أيامنا الحلوة

الساحة العامة => :: كشكول الأيام :: => الموضوع حرر بواسطة: حازرلي أسماء في 2014-03-24, 09:54:30

العنوان: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2014-03-24, 09:54:30
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على من بعث رحمة للعالمين

كم تمر بنا الأحاديث ذات الشجون، وكم تحدث في أنفسنا من ألم، من شوق، من أمنيات ......
العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: زمرد في 2014-03-24, 10:04:10
::roses2::
العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2014-03-24, 10:07:28
ليست قصة غريبة عليّ، ولكنني كلما ذكرتها، كلما قرأتها، كلما سمعتها وكأنها الجديدة، تذرف عيني منها، ينصدع قلبي لبعدها عن حالنا، أتشوق ... أتساءل  هل تراك ربي ستحيينا لنرى ولو معشار ما فيها ؟؟

كان الرجل يجوب أطراف المدينة، سمع امرأة تئن، تقدم من البيت....
استغرب أن يضرب أحدهم خباءه في هذا المكان الموحش، لماذا لا يكون بالمدينة؟!!
رأى رجلا مضطربا بين جيئة وذهاب ،يفرك يديه، وصوت المرأة بالخِباء يعلو تارة ويخبو أخرى.

اقترب منه وسأله من أنت؟
قال: أنا رجل من البادية جئت لأمير المؤمنين أسأله من فضله.
قال: وما هذا الصوت؟
أجاب مرتعبا: انطلق لحاجتك يرحمك الله....
لكن الرجل السائل  كرر السؤال، ولم يبال
أجاب الرجل: هي زوجتي دب فيها الطلق ولست أدري ما أفعل.
قال: هل عندها أحد؟
قال : لا.
هرع الرجل لزوجته وهو يقول: هل لك في أجر ساقه الله إليك؟
قالت: وكيف؟
قال: امرأة داهمها الطلق ولا تجد معينا...
فرحت بذلك وأسرعت تلملم أغراضا تحتاجها المرأة عند الطلْق، وأخذا معهما ما يحتاجانه ، وحثّا الخطى نحو ذلك الخباء بأطراف المدينة.
أنين المرأة وصراخها  ما يزال يملأ الأجواء ....بقي الرجلان خارجا، ودخلت إليها زوجة صاحبنا
جعل صاحبنا  يوقد النار، وينادي زوج المرأة أن يعينه، ففعل....
 قطع أمرهما صوت المولود...... ::)smile:

نادت المرأة : يا أمير المؤمنين بشّر صاحبك بغلام .
اندهش الرجل وذهل .... :emoti_209:   أمير المؤمنين ؟!! أيعقل أن يكون هذا الكهل الذي أمامه عمر بن الخطاب !!

بدأ العرق يتصبب من جبينه، فانتبه عمر بن الخطاب لذلك وأحب أن يكسر قلقه، فقال له مداعبا: مكانك كما أنت . لم يفهم الرجل مراده، حتى رآه يحمل القدر ويضعه على النار ....!
ونادى زوجته:يا أم كلثوم .....
هرعت قائلة: لبيك يا أمير المؤمنين...
فقال: خذي وأشبعي المرأة من الطعام...ففعلت أم كلثوم، وأشبعت المرأة، ثم أخذه أمير المؤمنين للرجل وهو يقول: كل يا رجل ...كل ...فقد سهرت من الليل حتى أنهكت ....
اغرورقت عينا الرجل بالدموع، وهو يشكر أمير المؤمنين على صنيعه، وهو لا يصدق أن من أمامه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، والتي بالداخل زوجته أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وبنت فاطمة الزهراء رضي الله عنهم أجمعين ...

ودّع أميرالمؤمنين الرجل وهو يقول، إذا كان الغد فائتِنا نأمر لك بما يصلحك ...........
---------------

ذو شجون ............... :emo:


العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: أحمد عبد ربه في 2014-03-24, 11:22:06




ومن كعمر ؟!

رحمك الله سيدي ..
العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: سيفتاب في 2014-03-24, 11:43:47
يا الله

ومن لنا بمثله
العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2014-04-07, 09:14:50
نعم إن العين لتدمع... ونحن نعرف عن نبينا كمّ الرحمة التي لا تقاس بمقياس، والتي لا تكال بمكيال ... بالمؤمنين رؤوف رحيم ....رحمة للعالمين... لم تكن رحمته خاصة بأحدهم وإن كان أحب وأقرب الناس إليه ...كان يعرف متى يستقيم تقديم عاطفة قلبه، ومتى لا يستقيم أن يقدمها .

