط من امتنع عن بيعة يزيد
ولم يرسل سيدنا معاوية رضي الله عنه جيوشاً لمكة لحمله على البيعة أو مقاتلته، وإلا لقاتل عبد الله بن عمر وسيدنا الحسين في المدينة ايضا وقد امتنعا أيضا عن البيعة
وإنما قتال ابن الزبير كان في عهد مروان بن الحكم، لما كان الزبير خليفة المسلمين، ولم يبايعه مرروان بن الحكم، بل اخذ يشتري الولاة بماله وعطاءاته حتى استولى على الأمصار واحدا تلو الآخر ثم انتهى الى الحجاز، وحاصر ابن الزبير في مكة، وقصفها عامله الظالم الحجاج بالمنجنيق
والله أعلم
-------------
2- أيضا لا أظن العزو لتفسير سيد طنطاوي صائبا، لان الرجل عليه ما عليه من مآخذ وزلات غمرت روائحها النتنة الآفاق، فالاستشهاد بآرائه وكتبه يضعف البحث.. وما فيها من صواب ستجدينه بالتأكيد في كتب الأقدمين الموثوقة، وما فيها من خلل لا نريده ان يتسر لبحثك
------------------
3- من الأفضل ان نتجنب عند تفسير آيات كتاب الله الإسقاطات التاريخية، التي تنحرف بالمفسر (خاصة في المحاضرة المسموعة) إلى مواضيع جانبية حساسة يكثر فيها اللغط، وخاصة أحداث الفتنة، التي لا يستطيع أغلب المسلمين هضمها او فهمها، ويتطلب شرحها محاضرات طويلة مستقلة.. فالصواب هو التركيز على معاني الآيات
أنت اردت هنا أثبات الحكم الفقهي من ان الحرم لا يعيذ جانيا او محدثا، فضعي آراء الفقهاء في ذلك او اقوالهم، دون الاسقاط التاريخي الذي يمكننا ان نجادل فيه كثيرا، وندخل في مسألة الخروج على الحاكم، ومن احق بالخلافة، ومن الجاني الحقيقي، وكيف يقال عن صحابي اختلط ريقه بريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حواريي رسول الله وحفيد الصديق، نقول عنه انه محدث لا يجيره الحرم!!...
جزاك الله خيرا يا هادية . أسعدني ردك وملاحظاتك، ولقد وددت ذلك... وأتمنى دوام متابعتكم وملاحظاتكم
بالنسبة للحديث الذي في البخاري أحببت الاستشهاد به قبل الاستشهاد بأقوال العلماء لأنني أحب الاستشهاد بها، وحينما عدتُ إليه من إشارة بعض المفسرين إليه وضعته ... إلا أنني فعلا وأنا أكتب راودني الإحساس بالخوض في أمور حساسة ليس هذا مقامها، أو أن تكون الإشارة إليها مقتضبة دون السَّوق إلى أحداث الفتنة . أشاطرك الرأي، وقد عدلت.
أما بالنسبة للطنطاوي فهو واحد من عدد من المفسرين أقرأ لهم، وكنت قد قارنتهم بغيرهم فوجدتهم الأكثر تبحرا... إلا أن تفسيره يتميز بالوضوح، ونوع من التبسيط، فأقرأه مع جملة ما أقرأ لأنوع بين هذا وذاك ... وأنا لا آخذ عنه وحده، بل أجعله بعد عدد ممن أضعهم الأولى بالأخذ عنهم لذلك أغلّب ما يضعون على ما يضع . هدانا الله وثبتنا فهذا من أصعب الأمور ولا حول ولا قوة إلا بالله
بالنسبة لجعل كل سورة منفردة، فكرت بذلك، ولا أستطيع أنا الفصل، أرجو أن يفصل أحدكم آل عمران عن البقرة مشكورين.
أرحب بمتابعتك وبالملاحظات لأن هذا الموضوع يعني لي .
-
كل ما سبق من السورة نلاحظ بقوة أنه يصبّ في مجرى "التثبيت على الهُدى "
** فقطاعنا الأسبق (34-63) كان فيه تعليم الحق حتى لا يلتبس على المؤمن بأباطيل أهل الكتاب وأباطيل كل مُبطِل، فيثبت على الحق ولا تتمكّن من نفسه المُزعزِعات.
** كما كان انتقال المؤمن في قطاعنا الأخير (64-99) إلى مرحلة الدعوة إلى العلم الذي حازه، دعوة على بصيرة، يتخلّلها دحض أباطيلهم بما يقابلها من حقٍّ هو من عند الله الذي لا يقصّ إلى الحق، وبيان أساليبهم لإضلال المؤمنين، لتتحقق بذلك الدعوة في ظلّ تبيّنٍ لالتواءاتهم ومعرفة بحِيلهم وأحابيلهم، لا دعوة تغلب عليها العاطفة فيُصوَّر المدعوّ دوما بصورة الحَمَل وإن كان ذئبا ماكرا...دعوة لا تَرَخُّص فيها ولا تنازل عن ثوابت وأصول لاسترضاء المدعوّ...
دعوة صاحبها على يقين من أنه حامل الحق الأصيل الأول الممتدّ عبر سلسلة الأنبياء جميعا وصولا إلى النبي الخاتم المقتفي لآثار الحنيفية السمحة صلوات الله وسلامه عليهم.
وإننا الآن نقف على عتبات آيات جديدة ... في نقلة جديدة ... فلنبدأ ولنرقُب الترابط، ولننظر إن كان هذا القطاع سيدور في فلك محورنا دون تكلّف منا ولا تعسّف :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ(100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(101) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ(102) وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(103) وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(104) وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ(106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(107) تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ(108) وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ(109) كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ(110) لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ(111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ(112) لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ(113) يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ(114) وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ(115) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئاً وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(116) مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِـذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(117) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ(118) هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(119) إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ(120)
وكالعادة ... أقرأ العدد من الآيات فيرتسم لي العنوان العريض الذي تنضوي تحته، فإذا ذلك العنوان هو ما ساق إليه عنوان الآيات السابقة ... تتّحد في معالجة موضوع بعينه ضمن الموضوع العام للسورة، وتكون منها الآيات السائقة والآيات المَسوق إليها على اتساق بديع ...
تُرى ما أول مَلْمح يأخذك في قطاعنا الجديد ؟ ...
حاول النظر بعين فاحصة .. فإنّ مُناي أن تكتشفَه أيها القارئ قبل أن أفصح عنه.
مُناي أن تتعلم النظر في الآيات نظر المتأمّل، المتفحّص لقطعة من المطرَّز الساحر الأخاذ الذي يأخذُكَ خيطُه الأول ونَسْجُه الأول إلى القطعة برمّتها جزءا إثر جزء، وإحساسك بالجمال لا ينفكّ وأنت تستمتع ليزيدك الانتقال إلى الجزء الآخر متعة على متعة، ويزيد الصورة البديعة الساحرة في عينك اكتمالا ... فتُشبِع ناظرَيك وقد انتشت نفسك بالجمال، ولا تملك بعدها إلا أن تقول : ما أروع هذه القطعة ... وإنّ كل جزء منها لرائع قد رُكّب إلى رائع ... !
حسنا ... أليس هو النداء الأول للمؤمنين في عَرَض هذه السورة ؟ : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ "
بلى إنه كذلك ... النداء الأول من الله تعالى للمؤمنين بصفة الإيمان تشريفا لهم وتكريما، وتذكيرا لهم بالنعمة الأتمّ والعطيّة الأجلّ أن كانوا من المهتدين، من الذين آمنوا حتى كان لائقا كل اللياق أن يُنادَوا بالإيمان صفة لازمة وكرامة وشرفا وعزّا ...
ولكنّ القول بالإيمان وحده لا يكفي، بل إن الذي أعلن إيمانه وتصديقه هو الذي سيُكلّف ليُمتحن إيمانه وتصديقُه ... أيسمع أم يُعرض، أيطيع أم يعصي، أيعتبر ويتعظ أم يكون من الذين لا يتعظون ولا يعتبرون، أيثبت أم يتزعزع .
إذن فإننا مع دنيا المؤمنين ... وإننا لو ألقينا نظرة عامة على هذا القطاع من الآيات لوجدناه عن دنيا المؤمنين ...
وعلى هذا أحب أن أتذكر وأذكّر بآخر ما بلغْنا قبله ...
ألم نقل أنّ الآيات قد ساقتنا سَوقا إلى ظلال من حركة المؤمنين بإيمانهم ؟ من حركة المسلمين بإسلامهم ؟ ألم نقل أنّنا كنا مع الإسلام اعتقادا حتى بلغْنا الإسلام تشريعا ؟ أوَتَذكرون ؟
ألم نعش مع أهل الكتاب في ظل دعوتهم للحق ونحن نتعرف إلى ضلالاتهم وشبُهاتهم التي يلقونها في أوساط المؤمنين مشكّكين، عاملين على زعزعتهم، يعلّمنا الله إياها حتى لا نعدّ ذلك على دربنا بِدعا من المعترضات التي لا قِبل لنا بدفعها ... لنجد أنفسنا بعدها مع بيان ما أحلّ القرآن من طعام ادّعى أهل الكتاب أنه كان محرما على إبراهيم عليه السلام ومع فرض الحج ...
أطللنا من خلالهما على دنيا المؤمنين ... وها نحن الآن قد ولجْنا ...
1- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ(100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(101)
وكنا قد عرفنا قبلها كيف استنكر الله عليهم كفرهم وهم شهداء على الحق وعلى نَعْته، ثم استنكر صدّهم المؤمنين عن سبيل الله : "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ(98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(99) "
فجاءت هذه الآية الموالية مناسِبة كل المناسبة لما كان من استنكار أمرهم...
والكافرون من وضاعة مكانتهم عند الله تعالى ترفَّع سبحانه عن مخاطبتهم بشكل مباشر، وأمر نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يخاطبهم، بيدَ أنّ المؤمنين هنا مخاطَبون من الله سبحانه بشكل مباشر دون واسطة ! وإنّ في ذلك ما فيه من بيان الفرق بين المكانَتَيْن .
فيا أيها الذين آمنوا... إنكم إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردّوكم بعد إيمانكم كافرين .
ولقد عرّفنا الله في آيات سابقة كيف : " وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(69)"
كما أنها شبيهة بقوله تعالى : " وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ... " –البقرة:من109-
وجاء التعبير في هذه الآية بــ: "فَرِيقاً" وفي الآية التي ذكرْنا بـ: "طَّائِفَةٌ"، وكلّه من إنصاف القرآن الذي عرفنا. فليس الحال أنّهم جميعا دعاة إضلال وتضليل.
ولأبي زهرة لمحة لغويّة عن مقام "إن" هنا :" "إن " الشرطية تفيد الشك في وقوع الشرط، وبالتالي ترتب الجواب عليه، بخلاف " إذا " فإنها تفيد وقوع الشرط أو تؤذن بوقوعه وترتب الجواب عليه، كقوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ)، وقوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ)، وقوله تعالى: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) " –زهرة التفاسير-
إنّ ارتدادكم عن الهُدى والحق ليس بالأمر الوارد، فجاءت إفادة الشك لا اليقين، وإنّ هذا الارتداد ليس من ذات صاحبه، حتى أنها لم تكن : "ترتدوا" بل جاءت: "يردّوكم" دليلا على دورهم في ابتعادكم ولكن أيضا ليس من فراغ دوركم أنتم بل باستجابتكم لهم، إن تحققت منكم أنتم الطاعة .
وأحب ألا أخرج من هذه الآية حتى أنوّه إلى أنّ هذه الطائفة وهذا الفريق ليسا حِكرا على زمان دون زمان، بل هم في كل زمان ... وحتى نتعلم من القرآن الإنصاف، فإننا لن نسوّي بين مَن لا يسعى سعيَه للإضلال والصدّ عن سبيل الله وبين من ذلك دَيْدَنُه...
ولكن في الوقت ذاته لا يجب أن نركن إلى المتنادين بالنفي التام لذلك عنهم، ومنهم دعاة إنكار المؤامرة الإنكار الكليّ... لا يعني هذا أن ننظر للمؤمن على أنه الضحية... ليس ذلك صائبا ولا حقا ... ولكنّ الحق من هذا النبأ القرآني اليقين، أنّ الإضلال لا تقوم له حقيقة في نفوس المؤمنين إلا أن تكون الطاعة والانسياق من المؤمنين أنفسهم ...
وقبسٌ من هذا النور القرآني ما قال به مالك بن نبي في نظريته : "القابلية للاستعمار" إذ لا يرى في الاستعمار قوة تُفرَض على المستضعَفين إلا أن يكون أولئك المستضعَفون أنفسهم قابلين لأن يُستعمروا بما أسلموا به أنفسهم لغيرهم، وبما فتحوا لهم بضعفهم وهوانهم من أبواب...
وطاعتهم تكون بتمكّن شُبهاتهم من نفوس المؤمنين، هذه الشبهات التي لا تجد لها موطنا إلا إذا كانت النفوس خَلوا من العلم الواجب تعلّمه وتلقُّنه من القرآن، العلم الحق الذي يُحصّن عقل المسلم ويحمي قلبَه من عبث العابثين، وشِباك المتصيّدين ...
تلك المقوّمات التي علمتنا آل عمران في خطوة سابقة كيف تكون لنا عصا نتوكأ عليها، ونهشّ بها على المُزعزِعات ولنا فيها مآرب ومآرب على الدرب للثبات وتجنّب العثرات، وتجاوز العقبات ...
وإن المتزعزع المتشكك، الذي تعمل فيه الشبهات عملها وهو خَلوٌ من علم مُحصِّن لَيسهل عليه البُعد عن الحق والخروج عن حِمى الهُدى حالا بعد حال والشبهة تأخذه إلى الشبهة إلى الشبهة وصولا به إلى الكفر بعد الإيمان عياذا بالله :" إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ "
وأيّ نقمة هي وأي خسار وأي بوار أن ينقلب المؤمن كافرا ... !!!
فلنحترس ولنحرس ثوابتنا، ومقوّمات ثباتنا على الدرب، ولنكن على بصيرة من كلّ مترصّد للعقيدة فينا بسوء أو بشر ...
-
وإنّ لنزول هذه الآية سببا لا نتقيّد به في القرآن فنقول بعدم تعميم مرادها، إذ -كما أسلفنا- القرآن بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.. ولكنّ سبب النزول له أهمية ذات أوجه، من بينها أنه الذي تعيده دورة الحياة في الأرض، يعاد من أشخاص آخرين بأشكال مختلفة، والغاية منهم واحدة ...
إنه اليهودي شاس بن قيس الذي كانت نفسه تنضح حقدا على المسلمين في المدينة، فغاظه أن يرى الأوس والخزرج أعداء الدهر متقاربين متحابين متآخين، فأوعز إلى واحد من اليهود أن يتسلل بينهم ويذكّرهم يوم "بُعاث" تلك الحرب الضروس التي أكلت خيرة رجال الفريقَيْن، فائتمر بأمره وذكّر القوم، حتى ثارت ثائرتهم وكادوا أن يقتتلوا، ونادى كُلّ فريق : يا للأوس ويا للخزرج وأخذوا السلاح، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل بينهم وقال :" أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟" وقرأ هذه الآية ، فما فرغ منها حتَّى ألقوا السِّلاح ، وبكوا، وعانق بعضهم بعضاً .
وها هو سبحانه يستنكر على المؤمنين كفرهم وهُم في حظوة ليس كمثلها في الدنيا حظوة :
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ سْتَقِيمٍ(101)
كيف يكفر من تُتلى عليه آيات الله وفيه رسوله ؟
والصحابة أصحاب هذه الحظوة العظيمة. إذ اجتمع في زمانهم تلاوة القرآن عليهم من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم أول نزوله غضا طريا من عند الله...حركتهم وحركة مَن حولهم من الكافرين على الأرض الجزء الأساس من منظومة أسباب نزوله ...
ولكأني بهم قُبالة عيني وهم يُصبحون على آيات منه يَعُونها ويعملون بها، ويُمسون على آيات جديدة نازلة وخبر نزولها عندهم جديد جدّتها ...
يبلّغهم النبي من فمه إلى آذانهم، ويعظهم ويردّهم عن خطأ أو ذنب أو زلّة .. ويعلّمهم العَيش به حركة على الأرض وهو الذي كان قرآنا يمشي على الأرض... يلوذون به عند الشدائد، ويشتكون إليه ضعف أنفسهم وقلّة حيلتهم، ويسارعون إليه في شُبهة تُلقى إليهم أو شهوة تفتّ من عضد عزيمتهم ... وهذا منهم قد يكون هو ذاتُه سبب نزول آيات تُداوي ما بهم، وتُرشدهم وتبيّن لهم الحق وتُبعِدهم عن الضلال ... وكما يقول الإمام أبو حنيفة رحمه الله : " وإن ساعة في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم تغني عن اجتهاد سنين"
وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
الاعتصام هو الاستمساك بالشيء والامتناع به، من يمتنع بالله سبحانه ويستمسك به يهدِه الله، بل لقد جاءت : "هُدِي" في صيغة الماضي للتعبير عن التحقّق الأكيد لهذه الهداية من الله ...
ولنتأمل ... جاءت "يعتصم" ولم تجئ "اعتصم" للتعبير عن تجدد هذا الاستمساك وضرورة المداومة عليه، اعتصام دائم متجدد ... وهو الامتناع بالله تعالى عن الوقوع في براثن الشبهة والأباطيل التي تُزرَع ألغاما على الطريق ... ولا يكون هذا الامتناع إلا بالتزود الدائم من هذا الكتاب العظيم .... الذي فيه الهدى " ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ "
من يعتصم --------> قد هُدي
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12679;image)
أما نحن، فآيات الله تُتلى علينا محفوظة من رب العزة كما نزلت أول مرة، ولن تنقطع، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم ففينا سنّته : "قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ(32)" –آل عمران-
قال صلى الله عليه وسلم : "تركتُ فيكم شيئينِ لن تضلوا بعدَهما كتابَ اللهِ وسنتي" –النوافح العطرة: صحيح-
ولو كان الأمر كما يقول دعاة إنكار السنّة، فلماذا لم يقتصر الله سبحانه على آيات القرآن وحدها ؟!
فما بالها آيات الله تُتلى علينا، وسنّة نبيّنا الصحيحة بالغة إلينا، وكثير من بني الإسلام كثير كثير سريعا ما تعمل في نفسه الشبهات فتُنبِت الشكّ والزعزعة والاضطراب أشواكا تملأ دربَه؟!
إننا أخذنا من معنى "التلاوة" الصوت، صوت القراءة بلا وعي ولا سعي لتشرّب المعنى ... متى صححنا فهمنا وعدّلنا، وعرفنا دورَنا مع القرآن، وقدرناه حق قدره، فعرفنا أنه المِشكاة المضيئة على الدرب المُعتِم كانت التلاوة سببا عظيما في ثباتنا ... ثبتنا الله على الهدى ولا أزاغ قلوبنا .
وها نحن مع النداء الثاني للذين آمنوا ... للذين لن يكفيهم أن قالوا آمنّا ... بل إن التكليف لهم، والأمر لهم قائم ما دامت الدنيا امتحانا لإيمانهم ..
إننا مع ما يجب أن يكون عليه المؤمنون من حال ... ما يجب أن يكونوا عليه من ثبات، ومن طاعة لأمر الله، ومعصية لأصحاب الأهواء والأباطيل ...
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ(102) وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(103)
2- أمر للمؤمنين بالتقوى، وما التقوى إلا الائتمار بأمر الله تعالى والانتهاء عن نهيه. ولقد عرض المفسرون للأمر بالتقوى في هذه الآية، وللأمر بها في قوله تعالى : " فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ..." –التغابن:من16- على أنّ الثانية ناسخة للأولى، وكثير منهم لا يقول بالنسخ.
وإنني أيضا ممن لا يرى النسخ، لأنّ حقّ تُقاته لا تُلزم فوق وسع النفس، والله لا يكلف نفسا إلا وُسعها، بل ما أراه هنا أنها تقتضي التقوى الصحيحة التي لا يشوبها اضطراب أو تململ أو أن يكون الإيمان على حرف، فما أن يتعرض صاحبه لشُبهة حتى يهوي ويسقط ...
"اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ"
إنها هنا مناسِبة تمام المناسبة للتثبيت الذي تحثّ السورة عليه في كل مقام، مناسبة كل المناسبة لما جاء في الآية السابقة من تجدّد الاعتصام والمداومة عليه ... بل إن هذا الاعتصام كما رأينا، هو الاستمساك بالقرآن والامتناع به من مهاوي الهوى والباطل ودركات الضلال، وما التقوى إلا الائتمار بأمر القرآن، والانتهاء عن نهيه .
ولقد استبقتُ هذا المعنى في فقرة سابقة هنا حينما قلت: والمؤمن المهزوم نفسيا، المُحبَط الذي لا يرى لأمّته قائمة تقوم، بل هو من نكسة إلى نكسة أكثر عرضة لهذا التشويش ولفعل هذه الشبهات التي نعاين عن كثب كيف نصبح ونُمسي على أخبارها ! وشباب المسلمين الذين يعرفون من القرآن اسمه غافلون عن علم عظيم فيه، كفيل بأن ينجّيهم من مساقط الهوى والضلال إن هم استمسكوا بتدبّر معانيه وجني قُطوفه الدانية... إن هم عاشوا مع الآيات عيش التأمل والتملّي...
نعم ... إن هم استمسكوا بالقرآن: "...وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" أن يكون مع القرآن وقد عدّل معنى التلاوة في ذهنه فلا تبقى تلاوة الصوت، تلكم هي: " اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ "
وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ
سبحان الله ... كفعل وميض نجم ينبّهك في كل حين أنه ميزته، يجعلك تُرجع البصر كرات وأنت تردّد : "الثبات...التثبيت"... "الثبات...التثبيت"... تومض وتومض في كل مقام ...
فلنتأمل كمّ التأكيد على الثبات في سياق آيتَين متتاليتَين على هذا المخطط :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12681;image)
-
3- وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
أولا : جاء الأمر للمؤمنين من ربهم وهو يعلمهم على أي حال يجب أن يكونوا ليثبتوا ...
**ألا يطيعوا المُضلين من أهل الكتاب .
**حُسن تقدير كتاب الله وتربية الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم.
**تقوى الله حقّ تقاته بالعيش بأمره والحركة به على الأرض لا بالقول وحده.
يأتي الأمر بالاعتصام بحبل الله : وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً ...
وقد عرفنا من قبلُ تقدمة لهذا بقوله سبحانه : وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
فجاءت : "يعتصم بالله" وهنا جاء الأمر بـ : " وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ "
وإنّ لكليهما المعنى ذاته، فالاعتصام بحبل الله هو الاعتصام بالله تعالى، وحبل الله هو الكناية التمثيلية لأمره لعباده الذي أنزله إليهم، وليس ذلك إلا القرآن الكريم . وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : "إنَّ هذا القرآنَ مَأْدُبَةُ اللهِ فتَعَلَّموا مَأْدُبَتَه ما استطعتم وإنَّ هذا القرآنَ هو حبلُ اللهِ وهو النورُ المبينُ والشفاءُ النافعُ عِصْمَةُ مَن تَمَسَّك به ونجاةُ مَن تَبِعَه لا يَعْوَجُّ فيُقَوَّمُ ولا يَزِيغُ فيُسْتَعْتَبُ ولا تَنْقَضِي عجائبُه ولا يَخْلَقُ عن كَثْرَةِ الرَّدِّ" –السلسلة الصحيحة الألباني-
وإننا لو لازمنا الربط الذي يُلزِمنا هو ألا نغادره وله وقع وتأثير كبير في تناسق المعاني واتساقها لوجدنا أن :
التقوى وهي الائتمار والانتهاء-----> الأمر بالاعتصام بحبل الله .
ومادامت التقوى هي الائتمار بأمر الله فقد أمرنا بـالاعتصام فوجب أن يكون ائتمار حقّ وتطبيقٍ لهذا الاعتصام بالقرآن لا التشدّق بمعرفة الحروف، أو بالانتساب لأمة القرآن انتساب عنوان : " اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ "
وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ
و"جميعا" هنا .. معناها أن يرنوا جميعا لهدف واحد على طريق واحد، مستمسكين بحبل واحد. والعادة أن السائرين على طريق واحد متآنسون، متعاضدون متناصحون . متآخون.
لننظر ... فإذا نحن مع دنيا المؤمنين، ومع تكليف المؤمن وأمره وتوجيهه وتحذيره.. نجدُنا ننتقل باللفظ الصريح إلى معنى "الجماعة" في الإسلام .
ومن الفرد إلى الجماعة(الأمة):
جاءت : " يعتصم بالله " تخصّ الفرد . وجاءت: "وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ " للجماعة . كلهم لا يمسك بعضهم بعضا ولا يتحقق اجتماعهم وتوحّدهم إلا وهم مستمسكون بالحبل الواحد . جاءت الحبل استعارة تمثيلية للشيء الذي يجمع الأفراد يجمعهم لهدف واحد، على طريق واحد ...
ثانيا : ثم جاءت : وَلاَ تَفَرَّقُواْ للتأكيد على ضرورة اجتماعهم بالنهي عما ينقض الاجتماع، وما يجعل التشرذم عنوانا . جاءت للتأكيد . فكان الترغيب في الاجتماع والذي يشرّفه أن حبله حبل الله، وكان الترهيب من التفرّق الذي يجعل الجماعة أفرادا متشرذِمين . وهو من دواعي الضعف ومن دواعي تجرؤ العدو المتربص، وإنما يأكل الذئبُ من الغنم القاصية .
ثالثا : وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
أما الثالثة فهي : أن يذكر المؤمنون نعمة الله عليهم، ويأتي تفصيل هذه النعمة بعد "إِذْ" :
ثالثا/أ) كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً: وهذا ما كان بين الأوس والخزرج الذين دامت الحروب بينهم وهم أبناء عمومة ما يزيد عن مئة وعشرين سنة، كان فيها الاقتتال على أشدّه، هكذا كانت حال يثرب قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، قبل أن يحمل إليهم القرآن هاديا يُتلى عليهم، يأمرهم فيأتمرون، وينهاهم فينتهون .
كان أول ما فعله صلى الله عليه وسلم فور دخوله المدينة المؤاخاة بين الأوس والخزرج، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
وإننا لنذكر من أحداث السيرة المطهرة كيف كان يوم لقائه بمكة صلى الله عليه وسلم بالنفر الستة من الخزرج حينما كان يبحث عمّن يُجيره. استمعوا إليه، وأجابوه فيما دعاهم إليه، وقبلوا منهُ ما عَرضَ عليهم منَ الإسلامِ وقالوا له: إنَّا قد ترَكْنا قومَنا، ولا قومَ بينَهُم منَ العداوةِ والشَّرِّ ما بينَهُم، وعسَى أن يجمعَهُمُ اللَّهُ بِكَ .
وقد جمعهم الله به حقا. حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يذكّر الأنصار بعد حُنَين حينما قسم الغنائم ولم يُعطِهم منها حتى وجدوا في أنفسهم قال: "يا معشرَ الأنصارِ، ألم أجِدْكم ضُلاَّلاً فهداكم اللهُ بي، وكنتم متفرِّقين فألَّفَكم اللهُ بي، وكنتم عالةً فأغناكم اللهُ بي"
وهذا التأليف بين القلوب لا يخصّ هذه الحادثة المفصليّة في تاريخ الإسلام وحدها، وإنما ينطبق على كلّ مَن كان الإسلام سببا في حقن دمائهم، وإحلال الوئام بينهم مكان الحروب والتقاتل، وقد عُرف العرب قديما بالتقاتل لأتفه الأسباب . وهذا من نعمة الله تعالى أن يصبح المتقاتلون المتناحرون إخوانا .
ثالثا/ب) وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا
الشفا هو الطرف، كنتم على طرف حفرة من النار، ولعلّ القول بأنه الإنقاذ من النار جائز، إلا أنها وقد جاءت "حفرة من النار" يُبعِد نِسبيا عن ذلك المعنى، لأن النار ليست حفرة بل عالم من العذاب، بذلك أرى أنه الإنقاذ من حفرة يهوي في سحيق عمقها مَن هو مشرف عليها لا يبعد عنها إلا مقدار الشّفا، وأي بعد هو بين الشيء وطرفه ؟! حفرة من نار الفِتن في الدنيا ونار الهلاك بالعَيش فيها على الكفر، لا تقوم للعقل ولا للقلب قائمة من حق ... الموت على الكفر وحده حفرة من نار يقع فيها من يصرّ على كفره ما أحياه الله . حفرة من نار تُرديه وتأخذه للنار التي هي العذاب العظيم والقرار السحيق لا الحفرة ...
وأذهب في ذلك مذهب ابن عاشور إذ يقول: " فأرى أن شَفا حفرة النَّار هنا تمثيل لحالهم في الجاهلية حين كانوا على وشك الهلاك والتَّفاني الَّذي عبَّر عنه زهير بقوله : تفانَوا ودَقُّوا بينَهم عِطْر مَنْشَم... بحال قوم بلغ بهم المشي إلى شفا حفير من النَّار كالأُخدُود فليس بينهم وبين الهلاك السَّريع التَّام إلا خطوة قصيرة ، واختيار الحالة المشبَّه بها هنا لأن النَّار أشدّ المهلكات إهلاكاً ، وأسرعُها ، وهذا هو المناسب في حمل الآية ليكون الامتنان بنعمتين محسوستين هما : نعمة الأخوة بعد العداوة ، ونعمة السلامة بعد الخطر ، كما قال أبو الطيب : نَجاة من البأساءِ بعدَ وقوع... والإنقاذ من حالتين شنيعتين. "-التحرير والتنوير-
وتُختم الآية بقوله سبحانه : كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
أن ينقلب الأعداء إخوة، وأن ينجو من هو مُشارف على حفرة النار فيغدو ناجيا وقد أوشك على الهلاك ... كلتاهما آيتان من الآيات التي يبينها الله لعباده، كلتاهما من نعمة الله على عباده المؤمنين، كلتاهما من فعل الإيمان وفعل الإسلام في النفوس ...
رقيّ بالإنسان، سموّ به إلى الإنسانية الحقة، الإنسانية التي لا يُحققها شيء كما يحققها الإيمان في نفوس أصحابه. هل من السهل أن يغدو القاتل والمقتول له أخوَين متحابَّيْن ؟! هل من السهل أن يسود الإخاء والحبّ والتعاضد والتعاون من كانوا بالأمس القريب أعداء متقاتلين، كلٌّ منهم يحيك للآخر خيوط المكر والوقيعة به لأخذه على غرة، أو للانتقام منه ...
لقد تحقق ما كان صدمة لليهود الذين كانوا يلهبون نار الحرب بين الأوس والخزرج، كلما خبت نفخوا فيها ليشتد لهيبها ويحمى أُوارها ...
أليست آيات من الله يبيّنها لعباده ؟! أليست محسوسات يلمسها المؤمنون في حياتهم التي انقلبت أمنا ودعة ومحبة وإخاء وقد كانت حربا ودما مُهدرا لا يطلب إلا الدم، وكرها وبغضاء لا حدود لهما ... ؟!
وأذكر في هذا المقام من حدّثني مرة أنّ المؤمن ليس له من خصوصية العطاء الرباني شيء في الدنيا، لا ينكر خير الآخرة المخبأ له، ولكنه ينكر عطاء يخصّ به الله تعالى عباده المؤمنين ...
وهذه الآية تعلّمنا من خصوصية هذه العطايا الربانية لعباده المؤمنين في الدنيا ... وهم يرون بأمهات أعينهم كيف تُزهِر حياتهم وترتقي حركتهم ....
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ .... كلها آيات للهُدى ... ولعلّ أحدا أن يسأل: وكيف يحدّث الله عن هداية من هو مؤمن مُهتد ... أقول إن علامات الهُدى الذي هو على الهُدى لَتلُوح لي في هذه الآيات، إنها الهداية فوق الهداية التي لا غنى للمؤمن عنها .. إنه التثبيت على الهُدى
ألم يقل سبحانه : " ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ " –البقرة:02-
ألم يقل سبحانه : " ...إنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى " –الكهف:من13-
فهو هدى التوفيق الذي يزيده الله سبحانه لمن آمن واتقى وليس هُدى الدلالة الذي كان من الله لكل عباده دعوة إليه .
وهو بعبارة أخرى التثبيت من الله لمَن لم تخلُ رحلة حياته من آليات الثبات التي يعلمنا الله إياها. وعلى رأسها الاعتصام بحبله سبحانه :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12685;image)
-
وإننا في انسياب تدريجي حتى بلّغَنا الله الجماعة بلفظ : "جميعا" ... وبـ "حبل الله" الوسيلة الحافظة للجماعة من التفرق والتشرذم ...
وبذكر نعمة الأخوة التي صاروا إليها من بعد التقاتل والتناحر والعداوة، وبذكر نعمة إنقاذهم من النار وقد كانوا على شفاها ...وأنما هي آيات من الله تعالى، علامات تزيد المؤمن ثباتا ومعرفة بانقلاب حاله من الكفر إلى الإيمان، ومع صيرورته إلى الإيمان قد صار إلى أمر محسوس تراه عينُه، ويتحسّسه في مجريات حياته وهو الأمن بعد الخوف، والسلام بعد الحرب، والطمأنينة بعد الاضطراب والقلق .
إحساس يتقاسمه أفراد الجماعة المسلمة الذين عايشوا الحروب والتقاتل، ولم يأمنوا على أنفسهم ولا على أولادهم ولا على أموالهم ... ثم هم أولاء اليوم آمنون متآخون، متعاونون، يحب الواحد منهم لأخيه ما يحب لنفسه ...
من هذا نجدنا نتقدّم خطوة أخرى لتتضح لنا الرؤية وسط الجماعة المسلمة ... وكما عرفنا قد بلغناها متدرجين مع الآيات :
وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(104)
أما وقد سمعتم أمر الله تعالى وأطعتموه : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ"
"وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ..."
فإنه سبحانه بما تقدم قد هيأنا لما يجعلنا جماعة واحدة . ثم هو الآن يأمرنا أن تكون منا أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
فما هذا الأمر ؟ أهو أمر يخصّ فئة من المسلمين دون فئة أم أنه أمر عام لهم جميعا ؟
سأحاول تقسيم هذه الآية إلى مسائل ليسهل علينا ترتيب أوجهها، وهي آية جامعة بمرادها للجمع، وجامعة للمعاني العميقة المندرجة تحتها ...
وإنه يجدر بي أن أشير إلى :
أولا: حُسن وبديع المقابلة لما كان من أمر الكافرين (الآيتان 98و99) من كفر في أنفسهم ثم من سعي لصد المؤمنين عن سبيل الحق، مقابلته بما هو في المؤمنين مضادّ مخالف، فهم المنادَون من رب العزة بصفة الإيمان، المدعوّون لتقوى الله حق تقاته، ثم هم المأمورون هنا في هذه الآية بأن يكونوا دعاة للخير، دعاة للحق. بخلاف الضالين المضلّين المؤمنون هنا هم الهداة المهديّون ...
ثانيا: المعروف هو ما تعارفه أصحاب العقول والفِطر السليمة واتفقت عليه الأفهام وقبلتْه ورضيته، والمنكر هو ما أنكرته. فمن المعروف الصدق والرحمة بالناس، والوفاء، ومن المنكر الكذب والقسوة على الناس وإيذاؤهم والغدر والخيانة وغيرها...
المسألة الأولى : حول التبعيض والبيان في: "منكم" :
"مِن" اختلف المفسرون بين من يقول بأنها تبعيضية ومن يقول بأنها بيانية، وأرى رأي الجمع بينهما، أي أن تؤدّي الدورَين كليهما... فكيف يتأتى ذلك ؟
" وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ..." إنهما دائرتان :
1 ) دائرة عامة ("من" البيانية):
على مستوى المجتمع المسلم وخارجه:
وفي هذه الدائرة يتجلى دور البيان . فمنكم أنتم أيها المسلمون، بكل فرد فيكم تكوّنون على الأرض الجماعة التي تدعو للخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر . منكم تكون هذه الأمة، بكم تتكوّن. دائرة الجماعة المسلمة كلها، بكلّ أفرادها، و"الأمة" لغة تأتي على معان فهي تارة بمعنى الملة، وهي تارة بمعنى المدة الزمنية، وهي أخرى بمعنى الجماعة، كما هي هنا.
الجماعة التي تؤم إلى مقصد واحد، والمسلمون يجمعهم الدين الواحد والاعتقاد الواحد، وقد بيّن الله لهم كيف يجب أن يجتمعوا على المقصد الواحد، حبل الله المتين، كتابه الجامع الموحّد لهم ...
وعليه فإنني أرى أنّ كل الأمة مطالبة بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كلٌّ حسب موقعه من المجتمع المسلم، أن يكون كل واحد منهم داعيا لإقامة الدين في الحياة، فالأم التي تأمر ابنتها بالمحتشم من اللباس وتنهاها عن الخضوع في القول آمرة بمعروف ناهية عن منكر، والأب الذي يأمر ابنَه أن يحترم الكبير ويوقر الصغير، وينهاه عن التفحّش في الكلام آمر بمعروف ناه عن منكر...
والمعلم الذي يأمر تلاميذه بالجدّ والاجتهاد في تحضيرهم للامتحان وهو يؤكّد منعه لأي عملية غش آمر بمعروف ناه عن منكر، بينما المعلم الذي يقوم على حراسة امتحان لتلاميذ زميل من زملائه، ثم يترخّص ويرخّص لهم الغش وتبادل أوراق الغش آمر بمنكر ...
والطبيب الذي يرفض أن يكتب شهادة إعفاء من مادة التربية الرياضية لتلميذ يريد أن يكذب بها على معلمه حتى يُكفى عناء التدريبات الرياضية آمر بمعروف ناه عن منكر إذ يرى في ذلك شهادة زور لا شهادة حق ...
وهكذا لكلّ فرد من أفراد المجتمع المسلم نصيب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلّ حسب موقعه الذي أقيم فيه ....
هذه هي الدائرة الكبيرة التي يعمّ فيها الأمر كل المسلمين.. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يصبّ في هذا المعنى : " كلُّكم راعٍ ومسؤولٌ عن رعِيَّتِه " وليست هذه المسؤولية في معناها المرادف إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هذا عن دعوة المسلم للمسلم ... يدعوه للخير، والخير بكل أوجهه في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم . ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر.
ولنعد -ونحن في هذه الدائرة العامة التي جعلتُها عنوانا لأهلية كل المسلمين للدعوة- إلى ما عرفنا في السورة من ضرورة علم المسلم بالحق، وعلمه بدينه، العلم الضروري الذي ليس حكرا على عالم وعارف بل هو ضرورة لكل المسلمين، ضرورة أن يعلموا الحق من القرآن ليواجهوا به أهل الباطل، فيثبتوا ولا يتزعزع إيمانهم ...
وعلى هذا لا نجد القول بأن الدعوة حكر على أهل العلم ذات حجة وصدى قوي، لأن المسلم مأمور أن يفرّق بين معروف ومنكر، وبين خير وشر، وبين حلال وحرام، بين شبهة وحقيقة، لا أن يُعدّ جاهلا بهذا الذي يجعله المميز عن غيره... وهذه السورة تحديدا جاءت لتثبيت المسلم، جاءت لتعلمنا مقومات الثبات، ولتعلمنا مساعي المضلين المبطلين، ولتلقننا دورنا في حمل رسالة الحق ... ولا يكون هذا إلا بأن يتعلم قارئ القرآن من قرآنه ... ليعلّم ...
وفي هذا أعجبني جدا قول لمحمد رشيد رضا :" وَقَدْ أَشَارَ الْمُفَسِّرُ (الْجَلَالُ) إِلَى الِاعْتِرَاضِ الَّذِي يَرِدُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ وَهُوَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يَأْمُرُ وَيَنْهَى أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي يَأْمُرُ بِهِ وَالْمُنْكَرِ الَّذِي يَنْهَى عَنْهُ، وَفِي النَّاسِ جَاهِلُونَ لَا يَعْرِفُونَ الْأَحْكَامَ، وَلَكِنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يَنْطَبِقُ عَلَى مَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُ مِنَ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْمَفْرُوضَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ خِطَابُ التَّنْزِيلِ هُوَ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَجْهَلُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْعِلْمِ وَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ، عَلَى أَنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ يُرَادُ بِهِ مَا عَرَفَتْهُ الْعُقُولُ وَالطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ، وَالْمُنْكَرُ ضِدُّهُ وَهُوَ مَا أَنْكَرَتْهُ الْعُقُولُ وَالطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ، وَلَا يَلْزَمُ لِمَعْرِفَةِ هَذَا قِرَاءَةُ حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ عَلَى الدُّرِّ، وَلَا فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا الْمَبْسُوطِ، وَإِنَّمَا الْمُرْشِدُ إِلَيْهِ - مَعَ سَلَامَةِ الْفِطْرَةِ - كِتَابُ اللهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ الْمَنْقُولَةُ بِالتَّوَاتُرِ وَالْعَمَلِ، وَهُوَ مَا لَا يَسَعُ أَحَدًا جَهْلُهُ، وَلَا يَكُونُ الْمُسْلِمُ مُسْلِمًا إِلَّا بِهِ، فَالَّذِينَ مَنَعُوا عُمُومَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ جَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ جَاهِلًا لَا يَعْرِفُ الْخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ، وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ دِينًا."-تفسير المنار-
وقال أيضا نقلا عن الإمام محمد عبده : " إِنَّ رُعَاةَ الْإِبِلِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَانُوا يَدْعُونَ كُلَّ أَحَدٍ إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُمَّةَ إِذَا أَرَادَتِ الدَّعْوَةَ لَا يَقِفُ فِي سَبِيلِهَا شَيْءٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: إِنَّ الْجَهْلَ لَيْسَ بِعُذْرٍ لِلْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا."-تفسير المنار-
وتتعالى أصوات الذين لا يرتضون أن يُعبد الله على الأرض بل أن تُعبد أهواؤهم، فينادون بخبث وتحت مسمى "الإنسانية واحدة" بالمساواة بين مؤمن وكافر حتى لا يُبعِدوا المؤمن عن دينه وحسب، بل ليبعدوه عن دوره الريادي على الأرض في الدعوة إلى توحيد الله ...
والقرآن فيما نلمس يوعّي المسلم فيضع له الإطار الذي يجب أن يحوطه. يوعّيه بهذه الألاعيب وهذه الخُطط التي تُحاك صباح مساء، وتنتشر سمومها بين بني الإسلام، وبدعوى الحرية وتقدّم الزمان وسطوة التكنولوجيات وتطاير الصناعات وتقدّم ركب الغرب على ركب المسلمين القاعدين يُنادَى بالمساواة وبالتعايش حدّ التسوية بين مؤمن وكافر، فيغترّ المسلم الغرير الذي لا يعرف من الإسلام إلا عنوانه، ويتّبع الناعق كما يتبع الذي لا يعي ولا يعقل مَن ينعق به عن عمى ...
بينما القاعدة الربانية أنّ المسلم مأمور بأن يتعلم الحق من قرآنه، فلا تنطلي عليه محاولات الساعين في مجتمعه بالتغريب والإبعاد عن هويته ودينه، وهو المأمور بعدها بالدعوة إلى هذا الحق، بالدعوة إلى هذا الخير... عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : " يا رسولَ اللهِ ، إنا كنا في جاهليةٍ وشرٍّ ، فجاءنا اللهُ بهذا الخيرِ ... " –صحيح البخاري
والمسلم مأمور أن يدعو غير المسلم، وقد عرفنا في عرض آيات هذه السورة العظيمة تلقين الله تعالى لنبيه دعوة أهل الكتاب : "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(64)"
مأمور أن يدعو غيره إلى هذا الخير:" وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ" .
وصورة الإسلام مشوّهة اليوم من المسلمين القاصرين عن رسالتهم وعن حركتهم بدينهم على الأرض، وإنه قد يعتنق غير المسلم الإسلام من تعامله مع مسلم بسيط في مجال التجارة مثلا، فيعرف فيه الأمانة والصدق، فإذا نقّب عن سرّ أمانته وصدقه أجابه أن دينَه هو الذي يقضي بأن يكون الأمين الصادق في تعاملاته فلا يقدّم مصلحة مادية على ما يراه من نصح واجب بذكر عيوب بضاعته ... وقد حصل من هذا فعلا واعتنق الإسلام من الغرب مَن تأثر بسلوك عدد من المسلمين المخلصين المجسّدين للإسلام حركة على الأرض راقية صادقة عادلة، وليس شرطا أن تكون هداية الكافر على يد عالم من علماء الإسلام . ولا يعني هذا أن كل مسلم قادر على الدعوة الموجّهة التي تُعدّ لها عُدة من معرفة ووسائل مختلفة، بل تكون من اختصاص طائفة بعينها تتأهل للدعوة خارج بلاد المسلمين.
-
2 ) دائرة خاصة ("من" التبعيضية):
على مستوى المجتمع المسلم وخارجه:
** أما علماء الأمة والعارفون بأحكام الشرع وبأصول الفقه وبعلوم القرآن والحديث، وبسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وبسيَر العظماء السابقين، فهم الخاصة الذين تنطبق عليهم البعضيّة المُرادة أيضا في هذه الآية، أن يكون من جماعة المسلمين أمة تقوم بدور الإرشاد ووراثة دعوة الأنبياء، والأخذ على يد الظالم إذا ظلم والنصح الواجب لتقويم اعوجاج وتصحيح خطأ وتسديد مسار ..." وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ "-التوبة:122-
** كما أنها أيضا تخصّ من يكون لهم درجة أعلى في المعرفة بأساليب إنكار المنكر والأمر بالمعروف، وتكون لهم درجة أعلى من الشجاعة والهمة اللتين تؤهلانه لأن ينكر على حاكم ظالم ظلمه، ويتصدّر لأمره بمعروف، وهذه من مهام علماء الدين والدعاة الذين لا يبيعون الدين للسلطان بل يجعلون من السلطان خادما للدين ...
** كما تخصّ أصحاب الهمم الذين يتصدرون للعمل الدعويّ التربويّ في شكل جمعيات وجماعات، ويجعلون منه هدف حياة، ويَلقَون في سبيله العَنَت والصدود، ولكنهم يمضون متحدّين تيارات التغريب وتيارات العاملين بالشبهات والساعين سعيهم لمسخ الأخلاق ولتلبيس الدين على الناس، هؤلاء الذين يدعون الناس دوما مذكّرين إياهم بحِمى الإسلام في ظل التكالب على كل ما من شأنه أن يرفع الدين وأهله .. وإنهم في كل زمان ممّن يُضطهَدون ويُسجَنون ويُعمَل على إسكات أصواتهم...
كذلك دعوة الغير للإسلام، أصبحت في عصرنا تحتاج علما وإلماما بجوانب عديدة، من وجوب العلم التام بحال من تُوجّه إليهم الدعوة، والعلم بالتاريخ لمعرفة أصل الفساد في العقائد والأخلاق والعادات، وعلم النفس وعلم الأخلاق وعلم السياسة وعلم الاجتماع والعلم بلغات الأمم، ومعرفة الملل والنِّحل ومذاهب الأمم فيها...
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12693;image)
المسألة الثانية : حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
هذه الفريضة التي شحّت في مجتمعاتنا الإسلامية إلى حدّ حلّ به الجفاف وتبلّدت القلوب حتى غدت كحال الأرض القاحلة الجرداء المتيبّسة ... شحّت إلى الحدّ الذي أصبح فيه علماء الدين فتنة للعامة من المسلمين، ونحن نرى العالِم يهوي تلو العالم وهو يبيع علمه بعَرَض من الدنيا قليل زائل، فهو عالم سلطان صنعه السلطان على عينه ليخدمه ويقضي له مآربه باسم الدين وباسم الفتاوى المفصّلة على مقاسات أهواء السلاطين ...! قال صلى الله عليه وسلم : "سيِّدُ الشُّهداءِ يومَ القيامةِ حمزةُ بنُ عبدِ المُطَّلبِ ورجُلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ فنهاه وأمَره فقتَله "
هذه الفريضة التي صرنا نفتقدها حتى بين المسلم والمسلم، وصار ثقيلا على القلوب أن يأمر مؤمن مؤمنا بمعروف، أو أن ينهاه عن منكر ... أصبحت روح الفرد مسيطرة على روح الجماعة، وليس عجبا أن يسود هذا في غير المسلمين، ولكن العجب أن يكون ذلك في المجتمعات المسلمة، هذه المجتمعات التي خصيصتُها دون كل المجتمعات التآلف والتآخي والتعاون والتآزر، وأن يكون المؤمن لأخيه المؤمن داعما ومقويا ومذكرا بالله على درب الحياة، يعي كل فرد فيه أن قيام الأمة بالتآخي وبالاعتصام بحبل الله، لا يرتضي الواحد منهم أن يسير على الدرب وقد فارقتْه يدُ أخيه ...
وها هي بلاد الإسلام تتفاخر بموضة الحريات الجديدة، حتى صارت لها هيئات الحريات الفردية، وأقحِمْ أنت ما شئت من هوى ومن شهوة بشرية وبهيمية كلها لأصحابها الحق بالمطالبة بها حرية فردية !! حرية الاعتقاد، حرية الميول الجنسي، فالطبيعي بين جنسَين مثله مثل الشاذ بين الجنس الواحد...! وكله مسخ للأخلاق وإلقاء بها عرض الحائط باسم الحرية ... والبلاد المتحضرة اليوم هي البلاد التي تقرّ بهذه الحريات الفردية التي تُعلن مسفرة ضدّ الدين وضدّ الفطرة وضدّ العُرف ... ! عادي ... إنه عصر الحريات ...البلاد "الإسلامية" التي صارت تضيق ذرعا بأحكام الشريعة وتراها كَبْتا وسجنا ... ! حتى بلغت بها درجات التقليد والاتباع أن تترك لأفرادها الاختيار بين أن تطبّق الحكم الشرعي أو ألا تطبّقه، قانونا يُسنّ ويُعمَل به في ديار الإسلام.. !هو قانون الحريات، قانون تخيير أفراد تلك البلاد المسلمين بين الشرع وبين الوضع !!
وهنا نلمس تراكمات تغييب فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... اقتفاء خطوات الغرب، اقتفاء آثار أهل الكتاب من يهود ونصارى شبرا بشبر . وقد تنبأ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "لتتبعُنَّ سَنَنَ من كان قبلَكم ، شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراعٍ ، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضبٍّ تبعتُمُوهم ) . قلنا : يا رسولَ اللهِ ، اليهودُ والنصارى ؟ قال : فمَنْ " –صحيح البخاري-
قال الله تعالى : " لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78)كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(79)"-المائدة: -
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن رأى مِنكُم مُنكرًا فليغيِّرهُ بيدِهِ ، فإن لَم يَستَطِع فبِلسانِهِ ، فإن لم يستَطِعْ فبقَلبِهِ . وذلِكَ أضعَفُ الإيمانِ" –صحيح البخاري-
ملاحظة مهمة :
أود ألا أترك هذا الشأن حتى نتبيّن الفرق بين ما جاء في هذه الآية من أمر للأمة أن تكون آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، وبين قوله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ" –المائدة: 105-
إذ قد قيل بنسخ الثانية للأولى، وقال من قال من المتأولين بالتناقض ... ومن توهّم أن فيها الترخيص بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل لقد حدث ذلك الظنّ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
أخرج الترمذي عن أبي أمية الشعباني أنّه قال : "سألت عنها أبا ثعلبة الخشني ، فقال لي : سألتَ عنها خبيراً ، سألتُ عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " بل ائتمروا بالمعروف وتناهَوا عن المنكر حتّى إذا رأيت شحّاً مُطَاعَاً وهوى مُتَّبعاً وَدنْيَا مُؤثرَة وإعجابَ كلّ ذي رأي برأيه فعليك بخاصّة نفسك ودَعَ العوّام "
ويُروى أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بلغه أنّ بعض الناس تأوّل الآية بسقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " يأيّها الناس إنّكم تَقْرَؤونَ هذه الآية (يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم ) وإنّكم تضعونها على غير موضعها وإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنّ الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيّرونه يوشك الله أن يعمّهم بعقابه ، وإنّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعذاب من عنده".
إذن فإن الضال لن يضرّ المهتدي، وعلى المؤمن نفسُه بعد أن يؤدي دوره بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا قبله ...وأزيد فأقول إننا إذا تأملنا سياق آية المائدة، لعرفنا أنها جاءت بعد أمر بمعروف ونهي عن منكر.. كيف ذلك ؟
لنتأمل قوله تعالى في الآية التي سبقتها، ولنجمعها إليها :
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ(104) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ(105)
لقد سُبقت بدعوة الكفار إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، وذلك رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا ما تمّ الأمر وقام به المسلم، ولم يرَ تجاوبا، ورأى من المدعوّ إصرارا على الضلال وعلى الإضلال، عندها يأتي الإنباء من الله تعالى أن ضلال هذا الضال المصرّ لن يضرّ المؤمنَ وقد اهتدى ...
وبهذا نخلص إلى أنّ مجمل القول في سياق الآيات الأخيرة :
1- المسلم الذي أُمِر بأن يتولى عن طاعة أهل الكتاب حتى لا يكون ذلك سببا في ردّه عن دينه -----> الدعوة للابتعاد عن أسباب الزعزعة .
2- آيات الله وسنة رسوله -----> حصن المؤمن المنيع للثبات على الحق.
3- هو المأمور أن يتقي الله حقّ التقوى وأن يثبت على الإسلام -----> بالاعتصام بكتاب الله وهو حبله المتين الذي يثبّت + ألا يتفرقوا + أن يذكروا نعمة الله عليهم (مقوّمات الأمة ومقوّياتها)
4- أمة داعية للخير آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر -----> مهمة الأمة.
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12695;image)
-
وتستمر الآيات في بيان مواطن التفرّق والثغرات التي يتسلل من خلالها الضعف إلى كيان الأمة...
فبعد أن بين للجماعة المسلمة ما يحفظ عليها الاجتماع والوحدة من اعتصام بحبل الله وعدم التفرق "واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ..... " أمرها أن تكون أمة داعية إلى الخير آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر، ولا يتحقق ذلك منها إلا إذا حافظت على وحدتها ...
يأتي الآن تحذيرها من التفرّق، لا على وجه النهي المباشر، بل على وجه التذكير بأحوال الذين تفرقوا، حتى لا يكون المؤمنون على شاكلتهم ...
وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(105)
إنهم أهل الكتاب الذين جاءتهم البينات فتفرّقوا، كلٌّ يدّعي أنه صاحب الحق، فالنصارى يقولون أنهم هم أهل الحق لا غيرهم، واليهود يقولون أنهم هم أهل الحق لا غيرهم، "وقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ..." –البقرة:من113-
والعجب كل العجب أن كتاب الله فيهم، الإنجيل نزل بالحق، والتوراة نزلت بالحق. الحق بين أيديهم وهم متفرّقون متشرذمون لأنهم تركوا الحق الذي من عند الله، وكذبوا وحرّفوا، وجعلوا من أهوائهم الحق الذي يجب أن يُتّبع ...
ثم إن كل طائفة منهم انقسمت فيما بينها إلى فرق متصارعة متناحرة، كل فرقة تكفّر الأخرى، فكان في النصارى الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت... وكلها مذاهب تأولت في أصول الدين بما جعلته هو الحق ... بل لقد تقاتلوا فيما بينهم وسالت دماؤهم ولم يتفقوا على ما يجمعهم ويوحّدهمن لم يتفقوا حتى على صيغة موحدة لما ادّعوه في الألوهية التي جعلوها أبعاضا ...
ولما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن ازدادوا كفرا على كفرهم، وأعرضوا عن الحق وكذّبوا، وكتموا ما جاء في كتبهم من ذكره ...
فالله سبحانه في هذه الآية يحذّر المسلمين من الوقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب... والقرآن بينة البينات كلها بين أيديهم ...
ونعرفهم اليوم متفرّقين منقسمين إلى مذاهب اعتقادية منها ما كان كفرا صريحا، من مثل كفر غلاة الشيعة الذين قالوا بنبوءة علي رضي الله عنه ... وكلها عوامل تفرّق واختلاف لا يحصل به الاجتماع ولا يُحافَظ به على وحدة الأمة . وقد توعّد سبحانه المفترقين في أصول الدين المختلفين والبينات والحق بين أيديهم بالعذاب العظيم، مقابلةَ لما كان من ذكر لفلاح الأمة الموحّدة المتصدرة للدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يقول ابن عاشور: "وفيه إشارة إلى أن ترك الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر يفضي إلى التفرّق والاختلاف إذ تكثر النزعات والنزغات وتنشقّ الأمَّة بذلك انشقاقاً شديداً." –التحرير والتنوير-
ولقد قال صلى الله عليه وسلم : "وستلقَون ربَّكم ، فسيسألُكم عن أعمالِكم ، ألا فلا ترجِعوا بعدي ضُلَّالًا ، يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ " –صحيح البخاري-
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ(106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(107)
لقد توعّد الله المتفرقين المختلفين والبينات بين أيديهم بالعذاب العظيم ... في يوم تبيض فيه وجوه وتسود وجوه، والابيضاض والاسوداد حالتان متضادتان، فأما الابيضاض فهو الاستبشار والنضارة على وجوه المؤمنين الناجين، وأما الاسوداد فهو حالة أهل الكفر والضلال .
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
وهذا تفصيل لحال المسودّة وجوههم، وفيه إيجاز من بديع أسلوب القرآن العظيم، وأصلها : "يقال لهم أكفرتم بعد إيمانكم ؟" ...
والكفر بعد الإيمان هو سِمة أهل الكتاب الذين كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد آمنوا بعيسى وبموسى عليهما السلام، وكذا يُسقَط على حال كل مؤمن يرتدّ ويكفر من المسلمين الذين تفضل عليهم الله تعالى ببعثة نبيه محمد هاديا منيرا، ثم يبيع الهُدى بالضلال كحال من يبيع الهواء الذي يتنفّس والماء الذي يشرب بالكَدَر والسراب ... فهو يبيع حياة قلبه بموتها ... عياذا بالله ...
وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
وأما الذين ابيضت وجوههم فهم أهل الثبات على الحق، الثبات على الهُدى الذي جاءهم، في رحمة الله خالدون، في جِنانه التي لا يفوز بها المؤمن إلا برحمة ربه... في رحمة ملازمة لا تغادره ...
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ (108)
إنّ الأمة المتلاحمة، المجتمعة على حبل الله تعالى، المستمسكة به لا ترضى عنه بديلا، المطيعة لله ولرسوله، المعرضة عن دعاوى أهل الكتاب وعن دعاوى كل ضال مضل يريد أن يُبعد أهل القرآن عن قرآنهم، التي لا تستأثر بالخير لنفسها بل تعلم أن الدعوة إليه فريضة، الآمرة بالمعروف، الناهية عن المنكر هي الأمة التي سيظفر أفرادها بالنجاة وبرحمة الله الملازمة، وغيرها خاسر خاسئ، يلقاه العذاب العظيم يوم لا شفيع من دون الله ولا نصير ...
كلها آيات الله سبحانه التي تلاها على نبيه صلى الله عليه وسلم وتلاها علينا بالتعدّي، علمها إياه، فعلّمناها صلى الله عليه وسلم، تبلّغ بها فبلَّغَنَاهَا ... آياته التي تلاها عليه واضحة مبينة سهلة الفهم لمن يريد الحق ويبتغيه...
وهي شبيهة بما عرفنا آنفا بعد بيان قصص مريم وابنها وزكريا ويحيى في قوله سبحانه : " إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "
إنه العلم الذي آتاه الله نبيه، وبلغنا إياه وعلمنا إياه صلى الله عليه وسلم .
إنه تعليم الله لنا بفساد اعتقاد أهل الكتاب، وبفساد طواياهم نحو المسلمين، وبسعي فرق منهم لإضلالهم، تعليمه لنا بالحق على وجهه لنواجه به أباطيلهم وشُبهاتهم التي يُلقُونها بين المسلمين في كل حين ... تعليمه لنا عن حال الأمة التي يجب أن نكون، بما يقيمها على رأس الناس هادية، داعية لكل خير ... وبما يقوّيها ويقوّي داخلها فلا يكون عرضة للزعزعة والتململ فيستحلّه العدوّ وقد مهّد له استحلاله ...
كلها آيات الله التي تلاها سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم بالحق ...
-
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ
بل يريد بعباده خيرا، وعدلا ... يريد لهم الحق والعدل والخير ... سبحانه الحكيم العليم الذي أقام الوجود بالعدل والحكمة والعلم، لا يكون له أن يظلم عباده، وما خلقهم إلا ليكونوا في الأرض خليفة ... يقومون بمنهج الحق والعدل الذي نزّله سبحانه لعباده مشكاة تنير لهم درب الحياة ...
" إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" –النحل: 90-
يقول محمد رشيد رضا : " وَإِنَّمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الظُّلْمُ ; لِأَنَّهُ يُنَافِي الْحِكْمَةَ وَالْكَمَالَ فِي النِّظَامِ وَفِي التَّشْرِيعِ، وَمَنْ حَمَّلَ عَبِيدَهُ أَوْ دَوَابَّهُ مَا لَا تُطِيقُ يُقَالُ: إِنَّهُ قَدْ ظَلَمَهَا، بَلْ قَالُوا فِيمَنْ حَفَرَ الْأَرْضَ وَلَمْ تَكُنْ مَوْضِعًا لِلْحَفْرِ: إِنَّهُ ظَلَمَهَا وَسَمَّوْهَا الْأَرْضَ الْمَظْلُومَةَ وَسَمَّوُا التُّرَابَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَظْلُومُ، وَمَنْ نَقَصَ امْرَأً حَقَّهُ فَقَدْ ظَلَمَهُ قَالَ - تَعَالَى -: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [18: 33] وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي مَعْنَى الظُّلْمِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: " الظُّلْمُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ إِمَّا بِنُقْصَانٍ أَوْ بِزِيَادَةٍ وَإِمَّا بِعُدُولٍ عَنْ وَقْتِهِ أَوْ مَكَانِهِ " فَالظُّلْمُ الَّذِي يَنْفِيهِ - تَعَالَى - عَنْ نَفْسِهِ فِي الْأَحْكَامِ هُوَ مَا يُنَافِي مَصْلَحَةَ الْعِبَادِ وَهِدَايَتَهُمْ لِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَفِي الْخَلْقِ مَا يُنَافِي النِّظَامَ وَالْإِحْكَامَ." –تفسير المنار-
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
سبحانه الذي له ملك السماوات والأرض وما فيهما، الذي خلق كل شيء، وقدّر له حكمة وعملا، وسنّ للطبيعة نواميسها، وللبشر نواميسه، ودبّر الأمر، أنّى له أن يظلم وهو الغنيّ الذي لا يحتاج أن يأخذ من عباده ليزيد في قوته، أنّى للغني المالك الآمر الناهي أن يظلم، والظالم دافعه حاجة ونَهَم في أن يستحوذ على ما لا يملك، ولتحقيق غايته الظالمة لا يعوزه سبيل في الاحتيال والاعتداء والتجنّي على الغير لسدّ حاجة هي وليدة نقص أصيل فيه يريد أن يكمّله بما ليس له. أنّى للمالك -الذي كل شيء بأمره، وكل شيء خلْقُه وما خلَقَه إلا بقدر- أن يظلم ؟!! ... وإليه سبحانه الرُّجعى... فهو العدل الذي يجزي محسنا بإحسان ويجازي مسيئا بما يستحق ...
وما نزال مع قطاعنا (100-120) هذا الذي انتقلنا فيه إلى مفهوم "الأمة". من بعد ما عرفنا أولا: تعليم الفرد المؤمن أسباب الاهتزاز وعوامل الثبات بتخليصه أول الأمر من الهزيمة النفسية أمام الآخر صاحب القوة المادية، وثانيا :أن رسالة إصلاح الأرض على عاتقه، ومن ثمّ ثالثا: تعليمه الحق الذي لا يكون إلا من عند الله تعالى حتى لا يبقى عرضة لتشويش المشوشين المشوّهين الساعين بالشُّبهات والتشكيكات لإضلال أصحاب الهُدى، ولإبعادهم عن دينهم حتى لا يكونوا أهلا لحمل رسالة الإصلاح ...
رابعا: انتقلنا مع هذا القطاع إلى الأمة ... فكان الأمر لها أن تقوم بمهمتها في نشر الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وذلك لا يتأتّى لها إلا وهي الأمة التي يتوحّد أفرداها مُنضوين تحت لواء القرآن مستمسكين به وهو حبل الله المتين والحصن الحصين دون تشرذمهم وتفرّقهم، وتلكم هي القوة التي يجب أن تتمتع بها الجبهة الداخلية للأمة .
هذه الأمة الحائزة للخير، الناشرة للخير التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر هي الأمة الفائزة المفلحة وعلى عاتقها رسالة إصلاح الأرض بما عندها من حق وبما ينير دربها ومسعاها من هُدى. على غير حال المتفرقين من بعد ما جاءتهم البيّنات والذين يبوؤون بالعذاب العظيم يوم الأوْل إلى رب العالمين ...
وإنني لن أجرّد كلامي هذا عن واقع نعايشه، والقرآن لا يقصّ الخيال، بل يقصّ الحق وما يوافق الواقع، فلا يقضي بهذا العزّ وهذا السؤدد للمؤمنين دون شروط، بل بشروط تبينت لنا وعرفناها، فما أقامتها الأمة قامت لها قائمة وما أبعدتها لم تقم لها من قائمة ...
فلا يحسبنّ قارئ للقرآن، ومطلع على تدبرات متدبّر له أنه سادر في الأحلام، متغنٍّ بالخيال ! بل هو الحق الذي يعلمنا إياه ربّ العالمين، البيان أنّه لا يتحقق حال إلا بشروط...
ولسنا نعرف من هذه الحال العزيزة في أيامنا إلا مِنْ تنكّبنا الصراط السويّ، ومن ابتعادنا عن هَدي القرآن الذي ما عرفنا كيف نعتصم به، كحال المريض الذي يملك الدواء وليس عليه بشحيح ولا ببعيد، ولكنه ما أحسن فتح قنّينته، فما شربه، بل اكتفى بالتفرج عليه، وبالتشدّق بامتلاكه دون غيره ...! فظلّ مالك الدواء العليل ...! العليل الذي صاروا يشيرون عليه بأن دواءه لم يعد ينفع، وهو إذ لم يعرف كيف يأخذ جرعاته صدّق أنّ الصحة اليوم في غيره ...! فطفِق يقلّد وينتحل غير نِحلته حتى ازداد ضعفا على ضعف ووهنا على وهن ...!
ونمضي مع الآيات ... نمضي ونحن نقرأها ونقرأ الواقع ...فإذا هي مشكاة، نتبين بها الدرب، ونضع بها أيدينا على الداء وعلى الدواء سواء بسواء ....
ها هو رب العزة يجيبنا ... أنّ هذا الذي يأمرنا به قد كان يوما ما ... قد تحقق :
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ(110)
إنه لم يكن كلاما يُقال، بل كان عملا وحركة على الأرض... تحققت هذه الأمة، فكانت خير أمة أخرجت للناس... أجل كانت معلمة الناس الخير... كانت الخير محمولا للناس ...
دعت إلى رأس الخير كله، وإلى كل خير دونه، إلى توحيد الله تعالى وإلى طاعة أمره، والانتهاء عن نهيه ...
كنا مع : " ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ... " والآن نحن مع : " كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ...."
و"كنتم" هنا وكما عرفنا من بديع مرامي القرآن بألفاظه وتركيباته الأوجه لا الوجه الواحد:
1- هي هنا تعني الأمة الماضية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خاطبهم القرآن أول من خاطب، وكانوا أول من عايش نزوله، فكانوا أول من حقق أمره على الأرض أتمّ التحقيق ...
قاموا بالأمر حقّ القيام. سمعوا وأطاعوا، وأذعنوا، وعملوا وطبقوا ...
وكما كان صلى الله عليه وسلم قرآنا يمشي على الأرض صنعهم أيضا على عينه قرآنا يمشي على الأرض، لا يُكتفى بتلاوته وحفظه في الصدور والسطور، بل تحقق وفُعِّل كما أراد الله بإنزاله ماء من السماء يُحيي موات القلوب، وروحا يحيا بها جسم الأرض الحياة الطيبة الحقيقية النابضة باسم ربها الذي خلق ...
عُذّبوا، وشُرّدوا وأُخْرجوا من ديارهم وأملاكهم، فهاجروا في سبيل الله، وآوى مَن آوى فكان يقسم ماله وما يملك في سبيل إعلاء كلمة الله مع الذي جاءه مُجرّدا من كل ما لَه في سبيل الله ... آووا الرسول وأصحابه ونصروهم، فحملوا الرسالة على عواتقهم كأحسن ما تُحمَل، وأدوها، ونشروا دين الله، وجاهدوا في سبيل أن تكون كلمته العليا، وفتحوا الأمصار ونوروا البلاد بنور الإسلام، وقادوا العباد بالعدل والرحمة والحق، فما ظلموا وما اعتدوا وما جاروا، بل أحلّوا السلام والعدل حتى أحبّهم العباد، وأحبوا دينهم الذي حلّاهم بالأخلاق والشِيم الرفيعة ... وعملوا، وعلموا، وعلّموا، وكان لهم النصر، وكان لهم السؤدد، وطوّعوا علوم الدنيا لأيمانهم، فسبقوا فيها وأبدعوا، واخترعوا واكتشفوا، وبرزوا، فكانوا الأوائل في العلم التجريبي يوم كان غيرهم سادرا في ظلمات الجهل والبدائية ... وشُيّدت في بلاد الإسلام الجامعات، وفُتحت المكتبات، وبُنيت المستشفيات، وكانت غاية أمنيات خيرة أبناء أوروبا أن يحظوا بطلب العلم في ديار الإسلام ...!
2- كما أنّ "كنتم" هنا تعني أيضا "وُجِدتم" لتعمّ المسلمين في كل زمان، خير أمة أخرجت للناس لا في عصر دون عصر بل في كل عصر ما أقامت الشروط التي تحقق هذه الخيرية، فالحق الذي عندها واحد لا يتبدّل، بل ما يتبدّل هو حال أفرادها، حال المسلمين . فإن كانوا على الحال التي يجب أن يكونوا عليها من اعتصام بالقرآن وحرص على الاجتماع وعدم التفرّق، وأن يكونوا يدا واحدة تذبّ عن الدين وتدفع عنه أباطيل المبطلين، وتحرس حِياضه، وتحمي حِماه وهي قويّة بيقينها بما عندها، تعلم أنها صاحبة الرسالة فلا يغرّها غارّ ولا يُبعدها عن دورها كانت الأمة القوية الخيّرة التي تأتي بالخير للعالمين ...
وفي عبارة أخرى أقول :
إنها الأمة التي تحققت خيريتها للناس في زمن مضى، والتي ستتحقق في كل زمن تعمل فيه بشروط حفظ قوّتها وسلامة داخلها .
-
وجاء بيان فضلها على الناس، وأنها خير من أخرِج لهم في :" تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ "
وكنا قد عرفنا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن قد يسأل سائل ما سرّ تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله في هذه الآية ؟
أقول، إنه قد يأمر بالمعروف الذي تتعارفه الفِطر السليمة، وقد ينهى عن المنكر الذي تنكره الفِطر السليمة غير المؤمن، ولكن أمره ونهيه هنا ليس للغاية الكبرى، ليس للغاية الحقيقية، ليس للغاية الممتدة إلى ما بعد الحياة ... بل حدودها الحياة، حدودها الدنيا ...
يتعارف الناس بالفطرة السليمة وبالعقل السليم على أن الخير خير والشرّ شر، فيحب الإنسان الخير، ويقرّه، ويكره الشرّ ويُنكِرُه ...ولكن دون أن يرنو بفعله إلى الغاية العليا ففعله لن يتعدّى الدنيا، كما أنه سيجعل منه عبدا لها لا يعرف العبودية لما هو أعلى منها، وأدوم منها... للذي خلقها وبرأها فجعلها الفانية وجعلها مِهادا للباقية ...
إن هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غايته الله تعالى، وإقامة أمره، ونشر هُداه ... هُداه الذي هو المنهج المسيّر للعقل البشري، الضابط للأنفس، الحائل دون وقوعها في دركات الأهواء، وفي تخبطات التفاوتات والاختلافات الوضعية البشرية ...
وعلى هذا فإن هذه الأمة هي خير أمة أخرجَت للناس، لأنها جاءت تأمر وتنهى وِفق منهج هادٍ، منير، منهج رباني مُنزِله سبحانه عالم بالنفس وبأغوارها وبتقلباتها، منهج ضابط يؤطّر الخير في إطاره السليم، ويؤطر الشرّ في إطاره السليم...
فهذه المجتمعات اليوم باسم الحرية وباسم الخير تجعل من الحرية مفهوما مطلقا يعني خليطا ممجوجا بين الإنسانية والبهيمية، فلا ضابط لشهوة، ولا منكِر لإسفاف، ولا منظّم لأخلاق ... فالعُري حريّة، والشذوذ الجنسي حرية، والاعتقاد بالحجر والمدر والحيوان ربّا حرية، والخروج عن الفطرة السليمة حرية ... هكذا يصبح حال البشر إذا ما ألغوا من حساباتهم الإله المُستحق للعبادة، والذي يشرّع والذي يأمر وينهى، فيضبط ليُحقّ الحق ويُبطل الباطل ... وضمن هذا المعنى يدخل أيضا ما قاله ابن عباس رضي الله عنه في الآية : "قوله (كنتم خير أمة أخرجت للناس) تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقروا بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه و "لا إله إلا الله" أعظم المعروف، والتكذيب هو أنكر المنكر."
وهكذا لن تؤدي الأمة دورها في الدعوة إلى الخير ولن تتحقق خيريتها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا إذا حققت شروط ومقومات قوتها من الاعتصام بالله وعدم التفرّق وذكر نعمته سبحانه عليها...
وهذا معنى خصوصية استمدادها لأمرها من الله تعالى لتؤدي دورها في الأرض... إيمانها بالله الذي هو الإسلام لا إيمان أمم أخرى، إن نعق ناعق بأنه الإيمان بالله الذي هو عند النصارى، أو الذي هو عند اليهود، أو الذي هو عند غيرهم ...
وسبحان الله ... وأنا أبلغ من كلامي هذا الذي بلغتُ أجدني منسابة، مُنساقة، منقادة انقيادا سلسا جزلا سهلا إلى قوله تعالى في تتمة الآية :
وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ
كما أسلفتُ ... إنه إيمان المسلمين الذي عرفنا تفاصيله في الآيات السابقة، مع القطاعات السابقة، إيمان الذين علمهم ربهم أن يقولوا مع نبيّهم وهو يجمع نفسه إليهم: "آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ "
الإيمان الذي عرفنا كيف تدرجت بنا الآيات حتى أبلغتْنا أنه الإسلام ...أنه الذي عليه محمد صلى الله عليه وسلم ومن تبعه، وأنه الذي كان عليه إبراهيم وكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
لو آمن أهل الكتاب إيمان المسلمين لكان خيرا لهم. ورغم ذلك فالقرآن كعادته مقيم على الإنصاف، يخبرنا أنّ منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون. ومناسِبةٌ كل المناسبة أن يُذكر أهل الكتاب وقد عايشنا أحوالهم في كل ما سبق .
وقد أعجبني في هذا ما أورده الطاهر ابن عاشور رحمه الله : "ولم يذكر متعلق ( آمن ) هنا لأنّ المراد لو اتَّصفوا بالإيمان الذي هو لقب لدين الإسلام وهو الذي منه أطلقت صلة الذين آمنوا على المسلمين فصار كالعلم بالغلبة ، وهذا كقولهم أسْلَم ، وَصَبَأ ، وأشْرَكَ ، وألْحَد ، دون ذكر متعلّقات لهاته الأفعال لأن المراد أنَّه اتَّصف بهذه الصّفات التي صارت أعلاماً على أديان معروفة ، فالفعل نُزّل منزلة اللازم ، وأظهر منه : تَهَوّد ، وتَنَصّر ، وتَزَنْدق ، وتَحَنَّف ، والقرينة على هذا المعنى ظاهرة وهي جعل إيمان أهل الكتاب في شرط الامتناع ، مع أنّ إيمانهم بالله معروف لا ينكره أحد. " –التحرير والتنوير-
لنتأمل.... إننا كما سبق وأن تدرجنا حتى تعلمنا أنّ إيمان المسلمين هو الحق ... هو الإسلام... نجدُنا مع هذه الآيات في دائرة هذا الإيمان لا غيره مما يُسمّى إيمانا هو لمحرّفين ومبدّلين للحق الذي نزل من عند الله ...
ثم لنتأمل ... فلقد أمر الله المسلمين أن تكون منهم تلك الأمة، ثم علمهم كيف تتحقق خيرية تلك الأمة في الأزمنة المختلفة وِفق الشروط المبيّنة ...
** في الأولى : "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)"
** وفي الثانية : "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ(110)"
الأولى لم يكن فيها ذكر الإيمان بالله، ولكن ترتّب عن سياق الآيات السابقة لها أنّ مصدر العمل المأمور به فيها الاعتصام بحبل الله، بقرآنه، وبسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، وفي الثانية كان بيان المصدر في : "وتؤمنون بالله" .
وأضع هنا هذا المخطط التوضيحي :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12697;image)
-
وما دام أكثرهم الفاسقون، فالحال ينبئ عن حلف كبير مخالف للمؤمنين، يتربّص بهم الدوائر، لن يهنأ لهم بال وهم يقولون بغير مقالاتهم.. وعلى هذا يُعلم الله المؤمنين بحقائق جديدة عنهم ليزدادوا معرفة بهم :
لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ(111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ(112)
إنهم وحالهم هي هذه، أنّ أكثرهم الفاسقون، لن يضروكم أيها المؤمنون، حقيقتهم أنّ ضررهم مقتصر على الإيذاء " لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى " ..
فما الأذى وما الضرر ؟
الأذى أخف من الضرر، هو الضرر غير الجسيم، وهذا هو أذى الفاسقين من أهل الكتاب لكم، فهو إيذاء باللسان بقولهم على الله مقالاتهم الباطلة، وبتأوّلهم في عيسى عليه السلام، وكلّه من الإيذاء الذي لا يحبّ المؤمن سماعه في حقّ الله تعالى... أضف إلى ذلك ما يُلقونه من شُبُهات وتشكيكات في صفوف المؤمنين ...
وعلى هذا فإنّ هذا الأذى منهم غير مُهلِك، وليس له كبير أثر على المجتمع المسلم ...
حسنا... وكعادتنا ...ننظر إلى واقعنا بعين فاحصة، ولا نحبّ أن نأخذ من القرآن خيالات حالمة، ليس لأنه يُملي علينا تلك الخيالات إملاء ...كلا وحاشاه ... بل هو يعلّمنا الحق، ولكن لأنه بدافع من دواخل ونفسيات منهزمة يقرأ مَن يقرأ ما يحب أن يقرأ، لا ما يعطينا إياه القرآن على الحقيقة ... نحبّ أن نقرأ الأحلام والكمالات الخيالية، فنقول ونقرّر أن أمة الإسلام هي القائدة وهي الرائدة وهي التي تحمل همّ الأرض على عاتقها ووو... وليس هذا بالباطل بل هو الحق، ولكن شعرة هي الفاصلة بين هذا الحق وبين أن يقرَّر خيالات ... تلك الشعرة هي الشروط ...
إن هذا لمتحقق وكائن وصحيح، ولكن ليس من فراغ ولا من تشدّق بالكلام، بل بشروط يجب توفّرها أولا، وما لم تتوفر فلا يكون شيء من ذلك ... وكما أسلفت فإن القرآن لا يقول بتحققها جُزافا، بل يبيّن تلك الشروط أيّما بيان، ويضعها الأُوْلى، ويضعها اللبنة الأساس التي يأتي بعدها الأمر للأمة أن تضطلع بدورها وأن تقوم بمهمّتها، فلا يأمرها الله بأن تكون آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر قبل أن يعلّمها شروط تحقق ذلك منها... عدم طاعة أهل الكتاب، الاعتصام بالله، والاحتكام للقرآن وللسنة النبوية، تقوى الله حق التقاة، الإيخاء، التآلف، عدم التفرّق ... لا يأتي شيء من أمرها بالقيام بمهمتها قبل أن يورِد كل هذه الشروط تِباعا ...
فمَن قال بوَرْديّة حال الأمة وقرّر أنها الخيّرة على الإطلاق وتحت كل الظروف، وفي كل الأحوال دون أن يكون تركيزه على تلك الشروط، ودون أن تكون دعوته الأولى لتحقيقها قبل أن تكون دعوته للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد حلم، وقد جرّد حقائق القرآن من ثوابتها ومن دعائمها
وها هنا في واقعنا... ونحن على ما نحن عليه من ضعف وهوان وتداعي الأمم علينا، ومن تفرّق وتشرذم، ومن عدم اعتصام بهَدي القرآن، ومن اتّباع للأهواء على أنها الحرية إلى حدّ حبّ الانعتاق من أسر الأمر والنّهي والتكليف الإلهي، ونحن على ما نحن عليه من هزيمة نفسية جعلت ضِعاف الشخصية من المسلمين وأصحاب هويّة العنوان من الإسلام حُثالة تقتات على فُتات موائد الغرب وتتمسّح بأحذيتهم على أنهم في القرار والتقرير سادةٌ وهم لهم العبيد ...!
ونحن على هذه الحال من التبعيّة العمياء لأصحاب القوة المادية... ونحن على هذه الحال من الانبهار بهم وبقوّتهم وبامتلاكهم لأسباب الدنيا ... !
وهي ذي حالنا هل يبقى أذاهم أقلّ درجة من الضرر ؟!
إنّ الآية تقرّر حقيقة حال من أحوال أهل الكتاب إزاء المسلمين ما توفّرت شروط القوة في المسلمين، وما توفرت فيهم الأمة الرائدة بقوة في داخلها معلومة، ذكرها القرآن وعدّد أسبابها التي تحقّقها ... حقيقة أنّ ما يلحق المسلمين منهم وهم في قوة ومَنعة لا يعدو الأذى، الأذى باللسان، بالشُبهة التي لا يتردّد لها صدى ولا يبقى لها أثر بين مسلمين مستمسكين بأسباب قوّتهم...
أما والحال على ما نحن عليه فإن الأذى منهم بوزن الضرر وأكثر .. وهذا ما نلمسه واقعا مُعاشا ... الشُبُهات التي يُلقون، والتي يتلقّفها المسلمون، تترك أثرها في نفوس كثير من شباب المسلمين اليوم، تترك أثرا قويا مُخيفا يُطيح بإيمانهم ويجعلهم كالقشّة في مهبّ الريح ...
وأنّى للقشّة أن تقاوم وهي التي لا تملك من ذاتها قوة ولا تملك من ذاتها مَنعة ؟!
أنّى للمسلم القشّة أن يقاوم عقلُه الشبهات ؟! وأنّى للمسلم القشّة أن يقاوم قلبه الشهوات ؟!
وأنّى لأمة لم توفّر عوامل قوّتها، فداخلها ينخره السّوس وتأكله الأرَضة أن تقاوم الشبهات والشهوات ؟! أنّى لأمّة لم تعرف من قرآنها غير العنوان وغير التشدّق بامتلاك دواء دون معرفة لطريقة تناوله ليخالط الدّم ويسري بين العروق العطشى أن تقوم وتقاوم ؟!
لقد أصبح أذى اللسان منهم داء عُضالا يعاني منه مسلم القشّة الذي لم يُحسن كيف يتعلم من قرآنه، وكيف يكون متكأه وسندَه وسلاحه ضدّ كل شُبهة ... لم يُحسن كيف يرتّب دلالاته ولا كيف ينظّم إرشاداته وتعليماته في عقله ترتيبا وتنظيما يكوّن له قاعدة مُنطلَقه في الحياة ...!
لم يُحسن كيف يجعل منه مشكاته على الدرب، فظلّ خائضا في العتمة يرفُس ويعفس لا يتبيّن حجر عثرة من حجر كريم مشعّ ثمين يزيده على الدرب قوة ونورا... لا يتبيّن حقا من باطل ...!
إنّ جذر علّة الأمة لا يكمن في غياب أو تغييب الأمر بالمعروف فيها والنهي عن المنكر، بل يكمن في عدم استمساكها بالأسباب التي تؤهّلها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذلك هو الجذر الذي مكمن الداء فيه، وبسببه لم تستوِ شجرة الأمة على سوقِها، ولم تينَعْ لها ثمار ...
إنّ الجذر يفتقد للغذاء من أصل الأرض ومن جوفها، يفتقد للماء المُحيي... ولذلك لم تظهر للشجرة علامات فوق الأرض ... فكيف يكون لها ثمار ولا عود للأغصان على الأرض ؟!
نُدندن أن العلة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأول علتنا ضعف كبير في التنشئة على تربية القرآن التي تؤهل للاستمساك به حبلا متينا منقذا ... تربية القرآن التي تؤهّل للأمر بالمعروف ولتقبّل الآمر بالمعروف، وللنهي عن المنكر ولتقبّل الناهي عن المنكر ...
فكفى ظلما للإسلام وإلصاقا لجُرم السّدر في الأحلام والتّيه في الأوهام والترنّح في عالم الخيال بالإسلام، وهو من ذلك كله براء ... !
وهو الدين العظيم الذي يجعل العيش في الواقع، ولتبيّن أسباب ما عليه الواقع، ويدعو لتغيير الواقع، وهو يصف تركيبة الدواء الشافي مركّبا بمركّب... ولا يدعو للسبح في خيالات شجرة السؤدد والعزّ من غير جذر مُغذّى بنور الوحي، ومن غير جذر مُسقى بماء الوحي ...!
نعم ... إنهم لن يضرونا إلا أذى باللسان...بالشُبهات التي يُلقونها لغاية الإضلال، ولكنّ أذاهم كان كجُهد الساعي بلا نِتاج لمّا كانوا يجدون قُبالتَهم جبالا شُمّخا أقامها الإسلام وأعزّها، وأغصانا حُبلى بيانِع الثَّمَر رواها القرآن وغذّاها الرسول صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وحركة بالقرآن على الأرض...
كان جُهدهم وسعيهم هباء عندما كانوا يجدون من اتبع تلك الخُطى النورانية واقتفى أثرها بإحسان ... وسيكون جهدهم وسعيهم بالإيذاء هباء ما وجدوا تلك الأمة القوية القائمة بوحي السماء في كل زمان ... ما وجدوا تلك الأمة التي يعمل فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عملهما، فينكر المُنكِرُ ويأمر الآمِرُ وهو المتقبّل، وقد أنشأت -أولا وقبل كل شيء- بكل منظومتها المجتمعية أسرةً ومدرسةً وشارعاً وسوقاً وهيئةً وإدارةً تربيتُها القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . عندها سيكون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دورهما ... عندها ستقوم الأمة بدورها ... متى وفّرت لنفسها بنفسها السلاح اللازم والقوة اللازمة والعُدة اللازمة ...
-
لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ(111)
إنهم لن يضروكم إلا أذى ما كنتم تلك الأمة القوية ... وإن يقاتلوكم يولّوكم الأدبار ثم لا يُنصَرون ... حتى إذا ما قاتلوكم لن يقووا على مواجهتكم ... نعم تلك حقيقة ... حقيقة وليست خيالا ... وإن الفاصل بين فهْمِنا لها كما هي وتخيّلها بنسج أخيلتنا شعرة كما ذكرتُ ...