تأملوا رده على أمنا عائشة رضي الله عنها وهي تريد أن تستأثر بقصب السبق معه، وقد سألها أول من سأل، وأفلحت إذ كان جوابها الجواب السليم الحكيم، فتريد أن تبقى الأثرة لها كعادتها ....تأملوا صدقه، وكيف لا يخشى غضبتها، ويقدّم رحمته وصدقه على حبه لها، كما أخبرها مرة عن خديجة رضي الله عنها حينما قالت له لقد أبدلك الله خيرا منها، فرد عليها: ما أبدَلَني اللَّهُ خيرًا مِنهاوقد آمنتْ بي إذْ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ وصدَّقَتني إذْ كَذَّبَني وآستْنِي بمالها إذْ حرَمَنِيَ النَّاسُ ورزَقَنيَ اللَّهُ وَلدَها إذ حَرمَني أولادَ النِّساءِ أيضًا.
عن جابر بن عبد الله قال: دخل أبو بكرٍ يستأذنُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . فوجد الناسَ جلوسًا ببابِه . لم يؤذن لأحدٍ منهم . قال : فأذِنَ لأبي بكرٍ . فدخل . ثم أقبل عمرُ فاستأذن فأذِنَ لهُ . فوجد النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ جالسًا ، حولَه نساؤُه . واجمًا ساكتًا . قال فقال : لأقولنَّ شيئًا أُضحكُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . فقال : يا رسولَ اللهِ ! لو رأيتَ بنتَ خارجةٍ ! سألتني النفقةَ فقمتُ إليها فوجأتُ عنقها فضحك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقال : " هنَّ حولي كما ترى . يسألنَنِي النفقةَ . فقام أبو بكرٍ إلى عائشةَ يجُأُّ عنقها . فقام عمرُ إلى حفصةَ يجُأُّ عنقَها . كلاهما يقول : تسألْنَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما ليس عندَه . فقلن : واللهِ ! لا نسألُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شيئًا أبدًا ليس عندَه . ثم اعتزلهُنَّ شهرًا أو تسعًا وعشرين . ثم نزلت عليهِ هذه الآيةَ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ ، حتى بلغ ، لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا . قال : فبدأ بعائشةَ . فقال : " يا عائشةُ ! إني أريدُ أن أعرضَ عليكِ أمرًا أُحبُّ أن لا تَعجلي فيهِ حتى تستشيري أبويْكِ " . قالت : وما هو ؟ يا رسولَ اللهِ ! فتلا عليها الآيةَ . قالت : أفيكَ ، يا رسولَ اللهِ ! استشيرُ أبوى ؟ بل أختارُ اللهَ ورسولَه والدارَ الآخرةَ . وأسألك أن لا تُخْبِرَ امرأةً من نساءِك بالذي قلتَ . قال : " لا تسألْنِي امرأةٌ منهنَّ إلا أخبرتُها . إنَّ اللهَ لم يبعثني معنِّتًا ولا متعنِّتًا . ولكن بعثني معلِّمًا ميسِّرًا " . -صحيح مسلم-

العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: ماما هادية في 2014-04-07, 10:17:01
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين
العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: إيمان يحيى في 2014-04-07, 10:30:46

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين
العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2014-04-09, 09:57:50
قرأت عن حياة المعتمد بن عباد الملك الأندلسي الأخير قبل وصول المرابطين للأندلس، قصة أقرب للخيال منها للحقيقة ...وقد تركت في نفسي ما تركت من شجن، ومن تساؤلات...

الذي كان ملكا في عرشه، يأمر فيُطاع، ويحكم فيُقضى، أديب أريب شاعر ماهر، جعل حياته قصيدة، فكان ينظِم في ساعة الملك والرخاء، كما نظم في ساعة البؤس والشقاء....