شعرة الشروط ... ولهذا نجد اليوم من يعترض، ويجد اعتراضَه قويا وهو يصيح قائلا: ولكن ليس هذا هو الواقع ! ليس الواقع ! أفيقوا إنكم المترنّحون في عالم الخيال ! أي تولية للأدبار منهم اليوم وهم المنتصرون على المسلمين، وهم أهل السلاح والقوة والسطوة ... والمادة وووو ... أي تولية للأدبار هي منهم ؟؟
إنهم إن يقاتلوكم وأنتم أقوياء بخيريّتكم الناشئة عن اعتصامكم بالله وعن طاعتكم لأمره، وانتهائكم عن نهيه، لن يصمُدوا أمامكم ... ليس من سحر ساحر أو شعوذة مشعوذ يحدث ذلك، بل لأنكم إذ اعتصمتم بالله، تعلمتم أنّ الأخذ بأسباب الدنيا سبب لتمكين الأمة، وأن العمل وإتقانه سبب للتمكين وللعزّة، ولتفادي سطوة الآخر وسيطرته عليكم، وأنّ العلم وسيلة من وسائل التمكين، وأنّ التجهّز وإعداد العُدّة من أسباب القوة والتمكين، وفوق كل هذا أنتم على ربكم متوكلون، به مستنصرون، موقنون أن النصر من عنده وحده ... فكيف لا يولّي دبره من يفكر بقتال من هم في هذه القوة ؟! ولقد تحقّق ذلك في أزمنة ماضية ولم يكن محض خيال ...
هكذا هو الفهم السليم لآيات القرآن لا فهم المسلم القشّة الذي تعوّد أن يتخذ من العزّة والسيادة التي حققها المسلمون الأقوياء قالبا جامدا يريد غصبا أن يجعله على مقاس القشّة ... !الفهم الذي يعرف ترتيب التعليمات القرآنية ترتيبا يجعل منها القاعدة، والتركيبات الدوائية فيه تركيبا يجعل منها علاجا شافيا ...
ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ
نعم ثم لا ينصرون ... ولنتأمل كيف بُني الفعل للمجهول إعرابا، ولكنه حقيقة هو من أمر الله تعالى حتى يتأكّد أن النصر من عنده سبحانه لا من غيره، فكيف يُنصَر مَن لا يوحد الله ولا يجاهد في سبيل إعلاء كلمته في الأرض على من هو في سبيل الله قويّ مستعصم به سبحانه، موفّر لشروط القوة الداخلية، آخذ بالتركيب المبيّن في الوحي الإلهي المنير للدرب ...
ولقد عرفنا نصر الله لعباده المؤمنين في مواقع كانت غلبة العدد فيها للعدو، ولكنّ المسلمين بحالهم القوية، وبخيريتهم أمكنهم الله منهم، ونصرهم... حاربوا اليهود مرارا، في غزوات مختلفة، في بني قينقاع، وفي بني النضير، وبني قريظة وفي خيبر ... وكانوا بين إحدى اثنتين إجلاء أُجلوه من البلاد صاغرين أذلة، وبين قتل ...
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ(112)
هكذا جعل الله حالهم... أولئك الفسقة من أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا الإيمان الصحيح، الإيمان الذي جاء به القرآن الكريم... والذي بُعِث به محمد صلى الله عليه وسلم ... ضربت عليهم الذلة، إذ الذلّة هي ما يُفرَض على المرء لا من ذاته بل من خارجها، فهي مضروبة عليه بفعل تقوّي أهل الحق ... وبفعل أخذهم بأسباب القوّة اللازمة ... بفعل تلك الأمة القوية الخيّرة التي بها تُعلى كلمة الله في الأرض ... هكذا هو حال المؤمن، وهكذا بالمقابل هو حال الكافر أمامه... إذ أي عزة هي له والعزة من الله ؟!
ولكنّ الاستثناء الواقع هو أنّهم قائمون في الأرض بحبل من الله وحبل من الناس، فأما حبل الله فهو ما يكون من معاهدات أو قوانين يقضي بها الإسلام في تعاملاته مع غير المسلمين سِمتُها العدل والحق، وخاصة الجزية التي كانت تُفرض من ديار الإسلام على غير المسلمين الذين يبقون على دينهم إن اختاروا البقاء عليه، وهم إذ تحميهم الدولة المسلمة وتقضي بحقوق المواطنة لهم، وبعدم التعرض لهم وعدم إيذائهم، وتركهم لدينهم وعبادتهم، يدفعون الجزية لها، وهذا حبل من الله لأهل الكتاب قضى به عَبْر عباده الممكّنين في الأرض ... فالمسلمون يقضون بحبل الله تعالى، وذلك حظهم من حبل الناس، بمعنى أنهم الوسيلة لإنفاذ أمر الله في أهل الكتاب ...
وأما الحبل الذي من الناس، فعرفنا منه ما كان من عامة الناس لا من المسلمين وحدهم مع اليهود الذين شُرّدوا في الأرض، الذين هاموا على وجوههم في بلدان العالم :"وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا" وبنوا لهم مستوطنات فيها، وعملوا هناك وسعوا بالربا وبالإفساد بين أهل تلك البلاد حتى ضجوا منهم، وأنكروا أفعالهم وسوء مساعيهم بينهم بأكل أموال الناس... وتسلقوا في تلك البلاد وتسللوا بين أهلها بالتحايل والتلاعب والمكائد حتى سيطروا على مقاليدها اقتصادا وسياسة. كلّ ذلك بحبل الناس الذين مكّنوهم مما تمكّنوا منه ...وإلى يومنا نعرف مثالا بارزا حبل أمريكا لليهود في العالم .
وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ
وذلك ما جنوه... الغضب من الله وضرب المسكنة عليهم، والمسكنة -بخلاف الذلّة- هي ما يكون من ذات المرء لا من خارجها. وليس ذلك من فراغ، بل من كفرهم بآيات الله، ومن قتلهم الأنبياء. ولقد عرفنا من قبل : " ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ" .
يقول في ذلك أبو زهرة : " والمسكنة ضعف نفسي، وصغار ينال القلب، فيستصغر الشخص نفسه، ويحس بهوانها مهما تكن لديه أسباب القوة متوافرة متضافرة، والفرق بينها وبين الذلة أن الذلة هوان تجيء أسبابه من الخارج بأن يكون بفرض من قوى، أو يكون نتيجة انهزام حربي، أما المسكنة فهي هوان ينشأ من النفس لعدم إيمانها بالحق، واتباعها للمادة، وإن توارث الذلة قرونا طويلة يورث هذه المسكنة، إن بواء اليهود والنصارى بغضب الله، وضرب المسكنة عليهم، لَا استثناء فيه، بل هو أمر مستمر إلى يوم القيامة ما داموا على حالهم، ولا يغرنك ما عند النصارى وتقلبهم في البلاد، بل انظر إليهم إن أصابت فريقا منهم هزيمة فإنهم يخرون للأذقان يبكون صاغرين، مما يدل على أن المسكنة في طبيعتهم؛ إذ عزة الحق قد فارقتهم." –زهرة التفاسير-
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12699;image)
ويعود القرآن العظيم لتقرير إنصافه كما تعودنا منه ...
لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ(113) يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ(114) وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ(115)
إنه سبحانه بعدما أقرّ حال: " وأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ" ... يأتي الآن على حال المؤمنين منهم ...
فلقد أنصف لما أعلن أنّ "منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون"، ثم جاء بتفصيل حال كل فريق
فهذا الآن تفصيل حال المؤمنين منهم ...
لا يستوون ... منهم أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون .
ولقد قيل بمعنيين لقيامهم هذا، ولإيمانهم، منهم من قال أنهم الذين بقوا على أمر الله منهم، ولم يتركوه كما تركه غيرهم، وقد روي عن ابن عباس أنه قال في معنى أمة قائمة : " أمة مهتدية قائمة على أمر الله لم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه " وروي عن قتادة أنه كان يقول في الآية: " ليس كل القوم هلك، لقد كان فيهم بقية ".
ومنهم من قال أنه إيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخولهم في الإسلام، ونعرف منهم عبد الله بن سلام اليهودي، والنجاشي والعدد من البطارقة الذين آمنوا لما عرفوا الحق من القرآن، وعند الله تعالى يكفي هؤلاء على قلة عددهم وهو سبحانه الذي لا يريد ظلما للعالمين، يكفي عددهم ليُذكروا في القرآن استثناء، وليُكرّموا بذكرهم فيه ...
وعندي أن هؤلاء هم المعنيون، هؤلاء الذين لحقوا بركب الإيمان الصحيح، والقرائن على ذلك عندي أكثر من واحدة ... فهم :
1- يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ السجود هنا جاء تدليلا على الصلاة، وهذه خصيصة من خصائص المسلمين، صلاة العتمة، صلاة الليل والتي لا توجد عند غيرهم من أهل الكتاب، وقد جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: " أخَّر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلةً صلاةَ العشاءِ ثُمَّ خرَج إلى المسجدِ فإذا النَّاسُ ينتظِرونَ الصَّلاةَ فقال أما إنَّه ليس من أهلِ الأديانِ أحدٌ يذكُرُ اللهَ عزَّ وجلَّ هذه السَّاعةَ غيرُكم قال ونزَلَت هذه الآيةُ {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ} حتَّى بلَغ {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} " –صحيح ابن حبان-
2- القرينة الثانية على أنه قيام وإيمان أهل الإسلام الصفات المذكورة لهم في الآية الموالية : يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ(114)
2-أ)إيمان بالله، وليس الاعتقاد بالتثليث لا بتوحيده إيمانا يذكره الله تعالى لأهله ويُشيد به، ويُعلي من شأن أصحابه ... بل إنما هو الإيمان الصحيح الذي فيه الاعتقاد السليم في الله تعالى، إلا إذا كان المعنيون به المؤمنون من سلف أهل الكتاب الذين آمنوا بأنبيائهم واتبعوهم وماتوا على الإيمان الصحيح الذي جاؤوهم به ... وإنّ هؤلاء ليس قويا الشاهد بذكرهم في هذا المقام، لأن الله تعالى بصدد بيان حال الفئة الفاسقة من أهل الكتاب، والفئة المؤمنة منهم للمسلمين حال نزول القرآن، ولقد عرفنا بيان حال الفسقة منهم المعاصرين للمسلمين وكيف أنهم لن يضروهم إلا أذى، وكيف يكونون في حال قتالهم لهم، ويبقى الأقوى أن يتبين حال المؤمنين منهم المعاصرين للمسلمين بالمقابل لا مَن كان قبلهم . والله أعلم.
2-ب)ثم الإيمان باليوم الآخر، هذا اليوم الذي قال الله تعالى في سورتنا هذه : " ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ"
فإيمانهم باليوم الآخر الذي يُثني عليه الله تعالى، يقتضي إيمانا صحيحا، إيمان هو الإسلام لا غيره ...
2-ج) وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وكلها صفات منبثقة عن الإيمان الصحيح .
2-د) القرينة الأخيرة هي إقرار الله تعالى : وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ.
زيادة على ذلك فإن القرآن فيه من ذكر أحوال هؤلاء المؤمنين من أهل الكتاب إيمان الإسلام، الإيمان الذي جاء به القرآن، للمعاصرين للبعثة النبوية، لا لمَن قبلهم ممن عاصر الأنبياء واتبعوهم اتباعا سليما وماتوا على الإيمان الصحيح ... جاءت تلك الآيات تصف المؤمنين منهم بالقرآن :
يعدّد الإمام الشنقيطي تلك الآيات فيقول :
**ذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهَا تَتْلُو الْكِتَابَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ وَتُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ" –البقرة:121-
**وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ خَاشِعُونَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وَهُوَ قَوْلُهُ: " وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا" –آل عمران:199-
**وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُمْ يَفْرَحُونَ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: " وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ" –الرعد:36-
**وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ إِنْزَالَ الْقُرْآنِ مِنَ اللَّهِ حَقٌّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ..."-الأنعام: من114-.
**وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُمْ إِذَا تُلِيَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ خَرُّوا لِأَذْقَانِهِمْ سُجَّدًا، وَسَبَّحُوا رَبَّهُمْ، وَبَكَوْا، وَهُوَ قَوْلُهُ:" إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا" –الإسراء: 107/108/109-
**وَقَالَ فِي بُكَائِهِمْ عِنْدَ سَمَاعِهِ أَيْضًا: " وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ" –المائدة:83-.
**وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، تُؤْتَى أَجْرُهَا مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(51) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ(52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53)أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا..." -القصص-
ومَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ
وهؤلاء الموصوفون بتلك الصفات الإيمانية لن يُكفَروا الخير الذي فعلوه، بل سيجازيهم عليه رب العزة، وسيثيبهم . و" عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ " قرينة أخرى على أنهم أهل الإيمان السليم. أهل التقوى والصلاح الذي جاء به القرآن .
-
ولقد شارفنا على نهايات قطاعنا (100-120) . هذا الذي جاءت فيه شروط الأمة القوية الثابتة التي تهابها الأمم، والتي جعلها الله تعالى خير أمة أخرجت للناس إذا ما حقّقت شروط الخيريّة كما عرفنا ...
وفي الآيات الأخيرة عرفنا إنصاف القرآن لأهل الكتاب وهو يفصل بين الفسقة منهم وبين المؤمنين الذين لن يُحرَموا حقهم من الأجر والثواب عند الله جزاء إيمانهم وتصديقهم بالحق الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم .
أما الآن فهي ذي نهايات القطاع :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئاً وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(116) مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِـذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(117) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ(118) هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(119) إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ(120)
1-إذن وقد أنصف القرآن المؤمنين منهم، فوصفهم بالمسارعة للخيرات، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبتلاوة آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، وأنهم ليسوا والفسقة سواء ... ها هو سبحانه يعود ليذكر خسار الكافرين، في مزيد بيان للبَون الشاسع بين مؤمن وكافر ...
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئاً وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(116) مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِـذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(117)
ولقد سبق في هذه السورة أن عرفنا هذا المعنى، بل لقد عرفناه في بداياتها : "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَٰئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ(10)"
عرفناه والسورة تعالج فينا الهزيمة النفسية التي تراكمت عواملها على النفس المؤمنة بفعل الضعف الذي اعترى الأمة، والسقطات التي مُنيت بها، وما قابلها من تصاعد نجم أهل القوة المادية في الأرض من الكافرين ... بفعل تخلّي الأمة عن ثوابتها، وعن عوامل قوتها، وتقاعسها عن تحقيق شروط خيريّتها لأداء دورها الرياديّ ...
تُعاد ها هنا أيضا ... ومناسبتُها لما قبلها أنّه بعد ذكر حظّ المؤمنين من أهل الكتاب، ونصيبهم المحفوظ من الأجر والثواب عند أَوْلهم إلى الله، جاء ذكر الكافرين منهم ومآلهم يوم الحساب، ذلك اليوم الذي ذكر في آية قريبة سابقة أنه يوم الرُّجعى إلى الله تعالى الذي لا يريد بالعالمين ظلما : " ...ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ(من108)"
والإنسان مجبول على التفاخر بمال وبولد، وماذا ينفع مال أو ولد رجلا كفر بالذي أعطاه المال وأعطاه الولد ... ؟!
إنها مخاطبة لنا نحن المسلمين، أن نكفّ عن الانهزاميّة التي تلازمنا من الرأس إلى أخمص القدم ... أن نكفّ عن النظر بعين الإجلال والإكبار إلى الكفار وبعين ذليلة منكسرة إلى حالنا ...
ولنتأمل... فإذا القرآن إذا ما جمعنا أطرافه طرفا إلى طرف، وجدناه يقعّد لنا، يسنّ لنا القواعد التي تُتّبع على درب الحياة، القواعد المُنْجية ... -وكما قلت سالفا- نجمع دلالاته وتعليماته وتركيباته لنتعرّف البلسم الشافي لجراحنا وأدوائنا ...
لقد اتفقنا على أن هذه السورة تعلمنا عوامل الثبات ...
إذ قد عرفنا :
أولا : كيف عملت الآيات أول الأمر على تخليصنا من الهزيمة النفسية لنتقوّى ولنسير على الدرب على بصيرة واثقين غير مهزوزين ... وهذه قوّة في النفس يزوّدنا بها القرآن لا عن خيال وتخييل بل عن حقيقة أنّ ما معنا يؤهّلنا لأن نعتزّ ونثق ... قوّة في النفس لها أعظم الدور في مضيّنا قُدُما...
ثانيا :وهو المنهج الواقعيّ الدقيق الذي لا يذهب بنا مذاهب الخيال والتخييل والأوهام والإيهام، لا يكتفي بأن يضخّ دم القوة في أوصال أنفسنا المهزومة، بل يكمّل ذلك بإملاء شروط على المؤمن أن يلتزم بها ويعمل على تحقيقها، فيتّحد العاملان كلاهما، العامل النفسيّ والعامل العمليّ التطبيقي . وهذا من روح واقعيّة القرآن العظيم الذي لا يهمل الجانب النفسيّ بل يعرف له دوره في التقوية والتثبيت، كما لا يلغي الجانب العملي كدأب تلك الممارسات التي يسمونها برمجة لغوية عصبية وتنمية بشرية توهِم بالقوة تخييلا بالإيحاء والعبارات الرنانة وتكتفي بذلك مجرّدا عن العمل، فتُبعِد عن الواقع وتُسدِر الإنسان في عالم الخيال زعما من أهلها أنّهم يبثون القوة في النفوس الضعيفة ...
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئاً وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خالِدُونَ(116)
لن تغني عنهم دواعي التفاخر والخيلاء والكبر في الدنيا من الله شيئا ... وأولئك أصحاب النار، أصحابها الملازمون لها –عياذا بالله منها- هم فيها خالدون ... فأيّ قوة هي تلك التي لا تبقى عزّا ممتدا إلى ما بعد الحياة الدنيا الفانية، إلى الدار الباقية ... ؟! "يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)" -الشعراء-
وليس المال معيار تقييم الإنسان عند الله تعالى، ولو كان كذلك لكان أحقّ الناس به هو أحب خلق الله إلى الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أن الكفار واليهود تقوّلوا أنه لو كان محمد على حق لما تركه ربه على ما هو عليه من فقر، وأنّ هذا الذي حُبِي به لَغيرُه من أهل المال والجاه أولى به ! ... حتى نزل في ذلك قوله سبحانه :" وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)." -الزخرف-
وقد يسأل سائل: ولكنّ منهم من ينفق ماله في أوجه الخير، منهم أصحاب قلوب رحيمة، تعطف على المحاويج، وتمدّ يد المساعدة ولا تبخل، فكيف يُعدّ مالهم واعتدادهم به شرا وهم في الدنيا أصحاب عمل ونفع ؟!
فيأتي الجواب في الآية الموالية :
مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِـذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(117)
إنّ مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صرّ، والصرّ هو البرد الشديد، فهي ريح لا تحمل خيرا كعادة الريح في حملها للقاح مثلا، بل تحمل بردا شديدا، فتصيب حرث قوم ظلموا أنفسهم فتهلكه ...
أتأمل التعبير القرآني الدقيق البديع : " أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ "... إنها تصيب الحرث، تصيب ما لن يبلغ مبلغا من نموّ، ما لن يبلغ بصاحبه الحصاد ... تصيب الذي بُذر وزُرِع، وقُلبت لأجله الأرض وهيئت، في هذه المرحلة تحديدا يُصاب، فلا يبلغ مبلغا من نموّ ولا كبر ... فكيف بالثمر ؟! لن يحصد صاحبه شيئا، بل سيجده مُهلَكا ...
هكذا هي أمواله التي أنفقها وهو لا يقرّ بالله ربا، وهو لا يقرّ بوحدانيته، بل يخلط في ذاته سبحانه ويخبط فيجعله ثلاثة، ويجعل له ولدا، ويجعل له صاحبة ... إنها في الدنيا قد تبدو لرائيها ذات نفع وفائدة ... ولكنّ النماء المُراد هو الذي يكون عند ربّ العزّة سبحانه وهو يُنميه له، والحصاد يكون يوم الجزاء، يوم الحساب ...
وسواء أأنفقوا في خير أو في شرّ، وهم على ما هم عليه من كفر فهو عند الله بلا إنماء وبلا حصاد يبلغ صاحبَه ... إنهم قوم ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ بكفرهم
وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(117) وما ظلمهم الله تعالى، وقد عرّفهم الحق، وقد دعاهم ... وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، فأعرضوا وتصدّوا وصدّوا ... ولكن أنفسهم يظلمون.
وهكذا انتهى بيان حال الكافرين بمزيد بيان لمآلهم وإن كان ظاهرُ أمرهم الدنيوي خيرا حتى لا يغترّ بهم المؤمنون، حتى لا يغتروا بأحوالهم وتقلباتهم في البلاد، فتتعزّز هزائمهم النفسية ويفقدوا الثّقة بما عندهم ...
-
2-ليأتي الآن بيان حال فئة أخرى، يريد الله سبحانه أن يُبصّر الأمة بحقيقتها ...في مجموع الآيات الأخيرة التالية من قطاعنا :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ(118) هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(119) إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ(120)
2-أ) إنه النداء المشرّف : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ " ...
وهو في قطاعنا هذا يُعدّ الثالث، كما أنه الثالث منذ بدء السورة ...
ولقد عرفنا في هذا القطاع خاصة التوجه للمؤمنين بهذا النداء ... القطاع الذي يخصّ الأمة بالذكر، وبالتقوية، وبالتعليم وبالتثبيت ...
لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ والبطانة ما يكون لصيقا بالثياب من داخله، فهو ألصق بالإنسان من ثيابه، أو هو الأسبق إلى الجسم من الثياب ذاتها، وهو ما يدلّل على الخصوصية والقرب، والمعرفة بالدخائل، وبما لا يعرفه غيرُ هؤلاء الموصوفين بالبطانة ... إذن فالبِطانة هم الفئة التي يقرّبها الإنسان إلى نفسه فتعلم عنه من خاصّة أمره ودخيلته ما لا يعلمه غيرُه...
فجاء الأمر الإلهي للمؤمنين، للأمة المسلمة ألا يتخذوا بطانة من غير أنفسهم، بل من المسلمين لأنهم الأولى بأن يعرفوا تلك الدخائل، والأولى أن يطلعوا عليها، إذ هم المستأمنون الذين لا يمكرون ولا يخدعون ولا يغدرون...
ولقد كان من المسلمين إبان البعثة مَن بقي على تواصل مع اليهود، فجاء التنبيه الإلهي لهم، كما جاء للأمة المسلمة في كل زمان أن تحترس فلا تُطلع غير المسلم على خاصّة أمرها، لأنهم في كل زمان متربصون بالمسلمين، يتسللون في أوساطهم، يدّعي منهم مَن يدّعي الإسلام ليتقرّب وليعرف الأسرار ويسبر الأغوار، وليكون عينا للأعداء عليهم، ينفث فيهم سمومه وينقل أخبارهم إليهم ...وهؤلاء هم المنافقون سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم..إنها عامة في كل منافق يتربص بالمسلمين وبالإسلام الدوائر ...
إنها الفئة الثانية التي تأتي الآيات على تبيان حقائقها للمسلمين، لتبقى الأمة التي تحافظ بكل الأسباب على قوة جبهتها الداخلية ...
1- أمة تُدرك أنّها التي على عاتقها رسالة إصلاح الأرض
2- أمة مأمورة ألا تطيع أهل الكتاب بل أن تكون طاعتها لمنزّل الكتاب، واتباعها لسنة رسوله الذي بعثه بالكتاب.
3- أمة مأمورة بتقوى الله حقّ التُّقى .
4- أمة مأمورة بالاعتصام بحبل الله
5- أمة مأمورة بعدم التفرّق .
6- أمة مأمورة بذكر نعمة الله تعالى عليها.
7- أمة هي خير أمة أخرجت للناس ما حقّقت تلك الشروط النفسية والعملية.
8- أمة عارفة بأحوال أهل الكتاب وبالحدود التي يجب أن ترسمها معهم.
9-أمة محترسة، تعمل على تقوية جبهتها الداخلية وهي تتعلم صفات المنافقين لتتجنّب تقربهم إليها وتتجنب مكرهم بها.
لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ(118)
إنهم لا يألونكم خبالا، والخبال هو الفساد، فهم أولاء لا يقصّرون في إفساد أمركم...
** وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ أي يحبون ما يُتعبكم، وإن مما يتعبكم تفرّق أمركم، وأن تكونوا شتى...
** قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ... تزلّ ألسنتهم، فيصدر منها ما يشي بحقدهم عليكم، وكرههم لوحدتكم وعزّتكم وقوتكم ...
** وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ... وهذا من علم الله تعالى، والذي لا يستطيع أن يعلمه غيره سبحانه، فهو سبحانه يحذّر المسلمين، بأن ما في صدورهم ولا يظهر لكم أمرّ وأدهى .
قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ...وكل هذه التي ذكرتها الآية علامات بينها الله تعالى، فكل عاقل يُعمل عقله يجمعها بعضا إلى بعض، ليميز بها المنافق من الصادق، فكلما لاحت في أحدهم احترس وتعقّل، وتذكّر تعليم الله له هذه الصفات ...
وسبحان الله .. المنافق رغم سعيه الدؤوب أن يُغمَّى أمره على الناس، إلا أن المؤمن وهو يرى بعين الله تعالى، يرى بالقرآن وبما يعلّمه، يستطيع أن يتبيّن المنافق وإن بنِسَب... فيحترس.
ولذلك أستحضر قول عمر بن الخطاب الذي كان ينظر بعين الله، وكان يُعمل عقله، ويفهم الوحي، ويرتّب دلالاته : "لست بالخبّ ولا الخبّ يخدعني"
وهكذا هي التربية بالعامِلَيْن النفسي والعملي على السواء... وعلى هذا المخطط بيان لذلك من خلال الآيات :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12701;image)
-
2-ب) هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(119) إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ(120)
سبق وأن بيّن سبحانه أهم صفاتهم :
1-أنهم يتمنون ما يُشقي المؤمنين ويتعبهم من تفرّق وتشرذم وخلافات وحروب بينية وسقطات وزلات وضعف.
2-تزلّ ألسنتهم بما يفيض به كأس غيضهم وحقدهم على المسلمين فيحدّثون بما يشي به.
3- ما تخفي صدورهم من ذلك الحقد أكبر وهو ما لا يعلمه إلا الله .
والآن تأتي الآيات على ذكر حال أخرى، متمثلة فيما يكنّه لهم المؤمنون وما يحملون لهم بطواياهم الحسنة مقابل خبث طواياهم تجاه المؤمنين .
** هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ فأنتم تحبونهم بينما هم لا يحبونكم، أنتم تتمنون لهم الهداية، إذ أنتم خير أمة أخرجت للناس، تتمنون هدايتهم وإخراجهم من ظلمات ضلالهم وفساد اعتقادهم، تحبونهم أيضا وهم يظهرون الإسلام فيما يبطنون الكفر ويضمرون حقدا وكراهية لكم ... تنخدعون بهم فتحبونهم، ولا تريدون بهم غير الخير، بينما هم بالمقابل لا يحبونكم، بل لقد بلغوا أوج كُرههم لكم، وهم يظهرون غير ما يُبطنون، يتسللون بينكم على أنهم منكم وما هم منكم ... على أنهم يؤمنون بما تؤمنون به، على أنهم موالون لكم ومؤيدون لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما يقضي به الإسلام ...
إن أمرهم غُمّة على المسلمين لولا تعليم الله تعالى هذا الذي بين أيدينا...
إنهم لولا تنبيه الله تعالى، وتحذيره لعباده المؤمنين، وبيان أوصافهم وأحوالهم لغُمّي على المؤمنين الكثير والكثير، ولعثوا إفسادا وفسادا في أوساطهم بما يمكّن لضرّ لامُتَناهٍ ولهلاك شديد ...
وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ... والحال أنكم تؤمنون بكل الكتب السماوية التي أنزل الله، بما فيها الإنجيل والتوراة، بينما هم لا يؤمنون بكتابكم... ولو كان الحال أنكم تكفرون بكتبهم كما يكفرون بكتابكم لكان كرههم لكم مبرّرا وأخفّ وطأ، ولكنّ العجيب في الأمر أنكم مؤمنون بكتبهم ورغم ذلك هم لكم كارهون ... !
**وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ
ها هو ذا كذبهم وادعاؤهم، وتسللهم بينكم ... ها هو المخيف من أمرهم... ها هو ما يجب أن تحذروه وتتقوه، وهم يُظهرون الإيمان بما تؤمنون به... إنه لُباب النفاق، إظهار المرء ما لا يُبطن في كيد ومكر وخداع وكذب...
أما إذا خلوا فيعضوا أناملهم من شدة ما تحمل صدورهم عليكم ... ولقد قال سبحانه في آية سابقة :" وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ "
قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ... إنه أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتعدى لأتباعه أن يدعوا عليهم أن يموتوا بغيظهم ... مادام غيظهم هذا من عزّة يجدونها في المسلمين، ومن علوّ شأنهم، ومن دور للأمة المسلمة عظيم ...
وكما أسلفت ... ليس هذا لمسلم القشّة الذي تهزّه النسمة الرقيقة وتطوّح به ذات اليمين وذات الشمال، بل هو للمؤمن القويّ، للأمة القوية التي أطاعت أمر ربها، وتعلّمت تعاليم قرآنها، فاعتصمت به، واتقت الله، وحرصت على الوحدة ونبذت كل مظاهر التفرّق، وولّت أمر أهل الكتاب الدُّبُر...إنه دعاء يليق بالأمة ساعة تعمل، فتحوز القوة النفسية من تعليم القرآن ، وتحوز القوة العملية من تعليم القرآن ... تحوز كليهما ... فتكون خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فيحسدها كل كاره لسيادة الحق على الأرض، ولإشعاع نوره عليها ... يحقد عليها كل مَن يريد لهواه ولظلمه ولتكبره ولجبروته أن يسود مكان الحق والهُدى ...
تلكم هي الأمة الحقيقة بهذا الدعاء... بل التي تنطق به عن ثقة وعن قوة وعن اعتزاز بما لديها، وعن معرفة بدورها، وبأعدائها المتربصين بها ... لا أن يقعد مَن يقعد ويتقاعس عن دوره مَن يتقاعس، ويجهل بتعليمات قرآنه من يجهل، ولا يعلم منه غير أنه الكتاب المقدّس الذي يستحقّ التقبيل والإعزاز وأن نحتفظ به في مكان ما بعيدا عن الأيادي !! ثم يتكئ واضعا رجلا على رجل وهو يحدّث عن تربّص الكفار بالمسلمين، ويحفظ من القرآن كلّه هذا الدعاء خاصة، فيطلقه وهو القاعد المتكئ المتقاعس .... وإنّ ذلك الكافر لو ألقى له بشُبهة لما عرف الردّ عليها، ولما عرف كيف يواجهها ... بل ربما فعلت في نفسه فعلها، فإذا هو القعيد لا القاعد ... ! المهتزّ، الضعيف الذي لا يملك بما يجابه ....
إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ سبحانه الذي أعلمنا أن ما تخفي صدورهم أكبر، يُعلمنا أنه العليم بذاتها ...
**إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ(120)
وهي ذي أيضا حالهم، ذي دخائلهم، إنها ذات صدورهم التي يكشفها الله للمسلمين ... للأمة لتعرف عدوها من صديقها ... لتتبصّر، لتعي، لتفهم ... لتعقل ..
إن ينتصر المسلمون، أو يعلو ذكرهم، أو يتوحّد صفّهم، أو يكن منهم الرجال الصناديد الأخيار الواعون، العارفون بأعدائهم وبحقيقة ما يريدون بالأمة ... إن يَكُنْ منهم الثابتون المغاوير الذين لا تفعل الشُبَهُ فيهم فعلها، ولا يضرهم أذى ألسنة الغير، بل يعدّونه الهَمَل من القول والسّفه من الفكر، والعَدَم من الوزن، ويولّونهم الدُّبر وهم المقبلون على طريق الدعوة إلى الخير، على طريق إصلاح الأرض بالعدل والحق...كل هذا في أمة الإسلام يسوؤهم ... وليت شعري ... متى يومُه !
بل إنها : إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ... مجرّد المسّ بخير يسوؤهم، بينما في الشر تُفرحهم الإصابة الثقيلة، يسعدون ويفرحون بالشر الكبير يلحق بالمسلمين: وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
الصبر والتقوى... معهما لا يضرّ المؤمنين كيد هؤلاء المنافقين ...
ونتوقف عند هذا حتى لا يكون فهمنا ذلك الفهم الذي يستمدّ من السّبح في عالم المعجزات، في عالم يخال من يسمع عنه من أفواه الحالمين أنه عالم صُنِع لأهل الإيمان سواء أعَمِلوا أم قعدوا، أَسَعَوا أم غطوا في النوم العميق، أحققوا الشروط التي علمهم الله أم لم يحققوا ... سواء بسواء، هذا هو عالم المسلمين صُنع لهم ولأجلهم كيفما كانت حالهم ... !!
إن الكثيرين من المسلمين في هذا العصر الذي تأخر فيه المتقدمون، وتراخوا عن دورهم الريادي، وركنوا إلى الدّعة والراحة حتى تداعت الأمم عليهم، يقفز إلى أذهانهم المعنى المهزوم للصبر ... المعنى الذي يحبون أن يلصقوه به ... !
فالصبر عندهم هو القعود وعدم الحركة، الصبر عندهم أصبح مدعاة لمزيد نوم، ومزيد تقاعس ... بينما الصبر هنا تاج يُراد ان يُتوّج به أهل السعي والحركة والعمل ... وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لم تأتِ قبل الأمر بالحذر من المنافقين، وقبل الأمر بألا يُتخَذوا بطانة وأهلَ خاصة ومشورة ومعرفة بالدخائل ... لم تأتِ قبل بيان صفات هؤلاء المنافقين للتحذر والاحتراس منهم ... بل جاءت بعد كل هذا ... أليست التقوى توخّي الائتمار بأمر الله تعالى والانتهاء عن نهيه ؟ بلى هي كذلك ...
فما دامت كذلك فإن الصبر مقرون بها، مقرون بهذا الائتمار بأمره سبحانه، أن نحذر المنافقين، وأن نتبينهم من سماهم، وألا نتخذهم بطانة ... هذا كله من الائتمار بأمر الله، وهو بعبارة أخرى التقوى ... فالصبر المُراد هو صبر مع عمل لا صبر مع قعود ...
إنها ليست سحرا من السحر ولا قضاء من القضاء في اللوح المكتوب أنّ أمة الإسلام على كل عِلاتها متقبَّلة، مُشاد بها، معترَف بها، يكفيها عنوان الإيمان لتحظى بكل حظوة ...
حاشا وكلا ... إنه الله العدل الحق، الذي يجزي محسنا بإحسان، ويجازي مسيئا بما يستحق ...
ومن عمل لا يبخسه حقا هو له وإن لم يكن مؤمنا، وإنّا لنرى الأمم الكافرة وهي إذ تسعى وتعمل يعطيها الله في الدنيا جزاء سعيها ولا يبخسها حقا ...
وعلى هذا فإنكِ أيتها الأمة المؤمنة إن تصبري مع أخذكِ بتعليمات القرآن وإرشاداته وبياناته لا يضرّكِ كيد الكائدين شيئا ... بل إنهم سيجدون حصنا حصينا دون كل مكائدهم يردّها عليهم في نحورهم ... ليس ذلك إلا من قوة حقيقية متحققة في هذه الأمة وهي التي تصبر وقد اتقت، وقد سمعت وأطاعت، وعملت بما علّمها ربها ...
تماما كما عرفنا مع "الأذى" الذي يبقى أذى ما قامت الأمة وظلّ حصنها قائما، وينقلب أكبر من الضرر ما سقطت وانخذلت وتهاوى حصنها ....
فلنحذر ثم لنحذر شطحات الأحلام الوردية التي سِمَتها القول والتشدّق بالقول أنّ الأمة منصورة، محصّنة، ممنوعة على كل من يريد بها سوءا ...وليس ذلك من القرآن، ولم يعلّمنا إياه القرآن، وهو بين أيدينا يصدع قويا بإرشاداته وتعليماته المرقومة والمرتبة التي لا يعلو شأن إلا باتباعها ولا يرتكس إلا بالتنكّب عنها ...إننا إن نجدّ نجِدْ ونرشد وإن نقعد نبعد ونشرد...
وعلى هذا المخطط أضع بيانا :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12703;image)
-
وهكذا ينتهي قطاعنا ... الذي أسميه قطاع الأمة ..
انتقلنا فيه بسلاسة لا نكاد نشعر معها بالانتقال من الفرد إلى الجماعة، من المؤمن ومن تعليمه وتزويده بالسلاح المُنجّي للثبات على درب الحياة إلى الأمة التي ما هي إلا مجموع الأفراد المؤمنين المسلمين...
سورة الثبات والتثبيت ... منذ بداياتها جعلت تحضّ على الثبات، ولا تحضّ عليه بالأمر وحده، بل تعلّمنا طرق الثبات، وتزوّدنا بسلاحه ... منذ : "رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ(8)" وحتى مبلغنا الأخير منها ...
كان الدعاء أن يثبّتنا الله تعالى على الهدى في مفتتحها، وتعلمنا خلال رحلتنا مع الآيات المتتابعة أنّ هذا الدعاء لا يُقال مجرّدا عن علم واجب تعلّمه، علم هو الأول الذي يجدر بنا السّبق إليه وطلبه من حنايا القرآن العظيم ...علم علمه الله صفيّه صلى الله عليه وسلم
ليعلّمنا إياه بدوره : "فمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ... "-من61-
علمٌ هو الحق الذي لا حق غيرُه، ولا يقصّه إلا الحق سبحانه :
"الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ(60)"
"إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(62)"
فأنبأنا نبأ عيسى عليه السلام، ونبأ أمه مريم، ونبأ زكريا ويحيى ونبأ إبراهيم عليهم السلام، زوّدنا بحقائقهم، ولم يكتفِ بذلك سبحانه، بل وضعنا في إطار واقعي من جدل أهل الباطل بأباطيلهم حول هؤلاء... بما تقوّلوا فيهم ... بما اختلقوا، وبما افتروا ... فكان الحق من الله بإزاء أباطيلهم التي هي لا محالة معترضة المؤمن على درب الحياة...
كانت المحاجّات العقلية، وكان حوار العقل للعقل، وكان تبيان الحق من الباطل بأسلوب صاف راق لا تشوبه شائبة ... كان تعليم المؤمن سُبل خلاصه من تشكيك المشككين، وتشبيه أهل الشُّبَه والضلال والتضليل والأهواء ... كان الأسلوب الجامع النافع الذي ألّف بين الجانب النفسي والجانب العمليّ في توليفة هي الحل الواقعيّ لتقوية المؤمن، ولتثبيته في ظلّ ما يلاقي من متصدّين له متربّصين به يريدون تغييب دوره الريادي في تنوير الأرض بنور الحق وإرشادها بهُدى الوحي ...
ثم جاء بيان الحق في الإسلام، وأنه دعوة الأنبياء الواحدة، وجاء التدرّج في تعريفه وتعريف الإيمان الذي هو حقيقة دين الإسلام حتى يتبيّن المؤمن أصل وجذور اعتقاده، وأنه على ما جاء به الأنبياء جميعا وصولا إلى تمامه وكماله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، زيادةً في تثبيت أصول العقيدة فيه مع بيان جذورها وامتداداتها، وكلها مرسّخات ومثبّتات على الدرب ...
ثم انتقلنا أخيرا إلى الأمة ...
هذه الأمة الحقيقة -بما تحمل من هُدى وحق وبما يحمل أفرادها من علم هو علم الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- ... أن تكون حاملة رسالة إصلاح الأرض بجدارة، وأن ليس لهذه المهمّة غيرها ...
أمة قائمة ما حققت شروط قوتها وسلامة داخلها... أمة تهابها الأمم ولا تقوى على مجابهتها وهي تجسّد الحق والهُدى متحركا على الأرض ... أمة تَحَقّق مثالها في زمن مضى، وسيتحقق في كل زمان تحترم فيه القاعدة القرآنية وتتبع فيه الإرشادات الربانية ...
وهكذا نلمس التسلسل العجيب من أول السورة إلى مبلغنا هذا منها ... هذا الترابط المدهش الذي يحقق فعلا وحدة الأطراف، وحدة الآيات مجتمعة لتصب في: "الثبات والتثبيت على الهُدى"
وأضع هنا ملخص قطاعنا الأخير في خطوة جديدة على دربنا (100-120) :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12707;image)
-
وأجمع هذه الخطوة إلى خطواتنا السابقة ليصبح بين أيدينا :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12580;image)
يعرّفنا سبحانه أسباب الاهتزاز
ويعلّمنا عوامل الثبات
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12621;image)
يعلّم المؤمنين ثوابتهم على درب الحياة
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12623;image)
ثم يبدأ سبحانه بتعليم المؤمنين الحق :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12627;image)
ويأتي دور بيان تمام الحق الذي مع المؤمن
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12673;image)
ومن المؤمن إلى تثبيت الأمة الحاملة للحق
الحقيقة بإصلاح الأرض
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12707;image)
-
وبعد كل الخطوات التي قطعنا على دربنا هذا الذي يعلمنا الله الثبات عليه، ونحن نسترشد بكتابه مشكاةً، ذلك الذي فيه وحده الهُدى لا في غيره ... نجدنا الآن مقبلين على خطوة جديدة، قطاع جديد، هو أطول القطاعات في هذه السورة ..
قطاع يستغرق تسعة وخمسين آية بدءا من 121 إلى 179 .. وهو كلٌّ مترابط لا ينْبَتُّ بعضه عن بعض بشكل من الأشكال، -ليس على أنها خصيصة له دون القطاعات السابقة، وقد عرفنا ترابط كل الآيات بعضها ببعض- بل لأنه يحكي تفاصيل قصة حدث من أهم أحداث الأمة المسلمة، ومرحلة من مراحلها المفصليّة . إنها تفاصيل غزوة أُحُد ...
غزوة أُحُد... ؟! التثبيت... ؟ الثبات... ؟!
ما وجه العلاقة بينها وبين ما درجْنا عليه من هدف للسورة ثابت لا يغادرنا عبر مفاصلها كلها ... ؟! ما وجه علاقة الغزوة بما عرفنا من مقوّمات الثبات، ومن حقائق حول عيسى عليه السلام وقصة أمه ومولده ورسالته بين قومه ورفع الله له، ثم بيان حقيقة إبراهيم عليه السلام وبراءته مما ينسبه له أهل الكتاب ؟ ما وجه علاقة غزوة بمحاجّات أهل الكتاب وبمحاورتهم، وببيان الحق مقابل أباطيلهم ؟!
أجل غزوة أُحُد ... والعلاقة عظيمة، والرابط قويّ جدا ...
سنعرف أجوبة عن كل هذه الأسئلة، ونحن نعيش مع آيات قطاعنا الجديد التي أعرضها جملة فيما يلي:
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(121) إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ(122) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ(124) بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ(125) وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ(126) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ(127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ(128) وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(129) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(130) وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(131) وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(132) وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(135) أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ(136) قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ(137) هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ(138) وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(140) وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ(141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142) وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ(143) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ(144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ(145) وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ(146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(147) فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(148) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ(149) بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ(150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ(151) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ(152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(153) ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(154) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ(155) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(156) وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ(157) وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ(158) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159) إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ(160) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(161) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(162) هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ واللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ(163) لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ(164) أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(165) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ(166) وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ(167) الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(168) وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ(171) الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ(172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ(173) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ(174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(175) وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(177) وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ(178) مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ(179)
-
ونبدأ مع التفاصيل القرآنية للغزوة، إذ أن لها تفاصيلا في صحاح الحديث، تزيدنا علما بما لم يرِدْ عنها في القرآن ...