قال فيه ابن الأنبار:
"من الملوك الفضلاء، والشجعان العقلاء، والأجواد الأسخياء المأمونين. عفيف السيف والذيل"

كما قال فيه الإمام الذهبي في سير النبلاء:
"كان فارساً شجاعاً، عالماً أديباً، ذكياً شاعراً، محسناً جواداً ممدحاً، كبير الشأن، خيراً من أبيه. كان أندى الملوك راحة، وأرحبهم ساحة، كان بابه محطَّ الرحال، وكعبة الآمال"

كان شاعرا، شجاعا، قويا، رقيق القلب...
من أشهر كلامه وأحكمه ما قال حينما اعتُرض على رأيه في الاستنجاد بالمرابطين لمملكته إشبيلية من غزو الروميّ ألفونس، يومها قيل له أنه لا يكون سيفان في غِمد، بمعنى أن المرابطين إذا قدِموا على الأندلس وانتصروا لها، لن يلبثوا أن تميل قلوبهم إليها ليحكموها. فقال لابنه الرشيد المعترض:
"أي بني، والله لا يُسمَع عني أبداً أني أعدتُّ الأندلس دار كفر، ولا تركتها للنصارى، فتقوم عليَّ اللعنة في منابر الإسلام مثل ما قامت على غيري "

وقال:
"تالله إني لأؤثر رعي الجمال لسلطان مراكش على أن أغدو تابعاً لملك النصارى وأن أؤدي له الجزية، إنَّ رعي الجمال خيرٌ من رعي الخنازير"

عُرف بثباته وقيادته لجيش الأندلس مع جيش ابن تاشفين دفاعا عن إشبيلية ضد ألفونس في معركة الزلاقة العظيمة ....

ومع كل هذه المناقب والحسنات، والمحامد التي لم تخلُ كتب المؤرخين منها فيه، إلا أنه مُنِي بالنفي إلى جنوبي المغرب، نفي انقلب فيه حاله من النقيض إلى النقيض، ذلك الملك المُهاب، سليل الملوك والسلاطين، والشاعر الأديب الذي أغدق على أهل العلم والشعر، وكان يحفّه الخَدم من كل جانب، أصبح يسكن بيتا لا تأوي إليه الدواب، وبناته يغزِلن الصوف ليقتَتْن، ويضربن بأرجلهنّ في الطين حافيات في أسمال بالية ....من بعد ما كنّ الأميرات الممجّدات ....، أولئك اللاتي جعل لهنّ المسك والطيب المخلوط بماء الورد موطئا يوما حينما اشتهت زوجه اعتماد المشي على الطين كسائر فقيرات العامة،و قد جعل من حياته قصيدة، فقال فيهنّ وهنّ بحالهنّ المقلوب فاقة وفقرا مدقعا يوم عيد :

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا = وكان عيدك باللذات معمورا
وكنت تحسب أن العيد مسعدةٌ = فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعةً = في لبسهنّ رأيت الفقر مسطورا
معاشهنّ بعيد العزّ ممتهنٌ = يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
بَرَزْنَ نحوك للتسليم خاشعةً = عيونهنّ فعاد القلب موتورا
قد أُغمضت بعد أن كانت مفتّرةً = أبصارهنّ حسيراتٍ مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافيةً = تشكو فراق حذاءٍ كان موفورا
قد لوّثت بيد الأقذاء اتسخت = كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا
لا خدّ إلا ويشكو الجدب ظاهره = وقبل كان بماء الورد مغمورا
لكنه بسيول الحزن مُخترقٌ = وليس إلا مع الأنفاس ممطورا
أفطرت في العيد لا عادت إساءتُه = ولست يا عيدُ مني اليوم معذورا
وكنت تحسب أن الفطر مُبتَهَجٌ = فعاد فطرك للأكباد تفطيرا
قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً = لما أمرت وكان الفعلُ مبرورا
وكم حكمت على الأقوامِ في صلفٍ = فردّك الدهر منهياً ومأمورا
من بات بعدك في ملكٍ يسرّ به = أو بات يهنأ باللذات مسرورا
ولم تعظه عوادي الدهر إذ وقعت = فإنما بات في الأحلام مغرورا

وقال يعبّر عما يمرُّ به في أسره بعد سقوط دولته:
تبدلت مـن ظـل عـز البنود       بذل الحـديد وثقل القيود
وكان حديدي سناناً ذليقاً       وعـضباً رقيقـاً صقيل الحديد
وقد صار ذاك وذا أدهماً       يعـضّ بساقي عــضَّ الأسود

لم يكن يغادر ذلك المأوى الذي وضع عليه حارس لا يتركه يتقدم من أمام الباب إلى ما حول البيت ....

توفيت زوجته اعتماد التي اقتبس من حروف اسمها للقب ملكه فأصبح "المعتمد على الله"، وكان شديد الولَهِ بها، والتي كانت هي الأخرى شاعرة لبيبة، تحفظ الشعر وتنظمه... ولم يطل بقاؤه من بعدها ...

كتب عند موته أبياتا نقشت أوصى أن تكتب على قبره، فنقشت عليه :

قبر الغريب سقا لك الرائح الغادي*** حقا ظفـرت بأشــلاء ابـن عبـاد

بالحلم بالغلم بالنعمى إذااتصلت ***بالخصب أن أجدبوابالرأي للصادي

بالطاعن الضارب الرامي اذا اقتتلوا*** بالموت أحمر بالضرغامة العــادي

بالدهر في نقم بالبحر في نعم ***بالبدر في ظلم بالصـدر فـي النـادي

نعم هو الحق فاجأني علـى قـدر*** مـن السمـاء ووافانـي لميعــــــاد

و لم أكن قبل ذاك النعش أعلمه*** أن الجبـال تهـادي فـوق أعــــــواد

كفاك فارفق بما استودعت من كرم*** روّاك كل قطوب البـرق رعــــاد

يبكي أخاه الذي غيبت وابله ***تحـت الصفيـح بدمـع رائـح غــــــــادي

حتى يجودك دمع الظل منهمرا من أعين الزهر لـم تبخـل بإسعـاد

فلا تـزل صـــلـوات الله نازلـة علـى دفينـك لا تحصـــى بتعــــــــداد

بعد وفاة المعتمد، أصبح ضريحه وضريح زوجته اعتماد مزار الناس على مدى قرون، وكان الشعراء يبكونه ويستبكون ....

قال الشاعر الأندلسي ابن لبانة في وصف نفيه عن إشبيلية وترحيله منها عبر البحر:
حان الوداعُ فضجّت كل صارخةٍ       وصارخٍ من مُفداة ومن فادِي
سارت سفائنُهم والنوْحُ يتبعها       كأنها إبل يحدو بها الحادي
كم سال في الماء من دمعٍ وكم حملت   تلك القطائعُ من قطعاتِ أكبادِ

وقال فيه المؤرخ والطبيب والسياسي والشاعر الأندلسي الكبير لسان الدين بن الخطيب عند زيارته قبره :

قد زُرْتُ قبْركَ عن طَوْع بأغْماتِ    رأيتُ ذلك من أوْلى المُهمَّاتِ
لِمَ لا أزورُكَ يا أنْدى الملوكِ يداً    ويا سِراجَ اللّيالي المُدْلِهمَّات
وأنتَ من لو تخطّى الدّهرُ مَصْرعَهُ    إلى حياتي أجادَتْ فيه أبياتي
أنافَ قبْركَ في هَضْبٍ يُميِّزهُ    فتَنْتَحيهِ حَفِيّاتُ التّحياتِ
كَرُمَتْ حيّا وميْتا واشْتهَرْتَ عُلاً    فأنت سلطانُ أحياءٍ وأمواتِ
ما ريىء مثلكَ في ماضٍ ومُعْتقدي    أن لا يُرى الدّهر في حالِ وفي آتِ

وقف شاعره أبو بكر عبد الصمد بعد أيام من موته على قبره وهو ينشد :
ملك الملوك أسامع فأنادي ... أم قد عدتك عن السماع عوادي
لما خلت منك القصور فلم تكن ... فيها كما قد كنت في الأعياد
قبلت في هذا الثرى لك خاضعا ... وتخذت قبرك موضع الإنشاد 
قد كنت أحسب أن تبدد أدمعي ... نيران حزن أضرمت بفؤادي
فإذا بدمعي كلما أجريته ... زادت علي حرارة الأكباد
فالعين في التسكاب والتهتان وال ... أحشاء في الإحراق والإيقاد

نودي يوم موته : "صلاة الغريب على المعتمد بن عباد"

فتساءلت .... إن كان هذا مآل من كانت سيرته تلك السيرة...."اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزعه ممن تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء ..."
إن كان هذا مآل شجاع جواد كريم فارس شاعر طاهر الذيل، عرفت الأندلس في عهده زيادة ونماء، فكيف بغيره ؟؟؟ وهل يكون مآل كهذا إلا لشِرار الناس؟!