بل إنني كنت أنتظر بلوغ غزوة أحد من سورة آل عمران، حتى أُدلي بدلوي في شأن الجدل الذي أقامه أعداء الدين حول حجيّة السنة وأنّ القرآن يكفي ولا يحتاج الدين إلى غيره ليقوم، ومضوا في غيّهم يشككون في نقلَتها من الصحابة، ويشككون في صحة ما نُقِل من أجل الدعوة الخبيثة إلى نُكرانها وإلغاء مصدريّة تشريعها في الدين، ولقد وجدوا في كثير من بني الإسلام جُندا خُدّما يطيعون أمرهم، وينقادون لشُبهاتهم بدعاوى مختلفة، فتارة بدعوى سيادة العقل وحكم العقل، وتارة بدافع حبّ التحرر من الدين برمّته تمويها بإنكار السنة وهم يرون ذلك أخفّ من التصريح بالإنكار الكليّ، وتارة بدعوى نقد الموروث ...!
وهؤلاء هُم أهل القول بأنّ القرآن مقرِّرٌ عن نفسه ولا يحتاج تقريرا بقول من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعل فيه حركة القرآن، وفيه تعضيد لآياته ، وكشف لغوامضه ، وإجلاء لمعانيه ، وشرح لألفاظه ، وتوضيح لمُبْهَمه ، زيادة على ما جاءت به السنّة بأحكام لا توجد في كتاب الله ولم يُنَصّ عليها فيه، بلا خروج عن قواعده وغاياته ، وهم أهل القول بأن طاعة الله تعالى وحده كافية دون الحاجة إلى معنى أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة الله، وأن معصيته من معصية الله تعالى .. فهم مثلا في قوله تعالى : "وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ... "المائدة:من92- وقوله سبحانه : " يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ" –محمد:33-
وقوله : "...ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا....ِ"-الحشر:من7-
يرفضون تفسير كل هذا بأنه الأمر من الله سبحانه بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يأمر، واتباع ما يقول وما يفعل بعيدا عن القرآن ... يرفضون ذلك، وهم يُظهرون حميّة مكذوبة على القرآن ليست منه، ولا ينطق بها، يدّعون حراسة له بما لم يحرسه به أقرب من عاصر نزوله غضا من عند الله... صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يأتمرون بأمره وينتهون عن نهيه صلى الله عليه وسلم وهم يملؤهم اليقين أن طاعته من طاعة الله تعالى وأن معصيته من معصية الله ... يدّعون حميّة على القرآن تغلّف نوايا خبيثة ومرامات لئيمة تريد أن تُبعد المسلم عن دينه فيما تُغرّر الغرير أنه بذلك يستمسك بقرآنه ولا يرضى له منازعا !
أجل... كنت أنتظر بلوغ غزوة أُحُد من السورة لما أرى من عظيم البيان لمقام التوجيه النبوي والأمر النبوي والقول النبوي والفعل النبوي الذي لا يكون مصدره القرآن ولا الأمر من القرآن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل لقد كان الأمر والفعل والتحرّك والتوجيه والقول منه صلى الله عليه وسلم من قبل أن ينزل خبرُه في القرآن...
ثم جاء خبرُه وفيه العتاب الإلهي على معصية الأمر النبوي الذي صدر من النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الغزوة بأن يلتزموا مكانهم ولا يتزحزحوا عنه وإن رأوهم منتصرين غانمين...
أمر لم يكن يعرفه الصحابة فيما يتلون من القرآن، ولا عرفه أحد من المسلمين على وجه الأرض قرآنا يُتلى ...بل كان الأمر النبوي مِن فم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو وحي من الوحي، ولكنه لم يكن قرآنا ... وإنّ ما أُثِر عنه صلى الله عليه وسلم من صحيح الحديث الذي فيه قوله وفعله وتقريره في شأن العقيدة والأمر والنهي والتوجيه والوعظ في شؤون الدين لَهُو وحيٌ من الوحي، ليس شرطا أن يكون في القرآن لنؤمن به ونتبعه .. وقد قال سبحانه: "وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ(3) إنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ(4)" -النجم-
وإنه لَيَرُوق لأصحاب هذه الأهواء المتلاطمة أن يفسّروا حتى هاتين الآيتين من سورة النجم بأنما هو نُطْقُهُ صلى الله عليه وسلم بالقرآن لا بشيء غيره ...!
وها هي بين أيدينا أحداث غزوة أحد التي يذكرها القرآن الكريم، ما كانت إلا أوامر من الرسول صلى الله عليه وسلم وأقوالا وأفعالا وتقارير يُبيّن الله تعالى مغبّة معصيتها وعدم اتباعها بما كان من نتائج أُحُد، ، فيعاتب الصحابة على عدم العمل بها تامّة تامّة، فإنهم وإن كانوا لم يُعرِضُوا عنها، غير أنهم لم يتمّوها كما أمرهم صلى الله عليه وسلم أن يتمّوها ... فكانت معصية أمره..
لم تكن قرآنا، بل كانت منه مباشرة قبل أن تنزل هذه الآيات.
ونزلت الآيات بعد انتهاء الغزوة مُقرّة لأوامره غير القرآنية، ومقرّة لوجوب اتباعها، ومخوّفة لكل من يجعل منهجَه التولّي عن قوله أو فعله أو تقريره الذي ليس في القرآن كحال أصحاب هذه الشُبهة الخبيثة، بدعوى أن في القرآن كفاية ! قاصرين معنى النبوة في حَرْفيّة الكتاب، مُغْفِلين دوام ملازمتها للنبيّ في قوله هو وفعله وتقريره ...في حركته على الأرض، وتفاعلاته وحكمته وتربيته وتوجيهاته، وهي ليست إلا ترجمة للقرآن، وتفعيلا له... وهي ليست إلا من مشكاة النبوة صادرة، تلك المشكاة التي كان القرآن فيها وحيا، كما كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وحيا ...
ولقد تُرك الصحابة في غزوة أحد لامتحان الامتثال لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجيهه، حتى إذا انقضت وقد كان منهم ما كان نزلت التربية الإلهية تحضّ على وجوب اتباع أمره صلى الله عليه وسلم دون أن يُشترط نزوله في القرآن ... !
ولنتخيّل لو أنّ الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا يقرّون ولا يأتمرون بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا عرفوه قرآنا يتلوه عليهم، كيف كان لهم أن يتبعوه في خطة عسكرية، أو في استراتيجية سياسية، أو في تولية أحدهم على شأن ما، أو في تنظيمه لأمورهم، وإدارته لشؤونهم، أو في استشارته وفي محاورته... ؟!
هل عرفنا عنهم مثلا رفضهم لخطة عسكرية يضعها بدعوى أن تفاصيلها لم تنزل قرآنا يتلوه عليه جبريل ؟ فلقد عرفناه يأمرهم بالخروج إلى بيت الله معتمرين من بعد رؤية رآها، وعرفناهم ممتثلين سامعين مطيعين، ولم يشترطوا قرآنا ينزل ليطيعوا ... بل إنّ خبر العمرة وخبر بيعة الرضوان جاءا في القرآن بعد انتهاء الحادثة وعودة الرسول وصحابته إلى المدينة لا قبلها ... ! هل عرفناهم يعلنون رفضهم لمعاهدة الصلح التي أمضاها مع قريش في الحديبية بحجة أنّه لم ينزل بشأنها أمر في القرآن ؟!
بل لقد قدم عليه جمع من الصحابة يوما وقد استثقلوا آية من القرآن الكريم، كانت عليهم أثقل من الجهاد ذاته، قوله سبحانه : "...وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير" –البقرة: من284- فكان منه التفاعل المباشر أن نهاهم عن استثقال شيء من أمر الله، وأن خوّفهم من طريق أهل الكتاب في ذلك، وأمرهم دون أن يرجع إلى ربه ليأخذ من عنده جوابا ... أمرهم أن يقولوا : "سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" . فما كان منهم إلا أن ائتمروا، ولم يحاجّوه أن يأتيهم بالتخفيف أو بالجواب في شأنهم من عند الله تعالى ... ردّدوها حتى ذلّت بها ألسنتهم " سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " ... فأنزل الله تعالى بعدها لا قبلها خبرهم ذاك : " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" -285-
ثم أنزل سبحانه التخفيف من بعد امتحانهم بطاعة أمره والذي منه طاعة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان منه الجواب دون عودة إلى ربه ليأتيهم في شأنهم بوحي ...أنزل الآية الناسخة : "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا... (286)"
ماذا يريدون ؟! أيريدون أن يجعلوا من أمره صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن قرآنا حكرا على جيل عاصره وسمع منه مباشرة ؟! أيريدون أن يُقصروا أمة الإسلام التي حققت الطاعة الحقيقية لله بطاعة أمر رسوله صلى الله عليه وسلم على ذلك الجيل وحده ؟!
كيف يتحقق إذن أمر الله تعالى ببعثته صلى الله عليه وسلم نورا وهداية ورحمة للأرض كافة في كل زمان ؟ : "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" –الأنبياء:107-
كيف يتحقق إذن أن يكون كل نداء في القرآن بـ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " عاما لكل مؤمن على الأرض في كل زمان وفي كل مكان ؟ وما جاء هذا الدين وما نزل كتابه العظيم إلا ليكون الكتاب الخاتم بالنبي الخاتم الذي يُحيي شرعُه الأرض في كل زمان ...
أي دعوة خبيثة هي ؟! تجعل من الدين أشتاتا وتجعل منه أبعاضا، فيُؤخذ بشيء منه ولا يؤخذ بآخر، وتُقصِر النبوة على الكتاب دون حركة النبيّ به على الأرض ؟! ودون دوره في تبيين القرآن بتفصيل مُجمل فيه أو بسط مُختصر أو بيان مشكِل : " ...وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ"-النحل:من44-
فمن أين لنا بصفة الصلاة وعدد ركعاتها وأركانها وشروطها ونواقضها، وبأحكام الزكاة والصيام والحج والجهاد والربا والغرر والنجش والديّة وعدّة الطلاق وغيرها مما لم يأتِ في القرآن ...
إنها دعوة تُذهِب حقيقة الدين برُمّته، فتذهب بريحه كلها في نفس من يعتنقها ؟!! وكم كثر المتنادون بها كلٌّ ينعق ويكرّر كلاما واحدا وإن تفرّقت دعاواه وأهدافه ...
فلنمضِ مع هذا القطاع ... وسنقف عند كل مقام فيه يُجلي لنا خُبث هذه الدّعوة الماكرة ...
-
غزوة أحد ...
تلك التي كانت في العام الثالث للهجرة، أحاول أن أسرد شيئا مما كان قبلها، والذي كان سببا لها ...
أصيبت قريش يوم بدر في مقتل، و هي التي لم تكن تحسب لجيش محمد حسابا يُذكر، بل قد جزمت بالنصر، وأقامت الأفراح والليالي المِلاح هناك في الموقعة من قبل اندلاع الحرب بين الفريقَين، فكانت الهزيمة عليها صدمة لا توصف بوصف ولا يعادل ألمَها ألمٌ...ومنذ عودتها مهزومة والغيظ يأكل قلوب رجالها، والثأر لا يكاد يترك في أنفسهم مكانا لغيره، وهم الذين قُتِل في بدر أكابرهم وصناديدهم، حتى إنهم كانوا قد منعوا البكاء على قتلاهم، ومنعوا من الاستعجال في فداء الأسارى حتى لا يتفطن المسلمون إلى مدى مأساتهم وحزنهم...
ولقد غدت قريش في أزمة اقتصادية كبيرة، حيث قُطعت طرق تجارتها مع الشام، وألمّت بها أزمة سياسية ضخمة حيث أُهينت كرامتها وضاعت هيبتها في الجزيرة العربية بعد الهزيمة المرّة التي مُنيت بها، وخاصةً أنهم كانوا أضعاف الجيش الإسلامي، إضافةً إلى وجود أزمة اجتماعية بقتل سبعين من أشرافها.
وكان أكثرهم دعوة للثأر والانتقام عبد الله بن أبي ربيعة، وعِكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أميّة، فكلموا أبا سفيان بشأن العير التي كان قد نجا بها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه، ليحبسوها لتمويل حملة عسكرية على المسلمين، فقالوا: إن محمدا قد وترَكُم(الموتور الذي قُتل له قتيل ولم يُدرك دمه)، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منّا، ونحن طيّبو أنفس أن تجهّزوا بربح هذه العير جيشا إلى محمد، فقال أبو سفيان: وأنا أول من أجاب إلى ذلك وبنو عبد مناف معي، فباعوها فصارت ذهبا، فسلّم أبو سفيان إلى أهل العير رؤوس أموالهم وأخرجوا أرباحهم، فكانت ألف بعير، والمال خمسين ألف دينار.
وفيهم نزل قول الله تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ(36)" -الأنفال-
وكان أبو سفيان أشد تأليباً على المسلمين بعدما رجع من غزوة السَّوِيق خائباً لم ينل ما في نفسه، بل أضاع فيها مقدارًا كبيراً من تمويناته . زاد النار إذكاء ما أصاب قريشاً أخيراً في سرية زيد بن حارثة من الخسارة الفادحة التي قصمت فقار اقتصادها، حينئذ زادت سرعة قريش في استعدادها للخوض في معركة تفصل بينهم وبين المسلمين.
لما سارت قريش، كتب العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه بخبرهم كلّه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأقبل جيش قريش وقوامه ألف مقاتل، وسرّحوا إبِلَهُم وخيولهم في زروع كانت للمسلمين . وكانوا قد أخرجوا معهم النساء حتى يكون ذلك أبلغ في استماتة الرجال، وعدم فرارهم، فكُنّ خمس عشرة امرأة، أبرزهنّ هند بنت عتبة مع أبي سفيان، وكانت معهنّ الدفوف والخمور، فَكُنّ يبكين قتلى بدر، ويحرّضن الرجال على القتال وعدم الهزيمة والفرار، وقد كان قائد الناس أبا سفيان بن حرب، وقائد الفرسان خالد بن الوليد، وحامل اللواء من بني عبد الدار.
فأعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستعداد لهم، وكان يرى أن يقاتلوهم داخل المدينة، ورأى بعض الصحابة ذلك معه، بينما رأى غيرهم أن يُجالدوهم خارجها إقداما منهم على الشهادة ومناجزة المشركين، فيما رأى عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عن اتباع لرأيه بل ليسهل عليه الفرار في داخل المدينة المنورة. فأمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي الذين أحبوا قتالهم خارج المدينة عملا بالشورى وأخذا برأي الأغلبية، واستعدّ ولبس لأمةَ الحرب، فلما خرج على أصحابه، ندموا ورأوا أنهم استكرهوه على رأيهم، فأحبوا الرجوع عنه إلى رأيه، ولكنه صلى الله عليه وسلم حسم أمره، وقال: "ليس لنبيٍّ إذا لبِس لَأْمَتَه أن يضَعَها حتى يُقاتِلَ".
فخرج في جيش قوامه ألف مقاتل مقابل ثلاثة آلاف من المشركين، إلى منطقة حيث جبل أُحُد ..
وصفّ جيشه، ونظمه، وكلّف الرجال، وجعل على جبل الرماة مقابل جبل أحد عددا منهم بقيادة عبد الله بن جُبير، وقال: "إِن رَأيتُمونا تَخطَفُنا الطَّيرُ فَلا تَبرَحوا مَكانَكُم هَذا حتَّى أُرسِلَ إليكُم، وإنْ رَأيتُمونا هَزَمنا القَومَ وأَوطَأناهُم، فَلا تَبرَحوا حتَّى أُرسِلَ إِليكُم. " –صحيح البخاري-
وكان هذا أمره الذي لم يُتمّ الرماة طاعته، بل لما رأوا الغنيمة نزل جلّهم من على الجبل لجمعها، فانكشف الجيش، ووجد خالد بن الوليد ثغرة استغلّها أكبر استغلال بالتفافه على المسلمين، لينقلب نصرهم هزيمة ...
ونكتفي بهذا الحد، حتى نعيش قصة الغزوة ونستكشف تفاصيلها مع آي القطاع ...
إننا كنا مع القطاع السابق في أحوال الأمة المسلمة وما يجب أن تكون عليه لتحقق القوة اللازمة التي تؤهلها لأن تكون حاملة رسالة الإصلاح في الأرض، والرائدة إلى الخير باعتصامها بحبل الله وعدم تفرّقها، وبطاعتها لله ولرسوله وتولّيها عن طاعة أهل الكتاب وهم يحقون الباطل ويبطلون الحق، وبأن تتخلّص من الهزيمة النفسية التي تُملي عليها أنّ أهل القوّة المادية وإن كانوا خواء من الحق هم أهل الكلمة والصّولة والجولة في الأرض، فتُؤَهّل بذلك لأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
وكنا قد عرفنا قبلها مع بدايات السورة الإشارة إلى أنها الأمة التي أناط الله بها هذه المهمة من بعد فشل أهل الكتاب في الاستخلاف وقد بدّلوا وحرّفوا وحاجّوا في الحق بأباطيلهم ... وكانت تلك الإشارة في قوله تعالى : " قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ(27)"
ولقد كانت نهايات القطاع السابق حول بيان خطورة الفئة المنافقة التي تُظهر خلاف ما تُبطن للمسلمين، مع بيان سيماهم وصفاتهم، والأمر بألا يتخذهم المؤمنون بطانة .
كل هذا كان لضمان قوة الجبهة الداخلية للأمة المسلمة ...
وهذا وجه العلاقة بين ما كان من بيان حول شروط تحقّق القوة في الأمة، وبين قصة الغزوة ...
أوليست الغزوة حربا ضدّ العدوّ ؟ أوليست مواجهة لجبهات خارجية تريد بالأمة شرا وخضدا لشوكتها واستئصالا لشأفتها، وإذهابا لريحها، وإعداما لدعوة الحق والخير التي وُكِلت بها ؟ لدعوة التوحيد وإعلاء كلمة الله في الأرض ...
إذن فإننا نمضي مع الآيات مقاما فمقام، وخطوة فخطوة ... لنجدنا ننتقل من القضية الداخلية والإعداد الداخلي، والتقوية والتحصين الداخِلِيّين إلى القضية الخارجية، والتي لا تجد الأمة مناصا من مجابهتها حفاظا على الدين، وعلى دعوته وخيريّته، وحتى يبلغ خيرُه الأرض، ولا تُحرم منه ...
وعلى هذا المخطط حاولت تفصيل ذلك التقدم :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12709;image)
-
ولقد تفلسف دعاة إدامة السلام وتأففوا وتقززوا، فما رأينا في تاريخ بعيد ولا قريب غيابا للحروب، بل لقد أبيدت خضراء أقوام واكتُسِحت أمصار، وقامت حروب بالصيغة العالمية تقتّل الناس ألوفا ألوفا وتأتي على الأخضر واليابس لا تفرّق بين صغير وكبير، ولا بين جنديّ مقاتل ومدنيّ مسالم، ولا بين رجل وامرأة ... تخلط حابلا بنابل فتصبح الأرض بطعم النار ورائحة الدم وروح الانتقام والانتقام من الانتقام ...
فهل يجيزون لأنفسهم الحرب بالظلم والإبادة والتعسّف وأكل حقوق الناس والاستيلاء على خيرات البلاد، وعَدّ البشر حيوانا من الحيوان بل أضلّ وأهون ... ! ويقيمون الدنيا ولا يُقعدونها على ثورة في وجه الباطل ومواجهة أهله حينما يُصرّون على باطلهم ويريدون أن يحرموا الأرض من الخير والحق والعدل ؟!
إذن فإننا الآن مع القضية الخارجية ... مع دور الأمة في مواجهة الباطل والكفر في الأرض، ليس من فراغ ولا من غطّ في نوم ورديّة أحلامُه، نصر الدين فيها وإعلاء كلمة الله كلام يُقال وشعارات تُرفَع من غير إصلاح للداخل، ولا تقوية لجبهته ... من غير توفير لشروط القوة والخيرية والريادة ...
إننا في العام الثالث للهجرة، والمسلمون قد حازوا نصرا عظيما مؤزّرا في غزوة بدر عاما من قبل، ثم تلاها عدد من الغزوات والسرايا أهمها غزوة بني قينقاع التي كانت أول مواجهة للمسلمين مع اليهود، وكان النصر فيها حليف المسلمين، وأُجلِي فيها يهود بني قينقاع إلى الشام .وسريّة زيد بن حارثة التي أجهزت على الأمل الباقي عند قريش بغَنْم المسلمين لخيرات قوافلهم التي صارت تشقّ عليها التجارة وقد قويت شوكة المسلمين .
هذا لنعرف أن الأمة المسلمة في تلك الآونة قد تقوّت حتى تأهّلت للمجابهة الخارجية ... لم يكن المسلمون من قبل بقادرين على الحرب، بل لقد تهيأت نفوسهم، وصُنِعت على عين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمكنت العقيدة الصحيحة من قلوبهم وعقولهم، حتى صار الإسلام قضيّتهم التي لا يستكثرون في سبيلها نفسا ولا نفيسا ...
لقد حققوا الشروط اللازمة، فكانوا المعتصمين بحبل الله، وكانوا جميعا ولم يكونوا شتى، الأنصاريّ أخو المهاجريّ آواه ونصره، وقاسمه ماله وأرضه عن طيب خاطر، والأوس والخزرج أعداء الأمس هم اليوم إخوة متحابون ...
وعلى هذا هم اليوم أهل لنشر الخير الذي عندهم، وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إعلاء كلمة الله ودحض كلمة الكفر .
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(121)
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخبِر عنه الله سبحانه وقد غدا من أهله، أي من بيت أهله ليُنزِل المؤمنين منازلهم من خطة الحرب، و " تُبَوِّئُ " أصله من التبوء وهو اتخاذ المنزل . يقال : بوأته أو بوأت له منزلا ، أي : أنزلته فيه .
ولتكن لازمتنا مع هذه الآيات ما بينتُه أعلاه من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين مما لا يكون في القرآن ...
فلننظر ولينظر أهل إنكار السنة وإنكار حجيّتها ... إن القرآن يُخبر عما كان من النبي وانتهى، فهل رفض الصحابة الامتثال لأمره بحجة أنه ليس أمرا في القرآن ؟!
والله سميع لما هو كائن بين نبيّه وبين أصحابه، وهو صلى الله عليه وسلم ينظّمهم كلاّ في مكانه الذي يراه له، ميمنة أو ميسرة أو كتيبة وكتيبة حسب ضروب السلاح ...سبحانه عليم بنيّة ودخيلة كل واحد من الذين حولَه ... لا تخفى عليه خافية ...
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12711;image)
1- إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ(122)
وهكذا نرى أخبار الغزوة تترا ...
هاتان طائفتان من المؤمنين، كلٌّ من قبيلة، همّت كلتاهما أن تفشل، وترتكس فتفرّ من اللقاء، وليس ذلك إلا من اندساس المنافقين في صفوف المسلمين، يُظهِرون الإسلام والولاء لهم، بينما يُضمرون الكُره والعداء ... والهمّ حديث النفس بتوجهها إلى الشيء، فما لم يُعزَم عليه بقي همّا لا يُعتبر في عداد الأفعال فعلا.
ولقد عرفنا في الآيات السابقة التحذير من اتخاذهم بطانة مع تبيان صفاتهم، فناسَب أيّما مناسبة أن يكون ذلك التحذير توطئة للإخبار عما يُحدثونه في الصف المسلم من سعي بالتخذيل والتخويف والتشكيك في جدوى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بالإقدام على محاربة الكفار .
ففي أُحُد لما مضى الجيش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، انخزل عبد الله بن أبي رأس النفاق عن المسلمين بحوالي ثلاث مئة من المنافقين، وحاول الصحابة ردّهم دون جدوى، وإنما أقاموا على انخزالهم من نفاقهم وكُرههم القتال في سبيل الله، ولكنهم تحججوا بأنهم لا يرون أن القتال كائن ... وهذا ما سنعرفه مفصّلا في آيات قادمة من هذا القطاع : " وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْهُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ(167)"
هاتان الطائفتان من المؤمنين تأثرتا بإرجافات المنافقين، ولكنهما كانتا مؤمنَتَيْن يعلم الله تعالى صدق إيمانهما، فكان تأثرُهما لحظيا سرعان ما ذهب عنهما من ولاية الله لهما جزاء صدقهما: وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
لقد نجتا ... ولم ينجِّهِما إلا صدق الإيمان في قلوبهما ...
وهذا من إنصاف القرآن الكريم، ومن عدل الله تعالى، الذي حاشاه سبحانه أن تلتبس عليه الأمور المتشابهة، وهو العليم الذي يعلم ما تُخفي الصدور، فلو كان الأمر للناس وحدهم فإنهم سريعا ما ينسبون النفاق لمؤمن يعتريه الضعف ساعة فيجعل تصرّفاته شبيهة بتصرفات المنافق الذي يُدْبِر ولا يُقبِل ... ولكنّ الأمر لله سبحانه هو الذي يعلم دخيلة كل إنسان على حقيقتها ...
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "فينا نَزَلَتْ : { إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللهُ وَلِيُّهُمَا } . قال نحن طائفتان : بنو حارِثَةَ وبنو سَلَمَةَ، وما نُحِبُّ - وقال سُفيانُ مرةً : وما يَسُرُّني - أنها لم تَنزِلْ، لقولِ اللهِ : { وَاللهُ وَلِيُّهُمَا} . "-صحيح البخاري-
فلننظر ولينظر أهل إنكار السنة وإنكار حجّيتها ... إن نتبعْهم نضلّ ونخزى وتذهب عنا حقيقة الدين...
فهذا جابر رضي الله عنه يستشعر حلاوة عظيمة في الآية من إعلان الله تعالى ولايته لهاتين الطائفتين وهو واحد من أفرادهما، فهي عنده تكفيه خِزي لحظة الضعف التي اعترتهم، من نزول هذه الآية فيهما وفيها البشرى بولاية الله لهما ...
فأيّ علم يُحرَم منه مَن ينكر السنة، أو يشكك بصحيحها الذي نقله إلينا الأمناء المؤتَمَنون، وأي اهتداء يُحرَمُه من لا يقتدي بهم وهم الذين تفاعلوا مع القرآن غضا طريا من السماء، تُلامس معانيه ومراميه شِغاف قلوبهم، فيتبصّرون بها ويزدادون على الهُدى هُدى ...
-
"وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ "
في الآية الجامعة ذاتها، نعرف خبر الطائفتَين اللتين أوشكتا على الفشل والتولي في لحظة ضعف اعترت أفرادهما، ثم في الجزء الثاني نعرف خلاصهما بتولي الله لهما من صدق إيمانهما، ثم أخيرا ها نحن مع التربية الربانية التي تنجّي من مثل هذا الضعف والنكوص والتولّي ...
إنه التوكّل على الله تعالى الذي هو سمة المؤمنين ...
ولكــــــــن ...
يجب أن نتأمل أمرا دقيقا...
ذلك أن التوكل على الله لا يأتي مع قعود كما هو الفهم السائد للتوكل والذي يساوي التواكل .. بل يأتي بعد عمل وأخذ بالأسباب كلها ..
فلنلاحظ كيف أن الآية السابقة جاء فيها خبر عَمْد رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبويئ أصحابه منازلهم في القتال، وفي ذلك عمل وأخذ بالأسباب من تنظيم واستعداد و تأهّب وهو النبي المؤيد بالمعجزات، لا يركن للنبوة وللمعجزات في تحقيق ما يريد، بل يعلمنا الأخذ بالأسباب... وأولاء الصحابة مُقبلون معه على الجهاد، وعلى بذل أنفسهم، مجالدين مناجزين مقاتلين، متكبّدين كل الصعاب ... ثم بعدها يأتي ذكر التوكل على الله ...
أيضا عرفنا في القطاع السابق(قطاع الأمة100-120) ضرورة تحقيق الشروط العملية والنفسية اللازمة لتتأهل الأمة لأداء دورها، شروط عرفناها وعددناها، وفيها كلها العمل والسعي والبذل والاجتهاد ... ثم بعد كل ذلك يأتي ذكر التوكل على الله ... حتى لا يبقى ذلك الفهم القاصر الذي هو من وحي أنفس كسولة مقصّرة ترى في الإيمان وحده خصيصة يستحق صاحبها عليها أن يُعطَى دون أن يُعطي شيئا ...! إنه معنى "اعقلها وتوكل"
ولترسيخ عقيدة التوكل مع العمل بما يسع العامل من طاقة وبما يُتاح له من قوة في الإعداد والاستعداد، يذهب معها الخوف من عدوّ أقوى عددا وعُدّة، يذكّر الله المؤمنين بالنصر الذي تحقق لهم على المشركين في بدر، ليزيد في بيان معيّة الله تعالى لعباده المؤمنين، وكيف أن النصر من عنده وحده، وليس مناطه غلبة في عدد أو عُدة حينما يأخذ المؤمنون بكل الأسباب المُتاحة وهم متوكلون على الله :
1-أ) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(123)
ألم تكونوا في بدر قلّة في العدد والعُدّة، مقابل عدوّ بثلاثة أضعاف عددكم بسلاحه وخيله ورجاله ورُكبانه ؟ كنتم ثلاث مئة، وكانوا ألفا ... ولكنّ الله نصركم عليهم لما رأى فيكم من اجتهاد وعمل وبذل وإقدام يُتوجّه الإيمان ...
وكما كان في الآية السابقة، نعرف في الآية الخبر متبوعا بالتعليم الرباني، الأمر بتقوى الله التي تؤدي بصاحبها إلى شكر نعمائه سبحانه ... ونظير هذا ما عرفناه في قطاع الأمة من شروط القوة فيها : " ....واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ... " -من103-
إنها نعمة الله التي تستحق الشكر، ذلك الشكر الذي لا يتأتى إلا بتقوى الله سبحانه .
وإنه التعليم الضمنيّ للمؤمنين والتذكير الدائم أن النصر من عند الله تعالى، هو عطيّة من عطاياه سبحانه يمنّ به على من يستوفي الشروط اللازمة التي عرفناها في القطاع السابق، فلا يكون العدد والعُدّة بذلك الفيصل في نصر أو هزيمة ...
وأحب هنا أن أؤكد على معنى للتقوى قد يكون مغيّبا نوعا ما أو مُغفَلا عنه..
نعلم أن التقوى هي الائتمار بأمر الله، والانتهاء عن نهيه، فيُقتصر في فهم هذا على أنّها ترك الذنوب والبعد عن المعاصي ، ويُغفَل عن أنّ الله أمرنا أيضا بالعمل، بالاحتراز، بالأخذ بالأسباب ... يُقتصَر على التفاعل النفسيّ دون التفاعل العمليّ...
وقد عرفنا في أواخر القطاع السابق :
**أمر الله بألا يتخذ المؤمنون بطانة من دونهم، الائتمار بهذا الأمر تقوى ...
**أمرنا أن نعتصم بحبل الله، تحقيق هذا تقوى.
** بألا نتفرق ، الحرص على الأخوة والحفاظ عليها وتجنّب أسباب التفرّق تقوى ...
**الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تقوى ...
وعلى هذا فإن الأخذ بالأسباب اللازمة والعمل والسعي وعدم الركون للقعود تقوى... "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ... "-الأنفال من:60-
هذا الإعداد من تقوى الله لأنه الائتمار بأمره سبحانه ... فلا نُقْصِرنّ التقوى على الإيمان دون العمل، كما لا يجب قصرها على عمل دون إيمان، فهي تجمع الطرفَين الحسيّ والمعنويّ، النفسي والعملي سواء بسواء ...
التقوى تجمع الإيمان والعمل . تجمع العمل مع التوكل لا واحدا دون الآخر ...
-
وتتتابع بعض التفاصيل التي كانت في غزوة بدر لمزيد تذكير بنعمة الله تعالى :
1-ب) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ(124) بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ(125) وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ(126) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ(127)
نلاحظ الأفعال بصيغة المضارع لا الماضي لاستحضار تلك الأحداث فتتمثل بقوة ..
**إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ(124)
استفهام تقريري من الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه، ثلاثة آلاف من الملائكة منزَلين من عند الله تعالى يمد بهم عباده المؤمنين ... أليسوا بكافين ؟! وليس الجواب عن هذا إلا : بلى ..
**بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ(125)
والتقوى ملازمة المؤمن مقترنة بالصبر كما عرفنا في قوله سبحانه : " وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ..." –من:120-
وكما أسلفت، ليس صبر القعود بلا عمل، بل صبر بعمل، صبر مع تقوى تجمع بين إيمان وعمل ...
إن توفرّ في أنفسكم صبر وتقوى وأتاكم العدوّ من فورهم مسارعين لقتالكم يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوَّمين أي معلَّمين ... وأضع من قول محمد رشيد رضا في معنى "مسوَّمين" : "وَقَدْ وَرَدَ سَوَّمَهُ الْأَمْرَ بِمَعْنَى كَلَّفَهُ إِيَّاهُ، وَسَوَّمَ فُلَانًا: خَلَّاهُ، وَسَوَّمَهُ فِي مَالِهِ: حَكَّمَهُ وَصَرَّفَهُ، وَسَوَّمَ الْخَيْلَ: أَرْسَلَهَا، وَكُلُّ هَذِهِ الْمَعَانِي ظَاهِرَةٌ عَلَى قِرَاءَةِ فَتْحِ الْوَاوِ مِنْ (مُسَوَّمِينَ) فَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةِ يَكُونُونَ مُكَلَّفِينَ مِنَ اللهِ تَثْبِيتَ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ مُحَكَّمِينَ وَمُصَرَّفِينَ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ فِي النُّفُوسِ مِنْ إِلْهَامِ النَّصْرِ بِتَثْبِيتِ الْقُلُوبِ وَالرَّبْطِ عَلَيْهَا أَوْ مُرْسَلِينَ مِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى . وَأَمَّا قِرَاءَةُ كَسْرِ الْوَاوِ (مُسَوِّمِينَ) فَهِيَ مِنْ قَوْلِهِمْ سَوَّمَ عَلَى الْقَوْمِ إِذَا أَغَارَ فَفَتَكَ بِهِمْ وَلَوْ بِالْإِعَانَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ. " -تفسير المنار-
قد يسأل سائل عن وجه الجمع بين عدد الملائكة الوارد هنا والوارد في سورة الأنفال، وذلك في قوله تعالى : "إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ(9)"-الأنفال - فالجواب أن التنصيص على الألْف هنا لا ينافي ثلاثة آلاف فما فوقها لقوله: " مُرْدِفِينَ " بمعنى يردفهم غيرهم ويتبعهم غيرهم.
كما أنني أرى أن اقتران الصبر بالتقوى هنا يعني أيضا الصبر والطاعة، تلك طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي من طاعة الله تعالى فهي التقوى، طاعة ما أمرهم به، ما أمر به الرماة ألا يتزحزحوا عن مكانهم وإن رأوا بأعينهم النصر، وانهزام الكافرين، والصبر هو الصبر على الطاعة، الثبات عليها، بمعنى أن يتمّوا طاعة أمره، وهو ما لم يتحقق، إذ قد أطاعوا بداية، ولكنهم حينما رأوا الغنائم لم يكن عندهم من الصبر على طاعته صلى الله عليه وسلم ما يثبتون به لآخر لحظة، فيأتونها تامة تامة ... بل نزل منهم مَن نزل عن مكانه فانكشف المسلمون للمشركين وصارت الدائرة عليهم ...
**وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ(126) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ(127)
وما جعل الله تعالى هذا الوعد الذي وعد به عباده المؤمنين على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم إلا بشرى وطمأنة لقلوبهم، بشرى بالنصر، ولتحلّ السكينة على القلوب المضطربة من عدد المشركين وعدّتهم ...
وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
وليس النصر من عددكم ولا من عدّتكم، ولا من الملائكة التي يمدّكم بها، بل هو من عنده سبحانه العزيز الذي لا يُغلَب والحكيم الذي يعلم كيف ينصر ومتى ينصر ومن ينصر .
لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ
والطرف يُراد به أشراف قريش الذين أهلكوا في بدر، والكبت أصلها من إصابة الكبد بالغيظ الشديد، يقال فلان كبِد أي أصيب في كبده، فهم بين حالَين قتل لعدد منهم، وعودة السالمين منهم مكبوتين، مخزيين خائبين .
وهكذا ونحن بصدد هذا التذكير للمؤمنين بنعمة الله عليهم بالنصر في بدر:
أ-) وقد كان مناسبا كل المناسبة لما اعترى تَيْنك الطائِفَتيْن من الضعف الذي كاد يودي بهما إلى التولّي بفعل سعي المنافقين بينهم بالتثبيط.
ب-) نصر حالفهم رغم قلة عددهم وعدّتهم وكثرة عدوهم عددا وعدّة. مع إمداد الله لهم بالملائكة يومها بشرى بالنصر وطمأنة لقلوبهم.
إلا أنّ التأكيد قائم على أن النصر على الحقيقة من عند الله تعالى : "وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ"
وكما أنّ النصر من عند الله تعالى إن شاء أنفذه وإن شاء حبسه، وإن كانوا مؤمنين، سبحانه يعلم متى يكون وكيف يكون لأهله الذين يوفّرون شروط الإيمان والعمل مع التوكل على الله لا الإيمان مجرّدا، كذلك أمر المشركين، هو لله تعالى لا لأحد وإن كان النبيّ ذاته : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ(128)
ها هي الآية تأتي في ترابط تام مع ما قبلها، كما أن النصر من عنده سبحانه لا يكفي إيمان وحده ليُسَلَّم بحصوله، فإن أمر المشركين لله وحده، يُنصَر عليهم المؤمنون ليُقطع منهم طرف وليعود مَن يعود منهم مكبوتا مخذولا مخزيّا ... وعودة السالمين منهم كذلك لا تعني نهاية أمرهم على ذلك بل : أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ
أسلم كثير منهم بعد بدر وأحد، من مثل خالد بن الوليد الذي كان القائد الذي التفّ على المسلمين في أحد ليقلب الكفة من صالح المسلمين إلى صالحهم، وأبي سفيان، وصفوان بن أمية وغيرهم ..
فسبحانه عليم بمَن سينقلب حاله، فيتوب عليه، ومن سيبقى على حاله فيكون مستحقا للعذاب في الدنيا بدوام خزيهم وفي الآخرة بخلودهم في النار، وليس تعذيبه سبحانه لهم إلا لأنهم ظالمون، والشرك ظلم عظيم .. أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ
وإنه مما جاء في الصحاح عن أنس بن مالك رضي الله عنه : "أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كُسِرَتْ رَباعيتُه يومَ أُحُدٍ . وشُجَّ في رأسِه . فجعل يسلُتُ الدمَ عنه ويقول ( كيف يُفلحُ قومٌ شجُّوا نبيَّهم وشجُّوا رَباعيتَه ، وهو يدعوهم إلى اللهِ ؟ ) فأنزل اللهُ تعالى : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ [ 3 / آل عمران / 128 ] ."-صحيح مسلم-
حتى الرسول ذاتُه ليس له أن يقرّر في شأن الناس...وليس له في أمر الهداية إذا شاء الله أن يجعلها لأحدهم وإن كان من ألدّ أعداء الإسلام يوما، تماما كما عرفنا أن النصر للمؤمنين من أمر الله، وهو ذا صلى الله عليه وسلم فيهم لم ينتصروا حينما تخلّفوا عن رُكن ركين من أركان النصر، تخلفوا عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم...
وسواء كان هذا سبب نزول الآية، أو لم يكن فإن معناها متسق تمام الاتساق مع ما بيّنه الله سبحانه في هذه المقدمة، من أنّ كل الأمر إليه وحده، سواء في ذلك أمر المؤمنين أو أمر المشركين، فليس عنوان الإيمان كافيا لحيازة النصر، كما أن مظهر الكفر ليس كافيا للحكم على صاحبه الذي لا يعلم مآله في الدنيا وانقلاب حاله من عدمه إلا الله سبحانه ... فالعناوين لا تؤدّي إلى الحكم الفصل ...بل إن الأحوال تتبدّل ...
فأمة محققة لشروط القوة في داخلها كما عرفنا، وعلى رأسها طاعة الله وطاعة رسوله مؤهّلة للنصر وهي مع تحقيقها لتلك الشروط العملية يسوقها التوكل على الله تعالى، أما أمة تقاعس أفرادها عن دورهم، وتملّكتهم الهزيمة النفسية فتخلّوا عن مقوّمات ثباتهم وعن دعائم هويّتهم، حتى وجدت سموم الشُبُهات سبيلا إلى عقولهم، واستحوذت الشهوات على قلوبهم، فانبهروا بالغرب أيّما انبهار، وتمسّحوا بمسوحه يرونه الأعلى ويرونه الذي لا يقاوَم، ونخر سُوسُ المنافقين بالأمة حتى لم يعد لها من صُلب قائم...أمة هذه حالها أنّى لها أن تُنصَر ؟!
يقول الزمخشري في الآية: "المعنى أن الله مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شيء إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم" –الكشاف للزمخشري-
ثم يُتمّم هذا المعنى الذي فيه بيان يد الله تعالى في تدبير الأمر، أمر المؤمنين والمشركين سواء بسواء... سبحانه يدبّر أمره كما يشاء، بإحاطة علمه وتمام حكمته وكمال عدله، بينما يخفى عن العباد ما يعلمه الله، وينقص العبادَ ما هو تامّ في حكمة الله، وإن كان نبيّ الله المصطفى...
وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(129)
لا ينازعه في ملكه منازِع، وليس له في تدبير الأمر شريك، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وهو سبحانه الغفور الرحيم . والمغفرة مقدَّمة على العذاب من أصل رحمته التي كتبها على نفسه سبحانه ... وإلا من أين يكون لكبراء المشركين الذي لم يألوا جهدا في قتال المسلمين وإرادة الشر بهم أن ينقلبوا فيصيروا من جند الإسلام الخُلّص ؟!
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12713;image)
-
ولقد كان ما سبق مقدّمة افتُتِحت بذكر تنظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم للجيش، ثم ما همّت به الطائفتان المؤمنتان من أثر فعل المنافقين المرجفين بين المؤمنين، جاء في صدده التذكير بالنصر الذي جعله الله للمؤمنين على المشركين في بدر رغم قلة عددهم، تخلّله تعليم شروط النصر، والتي أهمها :
1-الأخذ بالأسباب(العمل والسعي والحركة بتقوية الصفّ الداخلي وتنقيته، بالاعتصام بالله وبالتوحّد وعدم التفرّق)
2-التوكل على الله.
3-التقوى(طاعة أمر الله بما فيه الأمر الحركيّ العملي مثل عدم اتخاذ المنافقين بطانة وبما فيه طاعة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم )
4-الصبر (الصبر مع العمل لا صبر اليائس القاعد المتقاعس، الصبر أمام العدوّ وإن كان أكثر عددا وعدة، والصبر على الطاعة، ومنها طاعة الرسول إلى آخر لحظة )
5-اليقين أن الأمر كله لله أمر المؤمنين والكافرين سواء بسواء، فليس ظاهر عنوان الإيمان كافيا للنصر، ولا ظاهر الكفر كافيا للحكم النهائي على صاحبه الذي قد ينقلب من كفر إلى إيمان.
ثم ينقلنا الله تعالى إلى سلسلة أخرى من الآيات :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(130) وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(131) وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(132) وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(135) أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ(136) قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ(137) هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ(138)
وهكذا... المؤمنون وهم يعرفون معية الله لهم، وتأييده لمساعيهم، لعلّهم أن يصيبهم الغرور، فيغتروا بعنوان الإيمان، ويرون أنهم المنصورون في كل حال .. ! لعلّهم يغترون بالظاهر، حتى يتقاعسوا عن العمل والحركة، لعلّ تأييد الله لهم بالملائكة يجعلهم يظنون ذلك حادثا لهم في كل حال ... لعلّ علمهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس يجعل مَن يقصر فهمُه بينهم يظنّها القاعدة التي لا تستدعي شروطا...!
ولقد عرفنا المعالجة الربانية الحكيمة لهذا الحُسبان المُحتمل من المؤمنين، وما هُم إلا بشر من البشر يعتريهم من الضعف ما يجعلهم عُرضة للاغترار والحُسبان الخطأ . عرفنا الله تعالى يعلّمنا أنّ النصر من عنده وحده، ليس من توكل على الله دون عمل، ولا من عمل دون توكل على الله، ولا من مدّ بالملائكة، بل يمنحه سبحانه أهله المستحقين له .