ما أعظم رزء عزيز قوم يذلّ ... وما أحرى الناس أن تنتبه إلى رزئه... وما أجمل في المروءة رحمة عزيز قوم ذلّ ....

أين الملوك ليعرفوا عن هذا الذي يشهد التاريخ بغلبة النقاء على صحائفه ... أين هم ليسألوا صحائفهم يوم اللقاء العظيم عمّا ستحوي، وليسألوا التاريخ أيكون لهم شاهدا أم عليهم  ؟!!
أين هم ليروا ملكهم الطارف والتالد إن كان سيغنيهم عن انقلاب حال يريده الله بهم في الدنيا قبل الآخرة ........

لم تنفكّ نفسي بعد قراءة ما حدث له عن التساؤل، وعن الحيرة، وعن فرط ما نأمَن الدنيا، وفرط ما لا نتهمها... وعن حسن ظننا بحالنا، وكأنّنا الضمين على دوامه ....والسؤال الأكبر في نفسي: لا بدّ أن في حياة الرجل ما جعل نهايته هذه النهاية، لا بدّ أن التاريخ له ثلماته وهو ينقل لنا... لأن الله عدل، ولأنّ ملوك الطوائف وإن عرف بينهم من حُمدت سَيرهم إلا أن الترف والإسراف وتفتّح زهرة الجياة الدنيا عليهم كانت عليهم لا لهم ...


العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: زمرد في 2014-04-09, 11:31:16
اين ملوك اليوم
 منه !! لاحول ولا قوة الا بالله رحمة الله وأهله .
العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: ماما هادية في 2014-04-09, 17:26:35
بحسب ما سمعت من دروس الدكتور راغب السرجاني .. فقد كان لابن عباد موقف دنيء لا يذكره احد.. وقد ذهبت مقولته الشهيرة مثلا: " لئن ارعى إبل ابن تاشفين، خير لي من أن ارعى خنازير الفرنجة"
لكنه بعد ان انتصر ابن تاشفين، وتم له توحيد الاندلس وصد هجمات الفرنجة عنها... خشي منه على ملكه، وأراد ان ينقلب عليه، ويجليه من الأندلس، فتعاون مع الفرنجة مجددا، يحسب انه سيكون تعاون الاقوياء الانداد، وقد دحرهم ابن تاشفين فلم يعد ثمة خوف منهم على ملكه..
فأطاح المرابطون به وبهم..
هذا ما أذكره... وليتك تراجعين حلقات الدكتور راغب للتأكد

العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2014-04-10, 07:04:24
زمرد وهادية أهلا بكما

منذ تابعت أخباره يا هادية، وأنا أتتبع السبب الأكبر الذي كان وراء نكبته الكبرى،صحيح أعلم أنّه رغم موقفه الصلب من ألفونس الفرنجي، الذي أغلظ عليه مرة بقتل وزيره المتبجّح عليه، وأخرى برفضه طلبا له أن تلد زوجته بجامع قرطبة، ومرة تالية برسالة من تلك الرسائل العزيزة التي لطالما أعزت مثيلاتها المسلمين، يصفه بأشنع الصفات، ويعتزّ فيها هو بإسلامه، ويُريه من نفسه الشجاعة وأنه لا يهابه، ومستعد لنزاله ولقاء جيشه...
ورغم قولته الشهيرة تلك "لئن أرعى الإبل في الصحراء خير لي من أن أرعى الخنازير"، إلا أنه أفسدها لما غلب عليه حبّ الملك ساعة الجِدّ، فلم يقبل أن يستولي ابن تاشفين وأتباعه على إشبيلية، واستنجد بألفونس ليعينه عليه، كما قاتل بقوة هو وجيشه جنود ابن تاشفين ... وهذا ما سوّغ لابن تاشفين تعذيبه بتلك الطريقة، نفْيه إلى أغْماتْ وحبسه في مأوى وضيع مع أسرته، وتركه بلا نفقة، حتى اضطرت بناته لغزل الصوف، وأصبح عياله كأفقر ناس تلك البقعة، عراة حفاة كَسارى ....

وأيضا لم يكن هذا وحده السبب، بل إنّ المعتمد بن عباد الذي تفتحت عليه زهرة الأندلس كما تفتحت على غيره من ملوك الطوائف المتقاتلين إخوانا، كان مسرفا مبذرا باذخا، هو الذي كان لا يرفض لزوجه طلبا، تلك التي صنع لها طينا من كافور وطيب ومسك مبلل بماء الورد فرش به كل ساحة القصر، لتمشي عليه لما اشتهت المشي على الطين،فلما غاضبها يوما قالت: ما رأيت منك حسنة قط، قال: ولا يوم الطين ؟ وأصبح مضرب الأمثال، فيقال لمن يجحد منعما: ولا يوم الطين ؟  وجاء اليوم الذي رأى فيه أقداما وطئت المسك والكافور حافية بلا حذاء موفور، حتى قال فيهنّ ما قال في قصيدته الحزينة يوم العيد...وهي قصيدة تداولتها الأزمان من بعده...

كان شرابهم في كؤوس الذهب والفضة، وكان له من القصور زهاء مائتين،تجري من تحتها الأنهار بمئات الخدم والوصيفات، . لقد كانت قصور الأندلس تُعرف بجدرانها وسقوفها المطلاة بالذهب ...

كل هذا، مع ما كان من ضعف وتقاتل تلك الممالك الاثنتين والعشرين، الأخ يقاتل أخاه من بعد نعماء الوحدة في عهد الداخل والناصر ، والحاجب المنصور ابن أبي عامر، كل هذا ومن بعد ما كان الفرنجة يدفعون الجزية للمسلمين صاغرين في عهود أولئك العظماء، أصبح المسلمون هم دَفَعة الجزية لألفونس السادس مقابل أن يتركهم في دويلاتهم، وليته حتى كان ...

ورغم كل هذا فإنهم لم يؤتوا ما يُؤتى اليوم  !
كل هذا مجتمعا كان سببا في نهاية هذا الرجل وسقوطه هذه السقطة المروّعة ....
ثم وكما يقول السرجاني كان إعلام تلك الفترة هو الشعر، فكان الشعراء يغالون في مدح الملوك والإعلاء من شأنهم، وقد وقعتُ على مقال مهم جدا، فيه من الموضوعية والنهج العلمي في قراءة متفحصة للتاريخ ما ينصفه، ولا يحيف عليه، فالمعتمد لم يكن شرا كله، ولم يكن خيرا كله .... وهذا هو المقال، وأتمنى ألا تفوتوا قراءته فهو مميز جدا وله فائدة تنسحب عى كل قراءاتنا للمادة التاريخية :
http://islamstory.com/ar/node/33091
العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: سيفتاب في 2014-04-10, 17:41:41
المقال رائع ومميز

جزاك الله خيرا يا أسماء على هذه الخواطر التنويرية

وجزاك الله خيرا يا هادية على التعقيب والتصويب الذي جعل أسماء تتحفنا بالمزيد
العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: زينب الباحثة في 2014-04-11, 14:35:55
بارك الله فيكما

أعجبني المقال حلو التوازن والانصاف في إظهار المساوئ والمحاسن معًا

سؤال تاريخي: هل هناك شعوب أخرى ارتدت عن الإسلام غير الأمازيغ؟

العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2014-04-12, 06:57:19
بارك الله فيكما

أعجبني المقال حلو التوازن والانصاف في إظهار المساوئ والمحاسن معًا

سؤال تاريخي: هل هناك شعوب أخرى ارتدت عن الإسلام غير الأمازيغ؟



يبدو أنك يا زينب تخصّين فترة ابن تاشفين ومن كان قبله أي عبد الله بن ياسين مؤسس الدولة المرابطية، وأبا بكر بن عمر اللتموني، وهي فترة وجد فيها ابن تاشفين ردة بين عرب المغرب العربي وأمازيغهم يعني في قبائل متفرقة، وكانت هنالك ردة وشرك، كما كان هناك إسلام مع البعد عن تعاليمه. كما كان هناك حتى ادعاء للنبوة مع بقاء اسم الإسلام.