كما عرّفنا أن أمر الكفار أيضا له وحده سبحانه، فمن شاء تاب عليه فصار إلى خير حال، ومن شاء جعله أهلا للخزي والعذاب المقيم، بعدله وحكمته وعلمه .
لننظر الآن ... إنّنا بين يدَي تربية ربانية جديدة ... إننا انتقلنا من الحديث عن النصر وشروطه، إلى سلسلة من النواهي في النفس ... من الحرب على الأرض، وجلاد الرجال للرجال، إلى الحرب مع النفس وجِلاد النفس لأهوائها وتقلباتها ...
1- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(130) وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(131)
حرب مع النفس... يجب الإعداد لها هي الأخرى، يجب الأخذ بالأسباب لخوضها، يجب ألا تُترَك وما تريد، بل يجب أن تُحارَب ...
أجل... أنتم أيها المؤمنون، أنتم يا خير أمة أخرجَت للناس، بل لأنكم خير أمة ... بحاجة إلى تربية مستمرة، وإلى تذكير مستمر، وإلى ترقية مستمرة ...
وإن أكثر ما يستحوذ على النفس ويأسرها "المال" ... وهو داعية للشهوة الكبرى بين الشهوات، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو أنَّ لابنِ آدمَ واديًا من ذهبٍ أحبَّ أن يكونَ له واديان ، ولن يملأَ فاه إلَّا التُّرابُ ..." –صحيح البخاري-
وإن هذا النهي لتثنية في هذه السورة، ونحن نذكر أوائلها وقد جاء فيها :" زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ(14) "
وجاء الجواب الإلهي، الذي يرغّب فيما هو خير، وفيما هو أدوم وأبقى :
"قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(15)"
وإن السؤال القائم... ما وجه علاقة الغزوة بهذا النهي ؟
العلاقة أنّ كليهما حرب ... الحرب والحرب ...
حرب مستواها النفس، هي ضدّ النفس، وحرب مستواها الأرض هي ضدّ العدوّ ...
والحرب الأُولى أَوْلى وأسبق، وأوجب ...
هكذا هي خصائص المؤمن ... قد يُقبِل الكافر على حرب المؤمن، وهو آكل للربا، وهو فاعل للفاحشة، وهو فوق ذلك كله، وأكبر من ذلك كلّه كافر بالله، لا يعرف التوكّل عليه، ولا يخرج في سبيل إعلاء كلمته، هكذا حاله وهو يقاتل المؤمن، وقد ينتصر... وهي ذي حاله التي نعرف... حتى لا يظنّ أولئك القافزون إلى هذه القراءات أننا غافلون عمّا يقرؤون... يريدون وَصْم القرآن باللاواقعية، وأنّه يُحدّث بما لا يُعرف في الواقع، يحدّث بنصر للمؤمنين وهم اليوم أكثر الناس انهزاما، يحدّث بدحض كلمة الكفر وأصحابها اليوم أكثر الناس انتصارا وظهورا ... !
ولقد أسلفتُ في مقامات سابقة في عَرَض سورتنا، أنّ هذا ليس من روح القرآن البتّة، بل هو الحق الذي لا ينفي الواقع، الواقعيّ الذي يضع القواعد الواقعية ويعدّد الشروط، ويرتّب المقامات وِفق تحقيقها...
نعم ينتصر الكافر اليوم على المؤمن، وهو على ما هو عليه من كفر ومن انعدام لأمر الله في نفسه وفي عمله، ورغم روْمه للباطل، لأنّ المؤمن لم يحقق شروطه، ولم يتمتع بخصائصه التي خصّه الله بها ... ولن ينتصر ما لم يحقق شروطه النفسية والعملية، وما لم تتوفّر نفسُه على تلك الخصائص التي وإن كان الكافر خالي الوِفاض منها قد ينتصر، بينما لا ينتصر المؤمن ونفسه خواء منها... هكذا هي خصيصة المؤمن الذي يصنعه الله تعالى بأمره ونهْيه فيه، وبجعله خليفة له سبحانه في الأرض، يعمل بما أنزَلَ عليه من منهج ...
يُرابي الكافر وينتصر، ولكن يُرابي المؤمن فلا ينتصر ... هكذا هي النفس المؤمنة، نفس أريد لها الرقيّ في كل موضع، في كل حال، أريدت لها الخصوصية وحقيقة الائتمار بأمر الله، وحقيقة ترجمة العبودية لله في الأرض حقّ العبودية، فلا ينهى سبحانه عن أمر ويكون إتيانُه من المؤمن هيّنا مقبولا، ولا يجعل سبحانه طاعة أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم شرطا من شروط القوة والخيرية والنصر، ثم تكون المعصية هينة متقبلة ... !
هكذا يُراد بخليفة الله في أرضه ... ليس في الأمر تلك الاستثناءات التي هي في حقيقتها تنازلات تُذهِب معنى العبد الرباني الذي يُبصر بنور الله، ويمشي بنور الله ...
جاء هنا النهي عن الربا، ولقد كان الرجل منهم يكون له على رجل مال فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه، فإذا عجز المدين عن سداده طلب التأخير، فيؤخّره الدائن بزيادة مضافة يدفعها المدين مع رأس المال، وهكذا في كل مرة تكون الزيادة كلما كان التأخير، وتلكم هي : "أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً " .
وإننا نعرف انهزام المسلمين في أُحُد بسبب معصية الصحابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدؤوا مطيعين له غير مُعرضين عن أمره، ثم لم يتمّوه كما أمرهم، بل ما أن رأوا الغنائم وعلامات النصر، حتى نزل الذين أمرهم رسول الله بملازمة أماكنهم وإن رأوا إخوانهم منصورين يغنمون... وإنها الغنائم أخذت أولئك وأذهلتهم عن أمر رسول الله، فسارعوا إليها ...
إنه فعل المال في النفوس... هي نفوس مؤمنة مطيعة متّقية، ولكنها ضعفت ...
ولذلك جاء النهي الإلهي عن الركون إلى المال... عن جعله غاية تربو عن غاية النصر وإعلاء كلمة الله، وتحقيق طاعة أمره وأمر نبيّه صلى الله عليه وسلم ...
جاء التخليص الإلهي لعباده المؤمنين من ربقة المال، من ربقة المادة ...
جاءت الإشارة إلى أنّ التعوّد على التخلّص من سيطرته في حال السِّلم، وعدم أوليّته في النفس، وأن الأوليّة لأمر الله ولإعلاء كلمته، يجعل صاحبه متعففا عنه في كل حال، فلا يأخذ بلُبِّه وإن كان غنما يغنمه من عدوّه المنهزم، إلا أنه يقدّم طاعة الله وطاعة رسوله عليه ... إنه التدريب على الفِكاك من أسره ...
-
ثم لنتأمل ....
بيّن سبحانه أن أمر المؤمنين له، كما أن أمر الكافرين له، وأن النصر من عنده وحده، وأنّ مآل الإنسان هو سبحانه وحده عليم به، والظاهر من الأمر ليس هو الحقيقة التي يُحكَم وِفقَها، فليس لمؤمن لا يعرف من إيمانه غير العنوان أن يكون المنصور أبدا، ولا أن يُفصَل في أمر الكافر والله أعلم بمآله ...
وهنا أيضا ....الأمر كذلك لله... الحقيقة هي في أمر الله ونَهْيه...
إنه المال، إنه زيادة على زيادة .... إنه الأضعاف المضاعفة ... إن ظاهرَهُ ترفٌ وربح وكسب وغنى ... ولكنّ حقيقته شَرَهٌ، ولهفة، واغترار بالمال، وتسلّط على رقاب ضِعاف الناس، واستغلال لاحتياجهم وقلة ذات يدِهم ... إنه المجتمع الطبقيّ في أبشع صوره، فطبقة مُترَفة تعلو بالربا وتصعد على جماجم الناس تدهسهم ولا تبالي، وطبقة مضطهَدة مُتحكَّم فيها لا تجد فِكاكا من سطوة الماديين المُرابين، ومن اللهث خلف تلبية إملاءاتهم الربويّة...
وهكذا ...الذي يظهر للإنسان خيرا وترفا، هو في حقيقته شرّ واضطهاد وطبقية لا يحبها الله العدل الذي يريد العيش الآمن والحياة المحترمة لكل عباده... حياة لا يأكل فيها القويّ الضعيف ...
إننا دائما في دائرة ما يظهر للإنسان ... وما حقيقتُه عند الله ...
مؤمن لا يحقق شروط النصر لن يُنصر، كافر لا يُحكَم على مآله، بل لا يأس من تبدّله من كفر إلى إيمان... ومال وربح وغِنى عن ظهر تسلّط وظلم وزهوّ طبقة من البشر على طبقة ليس بالخير بل هو الشرّ الذي يُنهى عنه المؤمن ...
وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(130) وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(131)
وإنّ الانتهاء عنه لمن تقوى الله، وتقوى الله أساس في النصر والتمكين، وتقوى الله تؤدي بالمؤمن إلى اتقاء النار التي أعدّت للكافرين ... وفي هذا تخويف وأيّ تخويف للمؤمن من الربا ... !
ولقد قال العلماء بأنّ هذه الآية سبقت آيات تحريم الربا التي جاءت في البقرة : "الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)" -البقرة-
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(278)" -البقرة-
إذن... فمِن ساح الوغى والحرب... إلى ساح الوغى والحرب أيضا ...إلا أن تلك على الأرض، وهذه على النفس ...
وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(132)
هذا الأمر محور من محاور هذه السورة ... التثبيت على طاعة الله ورسوله قَوام الأمر كله ...
أطيعوا أمر الله الأخير هذا بالانتهاء عن أكل الربا... وأطيعوا كل أمر منه سبحانه، وكل أمر من نبيّه صلى الله عليه وسلم ...
فلننظر ولينظر أهل إنكار السنة وإنكار حجّيتها ... إن كان يُراد بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة أمره الذي يتلوه على المؤمنين من القرآن الكريم، فلِمَ لمْ يُقتصر على: "وأطيعوا الله" دون قرنها بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ؟! فالأمر بطاعة الله معلوم بالبديهة أنّه سيكون عَبر رسول الله المبلّغ ... لا عن طريق تبليغ من الله لكل عبد من عباده على حِدة ...
فهذا يبلّغه الرسول عن الله، فما الداعي إلى قرنه بـطاعة الرسول أيضا إن كان أمر الله القرآنيّ؟ إلا أن يُراد منه طاعة كلّ أمره الذي هو من مشكاة القرآن سواء كان أمرا قرآنيا أو نبويا غير قرآني ...
إنه التأكيد على طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن بصدد غزوة أحُد التي عُرفت فيها معصية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2- وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133)
أيها المؤمنون ... انتهوا عن الشَّرَه في المال، وحبّه حتى الثُّمالة بانتهائكم عن الربا الذي ظاهره ربح وترف، وحقيقته ظلم واعتساف وعبودية للمادة تُذهب المؤمن عن غاياته الأسمى...
كونوا عِباد الله الذين تتحقق بهم خلافة الإنسان في الأرض بأمر الله وبإعلاء كلمته فيها ... وأطيعوا أمر الله ورسوله...
ولتكن وِفق ذلك مسارعتكم لا للدنيا، بل لمغفرة من ربكم ... مغفرة فيها التدليل الضمني على ضعف العبد، على أنّ المؤمن أيضا تأخذه السِنة من الضعف والسِّنة، فالمسارعة إلى المغفرة منجاة له، إذ مادام يستغفر ويُسارع للمغفرة فهو ناج ...
والمسارعة إلى المغفرة مُؤدّاها جنّة عرضها السماوات والأرض ...
المسارعة إلى المغفرة، إلى الجنة هي المُراد الأول من المؤمن ... المسارعة إلى رضى الله، المسارعة إلى ما هو خير، إلى الدائم، لا إلى الزائل من المغانم سارعوا إليه حتى انكشفوا للعدوّ.. عصوا أمر رسول الله، وسارعوا إلى الغنائم حتى انقلب نصرهم هزيمة ...
هذه الجنة أعدّت للمتقين، بخلاف النار التي أعدّت للكافرين الذين يعصون أمر الله، ولا ينتهون عما ينهى عنه ... ثم تأتي صفات هؤلاء المتقين :
3- الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(135) أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ(136)
1-أ) وها نحن مرة أخرى، نجدنا في أمر الإنفاق ...
الإنفاق، إخراج المؤمن مما يملك في دُربة دائمة على التخلّص من العبودية للمادة، التخلّص من ربقة المال، ومن أن يكون الهدف الأكبر للإنسان.
تدريب على الخلاص من ربقته تارة بالانتهاء عن الربا المُكثر للمال بلا مبالاة بالناس دُهِسوا أو ظُلِموا... وتارة بالإنفاق في سبيل الله ... لنيل رضى الله...
إنها أول صفة للمتقين ... ينفقون في السراء والضراء ... في اليُسر وفي العُسر.
فأما المُعسِر فبما يتيسر له، وهو على إعساره مُنفق، الامتثال لأمر الله عنده مُلازم له في كل حال ... وأما الموسر ففي السراء منفق، لا تُلهيه كثرة ماله وغناه عن الامتثال لأمر الله، نيل رضى الله والمسارعة لمغفرة منه سبحانه ولجنّة عرضها السماوات والأرض مُقدّم عنده على كل الملذات الزائلة ...
1-ب) وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ... الذين يكظمون غيْظَهم ولا يُنفِذونه .
يقول ابن عاشرو : "ولا شكّ أن أقوى القوى تأثيراً على النَّفس القوّة الغاضبة فتشتهي إظهار آثار الغضب ، فإذا استطاع إمساكَ مظاهرها ، مع الامتلاء منها ، دلّ ذلك على عزيمة راسخة في النَّفس ، وقهرِ الإرادةِ للشهوة ، وهذا من أكبر قوى الأخلاق الفاضلة." –التحرير والتنوير-
1-ج) وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ . هؤلاء أصحاب الأنفس القوية، الذين يقاومون حاجة في النفس ملحّة للانتقام وللانتصار للنفس.
فهؤلاء المتّصفون بهذه الصفات مُحرَّرون من سُعار الأهواء، من المال، ومن الغيظ ومن الانتصار للنفس ... مرتقون، رانون لله تعالى ولرضاه ...
وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ... أجل هؤلاء هم المحسنون الذين يرتقون في سلم الإنسانية والإيمان حتى يبلغوا العفو عن الناس ...
1-د) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(135)
والفاحشة الفعل السوء بالغ القبح، وظلم النفس كل ذنب أقل من الفاحشة... وقيل أن الفاحشة ما تعدى شرها إلى الغير، وظلم النفس فعل السوء الذي لا يتعدّى النفس ...
هؤلاء الذين إذا فعلوا شيئا من هذا ذكروا الله، هؤلاء في عِداد المتقين...
والذكر هنا ليس ذكر لسان، بل هو ذكر مقام الله تعالى وذكر وعيده وعقابه، يقول محمد رشيد رضا : "وَذِكْرُ اللهِ عِنْدَ الذَّنْبِ يَكُونُ بِتَذَكُّرِ نَهْيِهِ وَوَعِيدِهِ أَوْ عِقَابِهِ أَوْ تَذَكُّرِ عَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ، وَهُمَا مَرْتَبَتَانِ: مَرْتَبَةٌ دُنْيَا لِعَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْجَنَّةِ، وَهِيَ أَنْ يَتَذَكَّرُوا عِنْدَ الذَّنْبِ النَّهْيَ وَالْعُقُوبَةَ فَيُبَادِرُوا إِلَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَمَرْتَبَةٌ عُلْيَا لِخَوَاصِّ الْمُتَّقِينَ وَهِيَ أَنْ يَذْكُرُوا - إِذَا فَرَطَ مِنْهُمْ ذَنْبٌ - ذَلِكَ الْمَقَامَ الْإِلَهِيَّ الْأَعْلَى الْمُنَزَّهَ عَنِ النَّقْصِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ كُلِّ كَمَالٍ، وَمَا يَجِبُ مِنْ طَلَبِ قُرْبِهِ بِالْمَعْرِفَةِ وَالتَّخَلُّقِ الَّذِي هُوَ مُنْتَهَى الْآمَالِ، فَإِذَا هُمْ تَذَكَّرُوا انْصَرَفَ عَنْهُمْ طَائِفُ الشَّيْطَانِ، وَوَجَدُوا نَفْسَ الرَّحْمَنِ" -تفسير المنار-
فيسارعون لاستغفار مَن لا يغفر غيرُه الذنوب ... وهم بعد استغفارهم لا يصرّون على ما فعلوا، بل هم التائبون توبة نصوحا، النادمون على ما كان منهم، المسارعون للاستغفار، الذين لا يصرّون على أفعالهم ...
يقول في ذلك ابن عاشور مستشهدا بكلام لأبي حامد الغزالي : " وقد انتظم من قوله : { ذكروا الله فاستغفروا } وقوله : { ولم يصروا } وقوله : { وهم يعلمون } الأركان الثلاثة الَّتي ينتظم منها معنى التَّوبة في كلام أبي حامد الغزالي في كتاب التَّوبة من «إحياء علوم الدّين» إذ قال : «وهي عِلْم ، وحال ، وفعل.فالعلم هو معرفة ضرّ الذنوب ، وكونها حجاباً بين العبد وبين ربِّه ، فإذا علم ذلك بيقين ثار من هذه المعرفة تألّم للقلب بسبب فوات ما يحبّه من القرب من ربِّه ، ورضاه عنه ، وذلك الألم يسمّى ندماً ، فإذا غلب هذا الألم على القلب انبعثت منه في القلب حالة تسمّى إرادة وقصداً إلى فعل له تعلّق بالحال والماضي والمستقبل ، فتعلّقه بالحال هو ترك الذنب ( الإقلاع ) ، وتعلّقه بالمستقبل هو العزم على ترك الذنب في المستقبل ( نفي الإصرار ) ، وتعلّقه بالماضي بتلافي ما فات" –التحرير والتنوير-
أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ(136)
ولقد كان تفصيل صفات هؤلاء المتقين بين حالين هما الحال الواحدة، وذلك بين قوله سبحانه : "وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" وبين هذه الآية الأخيرة .
المغفرة والجنات .... والخلود فيها جزاء المتقي وأجرُه .... ونعم الأجر هو !
وإننا إذا تأملنا وجُلْنا بألحاظ عقولنا لرأينا أن هذه النواهي والأوامر التي جاءت في هذه الآيات، إنما نعرف فيها رقيّ المؤمن، وسموّه في درجات الإيمان، رقيّا يجعله الأفضل، ينقّيه من أدران النفس ومن سُعار أهوائها ... يرفع درجاته، ويجعله المميز المختصّ بهذه الخصائص ...
تتبين لنا صعوبة النفس عندما يُناصب صاحبها أهواءها العداء ... وهي المجبولة على أن تهوى ... "زُين للناس حب الشهوات ...."
فهذا الذي يقاومها، ويحاربها، ويجاهدها مُرْتَقٍ فمرتق في سلّم الإنسانية ... تقوى نفسه، ويُصبح هواها بما في أمر الله، وبُغضُها بما في نَهْيِه...
وتلك القوة النفسية هي المؤهّلة لقوة في مواجهة العدوّ ... نفس لا تغترّ بقوة تواجهها، لا تغترّ بمال كثير في حيازة العدو، لا تُعمي بصيرتَها ملذات الدنيا، بل لقد تدربت على أن الهدف الأسمى هو الله، هو رضاه ... هو مغفرته وجنّته ... نفس مرابطة، ثابتة لا تُزعزِعها المُزعزعات، ولا تغرّها المغريات ...
-
وذلكم هو وجه العلاقة بين الغزوة وهذه الآيات ...
ثم تُختَم هذه الآيات التربوية الترقويّة التثبيتيّة بقوله سبحانه :
4- قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ(137) هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ(138)
لقد مضت سنن مَن قبلكم أيها المؤمنون ... سنن الله تعالى في هذه الحياة، سنن كونيّة جعلها سبحانه، يسير الكون وِفْقَها، فشمس تسطع بأوان وتغرب بأوان، وجبال شامخات راسيات مثَبّتة في الأرض أن تميد بنا، وماء ينزل من السماء من بعد دورة تجعله يصعد من الأرض ليجتمع في السماء ثم ينزل إلى الأرض مجددا، ونهار بأوان، وليل بأوان، وهكذا ... سنن تسيّر الكون بدقة متناهية، وضعها الله سبحانه، لا يتخلّف فيها مخلوق من مخلوقاته عن دوره وما كُلِّف به ...
وكذلك سبحانه جعل للنصر والهزيمة سننا، جعل لصراع الحق والباطل على الأرض سننا لا تتخلّف، تتكرر عبر العصور والأزمنة ... ثابتة ...
هذه السنن تقضي بأنّ أهل الحق متى حققوا الشروط واستوفوها، وعملوا، وسعوا، واجتمعت كلمتهم ولم يتفرقوا، وائتمروا بأمر الله وانتهوا عن نهيه، وأطاعوا أمر نبيّهم القائد في حياته، وأمره في سنّته بعد مماته، وولّوا الكفار الدُّبُر فلم ينبهروا بحالهم، ولم يركنوا إليهم يأخذون منهم طبائعهم وسلوكهم، وأساليب حياتهم يلصقونها بأنفسهم تمسّحا وتقليدا عماية على عماية، متى نقّوا صفّهم، فعرفوا المنافقين بسيماهم ولم يجعلوهم بطانة وولاية، ومتى تعلموا الحق الذي علمهم الله إياه وجعلوه عقيدتهم التي لا يتزعزعون عنها، وعلموا علم اليقين أنّ أهل الباطل لا ينفكون ساعين بالإفساد والإضلال في صفوفهم ...
متى حققوا هذه الشروط كلها كان النصر حليفهم، سنّة ثابتة ... ومتى لم يحققوها كانت الهزيمة ما يستحقون، متى أطاعوا الله ورسوله واجتمعت كلمتهم نُصِروا، ومتى تخلفوا عن الطاعة انهزموا وانتصر عدوّهم ...
هذه سنن الله تعالى التي لا تتخلّف ... فأنّى للمسلم القاعد اليوم، وهو يتشدّق بالإسلام عنوانا لا يتعدى العنوان أن يكون له النصر والتمكين وهو المنهزم نفسيا، المقلّد، المنبهر، الذي تفعل فيه الشُبهات والشهوات فعل السلاح الفتاك الذي يأتي فيه على الأخضر واليابس ...؟!
نعم إنها السُّنن التي لا تتخلف، تلك التي ينتصر فيها الكافر على المؤمن لأنه العامل، المخطط، الساعي، ولقد قال علي رضي الله عنه : "إن هؤلاء قد انتصروا باجتماعهم على باطلهم وخُذِلتم بتفرقكم عن حقكم " .
إن السنن التي خلت كانت في الأمم السابقة، وقد قال سبحانه : " وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ"-العنكبوت:36-
"وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ"-العنكبوت:38-
"فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"-العنكبوت:40-
كان نصر أهل الحق على أهل الباطل لما استمسك أهل الحق بحقهم...
ولقد عرفنا مثلا في الفترة الفاصلة بين مبعث عيسى عليه السلام ومبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تقوّيا لكل من الروم والفُرس، وسيطرة كاملة منهما على الأرض، قسم من الأرض تبع للروم، وقسم منها تبع للفرس ... وكانوا أهل تبديل وتحريف وخلط لوحي السماء بخرافات الأرض وبالوثنيات، وأفسدوا دين الله كل إفساد ... ولكنهم سادوا الأرض، وتجبروا وظلموا وكان النصر حليفهم، فسيطروا على البلاد وملكوا زمام أمر أهلها لأن أهل الحق غُبِروا، حتى بعث الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم لينشر العدل، وليُحق الحق ويُبطِل الباطل، فانقلب حال الروم والفرس، وأصبحوا أمام المسلمين -رغم كل ما أوتوه من قوة مادية- ضِعافا مغلوبين منهزمين، وعلت راية الحق، ورفرفت في الأرض، وفُتِحت بلاد للإسلام في مشارق الأرض ومغاربها ...
كما أحبّ أن أشير إلى الموازنة الدائمة التي لا ينفكّ القرآن معلِّمَها للمؤمنين، حتى لا يقعوا في شِباك التطرف بأي شكل من الأشكال... حتى لا تكون لهم تلك النظرة المنحازة والأحاديّة للأمور الت تقبل التغيّر...
فإنّ الإيمان بالسنن الثابتة لا يعني الإيمان المطلق بها إلى حدّ جعلها الأولى وكأنّه لا مسبّب لها، بمعنى الإيمان بالأسباب وكأنها الفاعل بلا مسبّب مشيئته مطلقة ...
ولقد عرفنا ذلك في عَرَض هذه السورة ونحن نتعرّف إلى حقيقة عيسى عليه السلام الذي شاء الله تعالى خرق الأسباب الطبيعية فيه، فكان بلا أب ... غالى فيه مَن غالى من أهل الكتاب حتى جعلوه إلها، وفرّط في معجزته من فرّط حتى اتهموا أمّه ولم يصدّقوا أنه العبد الذي شاء الله بطلاقة مشيئته أن يجعله بلا أب ...
وغُلاة الأمس واليوم ممّن يُسمَّون "العقلانيين" يضعون العقل فوق كل شيء، فما تصوّره، واستطاع تصوّره صدّق به، وما لم يكن من عمله وكان فوق عمله، -بما في ذلك المعجزات التي صحبت الأنبياء- عدّه خرافة ودجلا ...
يقول سيد قطب في تعليم القرآن للمؤمنين ثبات السنن، مع الإيمان المصاحب بطلاقة المشيئة الإلهية : "إن النظام القبلي الذي كانوا يعيشون في ظله ، ما كان ليقود تفكيرهم إلى الربط بين سكان الجزيرة ومجريات حياتهم فضلا على الربط بين سكان هذه الأرض وأحداثها ، فضلا على الربط بين الأحداث العالمية والسنن الكونية التي تجري وفقها الحياة جميعا .. وهي نقلة بعيدة لم تنبع من البيئة ، ولم تنشأ من مقتضيات الحياة في ذلك الزمان! إنما حملتها إليهم هذه العقيدة. بل حملتهم إليها! وارتقت بهم إلى مستواها ، في ربع قرن من الزمان. على حين أن غيرهم من معاصريهم لم يرتفعوا إلى هذا الأفق من التفكير العالي إلا بعد قرون وقرون ولم يهتدوا إلى ثبات السنن والنواميس الكونية ، إلا بعد أجيال وأجيال .. فلما اهتدوا إلى ثبات السنن والنواميس نسوا أن معها كذلك طلاقة المشيئة الإلهية ، وأنه إلى اللّه تصير الأمور .. فأما هذه الأمة المختارة فقد استيقنت هذا كله ، واتسع له تصورها ، ووقع في حسها التوازن بين ثبات السنن وطلاقة المشيئة ، فاستقامت حياتها على التعامل مع سنن اللّه الثابتة والاطمئنان - بعد هذا - إلى مشيئته الطليقة! «قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ» .." –في ظلال القرآن-
فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ
كذلك في الأمم السابقة، كانت السنن التي تعمل ثابتة، متى حقق أهل الحق شروطا بعينها استحقوا التمكين والنصر، ومتى تقاعسوا أُخّروا عن الركب وتقدم عليهم أهل الباطل ...
ولقد علّم الله المؤمنين عن الأمم السابقة، ونعرف ذلك في بني إسرائيل حينما رافقوا طالوت للجهاد حتى بقي معه من صدقوا الله بعزمهم، فكانوا يقولون مما علمهم أنبياؤهم عن الله تعالى : ...قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ" –البقرة: من249-
وهم أولاء يقولون من وحي إيمانهم، وتوكلهم على الله ومما علمهم الله:
"وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(250) "
فماذا كان ؟ لقد كانت سنّة الله في نصره وهزيمته، في الحق والباطل ... فيمن استوفى شروطه :
فهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ(251) " -البقرة-
فهي سنن ... أجل سُنن لا تتخلّف ... !
-
ولرشيد رضا كلام أعجبني في هذه السنن، وكيف أنها تخدم أهل الباطل إن هم عملوا ولم يجدوا أهل الحق أهلا لمجابهتهم : "فَإِذَا قَامَ رَجُلٌ بِدَعْوَى بَاطِلَةٍ وَلَكِنْ رَأَى جُمْهُورٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُ مُحِقٌّ يَدْعُو إِلَى شَيْءٍ نَافِعٍ وَأَنَّهُ يَجِبُ نَصْرُهُ فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَنَصَرُوهُ وَثَبَتُوا عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يَنْجُونَ مَعَهُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ. وَلَكِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْبَاطِلَ لَا يَدُومُ، بَلْ لَا يَسْتَمِرُّ زَمَنًا طَوِيلًا لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْوَاقِعِ مَا يُؤَيِّدُهُ بَلْ لَهُ مَا يُقَاوِمُهُ فَيَكُونُ صَاحِبُهُ دَائِمًا مُتَزَلْزِلًا، فَإِذَا جَاءَ الْحَقُّ وَوَجَدَ أَنْصَارًا يَجْرُونَ عَلَى سُنَّةِ الِاجْتِمَاعِ فِي التَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُرِ، وَيُؤَيِّدُونَ الدَّاعِيَ إِلَيْهِ بِالثَّبَاتِ وَالتَّعَاوُنِ ; فَإِنَّهُ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَدْمَغَ الْبَاطِلَ وَتَكُونَ الْعَاقِبَةُ لِأَهْلِهِ، فَإِنْ شَابَتْ حَقَّهُمْ شَائِبَةٌ مِنَ الْبَاطِلِ، أَوِ انْحَرَفُوا عَنْ سُنَنِ اللهِ فِي تَأْيِيدِهِ، فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ تُنْذِرُهُمْ بِسُوءِ الْمَصِيرِ."
وإننا نعيد ذلك التساؤل الملحّ على كثير من العقول، سواء من كان من أصحابها سيئ النية ومن كان منهم حسنها : لماذا كانت عاقبة المكذبين سريعة وفي الدنيا ونحن اليوم لا نرى تلك العاقبة للمكذبين ؟
زيادة على ما فصّلتُ في شأنه أكثر من مرة في عرض آيات سورتنا، من أن حالنا حال المتقاعس، الذي لا يحقق الشروط اللازمة، فإنني أزيد فأقول أن أولئك قد بُعث فيهم الأنبياء، ورغم أن المؤمنين بهم كانوا دائما قلة، والكافرين بهم كانوا الأكثرية إلا أنهم عملوا بما جاءهم به نبيّهم . استمسكوا بأمر الله، واعتصموا به فنصرهم وخذل عدوّهم لأنهم آمنوا وجاهدوا من أجل كلمة التوحيد، وكذلك كان حال الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه...
أما نحن فالكتاب والسنة فينا، والنبيّ ليس فينا، وذلك امتحانُنا إلى يوم الساعة ... متى نعمل بما عندنا ننصر ويهلك عدونا...
قدر الله وشاء أن يكون كتابُه خاتم الكتب، ويكون قدره أن يمتد الامتحان به دون نبيّ. فمتى نُصر واتُّبِع نصر أصحابه. نحن لم نحرف ولم نبدل .. ولكننا حِدْنا ... حِدْنا والحق بين أيدينا وبدل أن ننصر كلمة الله على كلمة الكفر، غرتنا حال أهل الكفر ورأيناهم الأقوياء أبدا !!!
أيضا فإن السير في الأرض يعني النظر في الآثار الدالة على تلك الأمم، وعلى ما كان معها، وعلم الآثار قائم بذاته له دلائله العلمية وقوانينه التي تحدد الزمان الذي كانوا فيه، وتحدد معالم حضارتهم وأساليب حياتهم، زيادة على أن قراءة التاريخ تعتبر من السير في الأرض والنظر في تاريخ الأمم . يقول في ذلك ابن عرفة : " السير في الأرض حسّي ومعنوي ، والمعنوي هو النظر في كتب التَّاريخ بحيث يحصل للنَّاظر العلم بأحوال الأمم ، وما يقرب من العلم ، وقد يحصل به من العلم ما لا يحصل بالسير في الأرض لِعجز الإنسان وقصوره "
هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ(138)
كل هذا الذي مضى مما عرفنا في السورة، بيان، وأي بيان !
البيان هو الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت الشبهة حاصلة، بيان وتوضيح وإذهاب لكل لُبس، كان في التفاصيل التي عرفنا، في الشروط وفي ترتيبها، وفي ترتّب النتائج عليها ...
كل ما مضى في قطاع الأمة(100-120) وفي القطاعات التي سبقته وحوت علما بحال الأنبياء الذين لبّس أهل الكتاب أحوالهم على الناس، ولولا نور الله والحق الذي أنزل لما عرف الإنسان حقا من باطل من فرط سعيهم بالتضليل والكذب والادّعاء ...
ما مضى من أنّ أمر المؤمنين لله، والنصر ليس مكتوبا لهم هكذا دون عمل منهم ولا سعي ولا بذل، وأمر الكافرين أيضا له سبحانه، ونهاية أمرهم وما يؤولون إليه في الدنيا في علم الله وحده، وكذلك أمر ما يُزَيّن للناس من مظاهر المال والتّرف، وهو في حقيقته إفساد وأخذ للإنسان من عبوديته لله إلى عبوديته للدنيا ...
كل هذا كان بيانا، كان شفاء للعقول... للناس كافة ...
لنتأمل ...إن البيان عُمم للناس، بينما جعل الهُدى والموعظة للمتقين دون غيرهم : هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ
يقول الرازي: "الفرق أن البيان عام في أي معنى كان، وأما الهدى فهو بيان لطريق الرشد ليسلك دون طريق الغي. وأما الموعظة فهي الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين، فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان: أحدهما: الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى.الثاني: الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة. "-مفاتيح الغيب-
-
وبعد هذا البيان للناس، وهذا الهدى الذي لا يعبّ من نوره إلا أهل التقى، وهذه الموعظة التي لا يمتثل لها ولا ينتصح بها إلا أهل التقى ... في ما مضى من بيان لسنن الله تعالى التي لا تتخلّف في نصر من يستوفي شروط النصر، وفي ترقّي أهل الإيمان والرنوّ للاستزادة لمَن هم أهل لقيادة البشرية وسياستها أكمل سياسة ...
نعود إلى جوّ الغزوة ... وقد كنا عرفنا مع الآيات السابقة تقدمة حولها ثم كان فاصل تلتْه آياتنا الجديدة التي سنرى ... وأضع ها هنا مخططا أبين فيه الفاصل ثم العودة...
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12715;image)
5-وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(140) وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ(141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142)
إننا نتنسّم الطبطبة الإلهية على نفوس المؤمنين وعلى قلوبهم الوَجعَى مما لحقهم في أحُد ... استشهد منهم سبعون رجلا، في مقدّمتهم سيد الشهداء حمزة رضي الله عنه وأرضاه ..
إنها الهزيمة، بل إنها في حقيقتها الانقلاب الكليّ الذي حدث في النتائج ...
فمن بعد قوة وإثخان من المسلمين في صفوف المشركين، ومن بعد أن لاحَتْ علامات النصر بقوة حتى انكبّ المسلمون على الغنائم يجمعونها، انقلبت النتيجة رأسا على عقب وحلّت الهزيمة من أثر مخالفة الرماة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بملازمة أماكنهم .
بدأ القتال، فخرج الزبير بن العوام رضي الله عنه لمبارزة طلحة بن أبي طلحة فقتله، ثم أخذ لواءَ المشركين أخو طلحة فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، فضربه بالسيف فقتله، ثم حمل اللواءَ أخوهما أبو سعد بن أبي طلحة، فرماه سعد بن أبي وقاص بسهم أصاب حنجَرتَه فقتله.
وهكذا توالى حملة اللواء من المشركين، كلٌّ منهم يُقتَل، حتى بلغوا أحد عشر . واضطربت صفوف المشركين بعد مقتل حملة اللواء، فتفرقوا، فشدّ المسلمون عليهم وأزالوهم عن أمكنتهم، وشعارهم يومئذ: "أمِتْ أمِتْ"، وحمل الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على خيل خالد بن الوليد فهزمه الله ومن معه.
واغتيل حمزة من ورائه بعدما قاتل كالأسد الجسور لا يفتُر ولا يني، بحربة وحشيّ الذي استأجرته هند بنت عتبة ليقتله منتقمة لأبيها عتبة الذي قتله حمزة في بدر. وظلّ المسلمون مسيطرين على الموقف كله حتى سُقِط في أيدي المشركين، وانكشفوا منهزمين لا يَلوُون على شيء، ونساؤهم ألقين الدفوف، وقصدن الجبل كاشفات سيقانهنّ يولوِلْن .
عنِ ابنِ عباسٍ أنه قال : "ما نصَر اللهُ تبارك وتعالى في موطنٍ كما نصَر يومَ أُحدٍ " فأنكر عليه الصحابة ذلك، فقال ابنُ عباسٍ : "بيني وبينَ مَنْ أنكر ذلك كتابُ اللهِ تبارك وتعالى إنَّ اللهَ عز وجل يقولُ في أُحُدٍ : { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } " يقولُ ابنُ عباسٍ والحَسُّ : القتلُ.
يروي البراء بن عازب عن سبب انقلاب الأمر : "جَعلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم على الرَّجَّالةِ يومَ أُحدٍ - وَكانوا خَمسينَ رجلًا - عبدَ اللهِ بنَ جُبَيرٍ، فَقال: إِن رَأيتُمونا تَخطَفُنا الطَّيرُ فَلا تَبرَحوا مَكانَكُم هَذا حتَّى أُرسِلَ إليكُم، وإنْ رَأيتُمونا هَزَمنا القَومَ وأَوطَأناهُم، فَلا تَبرَحوا حتَّى أُرسِلَ إِليكُم. فهَزموهُم، قال: فَأَنا واللهِ رَأيتُ النِّساءَ يَشتدِدْنَ، قد بَدَت خَلاخِلُهنَّ وأَسوُقُهنَّ، رافعاتٍ ثيابَهُنَّ، فَقال أَصحابُ عبدِ اللهِ بنِ جُبيرٍ: الغَنيمةَ أيْ قومُ الغَنيمةَ، ظَهَر أَصحابُكم فَما تَنتَظِرون؟ فَقال عبدُ اللهِ بنُ جُبيرٍ: أَنَسيتُم ما قال لَكُم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم؟ قالوا: واللهِ لَنَأتينَّ النَّاسَ فَلَنُصيبنَّ مِنَ الغَنيمةِ، فلمَّا أَتوْهُم صُرِفت وُجوهُهُم فأَقبَلوا مُنهَزِمين" –صحيح البخاري-
وهكذا بينما المسلمون مُنشغلون بجمع الغنائم، إذ بخالد ينقضّ عليهم من خلفهم بخيله.
إن وجعهم من انقلاب الحال من النقيض إلى النقيض لأشدّ وطأ في نفوسهم من هزيمة تبدو أماراتها من بداية المعركة ..!
5-أ) ولا تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(139)
طبطبة إلهية تواسي المؤمنين، وتُذهِب عنهم بوادر الفشل والضعف الذي أصابهم .. لا تهنوا ولا تحزنوا على ما فاتكم من نصر كنتم قاب قوسين أو أدنى من العودة مكلّلين به ..
وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
إنكم وإن هُزِمتم، وإن دارت الدائرة عليكم، فأنتم الأعلون، أنتم الأكرم ما دمتم مؤمنين، وليس الإيمان هو ذلك العنوان الفضفاض الذي يتشدّق به القاعد، بل هو الإيمان الذي قَوامه الثقة بالله تعالى والثبات على أمره رغم النوائب ورغم المصائب .
إنه إيمان الذي لا تهزّه المصيبة ولا تأخذ بِلُبِّه المُلِمّات، بل يقوم من جديد بإيمانه ولأجل إيمانه . إيمان الصابرين، الذين لا تفتّ في عضدهم الهزيمة، بل تزيدهم إصرارا على القيام من جديد، والقوة على القيام تُستمدّ من الاستمساك بالله، ومن السعي الدؤوب لنصر دينه .
إن الظاهر نصرٌ للكافرين، وهزيمة للمؤمنين، الظاهر رجحان كفة الكفر على الإيمان...
ولكنّ كفة الكافر لا ترجح على كفة المؤمن عند الله، فذلك يحصد في الدنيا، والآخر حصاده في الدنيا بإعلاء كلمة الله وحصاده الأكبر بجزاء الآخرة .
ولننظر إلى هذه التربية الربانية القويمة، وهو سبحانه يقدّم المواساة، ولا يقدّم العتاب، ولا يقدّم التأنيب على الخطأ . إنه سبحانه عليم بمكنونات صدور المؤمنين وهم تكتنفهم حسرة ولوعة وحزن عميق على انفلات النصر من بين أيديهم انفلات العصفور الذي ما يلبث أن يطير ما أن يتفرق عن أصابع اليد القابضة عليه أصبع واحد... ! وأي حسرة هي !
كما أنها تربية ربانية دائمة مستمرة، صالحة لكل عصر...
ألا يظنّ المسلمون اليوم بأنفسهم الضعف الدائم والوهن الدائم، والهزيمة النفسية متمكنة منهم أيما تمكّن ؟!... إنها الموازنة السليمة التي لا تَخْطيئ فيها حدّ التيئيس، ولا رفع فيها حدّ التغرير والتمنية بالعزّ الوهمي الذي يأتي من فراغ بدعوى عنوان الإسلام وعنوان الإيمان .. !
وسنرى لاحقا العتاب اللازم ...
5-ب)َ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(140) وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ(141)
وهنا تبرز معالم المواساة... إنه إن يمسسكم قَرح، (القَرح هو الجرح)، فإن الكافرين أيضا قد أصيبوا بمثل مُصابكم يوم بدر حينما قُتِل منهم سبعون، وفيهم رؤوس الكفر والتدبير.. وإن الأيام دول ..وقد سأل هرقل أبا سفيان حينما حاوره بشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كيف كان قتالكم له؟ قال :الحرب بيننا سِجَال يَنَالُ مِنَّا وننال منه ، فقال هرقل : وكذلك الرسل تبتلَى وتكون لهم العاقبة".
وقد قال سبحانه : "وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا"-النساء:104-
ولنتأمل ...
ألم يعلّمنا الله تعالى قبل آيات قليلة أنّ سننه ماضية فيمن خلا من الأمم كما هي ماضية في المسلمين ؟ "قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ "
أجل... فتلك الأيام نداولها بين الناس حسب ما تقتضيه تلك السنن التي لا تتخلّف، من أعدّ واستعدّ وأطاع قائده وأحاط بشروط النصر والقوة كان النصر حليفه ... هذا والجنود أهل كفر، فكيف بجنود مؤمنين يتخلّفون عن طاعة نبيهم صلى الله عليه وسلم ؟!
وإن للهزيمة دروسا لمن يعقل ويعتبر لا يُعطيها النصر ... وسنرى ذلك في تفصيل الله تعالى لمحاسن أُحُد .
ولابن القيّم كلمات عميقة في مداولة الله للنصر بين صفّ وصفّ : "لو انتصر الحق دائما لامتلأت صفوف الدعاة بالمنافقين، ولو انتصر الباطل دائما لشكّ الدُّعاة في الطريق، ولكنّها ساعة وساعة "لِيَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَيِّب"
ويقول الرازي : "واعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله - تعالى - ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين ، وذلك لأن نصرة الله منصب شريف ، وإعزاز عظيم فلا يليق بالكافر ، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه : الأول : إنه - سبحانه - لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات . لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل ، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب ، فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الإيمان وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية ، والمكلف يدفعها بواسطة النظر فى الدلائل الدالة على صحة الإسلام فيعظم ثوابه عند الله . والثانى : أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصى ، فيكون تشديد المحنة عليه فى الدنيا أدباً ، وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضباً من الله عليه " –مفاتيح الغيب-
-
5-ج) أما الآن فسنرى كيف يعدّد الله محاسن الهزيمة، وكلّه ضمن الطبطبة والمواساة كما عرفنا :
وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(140) وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ(141)
5-ج-1) وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ ... وتلك الحسنة الأولى من هذه الهزيمة التي كَمِد لها المسلمون، وليس معناها أنه سبحانه ابتلاهم ليعلم، ونحن نعلم أنه سبحانه المحيط علما بكل شيء، بما كان وبما هو كائن، وبما سيكون.