هناك أيضا الردة الكبرى بعد وفاة رسول الله صلى الله، في عهد سيدنا أبي بكر الصديق،والتي كان له في دحرها ورد شرّها الدور العظيم. أما غيرها فلا أدري يا زينب، وربما بحثت عن ذلك .
العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: زينب الباحثة في 2014-04-12, 17:25:32
بارك الله فيك :)
العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2014-04-14, 15:54:04
فيما سبق لما استمسكوا بالعروة الوثقى، ولم تكن تواجههم تيارات الضلال والإضلال تفرغوا للعلم ينهلون من بحوره، فلم يكونوا يضيعون أوقاتهم في الردّ والذبّ و التوضيح والتصحيح...

أما نحن وقد ابتُلينا بمَن يطعن في دينه ولا يرتضي أن يوصف بالكافر، ويرفض فرضا من فروضه ويسميه إعناتا وقمعا للحريات الشخصية ولا يرتضي أن يوصف بأنه كافر...
ابتلينا بهم وهم من أبناء جلدتنا...
بمن دُهشت عقول الأعداء من عداوتهم لدينهم ولنا، وارتاح بالهم لكفايتهم قتالَنا بأيديهم والنفث فينا بأنفاسهم، وأصبحوا يَشهَدون فينا منّا ما لم يكونوا يقدّرونه من أنفسهم...
لما ابتلينا بهذا وبكثير غيره ، أصبح دأبنا أن نصدّ هجمات داخلنا، ونردّ الشبهات، ونصحّح الأخطاء، ونحذّر من المغرضين، ونبيّن مسالكهم، ونسفِر عن السمّ في عسلهم المزعوم المغشوش ....
وضاعت الأوقات بين الذبّ والصدّ والردّ والتصحيح والتصويب، والتحذير ... ولم يكن لنا حظّ من علم وفير كما كان لمَن سبقونا، ولم تصبح في المتعلّمين تلك النشوة التي تسمو بصاحبها إلى أعلى عليّين وهو ينهل من علوم الدين قبل أي علم ... ويفرح بعلوم الدين قبل أي علم ...
بل لقد أصبح من يميل إليها متأخرا متقوقعا.....
وليتهم حتى وإن عيّروه بما هو عندهم العار، تركوه وما يطلب ولم يَلبِسوا عليه طريقه ومدارجه بترانيم الإغراض، والتشويه والتطبّع بسِحنة الآخر، والتمسّح بمسوحه، وتصديق المرجفين وتعالم العلمانيين، وتجرئهم على أصول الدين... ليصبح المتعلّم الطامح للتعلّم وللتفقّه ناقصا ما لم يتعلم فنون الرد والصدّ والذبّ، والتكذيب والتصحيح ....

ليت شعري كم أضاع بنو جلدتنا وملتنا علينا من فرص التعلم وصرفونا عنها إلى الدفاع وردّ الشبهات على ما لا شبهة فيه ....
فإلى من تراني أشكوهم، وأشكو بثي وحزني ؟ ألغير الله ؟! لا بل له...للواحد القهّار يقهرهم ويُعلي دينه ويكفّ أيديهم عنه...
العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: زمرد في 2014-04-15, 08:13:58
صدقت أختاه .
العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: ماما هادية في 2014-04-16, 19:32:02
صدقت يا أسماء

ولله الأمر من قبل ومن بعد
لعله يعزيك انه لم ينعم اي جيل بهذا السلام الذي تقولين الا جيل الصحابة... فالشبهات بدأت تنهال على الدين منذ جيل التابعين، حيث بدأ نشوء الفرق..
وجيل الصحابة كان جيل التأسيس كذلك، ولم ينعم براحة ابدا

وهككذا.. فلا راحة لمؤمن الا بلقاء الله
العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2014-04-17, 09:14:26
صدقت يا أسماء

ولله الأمر من قبل ومن بعد
لعله يعزيك انه لم ينعم اي جيل بهذا السلام الذي تقولين الا جيل الصحابة... فالشبهات بدأت تنهال على الدين منذ جيل التابعين، حيث بدأ نشوء الفرق..
وجيل الصحابة كان جيل التأسيس كذلك، ولم ينعم براحة ابدا

وهككذا.. فلا راحة لمؤمن الا بلقاء الله


نسأل الله أن يثبتنا على ما يرضيه عنا، وأن يقبضنا غير مبدّلين ولا متحوّلين، وأن يهدينا لما يرضيه. بوركتِ.
العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2014-04-17, 09:42:36
خزائن بيت المال اليوم ملأى ، وقد دفع المسلمون الزكاة بعد حروب الردة التي استمرت عاما كاملا...كما بدأت تقدُم على المسلمين غنائم بلاد فارس التي ابتدر هو وأمر بالتوجه إليها والبدء بفتحها تصديقا منه بموعود حبيبه صلى الله عليه وسلم....