بل إنه يُراد به انتقال علم الله الأزليّ الغيبيّ إلى عالَم الشهادة ليعلمه الناس فتُقامَ الحجّة عليهم. لقد كان امتحان الله تعالى لعباده. لتتبيّن فيه المعادن، وتنكشف فيه الحقائق، إنه الامتحان بالأمر الأصعب على الإنسان، لقاء العدوّ... وهو لا يعلم في لقائه إن كان سيعود سالما أو أنه لن يعود إلا محمولا على الأعناق جثة هامدة ...
لتُقام عليكم الحجة، فتعلموا مع علم الله السابق بما سيحصل، وكيف سيكون تفاعل كل واحد منكم وهو في مواجهة العدو الذي يفوقكم عددا وعُدّة، ومع إرجافات المنافقين بينكم وتخذيلهم لكم، وإنّ معرفتكم بالمنافقين في حدّ ذاتها حسنة من حسنات هذه الغزوة...
ولتعلموا ما يكون من أنفسكم وأنتم منهزمون، أما تزالون مؤمنين مستمسكين بالله تعالى وبعزمكم على إعلاء كلمته وأنتم منهزمون والكفار منتصرون عليكم ؟ أم أنّ تلك التساؤلات الشيطانية التي يُلقي بها الشيطان في طريقكم مع ضعفكم وانهزامكم قد غلبت على أنفسكم ؟ كيف يكون نبيا ويُهزَم ؟ كيف تكون معيّة الله للمؤمنين ويُهزَمون ؟ ... وتلك التثبيطات التي تخوّر العزائم وتنذر صاحبها بالشؤم واليأس كأنّ تلك الهزيمة نهاية العالم برمّته ...
إنها لمن حسنات الهزيمة أن يتبيّن المؤمن حقا ممن إيمانُه على حرف : "أحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ"-العنكبوت:02- ...
إنه امتحان الثبات وذلك النصر الأكبر الذي يرومه الإسلام، أن يصنع أنفسا جلدة ثابتة لا يهزها خطب، قوتها لله ولإعلاء كلمته، أن يصنع تلك الهِمم الشامخة التي تورّث الهِمم الشامخة ...
وإنه لو لم يكن ذلك رأس غايات هذا الدين، فأنّى للعدد القليل الذي اجتمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم مصدّقا به أن يكون البذرة التي أنبتت شجرة الإيمان الباسقة التي ألقت بظلالها الوارفة على الأرض كلها شرقها وغربها، شمالها وجنوبها ...
5-ج-2) وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء ... ومن هذه الحسنات أيضا، أيها المؤمنون المنهزمون الحزانى الوَجْعَى ... أن الله تعالى اتخذ منكم الشهداء، أولئك الذين قضوا على أيدي المشركين وحزنتم على قتلهم، إنما هم الشهداء عند الله تعالى المكرَّمون الذين اتخذهم سبحانه مقرّبين فاختار لهم الشهادة ... "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169) "-آل عمران-
عن رجل من الصحابة أنَّ رجلًا قال : "يا رسولَ اللهِ ما بالُ المؤمنين يُفتنون في قبورِهم إلَّا الشَّهيدَ قال : كفَى ببارقةِ السُّيوفِ على رأسِه فتنةً" –صحيح النسائي-
وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، تأتي خاتمة للآية، الذين ظلموا أنفسهم بنبذهم للحق وراء أظهرهم وباستمساكهم بأحابيل الكفر الواهية. تأتي عقب ذكر كرامة الشهداء تدليلا على حبّ الله للشهداء بخلاف الظالمين الذين باؤوا بكره الله لهم ... نسأله سبحانه أن يرزقنا ما يجعلنا أهلا لحبّه لنا.
5-ج-3) وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ... التمحيص يعني التخليص من الشوائب... إنه الابتلاء الصعب الذي يُصعِد نارا تُذيب المعدن لتنقّيه من كل شائبة فيبقى صافيا نقيّا ..
قد عرفنا بدايةً كيف جُعلت الهزيمة امتحانا ليُعرف الثابت من المتزعزع : " وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ " ثم هؤلاء المؤمنون الذين تميّزوا عن غيرهم من المنافقين والمؤمنين على حرف، بعدما عُلِموا يعمل في أنفسهم التمحيص... لتذهب النقيصة من النفس وتزكو وترتقي، ولتتخلّى من الرذيلة وتتحلّى بالفضيلة ...
5-ج-4) وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ... والمَحق بمعنى الإهلاك، وأصله الذهاب شيئا فشيئا، ولذلك نعرف المُحاق وهو الهلال في آخر أطواره حينما يؤول إلى زوال واختفاء فيبقى منه خيط رفيع .
فكما كانت الهزيمة امتحانا لثبات من بقي حيا من المؤمنين، وكانت فيها العطيّة للذين اختيروا من رب العزة شهداء، وكانت تمحيصا وتنقية للنفوس المؤمنة لتزداد إيمانا على إيمان وهدى على هدى، فهي أيضا مَحق للكافرين وإهلاك لهم، وهم على ما هم عليه من الكفر والشرك، يفعل فيهم النصر فعل السوء، فيُصابوا بالبطر والغرور والانتفاش والزهوّ بمظاهر ليس من ورائها غاية تُرجى إلا الدنيا، فتكون حدودها الدنيا، وتكون كالبنيان القائم من رمل ما أن تأتي عليه موجة خفيفة حتى يذهب ويزول كأن لم يكن ... !
وبالمقابل المؤمن المُمحَّص سيزيد تحفّزا وتأهّبا. يقول محمد أبو زهرة في ذلك : "لأن العزائم قد تحفزت حذرة لمنازلتهم، فكانت الهزيمة سبيلا للنصر، وكان الجرح سبيلا لإعلاء كلمة الله تعالى."-زهرة التفاسير-
وهنا أستحضر من تلك الأدوية المعالِجة ما عرفنا في الآيات (130-138) ... تلك التعهّدات التي تفعل فعل الماء الذي يسقي النبتة كل حين وحين لترتوي ولئلا تذبل، بل تزيد إيناعا، وتزيد نماء وخضارا ... لا تأكلوا الربا، أطيعوا الله والرسول، سارعوا إلى المغفرة وإلى الجنات، لا تكن الدنيا أكبر همّكم ولا مبلغ علمكم ...
كونوا من المتقين الذين لا تأسرهم المادة ولا تستعبدهم، يحسنون كظم الغيظ، والعفو عن الناس، وإنكم بشر من البشر تخطؤون كما تصيبون ولكن لا تصروا على الفاحشة ولا على ظلمكم أنفسكم بالذنوب... فإنها المغفرة من الله المنجّية، وإنها الجِنان ....
هناك دائما ما هو أكبر أنتم له عاملون، هناك ما لا يزول ولا ينتهي ولا يفنى ... هناك ما يستحقّ العناء والصبر والثبات رغم كل المُلمّات ... وكله من عطايا الله سبحانه ...
هناك الله الذي في سبيله تهون كل مصيبة، ويهون كل صعب... !
وبعد كل هذا كيف يبدو أنّ تلك الآيات (130-138) جاءت منفصلة عن الغزوة ولا علاقة لها بالغزوة... إن الله تعالى يعلّمنا كيف لا تنفصل التزكية عن الجهاد، كيف أنّ الإسلام كلٌّ متكامل، يجعل من الإنسان أرضا يُبذَرُ فيها ويُتعهّد الزّرع لينمو ويُزهِر فيُعطي ويُغدِق، ويشتدّ عوده فيثبت ليقاوم الرياح العاتية والأيام الشاتية، والحرارة اللافِحة، ويعود ليُعطي في كل حين ...
إنها شجرة المؤمن أصلها ثابت وفرعها في السماء ...!
-
5-د) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142)
استفهام استنكاريّ من رب العزة سبحانه، جاء بعد ذكر كل تلك الحسنات التي تُجنى من الهزيمة، والتي غُمّيت على المؤمنين ساعة حزنهم ... جاءت بعد المواساة والطبطبة الإلهية الرفيفة التي حنتْ على المؤمنين لتنتشلهم من حسرتهم وأساهم، وتبثّ الأمل في نفوسهم من جديد، وأنّ ما هم فيه من ألم فوائده جمّة، يُعَبّ منها للقيام بنور أسطع وإيمان أكبر ...
أم أنكم حسبتم أن الجنّة سهل منالُها ؟!
إن هذه المصائب والشدائد التي تحلّ بكم مهرُها، وأنعِم بها من عروس لا يعزّ عليها مهر ... ! وقد قال صلى الله عليه وسلم : " حُفَّتِ النَّارُ بالشَّهواتِ وحُفَّتِ الجنَّةُ بالمكارِهِ"
إنكم لن تدخلوها حتى تتعبوا، وحتى تُمحّصوا ...
أفحسبتم أن تدخلوها ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ؟
-وكما أسلفنا- هو علم الله تعالى الأزلي الذي عنده منذ الأزل، ولكنه في طيّ الغيب، وإنه ينتقل إلى الشهادة لتُقام الحجة على الناس ... ليدخل صاحب الجنة الجنة وقد علم أنه اجتاز امتحانه، ونجح إذ ثبت ولم يتزعزع إيمانُه ... ليعلم الذي جاهد أنه جاهد، وليعلم الذي صبر أنه صبر ... فهذا اليوم جزاؤه الذي وعده ربُّه ... عيانا، يراه ويلمسه، ويشمّ ريحه ...
غزوة أُحُد ... ذلك الامتحان الذي جعله الله للمسلمين... فلما كان منهم ما كان من مخالفة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم تكن أُحُد نصرا، ولكنها كانت مدرسة عظيمة دخلوها، فكانوا من خيرة من يتعلّم ويتعظ ويعتبر ... لقد كانت دروسُها مِلْء أسماعهم وأبصارهم ... لم تغادِرهم... لم يعودوا لمعصية الرسول صلى الله عليه وسلم بعدها في غزوة قط ...
ولقد عرفناهم في غزوة الأحزاب صُبْرا جُلْدا، وقد اجتمع عليهم عشرة آلاف مشرك متظاهرين متآزرين لاستئصال شأفتهم ... لم يبرحوا أماكنهم، ظلوا فيها على الطّوى وعلى الظمأ وهم ثابتون لا يتزحزحون، لا يعودون إلى ديارهم وهي القريبة منهم، من بعد ما حفروا خندقا عظيما استغرق منهم حفْرُه الأيام والليالي ... ظلوا على تلك الحال صابرين شهرا والمشركون من أمامهم، وبنو قريظة الغَدَرة من ورائهم حتى نُصِروا ...
فلقد تعلموا من أُحُد ...
ولقد عرفناهم في غزوة مؤتة يخوضون حربا وسط بحر من الروم ومُواليهم من العرب، بحر متلاطم الأمواج، يكاد يكون عددهم إلى عددهم خيالا من الخيال ... بسلاح وكُراع لم يعرفوا مثله قطّ ... فاستُشهد القادة الثلاثة زيد وجعفر وعبد الله، وكان لمَن في مثل موقفهم بالغ الصعوبة، والذي لا ينجو منه أحد أن يعودوا أدراجهم وقد قُتل القادة الثلاثة، ويفرّوا من جيش عرمرم يحيط بهم إحاطة السِّوار بالمِعصم ... ولكنهم لم يفعلوا ! بل لقد ثبتوا، وأبوا إلا أن يكملوا، فأمّروا عليهم خالدا مقبلين غير مُدبِرين، حتى فتح الله عليه، وكاد للروم وعاد بجيش المسلمين سالما من بحر خضمّ ...
فلقد تعلموا من أُحُد ...
لقد كانت أُحُد مرحلة مفصليّة، ومحطة بالغة الأهمية، وهي التي لم يكن فيها نصر ... بل كانت فيها هزيمة مع حزن وحسرة على تفويت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
كانت لأُحُد آثارها البارزة في كل ما أقبل من غزوات المسلمين وحُروبهم ... كانت مدرسة ذات دروس عظيمة جليلة ... ما نزال نعرف المزيد منها في عَرَض المقبل من الآيات ...
6-وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ(143) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ(144)
لقد كنتم متشوقين للخروج في سبيل الله، وكنتم تتمنون الموت في سبيله، فها أنتم تنظرون إليه بأعينكم، وتلمسون علاماته لمسا، وتعرفون شدّته ... هو هذا امتحانكم ... ليس أن تقولوا بأفواهكم، بل أن تخوضوا الغِمار بأنفسكم، بقلوبكم وجوارحكم ...
وما أسهل القول، وما أسهل الحديث عن الشجاعة والإقدام باللسان..! أما ساعة الجدّ فهي هي الامتحان لا غيرها... هنالك يُعرف المقبل من المدبر، والشجاع من الجبان، والذي تمنى الشهادة حقا من الذي ردّد أمنيته كلمات باللسان ...
لنتأمل ...
لقد خرجنا من طَوْر المواساة والطبطبة إلى طور جديد، بدأت فيه المُواجهة المباشرة حول ما كان ...
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ(144)
إن هذا من أهم ما كان يوم أُحُد، ذلك أنه لما التفّ خالد على المسلمين من بعد انكشاف ظهورهم وقد نزل الرُّماة عن أماكنهم ... طُوّق المسلمون، ووضع فيهم المشركون السيوف، وأوجعوا فيهم قتلا ذريعا، فانتقضت صفوفهم، واختلطوا، فصاروا يقتتلون على غير شعار، ويضرب بعضهم بعضا ما يشعرون مما أصابهم من الدهش والحيرة.
وتراجع المسلمون وترك بعضهم ساحة القتال، وثبت مصعب بن عمير رضي الله عنه حامل اللواء، يقاتل دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل اللواء بيد بعدما يقطع ابن قمئة يده الأولى، ويحمله بعضديه وقد قطعت كلتا يديه، ولم يسقط منه إلا عندما بارحت روحه الطاهرة جسده، وأسلمت لبارئها وزادُها إلى الله ثقيل ثقيل ثقيل... ما أثقله !
ولما قَتَل ابن قمئة مصعب بن عمير، وكان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم إذا لبس لأمَتَه، ظَنَّ أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى قريش وهو يصرخ بأبعد صوت: ألا إن محمدا قد قُتل، فلما سمع المسلمون ذلك وكانوا قد أصابهم الاضطراب، وهدّتْهم الحرب، سُقط في أيديهم وكادت أن تنهار الروح المعنوية في نفوس كثير منهم، وأصبحوا حيارى لا يدرون ماذا يصنعون .
فانقسموا ثلاث فِرَق:فرقة لاذتْ بالفرار وتركت ساحة القتال، وفرقة ثانية ثبتت واستماتت في القتال دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفرقة ثالثة تحيّر أصحابها فلم يعرفوا ما يفعلون، فقال بعضهم: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي بن سلول، فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، فارجعوا إلى قومكم ليؤمّنوكم قبل أن يأتي المشركون فيقتلوكم..
وفي هذه الشائعة التي بُثّت في الصفّ المسلم نزل قوله تعالى : " وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ(144)"
ها هي الهزة التي يجب أن يتيقظ بها المسلمون، ها هو الخطر العظيم الذي جعل الله تعالى للمسلمين دُربة عليه من قبل حصوله رحمةً بهم وإنجاء لهم من الهلاك ... إنه نبأ موت رسول الله صلى الله عليه وسلم... ذلك الذي لم يُعِدّ المسلمون له عُدّتهم، فإذا ما وقع لم يُصدّقوا، واضطربوا، واهتزّت نفوسهم أبلغ اهتزاز حتى يُخاف أن تصير مرتعا للشك والاضطراب والحيرة بدل اليقين والثبات ...
لقد كانت شائعة وما كانت حقيقة ... ولكنها كانت امتحانا لإيمان المؤمنين، أيثبتون حتى وإن مات الرسول صلى الله عليه وسلم أم ينكصوا، وينقلبوا على أعقابهم، ويرجعوا بعده كفارا ؟!
إننا لم نجرّب هذا الامتحان الصعب، لأننا وُلِدنا ولم نعرف رسولنا صلى الله عليه وسلم ولم نصاحبه ولم نعايشه، بل وُلِدنا وكبرنا على أنه صلى الله عليه وسلم مات من قرون، وأنّ الدين بعده هو الباقي وهو الذي لا يزول ...
أما الصحابة فقد عايشوه، وقاربوه، وحدّثوه، وكانوا بين طارق وطارق كلما ألمّت بهم مُلمّة من شؤون حياتهم... واستناروا بنور وجهه الوضاء، واسترشدوا بما أوتي من جوامع الكلم العظيم، وعرفوا رأفته بهم وحنوّه عليهم، ولينَه معهم... فكان فَقدُه مصيبة عليهم، وأي مصيبة!
ولذلك فإنّ هذه الشائعة التي بُثّت فيهم كانت لهم دُربة، وكانت لهم تذكيرا ومنجاة... وليس أدلّ على كونها كذلك من قراءة أبي بكر رضي الله عنه لهذه الآية تحديدا يوم التحاق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، حينما اهتزّ المسلمون، وصُدموا صدمة عظيمة، يومها خرج أبو بكر فوجد عمر يتململ لا يعرف ما يفعل، وهو لا يصدّق بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر في الناس وقال: "أما بعدُ ، فمَن كان منكم يَعبُدُ محمدًا صلى الله عليه وسلم فإن محمدًا قد ماتَ ، ومَن كان منكم يَعبًدً اللهَ فإن اللهَ حيٌّ لا يموتُ . قال اللهُ : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل - إلى قوله - الشاكرين .
يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : "واللهِ لكأَنَّ الناسَ لم يَعلَموا أن اللهَ أنزلَ هذه الآيةَ حتى تلاها أبو بكرٍ ، فتلقاها منه الناسُ كلُّهم ، فما أسمعَ بشرًا مِن الناسِ إلا يَتلوها ."
وعندها قال عمر رضي الله عنه : "واللهِ ما هو إلا أن سمعتُ أبا بكرٍ تلاها فعَقِرْتُ ، حتى ما تُقِلْني رجلايَ ، وحتى أَهْوَيتُ إلى الأرضِ حينَ سمعتُه تلاها ، علمت أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد مات ." –صحيح البخاري-
أولستم تشهدون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أوليس قد علّمكم أنه رسول من رسل الله ؟ أولستم تعلمون أنه آخر الأنبياء بعثة إلى الأرض، وأنه الرسول الخاتم، وأن كلّ من كان قبله من الرسل قد مات ؟
فإنه واحد من أولئك الرسل البشر الذين جرت عليهم الموت، وهي على محمد صلى الله عليه سلم ستجري...
أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ
أفئن مات محمد صلى الله عليه وسلم، تموت في قلوبكم الرسالة؟ تذهب من أنفسكم ؟ ينتهي دورها في الأرض ؟!
إنها الرسالة الخاتمة، وإنه الرسول الخاتم، وإنه صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى : "إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ"-الزمر:30-
أما الدين فهو الباقي، فهو الذي يدرّب الله عباده على الاستمساك به ما حيوا ... محمد بشر، وهو إلى ذهاب عن الدنيا، أما هذا الدين الذي جاء به فهو إلى بقاء ... وهو على عواتق المؤمنين من بعد محمد صلى الله عليه وسلم ...
يقول سيد قطب رحمه الله : "وكأنما أراد اللّه - سبحانه - أن يأخذ بأيديهم ، فيصلها مباشرة بالعروة الوثقى. العروة التي لم يعقدها محمد - صلى اللّه عليه وسلم - إنما جاء ليعقد بها أيدي البشر ، ثم يدعهم عليها ويمضي وهم بها مستمسكون! وكأنما أراد اللّه - سبحانه - أن يجعل ارتباط المسلمين بالإسلام مباشرة ، وأن يجعل عهدهم مع اللّه مباشرة ، وأن يجعل مسؤوليتهم في هذا العهد أمام اللّه بلا وسيط. حتى يستشعروا تبعتهم المباشرة ، التي لا يخليهم منها أن يموت الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أو يقتل ، فهم إنما بايعوا اللّه. وهم أمام اللّه مسؤولون!"-في ظلال القرآن -
-
وإنه ليس درسا للصحابة وحدَهم، بل هو استفهام يوجّه إلينا نحن بقوة : أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ
أفننقلب على أعقابنا من بعد موت رسولنا صلى الله عليه وسلم ؟
أفننقلب على أعقابنا ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فينا ؟!
أفننقلب على أعقابنا ونقول أولئك صاحبوه وعرفوه، أما نحن فما عرفناه ولا صاحبناه ...؟!
إن القرآن هو الحي الذي لا يموت، وإن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا هي الحية ...
وإنه صلى الله عليه وسلم قد علّمنا أنه تارك فينا ما إن اتبعناه لا نضلّ بعده أبدا ... كتاب الله وسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم ...
وإننا نعايش الهجمات ذات الضروب والألوان على سنّته صلى الله عليه وسلم، والمهاجمون من القرآن في توقّف وتحذّر حتى لا تفوت عليهم فرصة التشكيك وإفساد العقيدة على المؤمنين، حينما يتنبّهون للمقدّس الأعلى وهو يُمسّ على أنه الوحي الإلهي، والكلام الإلهي ... !
فهم يعملون عملهم مع السنّة، ويجهل مَن يجهل من المؤمنين –وأغلبهم جاهلون للأسف- أنها الوحي مع الوحي ... ! يجعل هؤلاء الخبثاء من نقل الصحابة لها، ومعالجة العلماء العظماء لما نُسب للرسول كذبا عبر حِقَب الدولة الإسلامية بتنقيتها، مطيّة لمآربهم الخبيثة، على أنهم النّقلة، وعلى أنهم البشر الذين اجتهدوا وليس لاجتهادهم قداسة، ولا لعملهم كمال، ولا أنه المبرّأ من أن يُقال فيه أو يُقال، وعلى أنّهم أهل النصوص لا أهل إعمال العقول... و كثير كثير مما يُقال، يُلقى بين تلافيف الكلام كما يُلقى السمّ الزُّعاف حباتٍ حباتٍ على قطعة تُؤكَل ... !
وسورتنا هذه –كما عرفنا- تعالج جهل المؤمن، وتحذّر من أن يكون جاهلا بدينه، تحذّره من أن يكون عقله نَهبا لأهل الشُّبَه والادعاءات ...
أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ
كم أنّ لها وقعا في زماننا ! وكم يلازِمُنا ألم مبرح من سطوة أهل الشُّبَه على عقول كثيرين جدا من المسلمين، سطوة من وجد الساحة خالية، والمُحارَب بلا سلاح... !
وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ
لن يضرّ الله شيئا من انقلب، ومن اضطرب، ومن اهتزّ ، ومن لم يثبت ...
لن يضرّ اللهَ شيئا من ينصاع لأدعياء التجديد اليوم وهم يسمّون تجديدا عملهم على جعل الدين موائما للأهواء وللانفلات من قيد التكليف باسم الحريات، لن يضرّ الله شيئا انسياق شباب المسلمين خلف كل ناعق يدّعي التجديد ليكون الدين متقبّلا عند أهل الصرعات والأهواء والانبهار بالغرب وصيحات الغرب المتفلّت ... !
حتى لكأننا سنسمع يوما عن الغرب وهو يدعو للعودة والأوبة إلى الفطرة، والانعتاق من أغلال الماديّة المُطبِقة على الأنفس والأنفاس، سنسمع يوما عن تكوينه جماعات تدعو للعودة إلى حكم الإله الواحد مُنزِل المنهج للعباد من بعد تعبهم وشقائهم بمناهج العباد ... !
يومَها ... هل سنسمع مع ذلك أيضا اتباع المسلمين لهم، وعودتهم لعودة الغرب ؟؟! من فرط الاتباع الأعمى الذي نعيشه، ربما اتبعوا دينهم إذا اتبعه الغرب يوما !! وليت شعري أي حسرة هي !! .... وإنه : وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً.
وتكتمل الآية بقوله سبحانه : وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ
وقد يتبادر إلى الذهن تساؤل حول محلّ "الشاكرين" بدل "الصابرين" ..
فيحضرني قوله سبحانه : "إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا"-الإنسان:03-
فجاءت المقابلة هنا بين "شاكرا" و "كفورا" إذ أنّ الشكر هو عدم جحد نعم الله تعالى وعدم كفرانها، ورأس نعمه سبحانه الهُدى إلى الحق. فهو سبحانه قد هدى السبيل ودلّ عليها، وعلى الإنسان ما يكون بعدها، فإما شاكرا وإما كفورا ... والشكر على الهُدى هو الإيمان والثبات عليه.
لذلك أجد مقام "الشاكرين" هنا أحقّ مقام، وهو على عكس حال المنقلب على عقبَيه، إنه الثابت على الهُدى الذي لا يهزّ إيمانَه هازّ ...
ولقد كان على رأسهم أنس بن النضر الذي غاب عن قتال بدر، فأقسم : "لئن اللهُ أشهدني قتالَ المشركينَ ليَرَيَنَّ اللهُ ما أصنعُ " فلما كان يومَ أُحُدٍ ، وانكشفَ المسلمونَ ، قال : اللهمَّ إني أعتذرُ إليكَ مما صنع هؤلاءِ ، يعني أصحابَهُ ، وأبرأُ إليكَ مما صنعَ هؤلاءِ ، يعني المشركينَ . ثم تقدَّمَ فاستقبلَهُ سعدُ بنُ معاذٍ ، فقال : يا سعدُ بنَ معاذٍ الجنةُ وربِّ النضرِ ، إني أجدُ ريحها من دونِ أُحُدٍ ، قال سعدٌ : فما استطعتُ يا رسولَ اللهِ ما صنع ، قال أنسٌ : فوجدنا بهِ بضعًا وثمانينَ : ضربةً بالسيفِ أو طعنةً برمحٍ أو رميةً بسهمٍ ، ووجدناهُ قد قُتِلَ وقد مَثَّلَ به المشركونَ ، فما عرفَهُ أحدٌ إلا أختُهُ ببنانِهِ " –صحيح البخاري-
وفيه وفي أمثاله نزل قوله تعالى : " مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً(23)"-الأحزاب-
إذن فأن يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربَّه، فذلك من قضاء الله في عباده كلهم، وفيمن خلا من قبله من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم جميعا ... وإنه لاجتماع المصائب على المسلمين، هزيمتهم وشائعة موت نبيّهم ... ورغم ذلك كلّه فهو الامتحان الإلهيّ في هذه الموقعة بهذه المصائب الشديدة ليُمَحَّص المؤمنون حقّ تمحيص، وليعلموا علم اليقين أنّ الداعية إلى ذهاب، ولكنّ الدعوة باقية ...
وها نحن اليوم والمصائب مجتمعة علينا... في هزيمة وفي استضعاف، ونبيّنا صلى الله عليه وسلم ليس فينا، ولكنّ القرآن فينا، والسنة فينا ... وذاك امتحانُنا ... !
نتعلّم الثبات في كل مقام من مقامات هذه السورة-كما رأينا- ... ونتعلم الثبات من غزوة أحد رغم كلّ المصائب المجتمعة، ورغم كل علامات الضعف ... ! ونتعلم العمل على البقاء مع الدعوة لا مع شُخوص الدّعاة ...
-
7- وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ(145) وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ(146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(147) فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(148)
إننا الآن نعرف في هذا الطور الجديد، بعد المواساة مواجهة المسلمين بما كان منهم، وهو سبحانه هنا يعلّمهم ما يجب أن يكون عقيدة راسخة في نفوسهم لعلمه بتخاذل مَن تخاذل بينهم، وبمخالفة مَن خالف منهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لكأن هؤلاء قد رغبوا بملذات الدنيا أكثر من رغبتهم في الآخرة، وعلى هذا استدعى الأمر معالجة ما بأنفسهم حتى لا يعلق بها وهو الشائبة الضارة المُهلكة، وحتى لا يراه المؤمنون مِن حولهم والمؤمنون من بعدهم هَملا من الأمور قد حصل ولا يحتاج تربية ولا تقويما ...
وهكذا، يستطرد الحديث عن الموت والحياة، من بعد ما عرفنا من عتاب الله تعالى للمؤمنين على اضطرابهم واهتزازهم عند سماعهم شائعة مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يمت حقا، ولكن لن يكفي أن تعلموا أنه لم يمت لتعودوا ثابتين، بل يجب أن تعلموا أنه ميت، وأنه كسائر الرسل الذين سبقوه سائر إلى الموت، وثباتكم مع علمكم بموته هو المُبتغى ...
وهذا ما يرمي إليه الله تعالى، أن تثبتوا بعده ...
لذلك وجب أن يتعلم المسلمون الموت عقيدة راسخة، لا يجزعون إذا ما حلّت ...
لا يجزعون ولا تذهب ريحُهم وريح عملهم للدين حتى وإن مات الذي بُعِث بهذا الدين، فكيف بمن هو أدنى منه منزلة ؟!! وكل الناس وكل المؤمنين، أدنى منزلة منه صلى الله عليه وسلم ... لذلك يأتي التعليم الرباني العظيم :
7-أ)وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ(145)
لن يموت محمد إلا إذا حضر أجلُه، وإن أجله لم يئن أوانه يوم أحد، وكل نفس ذائقة الموت، وكل نفس تموت بإذن الله تعالى وبأجلها المؤجل، لا تؤخر عنه ولا تُقدّم ... فلا يمنع حذر من قدر، لا يمنع خوف من خوض غِمار الحرب ومن غِشْيان ساحة الوغى من الموت...
وهذا خالد بن الوليد الذي عاش حياته في ظلال السيوف، ومع سيفه المسلول أبدا في سبيل الله، لا يُغمَد، يخوض المعارك العظيمة، ويبارز الجيوش المجيّشة لا يموت إلا على فراشه ! بينما قد يخرج أحدهم للقتال مرة فيأذن الله أن يموت منها ...
إنه الأجل ... إنه الكتاب المؤجل بساعة، والموت آتٍ لا محالة، وإن تترّس منها الناس بالتروس : "أيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ... "-النساء:من78-
وفي هذا حضّ للمؤمنين على الإقدام في سبيل الله، وأن يزْوُوا الجُبن والخوف جانبا...
وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ
وبعد تمكّن هذه العقيدة من النفوس، فإنّ كلا وما يختار، فمن كان مطلبه الدنيا فإنّ الله يؤتيه إياها، ونحن نعرف الكفار وهم مغيّبون عن معرفة الله وتقديره حقّ قدره، لا يرومون غير الدنيا، وكيف أن الله يعطيهم مطلبهم، فهم في غاية الترف ومبلغ الرخاء ...
ومن يرد ثواب الآخرة إنما هو المؤمن حقا، لا يدير ظهره للدنيا في فهم معوجّ لمعنى أن المؤمن غايته الآخرة، بل يعمل في الدنيا ويعيش في الدنيا، وعينُه على الآخرة وهي مبلغ مُناه... وإننا لنتعلم ذلك من القرآن: "... رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ "-البقرة:201-
المؤمن الذي لا يتحجّج بأنه مريد آخرة، وأن الدنيا جنة الكافر ليترك دوره في إعمار الأرض وهو يسعى سعيه لإعلاء كلمة الله فيها ... حتى استفحل هذا الداء في الأمة واستشرى، لأنه مِشجب الضعفاء يعلّقون عليه تقاعسهم، ويتخذونه ستارا دون تقصيرهم في القيام بدورهم في إصلاح الأرض...
وفي الآية إشارة لمن سارع إلى الغنائم من المسلمين حتى انكشفت ظهورهم للمشركين.. وكيف أنّ قلبَهم للأولويات قد أحدث ما أحدث من شرخ كبير ...
7-ب) وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ(146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(147) فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(148)
إنه سبحانه يعلّم المسلمين، ويجعل المؤمنين الذين سبقوهم قدوة لهم، ويضرب لهم بهم الأمثال ليعتبروا، وليعلموا أن موكب الإيمان ضارب في القِدم، وأنّ الجهاد في سبيل الله تعالى كان على امتداد الأنبياء وعبر بعثتهم للأرض هُداة ...
ولا يخلو التعليم الرباني من ضرب الأمثال، ومن ذكر القدوات . ولقد عرفنا في هذه السورة مثلا :
1-ضرب المثال بفرعون في أن الكافرين لن يغني عنهم مالهم وقوتهم من الله شيئا . "كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ(11)"
2-ضرب المثال بالأمم السابقة في أن النصر حليف المؤمنين ما وفّوا بالشروط اللازمة، وأنّه قد يكون للكافرين حينما لا يحقق المؤمنون شروطهم . "قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(137)"
3-ضرب المثال هنا بالأنبياء السابقين وبمن كان معهم من جند الإيمان .
لقد كان من قبلكم مؤمنون ثابتون، مع أنبياء كُثُر كانوا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا ربيّين أي ربانيين متبعين لأنبيائهم ولما جاؤوهم به من الهدى، وكانوا على القوة اللازمة، إذ :
** فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ : أي لم تتململ أنفسهم، ولم تضطرب، بل كانوا ثابتين رغم كل ما لاقوه في سبيل الله من الأذى والضرب والجراحات .
** وَمَا ضَعُفُواْ : والضعف ينتج عن ذلك الوهن الذي يصيب النفوس، فيحدث الفشل واليأس من القيام بعد السقوط، ومن هذا الحال كثير نعانيه في أيامنا هذه، في أنفس للمؤمنين ليست لها غاية ولا هدف من الدنيا إلا العيش، وتكوين الأسر للأكل والشرب وإشباع الأهواء ما أمكن ثم الموت، الموت بعد حياة بلا قضية وبلا تضحية من أجل القضية ... !
** وَمَا اسْتَكَانُواْ : وهذه الصفة الثالثة لهم، أنهم لم يرضوا ذلا ولا استكانة تحت وطأة مَن هم أكثر منهم قوة وأغلب مادة ...
وإنما هذه الصفات الثلاث صفات الصابرين، وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ
وقد قال أبو زهرة في حبّ الله للصابرين : "ونقف هنا وقفة قصيرة عند معنى الصبر، واستحقاقه للمحبة لَا لمطلق الجزاء، إن الصبر ليس هو احتمال الشدائد، فقط، بل هو ألا يتضعضع عند نزولها، وألا يضطرب التفكير عند اشتداد الشديدة، وأن تنفي مطامع النفس إلا ما كان منها إجابة لداعي الحق ونصرته، وأن تخلص القلوب عن شوائب الشهوات فلا تخضع لها ولا تذل، بل تتحكم كل نفس في أهوائها، وألا يكون أنين ولا شكوى ولا ضجيج، وهذا هو الذي سمى الصبر الجميل، والصبر على هذا المعنى هو أجل الصفات الإنسانية وأكملها؛ لأنه ضبط النفس، وكمال العقل، وسيطرة الحكمة وقوة الجنان، وهو يتضمن في ثناياه معنى الشكر، فهو عنصر من عناصره، ومظهر من مظاهره، وكان الجزاء أعلى جزاء، وهو المحبة من الله، ومحبة الله تعالى تتضمن رضوانه، وتتضمن ثوابه، وهي مرتبة أعلى منهما، ولا ينالها إلا الصابرون. "-زهرة التفاسير -
هؤلاء الصابرون، الذين كانوا مع الأنبياء السابقين، كيف كانوا عند لقاء العدوّ ؟
وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(147)
لقد سألوا الله أول ما سألوا مغفرة الذنوب وإسرافهم في أمرهم ... إنهم مقرّون بضعفهم بين يدي الله، مقرّون بأنهم أصحاب الذنوب والزلات، لم يدخلوا الحروب بطرا ولا رياء ولا فخرا، بل دخلوها رجاء ثواب الله تعالى، ورجاء مغفرة ذنوبهم، دخلوها وهم بين يدي الله الضعفاء المساكين الأذلاء ... أما مع أعدائهم من الكفار فهم الأشدّاء عليهم الأعزة بالله، المنافحون عن دينه ...
إن ذلّهم وانكسارهم لله وحده سبحانه المعبود الذي يُرجى رضاه ... هؤلاء الذين يذلّون بين يدي الله هم الذين يُعليهم الله، ويرفع درجاتهم ويعزّهم ...
هؤلاء الذين يسألون المغفرة والثبات قبل أن يسألوا النصر ذاته ! إنهم يعلمون أنهم السبب في استحقاق النصر كما أنهم السبب في استحقاق الهزيمة...
إنهم يقدّمون من أنفسهم كسبب قبل أن يقدّموا النتيجة ... إنهم عارفون بالمعادلة، وليسوا أهل اغترار بعنوان الإيمان ... بل إنهم يعلمون أنّ ساحة أنفسهم الأرض الأولى التي تستحقّ النصر على شوائبها قبل أن يُطلَب النصر على العدوّ في ساحة الوغى ...
وإنّ سؤالهم الثبات قبل النصر لهو سؤال العارف بالغاية العظمى من هذا الدين، الثبات الذي يكون مفتاح النصر ومفتاح كل عزّ وقوة وتمكين
فماذا استحقّ هؤلاء من الله تعالى ؟
فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(148)
-
أحُد وأيامنا
لكَم ينطبق الأمر علينا ...! لكم هي مشابهة أيامُنا ليوم أُحُد ..!
لكم يناسب ويليق كلّ اللَّياق أن تكون غزوة أحد هي أول ما نعرف تفاصيله من الغزوات في ترتيب المصحف ! إذ أننا لا نجد تفاصيل بدر ونصرها أولا، بل تفاصيل غزوة أحُد، بهزيمتها وبالضعف الذي اعترى الصحابة فيها، وبدروسها الجليلة... !
نقف على الدرب، نتخذ من القرآن مشكاتنا المضيئة، نستهدي ربّنا، فيعلّمنا أن الهُدى في هذا الكتاب لا في غيره... ويعلّمنا أن فيه المنهج الذي يبلّغنا التوفيق والفلاح في مسير الحياة، ثم ها هو سبحانه يثبتنا عليه، ونحن في أمسّ الحاجة للتثبيت، في زمن تتلاطم فيه أمواج الفِتن وتجتاح المسلمين اجتياحا ...!
ونحن اليوم نعايش هذه الظروف... نعايشها لا على مستوى هزيمة في حرب، وفي لقاء، بل على مستوى هزيمة طال أمدُها، وضُعفٍ امتدّ زمانُه ... لنجد في مرامي الآيات، وما رُتّب فيها من الشروط ومن الخصائص التي يجب توفّرها في الأمة لتتقوّى داخليا، ولتتأهّل من ثَمَّ للمجابهة الخارجية، نجد فيه مجتمعا الوصفة والتركيبة اللازمة من الدواء الشافي لعلل وأدواء نعايشها ...
كم نحتاج دروس أحد ... للتقوية والتثبيت، لنتعلّم أن قوة الإيمان والتّقوى والثبات على الحق بكل آليات الثبات، من تبصّر بهداية القرآن، ومن طاعة لله ولرسوله، ومن علم يقيني أنّ رسالة إصلاح الأرض على عواتق المؤمنين لا على عواتق غيرهم، ومن حبّ للترقّي في سلم الإحسان، مع العمل على استيفاء شروط القوة... كل ذلك يقلب الهزيمة نصرا...
لنتعلّم أنّ الثبات وتمكّن العقيدة من أنفسنا، والعزّة بالله وبالإسلام عوامل بالغة الأهمية في الإقدام، وفي القيام من جديد رغم اجتماع المصائب وكثرة النوائب ...
نحتاج أن نتعلم أن كل وضع نكون فيه، مهما بلغت صعوبته، وإن رأيناه هزيمة ساحقة ورزءا ما بعده رزء، يكون علاجه الصبر والأمل في الله والعمل على التقوّي، مع تقديم الآخرة في النفوس على الدنيا، بهذا تُقلب الكفة لصالحنا، وهي أصلا لصالح المؤمنين، إلا أننا ابتعدنا فابتعد عنا النصر ...
فهي إذن دعوة لاسترجاع الأصل : النصر للمؤمنين لا للمضيعين من أهل الإيمان ...
فهي إذن دعوة لاسترجاع الأصل : النصر للمؤمنين لا للمضيعين من أهل الإيمان ...
-
إذن فلقد عرفنا :
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12717;image)
ثم تستطرد الآيات :
8- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ(149) بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ(150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ(151)
كنا مع ضرب المثل بالمؤمنين السابقين على صبرهم وثباتهم مع أنبيائهم، وكيف أنهم ما سألوا النصر أوّل ما سألوا، وإنّما سألوا المغفرة والثبات، في تعليم ربانيّ دقيق أنّ النصر الأكبر الذي يُرام لهذا الدين هو أن يكون له رجال ثابتون لا تهزّهم الخُطوب ولا تزلزلهم النوازل، يحرقون الفِتن ولا تحرقهم الفِتن ...
وها نحن الآن نستمع للتوجيه الرباني، وهو سبحانه العليم بدخائل النفوس، عليم بما تفعل الهزيمة فيها، هزيمة يعلم أصحابها أنهم السبب فيها، فهم يذوقون ما جنتْ أيديهم...
ثم إنّ حُزْنَهم على عصيانهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشدّ عليهم من الهزيمة ذاتها ...
وفي أُحُد –كما عرفنا- حينما انتشرت شائعة مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم انقسم المسلمون فرقا، منهم فرقة تنادتْ بالسعي إلى أخذ الأمان من قريش :" لو كلّمنا عبد الله بن أبي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان" .
إذن فهناك من بلغ به الاضطراب، والوَهَن النفسيّ أن فكّر بهذا، ووجده مخرجَه مما هم فيه... وفي ذلك نزلت هذه الآية.
وإنها النّهي الإلهي عن طاعة الكافرين. طاعة المنهزم وهو يرى المنتصر الأقوى والأحقّ بالاتباع ما دام قد نُصر، ويرى نفسه الأضعف، طاعة من تنهزم نفسُه كل انهزام فلا يرى في سَعْيه ما يبلّغه قوة ومَكِنة ...
ولقد عرفنا قبل هذه الآية حال المؤمنين الثابتين الذين صبروا أيّما صبر عند الشدائد، فكانوا الجبال الشوامخ الشواهق التي لم تأتِ عليها رياح ولا عواصف... صبروا وسألوا الله الثبات قبل سؤاله النصر فآتاهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ...
ثم تأتي هذه الآية مُحدّثة عمّن لم يثبتوا على ما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذ بريق الغنائم بألبابهم عن الطاعة والامتثال لقائدهم فلم يثبتوا، فلم يؤتِهم الله نصرا ... هؤلاء الذين أخذتهم الغنائم، والذين ما أن سمعوا شائعة مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عزموا على استئمان الكافرين على أنفسهم، من السهل أن تستفحل الزعزعة فيهم فيَروا الكافرين أهلا للطاعة ولأن ينقادوا إليهم وللَوثاتهم العَقَديّة ...!
وإننا نعايش هذه الحال في أيامنا... بل هي أيامنا .. !
عصر الانهزام النفسي أمام الكافرين، ورؤية القوة بأعينهم، ووزنُها بميزانهم، واليأس من أن تكون لنا قوة غالبة، وعدم معرفة قدر الحقّ الذي معنا، بل عجزُنا عن العيش به، وعن الامتثال للأمر الذي فيه، والذي يجعل أهل الإيمان أهل القوة والخيرية والنصر . عجْزُنا عن التداوي بعلاجاته، بل عجزنا عن معرفة سرّ التركيبة الدوائية فيه ... !
هم أخذتهم الغنائم، ونحن أخذتنا زهرة الحياة الدنيا، هم تزعزعوا عند سماع شائعة مقتله صلى الله عليه وسلم، ونحن أحدثْنا بعده انتسابا بالاسم وانتماء بالعنوان، وبُعدا بالحياة ...!
إنّ هذه الآية لو تأملناها : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ.
تبيّن لنا أن طاعة الكافرين هي المؤدّية إلى الخسار... إنه سبحانه يخاطب رجالا مهزومين، ولكن ليس انهزامهم في تلك المعركة هو الخسار، بل الخسار في عدم الثبات على الحق، وذلّ المؤمنين بين أيدي الكافرين وهم الذين لا يليق بهم أن يذلّوا لغير الله تعالى ...
فقد يسأل سائل:" فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ"
أوَليسوا أصلا خاسرين ؟!
لا ...لا... ليس ذلك هو الخسار... ولقد عرفنا كيف آتى الله المؤمنين ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة لا لأنهم سألوا النصر أولا، وإنما لأنهم سألوا الثبات قبلا ... لأنهم أيقنوا أن هذا الدين يريد رجالا حُرّاسا قياما، قبل أن يروم النصرَ على العدوّ، رجالا يُصنَعون بالثبات على الحق، فيَهُون أمر النّصر مع ثباتهم ...!
إنكم إن أطعتموهم انقلبتم خاسرين، أما بغير طاعتهم وأنتم على ما أنتم عليه، فستنقلبون منهزمين هزيمة هي سنّة الله في عباده، يوما فيوم، هزيمة لكم فيها دروس ودروس تتعلمون منها ما يجعلكم في المرات المقبلة أكثر ثباتا واحتراسا وقياما بالأمر لتستحقّوا النصر بما تعلّمتم من هزيمتكم...
إذن فإن ذُلَّكُم بين أيدي الكافرين، واستكانتَكم، ونظرَكم لهم من علُ هو غاية الخسار ومُنتهى البَوار ... إنّ طاعتكم لهم طاعة العبد لسيّده ... ولا سيّد غير الله تعالى الحقّ النور العدل الذي أنزل كتابه بالحق، ونورا وهداية وعدلا ...
ولقد عرفنا هذا النهي في آية سابقة من سورتنا : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ(100)" .
فكان عدم طاعة الكافرين مركّب من مركّبات الدواء الشافي لعلل الأمة، حتى تثبت على الحق...
وهذا التذلّل للكافرين والتمسّح بهم –كما نعرف في كثيرين من بني جلدتنا- هو دَيْدَن المنافقين الذين يخشون دوائر الدنيا لا الله سبحانه الأحق أن يخشوه : "تَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ" –المائدة:52-
وهو ما لا يليق بمؤمن : " لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" –المجادلة:22-
بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ(150)
إنها الهزيمة في جولة، وليست في كل مقام... لذلك يتحدث سبحانه عن النصر وهم منهزمون: وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ، نعَم أنتم منهزمون، ولكنها سقطة وليست النهاية...
ستنتصرون لاحقا... وإنّ أعظم انتصاراتكم أن تنتصروا على أنفسكم وغواياتها وعلى الشيطان ونفثاته في ساعة ضعف تعتري النفس، فتثبتون ... إنها ليست نهاية العالم، وستُقبِل الانتصارات ما دمتم مؤمنين، استنصروا الله القويّ العزيز، وإياكم أن تغرّكم قوة في العباد، فتذلُّوا لهم من دون الله ...! إياكم وتَزَعْزُعَ اليقين في قلوبكم، إياكم وتَضَعْضُعَ الإيمان في أنفسكم...فإنما تلكم هي الهزيمة النكراء والمُلِمّة الشنعاء...إنما تلكم هي المصيبة ...!
ولقد قالها عمر رضي الله عنه : "اللهم لا تجعل مصيبتي في ديني، فكلّ مصيبة سواها تهون".
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ(151)
إن هؤلاء الذين كفروا، ليسوا على شيء، إنّ بيوت قلوبهم واهية، واهنة كبيت العنكبوت، لا تقوم على شيء، لا تدين لخالقها بشيء... ! هذه القلوب هي من خَلْقِه، هذه الأنفس من خلقه سبحانه، خلقها ثم هي تنكره، وتكفر به ربا يُعبَد ... فأنّى لها أن تقوم لها قائمة ... إنها هشّة، بل إنها لقشّة من القشّ تزدهي وتنتشي بقوة في الجسم وقوة في المادة، ولكنها خاوية، خاوٍ جوهَرُها، تُقرقِر قلوبها من الخواء ... !
سبحانه يلقي في قلوبهم الرّعب(وهو شدة الفزع) جزاء وفاقا لإشراكهم بالله ما لم ينزّل به سلطانا... !
إنكم لو تثبتون -سواء في نصركم أو في هزيمتكم- فتكونوا عند الهزيمة صُبُرا، ثابتين، غير متزعزعين، لا تُمسّ فيكم نخوة الإيمان ولا العزّة بالله، وتكونوا عند النصر شاكرين حامدين، متواضعين لله، لا تغتروا بالدنيا وهي تُفتَح عليكم ... عندها ستكون قلوب الكافرين محلا للرعب والفزع منكم ... فزع الظُّلْمة من النور إذا حلّ فإذا هي منقشعة ذاهبة لائذة بالعَدَم ...!
-
9- وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ(152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(153) ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(154) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ(155)
ومن بعد بيان أنّ الهزيمة في معركة ليست النهاية، وأنّما هي مَحَكّ للثبات، وأنّ الخسار والبَوار في التذلل للكافرين إذا ما لمع نجمُهم بنصر أو بأي مظهر قوّة، وأنّ النصر الذي لا يُؤتاه المؤمنون من الله في جولة، لن يُؤتوه إلا منه وحده لا من غيره .
بعد هذا، ها نحن الآن مع تفاصيل ما كان من أمر غزوة أحد ... فلنُمعِن النظر، ولتُصغِ آذانُنا ولنأخذ الدرس...
مدرســــــــة أُحُد :
9-أ) مواجهة المؤمنين بأخطائهم وتعداد أسباب الهزيمة:
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ(152)
إنّ هذه الآية مُجملة شاملة، نراها مقدّمة لما سيأتي من تفصيل ما كان من شأن الغزوة ...
تبتدئ بصدق الله وعده للمؤمنين، وعده إياهم بالنصر، ولقد نزل الإذن لهم بالقتال، والذي كان مُحرّكَهم الأول للجهاد في سبيل الله، وجاء فيه الوعد: "...وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ"-الحج:40-
فكيف صدقهم الله وعدَه ؟
"وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ " ما داموا ناصرين لدين الله، ما داموا مطيعين لله ولرسوله، ولقد بدؤوا أُحُد طائعين، مطبّقين لأمر النبي صلى الله عليه وسلم: إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ
لازَم تلك الطاعةَ منهم توفيق الله لهم، فحسّوهم، والحسّ هو القتل الذريع .
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: " ما نصَر اللهُ تبارك وتعالى في موطنٍ كما نصَر يومَ أُحدٍ قال : فأنكرْنا ذلك فقال ابنُ عباسٍ : بيني وبينَ مَنْ أنكر ذلك كتابُ اللهِ تبارك وتعالى إنَّ اللهَ عز وجل يقولُ في أُحُدٍ : { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } يقولُ ابنُ عباسٍ والحَسُّ : القتلُ ..." –مسند الإمام أحمد: إسناده صحيح -
ولنتأمل كيف أنّ " بِإِذْنِهِ " هنا جاءت مبيّنة لمعنى : " وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ " ولكون العون من الله، والتوفيق والنصر من عنده سبحانه.
حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ
لقد دام ذلك الحَسُّ من المؤمنين للكافرين حتى جاء عليهم حينٌ كان منهم :
1- فشِلْتُمْ : والفشل هو الوهًن الذي يصيب النفس، فتخمد نار الحماسة، وتتضاءل القوّة، وتضعف العزيمة، وذلك كله يحدث في النفس بدافع يبيّنه الله تعالى بعد أن يذكر ما صار إليه حال المؤمنين.
2- وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ : وهو التنازع الذي نشب بين الفئة والفئة من المؤمنين، هم الرُّماة بشكل خاص -وكانوا خمسين رجلا- الذين أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهم عبد الله بن جُبير أن يلتزموا مكانهم ولا يبرحوه وإن رأوا أصحابهم تخطّفهم الطير، وإن رأوهم هزموا الكافرين. فما أن رأوا الكافرين مهزومين، حتى قالوا: "الغَنيمةَ أيْ قومُ الغَنيمةَ، ظَهَر أَصحابُكم فَما تَنتَظِرون؟" فَقال عبدُ اللهِ بنُ جُبيرٍ: أَنَسيتُم ما قال لَكُم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم؟ قالوا: واللهِ لَنَأتينَّ النَّاسَ فَلَنُصيبنَّ مِنَ الغَنيمةِ" . وذاك كان التنازع في الأمر، فئة هرعوا للغنيمة، وفئة جعلت تردّهم، وما ثبت منهم على جبل الرُّماة إلا قليل مع عبد الله بن جُبير الذي استَشهد في مكانه منه رضي الله عنه وأرضاه.
3- وَعَصَيْتُم : والمعصية هي ثالث العوامل التي نحّتْ عن المسلمين النصر، مجتمعة مع فشلهم وتنازعهم ... إنها معصية أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أكّد عليهم ألا يبرحوا مكانهم حتى لا يُؤتى المسلمون من قِبَلِهم ...
إذن فهي : الفشل + التنازع في الأمر + المعصية .
وإننا لنراها مرتّبة ترتيبا يسوق منها السابق التالي : فيحدث الفشل أول ما يحدث، وهو الذي يؤدّي إلى تكوّن فئة ضعيفة تتنازع مع الفئة التي لم يُصبها بالفشل، ثم تنتج معصية الأمر من ذلك الفشل وذلك التنازع.
كلها مجتمعة سبّبت حرمان المسلمين من النصر.
ولنتأمّل لنعرف كيف يأتي الدافع لكل هذا منهم بعد تعداد الأحوال الثلاثة، وذلك في قوله تعالى : مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ
إنه ما يحبّون وقد أَرُوه، أراهم الله إياه ... ولنتمعّن في قوله سبحانه : " أَرَاكُم " فلم تأتِ "رأيتم" ليُلازمنا الفهم أنّ كل هذا من الله تعالى امتحان وابتلاء يوضَع فيه المؤمنون ليُعرف ثابتهم من متزعزعهم، وليُعرف منافِقهم من مؤمنهم ...
وإنه : " مَّا تُحِبُّونَ " ... أجَل إنه ما يحبّ الإنسان .. الغنائم، ولم تأتِ في صيغة الماضي، فيُفهَم أنه حبّ كان ومضى، بل جاءت في صيغة المضارع، ليُعلَم أنه حبّ مغروز في جبلّة الإنسان، متجدّد. حبّ الشهوات ... وسيبقى الإنسان على حبّه لها ... ولكنّه بهذا الحبّ ممتحَن ... وإنّنا لنجد تصديق هذا الحبّ الجبلّي في الإنسان في أولى آيات هذه السورة : "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ...."-آل عمران: من14-
وإنّ ذلك التنازع الذي حصل يدلّل على انقسام المؤمنين فئتَين فئة تمكّن منها الفشل، وفئة ثبتت، ويأتي بيان أكبر لذلك في تتمّة الآية :
مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ
عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قالَ : "ما كنتُ أرى أنَّ أحدًا من أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ يريدُ الدُّنيا حتَّى نزلت فينا يومَ أُحُدٍ : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ " –الدر المنثور: إسناده صحيح-
فمن هرع للغنائم وترك مكانه الذي أمِر أن يلزمه قد أخذ بلُبّه بريق الغنائم، وما هو إلا بريق الدنيا، ومن ثبت بمكانه فقد قدّر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حقّ قدرِه.
يقول ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال للرماة:" فإنْ رأيتمونا نُقتلُ فلا تنصُرونا وإنْ رأيتُمونا قد غَنِمْنا فلا تَشْرَكونا فلمَّا غنِم النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأباحوا عسكر المشركين أَكَبَّ الرُّماةُ جميعًا فدخَلوا في العسكرِ يَنْهَبون..." –مسند الإمام أحمد-
والذي ثبت على أمره صلى الله عليه وسلم مقدّم لله ولرسوله وللدار الآخرة على كل بُهرُج ...
فلننظر ولينظر أهل إنكار السنة وإنكار حجّيتها ...
لنتأمل مدى أهمية طاعة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ هي منجاة وفوز بخير الآخرة، وهذا الله سبحانه يؤكّد هنا على أهمية أمره ذاك للرَّماة، والذي لم يكن قرآنا نزل عليه، بل كان أمرا شافهَ به أصحابه منه إليهم ... فلما عصوه جاء القرآن ينوّه بخطورته ... لكل من يقول أن ما نزل من أمر في القرآن وحده هو الفيصل ...!
-
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ
إذن فبِفعل ضعف تلك الفئة من المؤمنين، وتمكّن بريق الدنيا من أنفسهم، كانت منهم معصية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلك المعصية التي أدّت إلى تقوّي الكافرين عليهم، وكَرِّهم عليهم، وأن صارت الدائرة لهم... التفّ خالد من بعد انكشاف ظهر المسلمين وقد نزل الرماة عن الجبل ... وبهذا صُرِف المسلمون عن الكافرين ...
ولقد جاءت : " صَرَفَكُمْ " ولم تأتِ : "انصرفتم" لنفهم جيدا أنه العقاب من ربّ العزة ...
وأحبّ هنا أن أفصّل أمرا دقيقا ... ودُعاة الأسباب وتقديس الأسباب بعيدا عن إرجاعها إلى المُسبب سبحانه كُثُر، بل لقد كثروا في أوساط المسلمين اليوم، سواء منهم مَن كان مُرادُه إيقاظ المسلمين من سُبات الرّكون إلى الإيمان عنوانا يحسبون به وَحْدَه النصر والغَلَبة والخيريّة على غيرهم، فلا ينفكّ أولئك الموقظون دُعاة للأخذ بالأسباب، وللتحرّك في الأرض، من أجل إثبات الوجود، وهم يرون أهل الكفر أهل هذا الفهم بما حقّقوا في الأرض، وإنّ الإسلام لم يكن إلا داعيا إليه... وإنه لا وجه لإنكار هَيَمَان جُلّ المسلمين بالعنوان بعيدا عن العمل.
سواء أكان منهم مَن هذه دعوته، أو مَن كان من هؤلاء مغاليا فهو يدعو إلى تقديس الأخذ بالأسباب حتى يصل به الأمر إلى أحد حالَيْن إما إنكار المسبّب سبحانه بالكُليّة، أو إنكار طلاقة قدرته وهو المصرّف للأسباب، متى شاء أنفذها على ناموسها الذي جعلها عليه، ومتى شاء سبحانه خرقها، -من مثل ما أوتِي الأنبياء والمرسلون من معجزات فيها خرق الأسباب- ومتى شاء جعلها سببا ظاهرا خلفيّتُه إرادة الله تعالى عقابا أو جزاء بعباده في تدبير مُحكَم هو تدبير العليم الخبير.
وإنّ بضاعة كثير من المسلمين من أصحاب هذه الدعاوى مُجزاة في شأن السبب الذي قد يكون ظاهرا، وهو في حقيقته سبيل لإنفاذ إرادة الله تعالى بجزاء أو عقاب.وهذا الاعتقاد مما يختصّ به المؤمن دون غيره، وهو ليس مما يُخجِل في عصر الغرق في لُجّ الماديات والطبيعيات...
سبب طبيعيّ يظهر للعيان، وهو نَعَم السبب الذي نؤمن به، ولا ننكره، ولكن لا يجب أن ننكر أيضا أن لله تعالى غايات من تسبيب هذا السبب، إذ يجعله سبحانه سبيلا لإنفاذ إرادته بعقاب أو بجزاء ...
كما لا يجب أن يُتخذ هذا الاعتقاد جُزافا، فيُلقى به في كل حال، أو يكون الإلقاء به إلقاء انحياز لعنوان الإيمان دون نظر في عمل عامل أو قعود قاعد، فأهل الكفر أهل العقاب أبدا، وأهل الإيمان أهل الجزاء أبدا ...!
وبهذا غالى كثيرون ممّن انبرى لإيقاظ المسلمين من قعودهم ودعوتهم للعمل والحركة والأخذ بالأسباب، حتى لم يعرفوا موازنة تُبقي على الإيمان بطلاقة مشيئة الله تعالى وتدبيره في إنفاذه للسبب الطبيعي الظاهر والخلفيّة من ورائه جزاء أو عقاب ...
وغيرَ بعيد عن مقامنا هذا من السورة، هنا تحديدا في هذه الآية نلمس هذا لمسا في قوله تعالى : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ
السبب الظاهر أن نزولهم عن الجبل كشف ظهورهم، فالتفّ خالد عليهم، فهُزموا بعدما كانوا منتصرين، ولكن الحقيقة أن هذا السبب الظاهر مسخّر من الله تعالى المُسبِّب، ليكون ابتلاء: " ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ " فيكون من الله الابتلاء والعقاب في صورة سبب طبيعي.
أما المغرقون في الطبيعة فسيقولون، نزلوا عن الجبل، فوجد خالد بن الوليد ثغرة، فالتفّ عليهم. وبذلك صُرِف المسلمون عن المشركين، لم يعودوا يقدورا عليهم، وهذا نعم بتدرّج الأسباب والسياقات صحيح، ولكن حقيقته أنه ابتلاء للمؤمنين. انصرافهم عنهم عقوبة. بل إنّ نسب الصّرف إلى الله تعالى : " ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ " لدقيق كلّ الدقّة في بيان أنّه الابتلاء...
ويزيد ذلك بيانا : " ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ "
لذلك وجب أن يكون للمؤمن هذا الفهم، وهذا الخوف، أن يفهم السياق السببيّ الطبيعي وهو لا ينكره، ولكن أن يتفكر بالمقابل في العقوبة والابتلاء من وراء السبب الظاهر...
كما لا أحبّ أن أفوّت كيف بيّن الله تعالى انقسام المؤمنين إلى فاشلين عصوا أمر رسول الله، وثابتين ثبتوا على ما أمرهم به، ولكنّه سبحانه حينما انتقل إلى ما كان منهم إزاء الكافرين، جمع الكلّ في قوله :" ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ " مما يدلّ على تضرّر الجيش كله من فعل خطأ عدد من الجنود...
وهذا ما يجعلنا نفهم كيف تتضرر الأمة كلها بتقاعس المتقاعسين، وبانخزال المنخزلين عنها، في حالٍ رزِئت به من اجتماع القاعدين عليها مع الذين أصبح كل الأمر عندهم سواء، أنكروا الحال أم لم ينكروا... يئسوا من القيام، فكان يأسُهم انهزاما نفسيا أصاب الأمة في مقتل. فتضررت الأمة كلّها ... لأنّها خُصّت دون غيرها بضرورة اجتماع كلمتها، وتوحّد أفرادها... ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :"انصرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا ، إنْ يكُ ظالمًا فارْددْه عن ظلمِه ، و إنْ يكُ مظلومًا فانصرْه".
ولذلك عرفنا فيما سبق من آيات كيف أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أساسيات أدوراها، مؤهَّلة لهما من استمساكها بأمر الله وبطاعته وبطاعة نبيّه صلى الله عليه وسلم. وذلك مما يجعل كلمتها واحدة، وقلبَها واحد ...
وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
وهذه نهاية الآية ... ختامها فضل من الله تعالى رغم كل ما كان من المؤمنين، سبحانه يعلم ضعف النفس البشرية، ويتجاوز عن ضعف مَن يبقى الإيمان مركوزا في نفسه، ولكن يطفو على السطح ما يجعله يضعف، ويفشل، ويخطئ ... الإيمان باق، والنفاق بعيد عنه، ولكنّه الضعف ... فهو سبحانه الذي كتب على نفسه الرحمة، يعفو عنهم، يعفو عن تلك الفئة التي فشلت، فانهزمت، وانهزم بسبب انهزامها الجيش كلّه ... يتفضل عليهم بهذا العفو ...
وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
أجل... إنها خصيصة للمؤمنين دون غيرهم، هذا الفضل العظيم من العليّ القدير سبحانه، أن يعفو عن إساءة المؤمن، ويصفح عنه... ولولا فضله هذا لهلك المؤمن مع مَن هلك، ولكن لأنه مؤمن بالله فإنّ الله يتفضل عليه ... ويختصّه بفضله.
"ومن فضله عليهم أن يعفو عنهم ، ما داموا سائرين على منهجه ، مقرين بعبوديتهم له لا يدعون من خصائص الألوهية شيئا لأنفسهم ، ولا يتلقون نهجهم ولا شريعتهم ولا قيمهم ، ولا موازينهم إلا منه .. فإذا وقعت منهم الخطيئة وقعت عن ضعف وعجز أو عن طيش ودفعة .. فيتلقاهم عفو اللّه بعد الابتلاء والتمحيص والخلاص .." –في ظلال القرآن-
وهكذا...
لماذا تُرانا يستعصي علينا أن نفهم ونستيقن أنّما صرنا إلى ما صرنا إليه من تركِنا أنفسنا للعوامل الثلاثة مجتمعة، فلقد فشلنا ونحن تُفتّح علينا زهرة الحياة الدنيا، فشلنا والدنيا ملء أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وعقولنا قبل الآخرة ...
فشلنا ونحن ننبهر بتفتّح زهرة الدنيا وتمثّلها في أكمل زينتها، فصارت قضيتنا الفوز ببتَلاتِ الزهرة ...!
فشلنا ونحن نتناسى ونغيّب من أفهامنا أنّ قضيتنا الأولى إصلاح الأرض بهذا الدين، ونشر نورِه، ونرى الدنيا بأعينهم وحدودُها الدنيا وملذّاتها وصيحاتها وشهواتها وكأنها الباقية أبدا ...!
صرنا نراها بأعينهم حتى فقدنا الوعي بدورنا، وحتى لم نعد نرى إلا التكالب على الدنيا معنى ومغزى وهدفا لوجودنا الذي لن يدوم ....
وليْت شعري...! هم على الأقل يعملون ويصنعون ويبتكرون، أما نحن فنستهلك، ونستهلك وندفع لهم ثمن تغييب وَعْيِنا بدورنا كمسلمين، ندفعه باهضا من أفهامنا ومن اعتقادنا ومن هدفنا والغاية من وجودنا في هذه الدنيا ...!
وهكذا... أصبحنا العبيد وأصبحوا الأسياد، ونحن من قعودنا عن سدّ حاجاتنا الأساسية نخشى الدوائر، ونتّقي أن نجانِبهم لئلا نجوع ونظمأ ونعرى ...! ولم يبقَ الأمر في حدود المعاملات التي تكون بين الناس بحكم تقاسمهم الأرض، بل أصبحنا نواليهم ونوادّهم ونرضى بما يرضيهم ونسخط لما يُسخطهم ...
وأي فشل ...! أي فشل...!
ثم ها نحن من بعد الفشل أشتات متفرّقون، متنازعون...
يُعادي الأخ أخاه للُعاعة من الدنيا، ويبيع الأخ أخاه لسَقط متاعها وليسترضي بخيانته وبضُرّه صاحب السلطان الذي يدّعي في الأرض ربوبية وألوهية، والذي ما تسلّط إلا من غطّ النائمين في نومهم ... !
وإننا لما فشلنا وتنازعنا عصينا، وصرنا نَدين لأهل الكفر بالولاء والطاعة والامتثال للأمر منهم والنّهي، ونعصي بطاعتهم أمر القاهر فوق عباده الذي حذّرنا : " يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ"...
نطيعهم ونحن نرى الهزيمة والسقطة موتا لا حياة بعده : " يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ "
ولقد بؤنا بالخَسار والبَوار، وها نحن لقمة سائغة سريعا ما يزدردُها كل مُزدَرِد... ولن نعود للحياة إلا إذا استمسكنا بأدوية القرآن لأدوائنا ...
-
إن هذه الآية لغنيّة كل الغِنى، شاملة جامعة، لفظها قليل ومُرادُها كثير...
1- بدأت بصدق الله وعدَه للمؤمنين ما أقاموا على الطاعة، طاعة الله ورسوله، والتي هي نصرٌ منهم لدين الله : " وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ "
2- ثنّت بذكر أسباب الهزيمة متدرّجة من أول ما بُدئت به أنفُسهم وهو الفشل، إلى تنازع الفئة التي فشلت مع الفئة الثابتة، وصولا إلى معصية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم "
3- ثم بيّن سبحانه السبب الرئيس فيما اعتراهم من فشل أدّى إلى معصيتهم : " مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ".
4- بيان أن مَن قدّم الدنيا هو من فئة الفاشلين الذين عصوا، وأنّ من قدّم الآخرة هو من فئة الثابتين: "مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ".
5- تضرّر الجيش كله، وتضرر كل المسلمين من مخالفة عدد من الجند لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فكانت الهزيمة من نصيب الجميع ابتلاء وعقابا : " ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ "
6- تقرير العفو الإلهي عن المؤمنين في صورة فضل من الله عظيم:" وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ".
ثم يأتي تفصيل ما قُدّم له في هذه الآية، التي أجملت فذكرت أنّ سبب هزيمة المسلمين نابع من أنفسهم، وكيف أنّ إنفاذ الله تعالى وعده المؤمنين بنصرهم مرهون بصدقهم، وبثباتهم ونصرهم لدينهم : " إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ"، أما فشلهم وتنازعهم ومعصيتهم فهي المُهلِكات المُذهبات للنصر... وهذا غيرُ مقيّد بسبب الغزوة وما كان فيها، بل عامّ ..
وإننا في هذه التقدمة، نعرف عفوا من الله تعالى أظلّ المؤمنين في أُحُد فضلا منه سبحانه، ليستمعوا إلى ما نزل من قرآن في شأنهم، ويعوا الدروس وهُم في أهبة من نفوسهم لتلقّيها وتقبّلها، لا أن يكونوا في حالة من اليأس والحزن الذي يحول دون أن يستوعبوا ...
وتأتي التفاصيل مقيمة للحجّة:
9-ب) تفاصيل ما كان في أُحُد من أحوال:
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(153)
ها هو التصوير القرآنيّ للمؤمنين وكأننا نراهم رأي العين...
ها هُم أولاء مضطربون، منهزمون، من بعد ما اعترى أنفسَهم من فشل ووهن جعلهم يتنازعون ويعصون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فيُهزَمون وهم تهدُّهم فوق الهزيمة شائعة مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
هزيمة مع مقتل نبيّهم صدمة عظيمة تنزل بهم، فتصيّر أنفسهم أشلاء متناثرة...
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ
والإصْعاد هو الذهاب في الأرض لأنّ الأرض تسمّى صعيداً، فهم هائمون على وجوههم لا يدرون أين يذهبون، ولا ما يفعلون ...لم يعد لهم من مقصد يقصدون... عمّت الفوضى وساد الفزع ... لا يلوون على أحد ... لا يلتفت الواحد منهم للآخر... يفرّون فرارا ...!
وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ
وهم على هذه الحال... رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم من خلفهم، يثبّتهم ويُسمِعهم صوته حتى يثوبوا إلى رُشدهم، ويعودوا إلى مواقعهم، صلى الله عليه وسلم في ثبات عظيم يعلّمهم كيف يكون الثبات... وهو الذي يذوق الهزيمة معهم، وهو الذي ولّى الجميع عنه فِرارا، يثبت على دوره، فيناديهم ليجتمعوا ... وحتى لا تفعل الهزيمة فيهم فِعلها ... يقاوم ويعمل ويجاهد لآخر لحظة ...!
يُروى أنه صلى الله عليه وسلم جعل يناديهم :"إليَّ عبَادَ الله إليَّ عبَادَ الله، أنا رسولُ الله، من يكرُّ فله الجنة "
فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ
تأتي "أَثَابَكُمْ" هنا، والأصل فيها المُجازاة على خير، بينما هنا الأمر غير ذلك، فهو سبحانه خلّف في قلوب المؤمنين غمّا جزاء ما قدّم عدد منهم من أنفسهم مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي جرّت عليهم الهزيمة بعد النصر الذي برقت أماراته أيّما بريق، ثمّ اضطرابهم وتزعزعهم من سماعهم شائعة مقتله، ثم إصعادهم مولّين عنه صلى الله عليه وسلم هائمين على وجوههم ...
فأمّا هذا الغمّ الذي جُزوا به، فهو حزنهم على ما كان منهم من معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ما فاتهم من الثبات على أمره ... فهو في أنفسهم الآن أثقل وأشدّ من الهزيمة ...
وإذا تأملنا عرفنا موقع "أثابكم" لأنّ حقيقة هذا الغمّ الجديد الذي يغشاهم هي التيقظ والإفاقة وتبيّنهم ما صنعت أيديهم...
إنّ صورة فِرارهم ليس لهم وجه، ولا يلوون على أحد، والرسول يصيح بهم أن يعودوا لَهي صورة مُخزية لمَن في قلبه إيمان، صورة تجعلهم يثوبون إلى رُشدهم، ويلومون أنفسهم أن كان منهم ما كان وهم يرون نبيّهم وقد انزوى عنه الناسُ وتُرِك وحيدا ... هنا يعود شاهد العقل منهم ليركُزَوا ويتبيّنوا حقيقة ما هم عليه...
لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ
وهكذا ... وهم يتيقظون ويفيقون لن يبقى حزنهم على ما فاتهم من غنائم ومن نصر، ولا على ما أصابهم من قتل وجراحات، بل سيصبح أكبر حزنهم على ما كان منهم من مخالفة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
وعلى هذا ...فإنّ هذا الغمّ مثوبة من الله لما فيه من إفاقتهم، وإنّ منتهى المصيبة أن يبقى الإنسان على غيّه، وعلى خطئه، أما الانتباه للخطأ فهو بداية على طريق التصحيح والعودة ...
نعود هنا إلى ما سبق وأن أشرتُ إليه في سياق ما ذكره لنا الله تعالى من دعاء المؤمنين السابقين عند الحروب... أنّه لا غاية لهذا الدين في النفوس أسمى من أن تثبت على الحق، فيكون ذلك منها النصر الأكبر الذي يتحقق، بحيث تثبت الأمة، وتقوى شكيمتها، ويشتدّ عودُها، فلا تعمل فيها المُزعزِعات عملَها وإن باتت وظلّت تعمل ...
ويصدّق ذلك ما هو هنا من أنّ أكبر الغمّ وأكبر الحزن هو على ما يصيب النفوس من اضطراب وزعزعة عند الشدائد، وما يفوتها من طاعة لأمر الله ولأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12719;image)
وتجدر بي الإشارة إلى أمر بالغ الأهمية...
ففي خضمّ هذه المعمعة، ومع الخطاب الإلهي العامّ لكل المؤمنين، قد يفوتنا تذكّر أمر دقيق... أنّ المؤمنين لم يكونوا جميعا على الحال ذاتها من التململ والاضطراب، ولكن سبق وأن عرفنا أن خطأ العدد القليل عمّ الجميعَ بلاؤُه ... فكان الخطاب عامّا والعتاب عامّا، والتربية عامّة، وهذا من تمام مفهوم "الجماعة" في الإسلام، الجماعة التي يضرّها فساد العدد القليل، ليس بمعنى تحمّل أحد وِزرَ أحد، ولكن من باب التأكيد على دور التلاحم، والتوحّد وعدم التفرّق، والحرب شأن عامّ، والدولة المسلمة شأن عامّ، شأن كل المسلمين، يهزّ الصفوفَ أن يُزرَع فيها المنافقون المُرجِفون أو الأفراد المخالفون لأمر القائد....
فلقد عرفنا انقسامهم إلى فئتَين تنازعتا، فئة ثبتت على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مثل عبد الله بن جُبير قائد الرماة وقليل ممّن معه، وفئة لم تثبت ومثّلهم الرّماة الذين سارعوا للغنائم، وأولئك الذين نادوا باللجوء إلى ابن أبَيْ عند إشاعة مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
-
والقرآن لا يفوته أن يعطي لكل ذي حقّ حقّه وهو يشير بقوله سبحانه : "مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ" .
بل لقد عرفتْ ساحة أُحُد في تلك الأثناء الحرِجة مدارس في الثبات، من مثل أنس بن النضر رضي الله عنه الذي أقبل على الموت غيرَ هيّاب ولا فارّ، وهو يلاقي جموع الجنود مولّين هاربين ينادون أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قُتل...
لقد كان على غير ما كانوا عليه، و ظلّ عليه، أقبل وهو يقول : "اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المسلمين - . وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المشركين – " ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ . فقال : يا سعد بن معاذ!! الجنة وربّ النضر إني لأجد ريحها من دون أحد، يروي أنس بن مالك أنهم وجدوا به بضعا وثمانين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وقد مثّل به المشركون ، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه .
كما كان من أوائل مَن ثبت الأنصار السبعة، دافعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في وضع بالغ الصعوبة والحرج، يُقتَل الواحد منهم دونه، فيتقدّم الآخر فيُقتَل، حتى قُتلوا عن آخرهم مفتدين رسول الله بمُهَجِهِم ...
ثم كان بعد سقوطهم شهداء، طلحة بن عُبيد الله وسعد بن أبي وقّاص اللذان كانا صقرَي أُحُد، بثباتهما وذوْدهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذ قاتلا دونه ببسالة منقطعة النظير، حتى لم يتركا سبيلا لخُلوص المشركين إليه صلى الله عليه وسلم.
قاتل طلحة حتى ضربت يده فقطعت أصابعه... روى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: "رأيت يد طلحة شلاء، وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد." وكان أبو بكر رضي الله عنه يقول إذا تذكّر أُحُد : " ذلك اليوم كله لطلحة " . أما سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فقد رمى دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فنيت نبلُه، فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته وهو يقول: "ارمِ فداك أبي وأمي".
وما كاد الصحابة الذين استماتوا بقتال العدوّ وكانوا بعيدين عن موقع رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعون صوته ينادي: "إليّ عباد الله" حتى أقبلوا إليه، وقد كان أصابه ما أصابه من الجراحات، يقيه طلحة وسعد ضربات العدو، فاجتمع إليه عِصابة من أصحابه أربعة عشر رجلا، منهم: أبوبكر، وعمر، وعلي، وأبو عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو طلحة، والحارث بن الصمّة، ومالك بن سنان، وأبو دجانة، وشمّاس بن عثمان، وقتادة بن النعمان، وأم عُمارة.
كل هؤلاء كانوا ممّن ضرب أروع الأمثلة في الثبات، وفي الدفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وافتدائه ...
وقد أوذِي صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد، فكُسِرَتْ رَباعيتُه، وشُجَّ في رأسِه . فجعل يسلُتُ الدمَ عنه ويقول ( كيف يُفلحُ قومٌ شجُّوا نبيَّهم وشجُّوا رَباعيتَه ، وهو يدعوهم إلى اللهِ ؟ ) .
يروي أبو بكر رضي الله عنه أنّه قد دخل في وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم حلقتان من حَلَق المغفر، فأزَمَ(أي عضّ) أبو عبيدة بن الجراح بأسنانه على إحدى الحلقتين فنزعها، فسقطت ثنيّته، وأزم على الأخرى كراهية أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن تحوّلت، فنزعها وسقطت ثنيّته الأخرى، فكان ساقط الثنيّتَيْن.
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12721;image)
-
والقرآن لا يفوته أن يعطي لكل ذي حقّ حقّه وهو يشير بقوله سبحانه : "مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ" .
بل لقد عرفتْ ساحة أُحُد في تلك الأثناء الحرِجة مدارس في الثبات، من مثل أنس بن النضر رضي الله عنه الذي أقبل على الموت غيرَ هيّاب ولا فارّ، وهو يلاقي جموع الجنود مولّين هاربين ينادون أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قُتل...
لقد كان على غير ما كانوا عليه، و ظلّ عليه، أقبل وهو يقول : "اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المسلمين - . وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المشركين – " ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ . فقال : يا سعد بن معاذ!! الجنة وربّ النضر إني لأجد ريحها من دون أحد، يروي أنس بن مالك أنهم وجدوا به بضعا وثمانين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وقد مثّل به المشركون ، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه .
كما كان من أوائل مَن ثبت الأنصار السبعة، دافعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في وضع بالغ الصعوبة والحرج، يُقتَل الواحد منهم دونه، فيتقدّم الآخر فيُقتَل، حتى قُتلوا عن آخرهم مفتدين رسول الله بمُهَجِهِم ...
ثم كان بعد سقوطهم شهداء، طلحة بن عُبيد الله وسعد بن أبي وقّاص اللذان كانا صقرَي أُحُد، بثباتهما وذوْدهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذ قاتلا دونه ببسالة منقطعة النظير، حتى لم يتركا سبيلا لخُلوص المشركين إليه صلى الله عليه وسلم.
قاتل طلحة حتى ضربت يده فقطعت أصابعه... روى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: "رأيت يد طلحة شلاء، وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد." وكان أبو بكر رضي الله عنه يقول إذا تذكّر أُحُد : " ذلك اليوم كله لطلحة " . أما سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فقد رمى دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فنيت نبلُه، فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته وهو يقول: "ارمِ فداك أبي وأمي".
وما كاد الصحابة الذين استماتوا بقتال العدوّ وكانوا بعيدين عن موقع رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعون صوته ينادي: "إليّ عباد الله" حتى أقبلوا إليه، وقد كان أصابه ما أصابه من الجراحات، يقيه طلحة وسعد ضربات العدو، فاجتمع إليه عِصابة من أصحابه أربعة عشر رجلا، منهم: أبوبكر، وعمر، وعلي، وأبو عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو طلحة، والحارث بن الصمّة، ومالك بن سنان، وأبو دجانة، وشمّاس بن عثمان، وقتادة بن النعمان، وأم عُمارة.
كل هؤلاء كانوا ممّن ضرب أروع الأمثلة في الثبات، وفي الدفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وافتدائه ...
وقد أوذِي صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد، فكُسِرَتْ رَباعيتُه، وشُجَّ في رأسِه . فجعل يسلُتُ الدمَ عنه ويقول ( كيف يُفلحُ قومٌ شجُّوا نبيَّهم وشجُّوا رَباعيتَه ، وهو يدعوهم إلى اللهِ ؟ ) .
يروي أبو بكر رضي الله عنه أنّه قد دخل في وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم حلقتان من حَلَق المغفر، فأزَمَ(أي عضّ) أبو عبيدة بن الجراح بأسنانه على إحدى الحلقتين فنزعها، فسقطت ثنيّته، وأزم على الأخرى كراهية أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن تحوّلت، فنزعها وسقطت ثنيّته الأخرى، فكان ساقط الثنيّتَيْن.
(http://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?action=dlattach;topic=5885.0;attach=12721;image)
رضي الله عن صحابة رسوله صلى الله عليه وسلم وحشرنا في زمرتهم
-
اللهم آمين.
-
إذن فحتى الآن قد عرفنا بدْء الله تعالى بالطبطبة الحانية، تلاها ما بعدها من مُكاشفة حينما :
1- أمرهم ألا يهنوا وألا يحزنوا وأنهم الأعلون ما داموا على الإيمان وما أقاموا عليه.
2-ثم عدّد لهم حسنات هزيمة أُحُد في تهيئة نفسية لاستقبال العتاب وبيان الأخطاء، وفي تأميل مستمر وإشارة عامّة لما يأتي من بعدُ أن الهزيمة ليست نهاية العالم، بل هي مرحلة التعلّم من الأخطاء والاعتبار بها.
3-ثم كانت المواجهة المباشرة لهم بأخطائهم :
3-أ) التذكير بأن ثمن الجنة صبر على الابتلاء.
3-ب) بيان ابتلائهم بمقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم إعدادا لهم للثبات من بعده، وتعليما لعموم الأمة الثبات على الدين مع غياب الداعية.
3-ج) التذكير بصبر المؤمنين السابقين مع رسلهم، ودعوتهم للاقتداء بهم، وقد كانوا من المحسنين وقد كانوا صابرين ثابتين، يسألون المغفرة والثبات قبل سؤالهم النصر في تعليم عميق لعلوّ شأن ثبات النفوس المؤمنة قبل أي شأن، وإن كان النصر ذاته .
3-د) التحذير من مَيل المؤمنين للكافرين حينما يرونهم منتصرين، ومن أن يطيعوهم ذلّة بين أيديهم، في تعليم ثان أن الهزيمة تقع، ولكنّ ثبات النفوس وعدم انهزامها هو الزاد لقيام جديد، وأنّ العزّة بالله وثقة المؤمن بربّه رأس أمرِه .
3-هـ) البدء بعرض أحوال أحد في مقدّمة جامعة شاملة فيها تقديم الله للمؤمنين بصدقه وعده لهم بالنصر حينما كانوا على ثبات، ثم انقلاب الحال حينما فشلوا وتنازعوا وعصوا .
3-و) تفصيل لما أجمِل في مقدّمة عرض أحوال أحُد ...
وقد بلغنا :" إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(153) "
والآن :
10- ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(154) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ(155)
إذن فلقد كان الغمّ الذي أُثيبوا به من الله عزّ وجلّ إثابة، لما فيه من خير جعلهم ينتهون ويفيقون، ويقدّرون التقدير السليم أنّ ما أغمّوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعصيتهم له لَهو أكبر من كل ما فاتهم ومن كل ما أصابهم ... هكذا ليغدو الحزن على معصية منهم لأمره أكبر الحزن، وحتى يعلموا خطورة معصيته ... فكان هذا الغمّ مثوبة بحق ...
10-أ) ومن بعد الغمّ –وإن كان فيه خير- ها هو سبحانه العليم بما يختلج في صدورهم، وبما يضيّق عليهم من ذلك الحزن والندم على ما كان منهم، وهو يعلم مراتب النفس، وما تحتاجه من طور وطور، وما تستقيم وتتّزن به من تداول الأحوال عليها بين تضييق وتسريح لتصير إلى أحسن أحوالها.
هو الآن يمنّ على المؤمنين في قلب المصيبة، وفي عزّ الأزمة، وفي أصعب المواقف على الإطلاق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يثبّتهم، فيدعوهم وهم مولّون هائمون على وجوههم، يسهل على المشركين الظفر به صلى الله عليه وسلم لقتله وأصحابه مضطربون، فارّون متململون ... في قلب كل هذا يمنّ سبحانه على المؤمنين بأمَنَة من نعاس:
أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ ... أنُعاسٌ في هذه الحال التي لا يُعرف لها أول من آخر ؟! في هذه الأمواج المتلاطمة من بحر هائج مائج لا يُعرَف ماؤه من زَبَدِه ؟!
أنُعاسٌ يطوف بمُقلة والدنيا من حولهم سلاح واقتتال ومطاردة، وترصّد، وتصيّد للحظة من سهو تُمكّن الصيّاد المفترِس من فريسته ؟!
أجل... أجل نعاس ... والنعاس نوم خفيف، يزيل التعب ولا يغيّب صاحبه، إنه هدوء وسكون وغفوة تبعث الراحة في الجسم المنهَك، والسكينة في الأنفس المُضناة ... أَمَنَةً نُّعَاساً تبعث الأمان والطمأنينة...
ولكنه يغشى طائفة منكم لا كلّكم ...إنها إرادة الله تعالى، واصطفاؤه سبحانه لمَن يختصّهم بهذه العطيّة الإلهية، وهذه الرحمة المُنزَلة، سبحانه المطّلع على حقيقة القلوب، والدخائل ...إنها الطائفة المؤمنة حقا تلك التي اختُصّت بها .
يروي طلحة رضي الله عنه : "كنت فيمن تغشَّاه النُّعاسُ يومَ أحدٍ، حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه، ويسقط فآخذُه ."-صحيح البخاري-
كما يروي الزبير بن العوام رضي الله عنه : " لقد رأيتُني معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ اشتدَّ الخوفُ علَينا أرسلَ اللَّهُ علَينا النَّومَ فما منَّا من رجلٍ إلَّا ذقنُهُ في صدرِهِ ..."
وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ
أما الطائفة الأخرى، فهي التي لم يمنّ الله عليها بتلك الأمَنَة، إنهم أولئك المضطربون، المتقلّبة أنفسهم فهي لا ترسو على حال، تلك التي لا تعرف الثبات... خرجوا إلى أحد وفي أنفسهم من ذلك الخروج ما فيها ...
إنهم قد:" أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ " في تدليل على أن الفئة السابقة لم تهمّهم أنفسهم، بل أهمّهم نبيّهم وسلامتُه، فالتفّوا حوله، وذادوا عنه، وافتدوه بأرواحهم... لم يعد يحزنهم ما فاتهم من الغنيمة والنصر، ولا ما أصابهم من القتل والجراحات، بل أصبح أكبر همّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ...لم يفكّروا بأنفسهم، بل بالإسلام، وبرسول الله صلى الله عليه وسلم ممثلا للإسلام ...
أما هؤلاء فهم الذين أهمّتهم أنفسهم ...فهم : يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ
وأيّ خزي وأي سوء هُم عليه، وهم ما يزالون يوصَفون بالجاهلية الظلماء، إذ ما تزال ظنونها تعشّش برؤوسهم فتغلِب، ولا تدع للإيمان الحق مكانا ... ظنّ الجاهلية ...
ثم إنّ وصف الجاهلية لظنّهم بالله هذا، لهو الوصف الدقيق، وقد عرفنا أنّ سورة آل عمران، سورة تبيّن دور العلم بالله تعالى، دور حيازة المؤمن للعلم الذي بيّنه الخالق سبحانه لعباده في هذا الكتاب العظيم، العلم الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ...
العلم الذي كان بإزاء باطل المبطلين مبيَّنا، موضَّحا، مُجلِيا للحقائق كما هي لا كما يحبّ المبطلون إظهارها ملبِسين الحق بالباطل ...
تُرى ما ظنّ الجاهلية بالله هذا الذي هو ظنّ باطل : "غير الحقّ" ؟
يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ
يستنكرون ألا يكون لهم من أمر خروجهم من شيء، وكأنما أمرهم هو الحقّ، وما كان من خروج هو الباطل...! فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المتّبع لما يوحَى إليه من ربّه، ليس عندهم بالأمر السويّ !
إنهم هنا قد وضعوا أمرهم نِدّا لأمر الله تعالى ولأمر رسوله، بل إنهم يلوّحون إلى أن أمرهم هو الحق ! ولقد عرفناهم يفضلون المكوث بالمدينة، وعلى رأسهم عبد الله بن أبَيْ، ليس عن موافقة منهم لرأي رسول الله بل خوفا من الخروج وحتى يستتروا بالمدينة ...
ويلي هذا الاستفهام الاستنكاريّ المبطَن منهم تلقين الله تعالى لنبيّه أن يجيبهم بأنّ الأمر كلّه لله تعالى، وليس مظهر الهزيمة بجاعل أمر الله تعالى ندّا لأمر البشر، بل إنهم من جاهليتهم، ومن ظنّ جاهليتهم بالله تعالى ليرَوْن أمرهم أصحّ من أمره ...! يرون كرههم للخروج أحسن من خروجهم بأمر الله ...
-
ثم يتبيّن أمرهم أكثر والله تعالى يكشف سرائرهم :
يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا
إنهم يخفون ما لا يبدون، وهذه وحدها تبيّن أنهم من الفئة المنافقة التي عرفنا وجودَها في غزوة أحد ... انخزل منهم مع عبد الله بن أبي في بداية المعركة ثلاث مئة، ويبدو أن عددا منهم بقي ... وهذه حالهم، تُزلِقهم ألسنتهم فيتكشّف شيء من مكنون صدورهم، ويزيد الله تعالى فيكشف عميق دواخلهم ...فهذا قولهم الذي يخفون، والذي يلوّحون به وهم يقولون :" هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْء"
هذه حقيقة ما يطوف بأرجاء أنفسهم المضطربة القلِقة، بل يغشاها، بخِلاف أولئك الذين تحقق الإيمان في أنفسهم وساد، فغشيهم النعاس عطيّة من الله تعالى ...
لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا
لو كان الأمر أمرَنا والرأي رأينا والقرار قرارَنا ما خرجنا أصلا لنُقتَل ...
إنهم فُرّار من الموت، أهمّتهم أنفسهم أيّما همّ فهُم الذين يحسبون أنهم منقذوها من الموت، ولائذون بالحيلة والمأوى فرارا منها ... هذا ظنّهم بالله تعالى، أنهم يغلبون قدَره الذي يمضيه في عباده متى شاء ومتى قضى... يحسبون أنّ لهم يدا في تأخير الأجل، أو في دفعه إذا حضر...
يقول الزبير بن العوام : " فواللَّهِ إنِّي لأسمعُ قَولَ مُعَتِّبِ بنِ قُشَيْرٍ ما أسمعُهُ إلَّا كالحُلمِ : لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا فحَفِظْتُها منهُ وفي ذلكَ أنزلَ اللَّهُ : لَو كانَ لَنا منَ الأمرِ شيءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا لقَولِ مُعَتِّبٍ".
لن يُترك الأمر هكذا دون ردّ فوريّ يدحض شبهاتهم التي يُلقون ....
ولنتذكّر... ولتعد بنا الذاكرة إلى الوراء ...إلى بدايات هذه السورة العظيمة، وقد عرفنا أنها سورة التثبيت، والتحصين دون استهداف العقول بالشُّبهات، والقلوب بالشهوات، وعرفنا أنّ الحقّ الذي يعلّمنا الله تعالى هو أهمّ ما يحقق لنا هذا التحصين.
وهؤلاء المنافقون يلقون بشبهاتهم، منها ما كان بتلويح بالعبارات من مثل استفهامهم : "هل لنا من الأمر من شيء"، ومنها ما هو في أنفسهم ويُخفونه كعادتهم بإخفاء حقائق دواخلهم، من مثل قولهم الأخير أن لو كان لهم من الأمر شيء ما خرجوا ليُقتَلوا ...
نلاحظ كيف أن الردود لا تُؤجّل، لا تُذكَر شُبَهُهُم هكذا، وتُترك دون الرد عليها، بل يأتي الرد فوريا في سدّ لكل ثغرة تنفذ من خلالها الوساوس للنفوس، وتترامى جراءها الأسئلة تتلوها الأسئلة ...
وإننا لنعرف من الإعلام المشبوه في أيامنا هذه، والإعلام المأجور الذي يحارب الدين، وحتى من الإعلام الذي يلهث خلف العناوين والسّبق الإعلامي دون نظر في آثار ما يقدَّم ... نعرف ما يُعرض من مواد إعلامية لحالات الشباب ضائع الهويّة الذي تنصّل من دينه بحجة أو بأخرى، وبدافع أو بآخر، وأصبح هائما على وجهه ضائعا، ينتسب للإلحاد واللادين ...
فيُؤتى بالشاب يُلقي الشبهة والتساؤل، ويُترَك دون ردّ يُدحِض الشبهة لمن يتابع ويتلقّى، تُترك المادة الإعلامية التي هي في حقيقتها شُبهة يُزاد في نشرها بين شباب غير متحصّن بعلم من كتابه، كتابه الذي لا يعلم عنه غير أنه كتاب دينه ... فيبقى رَجْعُ صداها في عقولهم يتردّد ... وهي التي لم يُردّ عليها ... تبقى أسئلة مترامية، السؤال منها يجرّ السؤال، والوسواس يجرّ الوسواس ...
نظنّ بتلك المواد الإعلامية عرضا للواقع، وكسرا لحاجز الكتمان والتكتّم، وهي تعرض للشبهة دون ردّ ... بينما لنتأمّل ها هنا والله تعالى لا يترك الشبهة مُلقاة لمن يقرأ آيات هذا الكتاب، كما لم تُترك لمن سمع شبهات المنافقين والمتزعزعين في ذلك الزمان، بل يأتي الردّ فوريا سريعا قويا حاسما في صورة تمثّل الحق وهو يُزهِق الباطل ...
قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ
هذا هو الحق، هذا هو الردّ على الشبهة، هذا هو العلاج والدواء لردّ فعل النفس إزاء الشبهة تُلقى من مرضى القلوب... هذا هو التعليم، وهذه هي العقيدة في الله تعالى وفي أمره الذي يُمضيه ... التصوّر السليم لمعنى الموت، وأنه لا دافع له إذا حضر، لا دافع له من البشر وهو ما أمضاه الله في كل البشر ... لا يغني حذر عن قدر ...
لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين جاء كتابهم، وحلّ أجلُهم المكتوب، لبرزوا من بيوتهم الآمنة، ومضاجعهم الدافئة في بيوتهم إلى مضاجعهم التي كُتبت لهم...
ولننظر لهذه المُشاكَلَة، في هذا الأسلوب القرآني البديع، والله تعالى وهو يذكر البيوت، والأمن فيها، والسكون إلى المضاجع فيها، يقابله ذلك السكون النهائي في مضاجع كَتَبَها الله تعالى لعباده، لا يؤخّر اجتهادُ مجتهد موعدَها... فيخرج المرء سعيا على قدَميه إلى مضجعه المكتوب ...
يصف سيد قطب رحمه الله أنفس هؤلاء المنافقين وضِعاف الإيمان، فيقول: " وحينما تعاني آلام الهزيمة! حين ترى الثمن أفدح مما كانت تظن وأن الثمرة أشد مرارة مما كانت تتوقع وحين تفتش في ضمائرها فلا ترى الأمر واضحا ولا مستقرا وحين تتخيل أن تصرّف القيادة هو الذي ألقى بها في هذه المهلكة ، وكانت في نجوة من الأمر لو كان أمرها في يدها! وهي لا يمكن - بهذا الغبش في التصور - أن ترى يد اللّه وراء الأحداث ، ولا حكمته في الابتلاء. إنما المسألة كلها - في اعتبارها - خسارة في خسارة! وضياع في ضياع! هنا يجيئهم التصحيح العميق للأمر كله. لأمر الحياة والموت. ولأمر الحكمة الكامنة وراء الابتلاء : «قُلْ : لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ. وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ ، وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» .." –في ظلال القرآن-
وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
فلمَ كان ما كان ؟ لمَ لم يكن النصر حليف مؤمنين بالله ؟ لمَ لم يمنّ الله وهو النصير على عباده المؤمنين بالنصر؟ لمَ كانت هزيمة وقتلا لعدد منهم، وجراحات ؟ وهم المؤمنون، وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!
إنه الابتلاء، وإنه التمحيص ...
الابتلاء امتحانا من الله تعالى لما في صدور المؤمنين، أهو الاعتقاد الحق، أهو الظنّ الحقّ بالله تعالى ؟ أهي الثقة بصدق رسوله، وبأنه سبحانه له الحكمة في منح نصر أو في حَجْبِه عن عباده ؟ أهو الثبات على الحق أم هو التزعزع ساعة الشدّة وساعة يُعرَف شرّ ولا يُعرف خير ؟
أهو الإيمان الحق، أم هو الإيمان على حرف، العبادة الحقة أم هي العبادة على حرف ؟ فإن كان من خير كان الاطمئنان، وإن كان من مصيبة كان الانقلاب على الوجه ؟! :" وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ"-الحج:11-
أم أننا حسبنا أن نقول قولا باللسان آمنّا، ولا فتنة ولا امتحان ولا ابتلاء ؟ : "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ"-العنكبوت:02-
ويتنادى أصحاب صيحات الإلحاد الجُدُد بقولهم : أين الله من هذا الظلم الحاصل في الأرض؟؟ أين الله من استغاثة المستغيثين به ومن نصر المستضعفين المستنصرين ؟
وغفلوا كل الغفلة عن الابتلاء، وعن الامتحان وعن الفتنة ... بل الأحرى بي أن أقول أنهم بقولهم ذاك وبتساؤلاتهم تلك ما نجحوا فيما امتُحنوا به، وفيما كان لهم ابتلاء لما في صدورهم ... تبيّنت حقيقة "حرفية" إيمانهم، وهوائيته وهشاشته ... سقطوا في امتحانهم، كما كان حال هؤلاء الذين ظنوا بالله غير الحق عندما هُزِموا، وعندما مات من المؤمنين من مات، وعندما انتصر عليهم أهل الكفر ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ...
أجل إنّ كل هذه المصائب لابتلاءِ ما في الصدور، ولتبيّن حقيقتها ولتمحيص ما في القلوب:
وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ
والتمحيص هو تطهير القلوب ممَّا يخامرها من الريب حين سماع شُبَه المنافقين الّتي يبثُّونها بين المؤمنين. التنقية والتطهير من كل ما من شأنه أن يُحدث غبشا في التصوّر، وشِيةً في بياض العقيدة .
وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
وهذا الذي يكشفه الله تعالى من أحوال العباد، هو ما مَحَلّه الصدر والقلب، هذا من علم الله تعالى دون غيرِه سبحانه، الذي يعلم ما نعلم وما لا نعلم، ما يمكننا الوصول إليه، وما يستعصي علينا الوصول إليه... السرّ والعلانية، والقلب شأنه السرّ ... وهو خاصة علم الله تعالى وحده ...
ولكأني بالصدر وهو يحوي القلب، قد كان الشأن من أمر الله فيه الابتلاء...للجميع، مؤمنهم ومنافقهم، فإن كان خاليا من الإيمان لم يكن التمحيص والذي هو العمل مع ما في القلب، وإن كان به وإن شيء من إيمان، كان التمحيص، لأنّ القلب واسطة الصدر ومخزن الإيمان فيه، الإيمان الذي يميز صاحبه عن المنافق والكافر، تنقيته وتطهيره من كل شائبة حتى يركز الإيمان ولا يتزعزع ...
-
وحتى يتعضّد أنّ هؤلاء ليسوا هم أهل مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هم المنافقون، تُتبع هذه الآية بقوله سبحانه :
10-ب) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
المتولُّون من المؤمنين، الرُّماة الذين خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين فرّوا من القتال وقد اهتزوا إثر إشاعة مقتله صلى الله عليه وسلم، هؤلاء يبرّئ الله ساحتهم، ويحدّث عنهم في هذه الآية حتى يتميّزوا عن المعنيّين بالآية التي سبقتها...
وحتى نتعلّم أنّ الخطأ والزّلل البشريَّيْن لا يعنيان انتفاء الإيمان عن صاحبه، كما لا يعني وجود الإيمان في القلب انتفاء الخطأ والزلل ...
أما سبب تولّيهم فهو استزلال الشيطان لهم، و"استزلّ" بمعنى طلب الزّلل، فهو عليه لعائن الله سَهُلَ عليه النفوذ إليهم ببعض ما كسبوا. وهنا نتبيّن كيف لا يجب أن نتكئ على الشيطان فنبرئ ساحتنا ونلقي عليه باللائمة إذا زللنا أو أخطأنا وكأننا المحكومون بحُكْمه، الذين لا فِكاك لهم من أسره ... ! بل إنها : بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا
إنّ نجاح الشيطان مع الإنسان ليس إلا من بابٍ تفتَحُه له ذنوب العبد، وإن هو أوصده دونَه لم ينجح في غوايته... فلنتذكر... إنه هو الذي سيتبرأ منا ساعة الجدّ بقوله : "...وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم..."-إبراهيم: من22-
ولعلّه قد ناسب كل المناسبة ونحن في هذا الصدد أن نتذكّر كيف تخلّلت غزوةَ أحد تلك الآيات المزكيّات المُرقّيات(130-138). تلك التي عُنِيت بالنفس وما يجب عليها من جهاد في ساحتها هو من جنس جهاد العدوّ إن لم يكن أولى ...
بعض ما كسبوا من الإثم كان سببا في استزلال الشيطان لهم، فكانت مخالفتهم، وكان تزعزعهم عند سماعهم شائعة مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. لذلك ذكر الله تعالى أولئك الرِبِيّين الذين كان أول سؤالهم وهم في لجّ الحروب وقلب المعارك أن يغفر الله لهم ذنوبهم وإسرافهم في أمرهم، دخلوها وهم يقرّون، فكان إقرارهم دافعا للإحجام عن الاستزادة مما يُثقلهم أصلا ويسألون الله تخفيفه عن كاهلهم ...فيتحرّون أقصى درجات الطاعة والتذلّل بين يدَي الله وذكر عقابه وجزائه ...
يقول ابن القيّم : " كانت أعمالهم جنداً عليهم ازداد بها عدوهم قوة . فإن الأعمال جند للعبد وجند عليه ولا بد للعبد في كل وقت من سرية من نفسه تهزمه أو تنصره . فهو يمد عدوه بأعماله من حيث يظن أنه يقاتل بها ، ويبعث إليه سرية تغزوه مع عدوه من حيث يظن أنه يغزو عدوه .فأعمال العبد تسوقه قسراً إلى مقتضاها من الخير والشر والعبد لا يشعر أو يشعر ويتعامى .ففرار الإنسان من عدوه وهو يطيقه إنما هو بجند من عمله بعثه له الشيطان واستزله به".
وزيادة في بيان تميّزهم عن الفئة المعنيّة بالآية السابقة، هذا عفو الله تعالى يعلنه سبحانه لهم رغم ما كان منهم، فضلا منه ورحمة كما عرفنا :
وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
ثم ننتقل في السياق ذاته، وبعدما عرفنا من منّة الله تعالى على عباده المؤمنين بأمنة النعاس طمأنة لهم، وتسكينا لما في نفوسهم من فوضى اعترتْهم لما كان من انقلاب الحال، وبعدما عرفنا حال المنافقين وضعاف الإيمان وهم يرون أنّه لو كان الأمر إليهم ما قُتل مَن قُتل في الغزوة، وليس ذلك إلا كُرها منهم للانبعاث في سبيل الله...
وعلى إثر مقالتهم المشوّشة هذه يبيّن سبحانه حقيقة الموت، وأنها قدرُ الله الذي يُمضيه في عباده فلا يردّه راد ...وأنما الهزيمة كانت للابتلاء وللتمحيص، فالشرّ ظاهرُها بينما الخير في ثناياها وطواياها...
ثم يتميز المؤمنون اللذين ضعفوا ساعةً حينما أخذتهم الغنائم عن طاعة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، يميّزهم الله عن المنافقين، ويبين كيف استزلهم الشيطان ببعض ذنوب كانت منهم، ويعلن عفوه عنهم ...
بعد هذا كلّه نجدنا أمام توجيهات إلهية، وتربية قرآنية، تحذّر المؤمنين من سلوك درب المنافقين والكافرين :
11- تربية ربانية ترسّخ التصوّر السليم للموت :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(156) وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ(157) وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ(158)
عودة إلى حال المنافقين الذين قالوا قبل قليل : "لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا"..
فيا أيها المؤمنون لا تكونوا مثلهم...
وإنّ وصفهم بـ:"الذين كفروا" ليُجلي حقيقتهم، ويبيّن أنّما أقوالهم تلك في حقّ الله تعالى، وظنّهم به ظنّ السوء، ليس من الإيمان في شيء ... ولقد عرفنا كيف همّت طائفتان من المؤمنين أن تفشلا مما كانوا يُلقون في صفوفهم ... لنعلم مدى حاجة المؤمنين إلى هذه التوجيهات والتحذيرات، حتى لا يضعفوا أمام شبهاتهم وتشكيكاتهم ...
11-أ)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُوا
وربما كانوا إخوانهم برابطة النسب، جماعة من الخزرج استُشهد منهم من استشهد في أُحُد، وقد كان من الخزرج منافقون على رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، أولئك كانوا يلقون لمن يعرفون من أبناء قومهم أنّهم لو لم يخرجوا في سبيل الله سفرا أو جهادا لما ماتوا ولما قُتِلوا ...
إننا لو تأملنا لوجدناهم يكرهون الخروج أصلا في سبيل الله، يكرهون تلبية داعي الله إلى الجهاد من نفاقهم ومن كفرهم المبطَن الذي تنطوي عليه أنفسهم الخبيثة ...
فهم من كرههم لهذا الخروج، ومن سوء ظنّهم بالله تعالى، ومن انعدام الإيمان به وبإرادته وبضرورة الائتمار بأمره يرون هذا الخروج سببا للموت، لو دُفِع لدُفِعت الموت ...!
إنّ تصوّرهم للموت تصوّر كله غَبَش، تصوّر لا يملكون دفعه عن أنفسهم وهم لم يدفعوا عنها النفاق والكذب بادعائهم الإيمان وإظهارهم له بينما باطنهم كفر ... كيف لهم بتصوّر سليم لحقيقة الموت وهُم لم يتمكن من أنفسهم تصوّر سليم لألوهية الخالق سبحانه المُحيي المميت، الذي خلق الموت والحياة، والذي يبقى وجهه بينما يفنى كل من على الأرض... سبحانه الذي قضى في عباده الموت كما قضى فيهم الحياة، فلا يدفعها عنهم دافع ...
لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ
فحالهم على هذا التصوّر وهذا القول، وهذا الاعتقاد الفاسد حال المتحسّر الذي تملك عليه الحسرة نفسَه كلَّها ... يتحسّر أن خرج، ويتحسّر أن لم يطعه مَن أشار عليه بالقعود، ويتحسّر أن لم يكن له من الأمر شيء، ولو كان له لما كان داعٍ لخروج، ولما استجاب مستجيب لداعي الله ... بل إن قلبه المريض لحسرتُه دائمة على اضطراره لإظهار ما لا يحب من مظهر الإيمان، وإبطان ما يحبّ من حقيقة كفره، أمر اضطرّ له مع قوة في الإسلام والمسلمين دعته لادعاء موالاتهم تصنّعا وكذبا ...
تلك الحسرة هي من أمر الله في قلوبهم: "لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ". وهو سبحانه القائل فيهم : "فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ" -البقرة:110-
-
وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
إنه سبحانه المحيي المميت، هذا هو التصحيح لهذا الاعتقاد المشوّه الذي تنضح به أوعية المنافقين، والذي لا يجب أن يمرّ دون تصحيح، لئلا يتشوّش المؤمنون... هذا هو التصويب الإلهي، والتوجيه الرباني لعباده المؤمنين أن يكون هذا اعتقادهم، لا تلك التصوّرات المشوّهة التي تغشى قلوب الكافرين ...
إنه سبحانه المحيي والمميت، الحيّ الذي لا يموت، وقد كان أمره في عباده حتما مقضيا ... لا يؤخّر الموتَ عمّن حضره مؤخِّرٌ، ولا يقدّمه لأحد مقدّم ...
في هذه الآيات يرسّخ الله في نفوس المؤمنين حقيقة الموت، من خلال الرد على شُبَه المنافقين في كل زمان، ما حاولوا به زعزعة إيمان المؤمنين في ظروف غزوة أحُد، وما يسعى به منافقو هذا الزمان في ظروف مماثلة لها نعايشها اليوم، سعيا حثيثا وعملا مكثّفا مدعّما من العلمانيين وأنصارهم أصحاب الأهواء والشبهات والشهوات ...كما عرفنا سابقا في : "أُحُد وأيامنا"
11-ب)وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ(157) وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ(158)
أنتم أيها المؤمنون ... أيها المعنيّون بهذه التربية الربانية السامية...
تلك التي ابتدأت بالتحذير من سلوك درب الكافرين المخلِطين والمُخبطين في أمر الحياة كما في أمر الموت، فهم كما لا يعرفون حقيقة الهدف من الحياة، أو الأحرى أن نصفهم بالمنكرين لما سطّره الدين من هدف للحياة... كذلك هم لا يعرفون حقيقة الموت ... لا يعرفون حقيقة البداية كما لا يعرفون حقيقة النهاية ... التصوّر السليم مغيّب عنهم ...
فملاحِدة ينادون بألا إله والحياة مادة، وأنه لا حياة بعد الموت، وأنّ الإنسان جاء صدفة وبخبط عشوائيّ، كضربة حظّ في لعبة نرد ...! فهم التائهون، الضائعون الهائمون على وجوههم يعرفون الوجود وينكرون حقيقة معناه، ويعرفون الموت، وينكرون حقيقته ...يتشبثون بالأوهام وباللاهدف وباللامعنى ... وبالعشوائية، وبضربة الحظ ...! هكذا في عالم عظيم التركيب، دقيق التكوين، ليس لشيء من أتفه وأضعف أشيائه خبطُ عشوائية، فكيف بسيّد الكائنات فيه أن يكون بخبط عشوائية ...؟!!
واليوم أولئك "الطبيعيوّن"، الرافضون للاعتراف بإله خالق مبدع واحد يعبدون نظرية "التطوّر" التي تقضي بعدم وجود إله، وتقضي بأن الصُّدفة والعشوائية هي الفاعل، وتقضي بأن الخلية طوّرت نفسها بنفسها، وتقضي بأن البكتيريا ذكية والفيروس ذكيّ، والمادة ذكيّة ... ! وكله عندهم قابل لأن يكون الفاعل الأول إلا أن يُؤتى على ذكر الخالق المبدع، فعندها تقع الواقعة وتَصعق الصاعقة ... ! وإنّ مما يُضحك شرُّ البلية ... !
نجدهم يُلغون الخالق والخَلْق من كل حساب، بل وينظّرون للخُرافة باسم العلم، وتتوشّى أكاذيبهم ومساعيهم المسعورة لترسيخ اللاخلق باسم العلم ...
إن روح الانتقام من اضطهاد الكنيسة قد عملت فيهم عملها، بل وأغرقت وأغرقت في أنفسهم كفرا وإلحادا، وتأليهاً للمادة، وللخُرافة، وللكذب، وللدجل وللّعب بالعقول والاستخفاف بها باسم ماذا ؟؟ باسم العلم .... !وهم إذ لا يعترفون بالخالق في مختبراتهم ... يقدّسون كل شيء إلا أن يقدّسوا خالق كل شيء ... !! فتمثّل لي قوله تعالى : "اقرأ ".... وإنها لم تكن "اقرأ" مجرّدة ... لم تكن اقرأ وانتهى ....بل كانت : "اقرأ باسم ربك".... باسم ربك يجب أن تقرأ ...أما إذا قرأت هذا الكون، وهذا الإبداع، وهذا النظام المتكامل المتناسق المتّسق هكذا دون اسم ربك ... فستقرأه مقلوبا ... منكوسا، معكوسا ... ستقرأه وأنت تؤمن بالعشوائية، وبأن البيئة والطبيعة تنتقي وتنتخب وتختار ... أما أن يفعل ربك، فلا ... وأما أن يريد ربك فلا وأما أن يقدّر ربك فلا وألف ألف لا .... !!
نعم ستُبهِر الكلّ بما تكتشف من جديد، ولكنك لن تقول يوما أنه من إبداع الخالق ومن إرادة الخالق ... ستنسبه لكل شيء إلا لمبدِعه وخالقه الذي أذِن فعلمتَ ولو لم يأذن لما علمتَ ...
عندما تقرأ بغير اسم ربك... سيكون كل شيء إلا أن يكون ربّ كل شيء ... إلا أن يكون خالق كل شيء ...وإنها لم تكن : "اقرأ باسم ربك " وانتهى.... بل كانت : "اقرأ باسم ربك الذي خلق " أول صفة لهذا الرب ... هذا الرب الذي أنعم أول ما أنعم فخلق ..."خلق" هكذا مُطلقة ... لأنه خلق كل شيء ... كل شيء.... أيها الإنسان اقرأ باسم الذي خلق.... فإن قراءتك مجرّدة عن الذي خلق، بعيدا عن إيمانك بخالق وخَلْق هي ولا شيء، هي والخُرافة سواء.... هي والعشوائية والخبط والخلط سواء ... وماذا هُم مُنكِرون أصلا ؟؟ ولأي شيء هم يؤصّلون ويكرّسون أصلا ؟؟
هو سبحانه الخالق الأكرم الذي علّم ... هو خالق العقل، ومُكرِم الإنسان بالعقل، ولولا كرمه لما كان الإنسان المتجبّر اليوم، المُنكِر لربه اليوم شيئا يُذكر ...
وإنه لولا كرم ربّه لبقي كما كان : "هَلْ أَتَى عَلَى الِإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئا مَذْكُورا"
ولكنه خلقه ... وعلّمه ... علّمه ما لم يكن يعلم ...فلما تنعّم وتعلّم .... كفر بالخالق المُنعِم الذي علّمه ...!!
إنّ اعتقادكم أيها المؤمنون ليس اعتقاد أولئك الهائمين، إنه :
وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ
إنّ الحقيقة التي يقررها هذا الدين، وهذا الإله الخالق للموت والحياة للابتلاء والامتحان، أنّ منْ يُقتل في سبيل الله أو يمتْ فإنّ له مغفرة من الله ورحمة هما خير من كل ما يجمعون ...
إنّ هذه القتلة التي ينكرها المنافقون، وهذه الموتة التي يظنون أنهم مؤخّروها بقعودهم وبأمر غيرهم بالقعود، لهُما وهُما في سبيل الله تعالى خير مما يجمعون، لما يجني بها صاحبها من عظيم المغفرة وواسع الرحمة...
إنه التعليم الرباني للتصوّر السليم للموت ... دين يعلّم حقيقة الحياة، وحقيقة الموت، دينٌ يعلّم أن أمرهما بيد الله تعالى وحده، يُنفِذُهما في عباده متى شاء وكيفما شاء ... ونذكر في هذا السياق ما عرفناه في بدايات السورة، من نفخه سبحانه الحياة في عيسى عليه السلام من غير أب : "هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(6)"
وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ(158)
وبعد ذكر الموت يأتي ذكر البعث ... ذكر الحياة الأخرى التي سينبعث لها الإنسان، من بعد حياة أولى تعقبها موت، حياة أخرى يعقبها خلود فلا موت...فإما في جنة وإما في نار عياذا بالله من النار ...
إنه تمام التعليم الربانيّ الدقيق لحقيقة وجود الإنسان والغاية من وجوده:" الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ"وما هذا البلاء وهذا الامتحان إلا لجزاء يُوفّاه صاحبُه في الحياة الأخرى
-
12- التصوّر السليم للنصر ورسول الله النعمة الكبرى على المؤمنين
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159) إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ(160) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(161) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(162) هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ واللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ(163) لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ(164)
وها نحن الآن ترفرف علينا نسمة عليلة، ويغشانا ظلّ ظليل من ذكر أعظم النّعم على الأرض قاطبة، تلكم هي منّة الله تعالى على المؤمنين ببعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
كنا مع تصحيح التصوّر، وعدم ترك الشبهات هكذا ملقاة بغير رادع أو مُلجِم من الحق يزهق الباطل ... حذّرنا سبحانه أن نكون كالكافرين قولا أو فعلا، حذرنا من تصوّراتهم المُغَبَّشة، واعتقاداتهم الفاسدة، وأمراض قلوبهم المُعيية والمظلمة ... وعلّمنا التصور السليم للموت والحياة، وأنّ حياة أخرى هي التي سنصير إليها، ونحن بين يدي الله تعالى، حياة الجزاء على ما كان من بلاء الدنيا وامتحانها ...
علّم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين عايشوا أجواء أُحُد والذين ربّتهم هزيمتها، ويعلّم كل مؤمن تعْرِضُ له الشبهات، والمزعزعات حتى يثبت، ولئلا يهتزّ إيمانه، ونحن نعلم صفة الثبات والتثبيت الملازمة لكل حركات هذه السورة العظيمة ...
12-أ)رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين :
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)
إنها باء المصاحبة ، برحمة من الله تعالى كان صلى الله عليه وسلم ليّنا، رقيقا رحيما، لان للمؤمنين وقد عرف منهم رأيا غير رأيه حينما شاورهم بشأن أُحُد أيبقون بالمدينة أم يلقون العدوّ خارجها، وكان رأيُه أن يبقوا بداخلها، وعرف من الرُّماة مخالفة أمره أن يلزموا أمكنتهم ولا يبرحوها وإن رأوا النصر على العدوّ وجمع الغنائم، وعرف منهم التولّي عنه وهو يدعوهم من خلفهم ... عرف كل هذا ولانَ لهم، ولم يُعرف منه تقريع لهم أو معاقبة ...!
كل هذا من رحمة الله تعالى الذي جعله رحيما رؤوفا : "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ"-التوبة:28-
يقول ابن عاشور: "أي لنتَ مع رحمة الله : إذ كان لينه في ذلك كلّه ليناً لا تفريط معه لشيء من مصالحهم ، ولا مجاراةً لهم في التساهل في أمر الدّين ، فلذلك كان حقيقاً باسم الرحمة."-التحرير والتنوير-
ولو كنت قاسي القلب غليظ الطباع لانفضّ مِن حولك مَن تدعوهم ولما كان لدعوتك من أثر في نفوسهم، بل إنّ رحمته صلى الله عليه وسلم كانت سبّاقة .. تصف عائشة رضي الله عنها خُلُقه فتقول : "...ولا يَجْزِي بالسيئةِ السيئةَ، ولكن يَعْفُو ويَصْفَحُ"-سنن الترمذي-
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
1- فَاعْفُ عَنْهُم :هذا أمر الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم بكيفية التعامل مع المؤمنين وقد أخطؤوا، وخالفوا، وتولّوا، هو سبحانه سبّق عفوه عنهم، وذكره مرتين خلال قصّة الغزوة : "... وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ " –آل عمران:من 152- وأيضا في قوله سبحانه : " إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)".
إنها رحمة الله بعباده وهم على خطأ كبير أدّى بهم إلى الهزيمة، ولكنهم في الوقت ذاته يجب أن يتعلموا من خطئهم، ولن يتعلموا إن نزل بهم تيئيس من حالهم، ومن عودتهم عن خطئهم ومن تعلّمهم ما ينفعهم ويكون لهم درسا لا يغادر أذهانهم في قابل أيامهم ...
2- وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ : استغفر لهم الله الذي يغفر الذنوب، واستغفارك لهم له مقام خاص، بل إنّ استغفارك لهم في ذاته قمّة اللين منك وقمّة التسامح وحبّ الخير لهم بمحبّتك مغفرة الله لهم .
3- وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ : لن يكون خطؤهم هذا مانعا وحائلا دون مشاورتك لهم لاحقا، ستبقى الشورى قانونا في هذا الدين لا يَنِدُّ عنه إلا صاحب هوى أو محبّ تسلّط أو مستخفٍ بسيئ نواياه ..
سبحان الله ! لكم يستوقفني هذا الأمر بالذات من الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم، أن يبقى على مشاورته لهم، وهم الذين لم يختاروا رأيه بالبقاء في المدينة إذ شاورهم، وهم الذين خالفوا أمره ونزلوا عن الجبل...
لن يتوقف العمل بالشورى، بل سيبقى ... وطبعا لن تكون الشورى في شأن من شؤون الشريعة وأحكامها وما كان وحيا، بل فيما يجوز فيه الاجتهاد.
ولقد شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في شأن الخروج أو البقاء بالمدينة، وكان قد رأى في رؤيا بقرا تُذبَح ، وثلما في سيفه، وتأوّلها على ما حصل بأُحُد ... ورغم ذلك فقد أمضى رأي أصحابه وترك رأيَه ...
ولسيد قطب في تحليل ذلك منه صلى الله عليه وسلم كلام دقيق عميق أضعه :
"ولم يكن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يجهل النتائج الخطيرة التي تنتظر الصف المسلم من جراء الخروج. فقد كان لديه الإرهاص من رؤياه الصادقة ، التي رآها ، والتي يعرف مدى صدقها. وقد تأولها قتيلا من أهل بيته ، وقتلى من صحابته ، وتأول المدينة درعا حصينة .. وكان من حقه أن يلغي ما استقر عليه الأمر نتيجة للشورى .. ولكنه أمضاها وهو يدرك ما وراءها من الآلام والخسائر والتضحيات. لأن إقرار المبدأ ، وتعليم الجماعة ، وتربية الأمة ، أكبر من الخسائر الوقتية.
ولقد كان من حق القيادة النبوية أن تنبذ مبدأ الشورى كله بعد المعركة. أمام ما أحدثته من انقسام في الصفوف في أحرج الظروف وأمام النتائج المريرة التي انتهت إليها المعركة! ولكن الإسلام كان ينشئ أمة ، ويربيها ، ويعدها لقيادة البشرية. وكان اللّه يعلم أن خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة ، أن تربى بالشورى وأن تدرب على حمل التبعة ، وأن تخطئ - مهما يكن الخطأ جسيما وذا نتائج مريرة - لتعرف كيف تصحح خطأها ، وكيف تحتمل تبعات رأيها وتصرفها. فهي لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ ..
والخسائر لا تهم إذا كانت الحصيلة هي إنشاء الأمة المدربة المدركة المقدرة للتبعة. واختصار الأخطاء والعثرات والخسائر في حياة الأمة ليس فيها شيء من الكسب لها ، إذا كانت نتيجته أن تظل هذه الأمة قاصرة كالطفل تحت الوصاية. إنها في هذه الحالة تتقي خسائر مادية وتحقق مكاسب مادية. ولكنها تخسر نفسها ، وتخسر وجودها ، وتخسر تربيتها ، وتخسر تدريبها على الحياة الواقعية. كالطفل الذي يمنع من مزاولة المشي - مثلا - لتوفير العثرات والخبطات ، أو توفير الحذاء! كان الإسلام ينشئ أمة ويربيها ، ويعدها للقيادة الراشدة. فلم يكن بد أن يحقق لهذه الأمة رشدها ، ويرفع عنها الوصاية في حركات حياتها العملية الواقعية ، كي تدرب عليها في حياة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وبإشرافه. ولو كان وجود القيادة الراشدة يمنع الشورى ، ويمنع تدريب الأمة عليها تدريبا عمليا واقعيا في أخطر الشؤون - كمعركة أحد التي قد تقرر مصير الأمة المسلمة نهائيا ، وهي أمة ناشئة تحيط بها العداوات والأخطار من كل جانب - ويحل للقيادة أن تستقل بالأمر وله كل هذه الخطورة - لو كان وجود القيادة الراشدة في الأمة يكفي ويسد مسد مزاولة الشورى في أخطر الشؤون ، لكان وجود محمد - صلى اللّه عليه وسلم - ومعه الوحي من اللّه سبحانه وتعالى - كافيا لحرمان الجماعة المسلمة يومها من حق الشورى! - وبخاصة على ضوء النتائج المريرة التي صاحبتها في ضلل الملابسات الخطيرة لنشأة الأمة المسلمة. ولكن وجود محمد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ومعه الوحي الإلهي ووقوع تلك الأحداث ، ووجود تلك الملابسات ، لم يُلغَ هذا الحق. لأن اللّه - سبحانه - يعلم أن لا بد من مزاولته في أخطر الشؤون ، ومهما تكن النتائج ، ومهما تكن الخسائر ، ومهما يكن انقسام الصف ، ومهما تكن التضحيات المريرة ، ومهما تكن الأخطار المحيطة .. لأن هذه كلها جزئيات لا تقوم أمام إنشاء الأمة الراشدة ، المدربة بالفعل على الحياة المدركة لتبعات الرأي والعمل ، الواعية لنتائج الرأي والعمل .. ومن هنا جاء هذا الأمر الإلهي ، في هذا الوقت بالذات "-في ظلال القرآن-
-
4- فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
وهذا ما عرفناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحزم أمره فلا يعود عن قراره بالخروج، وقد انتبه الصحابة أنهم استكرهوه على ما لا يحب. يروي جابر بن عبد الله رضي الله عنه : "... فلبِس رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَأْمَتَه ، فقالوا : ما صنَعْنا ؟ رَدَدْنا على رسولِ اللهِ رأيَه فجاؤوا ، فقالوا : شأنُكَ يا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، قال : الآنَ ليس لنبيٍّ إذا لبِس لَأْمَتَه أن يضَعَها حتى يُقاتِلَ "
وهذا ما يُؤمر صلى الله عليه وسلم أن يبقى عليه، أن يستشير في شأن غير الوحي وما يجوز عليه الاجتهاد، ثم ألا يبقى للتردد والتأرجح، بل أن يحزم أمره ويمضي لما اجتُمِع عليه، وهو متوكل على الله .
وهنا نستشف التوازن في التصوّر الإسلامي، أخذٌ بالأسباب، تخطيط وتفكير وإعداد ثم التوكل على الله، التوكل الذي يكتنفه الرضى بأمر الله تعالى وبقدره وبمشيئته... فليس معنى الإعداد والتخطيط والاستشارة والنظر في الأمر وفي عواقبه، أنّ الإنسان مقدّر لما سيحصل، وصانع لما يأمل من نتيجة، كما أنّ التوكل على الله لا يعني ذلك الفهم القاصر البعيد عن التوازن الذي هو سمة هذا الدين، ذلك الفهم الذي يرى التوكل على الله تواكلا وقعودا وانتظارا لأمر الله دون بذل جهد أو سعي ...
بل إن الإنسان مأمور أن يسعى ويجتهد، ويبذل طَوْقَه، ثم يسلّم لما يكون من نتيجة على أنها هي مشيئة الله تعالى وقدرُه، فإن وافق المأمول فهو أمر الله تعالى وإرادته، وإن لم يوافقه فهو أمره وإرادته التي لا تخلو من حكمة ولا تخلو من دور في التربية والصقل والتعليم ...
وقد تُكرَه النتيجة ويُستَمسَكُ بالمأمول الذي لم يتحقق، ولكنّ ذلك لا يعني أنّ الخير في المأمول والشرّ فيما كان من نتيجة : "... وعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"-البقرة: من216-
وكذلك كان الخير كل الخير في هزيمة أحُد، والمؤمنون يتعلمون منها دروسا لا تُنسى في وجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والإقامة عليها إلى آخر لحظة، والاحتراس من الاغترار بزينة الحياة الدنيا، والحرص على الثبات وعدم التزعزع ... وعلى التزكّي والارتقاء في سلم الطاعات للارتقاء بالنفس عن الدنايا وعن استزلال الشيطان لها...
12-ب) التصوّر السليم للنصر(العقيدة في النصر) :
إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ(160)
إذن وقد بيّن الله سبحانه حبّه للمتوكلين، وأن على رأسهم جميعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أول المتوكّلين، وأكثر الفاهمين لمعنى التوكّل على الله والرضى بقدره، بعد البذل والاجتهاد والأخذ بالأسباب ... بعدما عرفنا تربية الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم قائدا وقدوةً للمؤمنين . يأتي دور المؤمنين في أمرهم بالتوكّل على الله تعالى، من بعد تعليمهم أن النصر عند الله تعالى إن شاء منحه لعباده وأمدّهم به وإن شاء حبسه عنهم، وأنه :
1-النصير سبحانه ولا نصير سواه : إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ.
2-وأنه لا ينصرهم أحد غيره في مرة قابلة إذا ما خذلهم مرة . حتى لا يظنوا أنّ النصر والمكَنة عند غيره إذا ما تنازعتهم الهزيمة النفسية والانبهار بالمنتصرين عليهم : وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ.
3- ومادام سبحانه النصير الذي يمنح النصر، والنصير الذي لا يُستنصَر غيرُه فعليه وحده يتوكل المؤمنون : وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ
والأمور الثلاثة أعلاه مثبّتة للمؤمن أيما تثبيت، عقيدة من العقيدة، لا يجب أن يتزحزح عنها المؤمن، حتى لا يظنّ انتصاره نِتاج اجتهاده فيغترّ، وحتى لا يحسب من انتصار الكافر عليه أن العزّة في جانبه فيستمطرها منه، وينشد القوة والتمكين في غير جنب الله .
وإنّ هذه الآية لتعلّمنا أن هزيمة المؤمنين مرة ومرة لا تعني نهايتهم، بل تعني أنهم إذا فقهوا، وكانوا من المتعلّمين من دروس الهزيمة، فصححوا مساراتهم، وعادوا عن أخطائهم، واستمسكوا بالله وحده نصيرا فالنصر في قابل الأيام حليفهم .
-
وما زلت أعود لمواضيعي هذه، ونحن بصدد آل عمران ن بعد الانتهاء من البقرة بفضل من الله تعالى.
جزى الله خيرا من بفضله ما يزال المنتدى قائما.
-
الحمد لله على منتدانا الأثير ... وأنا أعود للمواضيع هنا وأقتبس منها وأستعين بها .. الحمد لله