فأين هو من هذا ؟؟ وهو خليفة المسلمين ووليّ أمرهم، والآمر الناهي، الذي يسيّر الجيوش، ويأمر الأجناد....
إنه يحمل على ظهره أبرادا، ويقصد السوق...
يعترضه عمر رضي الله عنه فيسأله: إلى أين؟
فيرد عليه: إلى السوق.
فيقول: وما حاجتك بالسوق؟
يرد قائلا: ومن أين لي بقُوتي وقوت عيالي ؟!!

يقول عمر: اذهب إلى أبي عبيدة، وهو أمين بيت المال، فليفرض لك قوت عيالك... فيذهب إليه ويفرض له أبو عبيدة قوت عياله .......

هذا هو أمير المؤمنين أبو بكر الصديق ....
يخاطب عائشة ابنته رضي الله عنها، وهو على فراش الموت: أما إنّا منذ ولينا أمر المسلمين، لم نأكل لهم دينارا ولا درهما، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيئ المسلمين قليل ولا كثير، إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير، وهذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر وابرئي منهنّ...

ففعلت عائشة ذلك بعد وفاته رضي الله عنه وأرضاه، فلما قدم الرسول بها على عمر أجهش باكيا بكاء شديدا وهو يقول: رحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت من بعدك...رحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت من بعدك...رحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت من بعدك....

هذا هو أبو بكر العظيم الذي دفع يوما ما كل مالِه للإسلام، فلما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما تركت لأهلك؟ ، قال: تركت لهم الله ورسوله .......

رضي الله عنك وأرضاك يا من نزل فيك قرآن يتلى إلى يوم الدين : "وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى(17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى(18) وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى(19) إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى(20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى(21)"

ولسوف يرضى... ولسوف يرضى ...

تمعّر ممن أغضب صاحبه وحبيبه وجهه صلى الله عليه وسلم   يوما فقال: هل أنتم تاركو لي صاحبي ؟!! هل أنتم تاركو لي صاحبي ؟؟


العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: سيفتاب في 2014-04-18, 06:57:35
صلى الله عليه وسلم ورضى عن أبي بكر الصديق ورزقنا صحبتهما في الجنة
العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2014-04-19, 06:34:20
صلى الله عليه وسلم ورضى عن أبي بكر الصديق ورزقنا صحبتهما في الجنة

اللهم آمين .
العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2014-04-19, 09:02:59
أبو بكر الصديق هو قاهر الفتن ...
أجل لقد كان عرضة لفتن شتى، ولكن لم تقهره منها واحدة، بل لقد قهرها جميعا ....

فتنة الرئاسة... وما هي وقد كان أكثر الناس تواضعا، ولم تفعل فيه الرئاسة والمنصب شيئا، ولم تغير من تواضعه...
كان عمر يزور امرأة ضريرة يقضي لها حوائجها، وكان كلما أتاها أخبرته أنّ أحدهم قد سبقه وقضى لها ما تريد، وهكذا حتى تتبّع يوما ذلك السابق فإذا هو أبو بكر الصديق، خليفة المسلمين يومها .... يأتي هذه العجوز الضريرة، ولا تكون مسؤوليته حائلا دون أن يزورها ويعينها فيما تحتاج ....

كان يحلب لضعاف الناس، فلما وُلي أمر المسلمين، قالت إحداهم، لن يحلب لنا بعد اليوم، فقال: بلى والله لأحلبنّ لكم، وكان يحلب ويسألهم أأُرغي أم أصرّح، أي أبرغوة أجعله لكم أم بغير رغوة.

فتنة الولد... لم تكن عائقا أمام أبي بكر، فكل ولده وضعه في خدمة الإسلام، وفي خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيام الهجرة المباركة هو وحبيبه صلى الله عليه وسلم خير شاهد على ذلك، وعبد الله  يبيت في مكة ويصبح عندهما في غار ثور يحمل لهما أخبار القوم وما يعتزمون، وأسماء وقد ضربها أبو جهل لعنة الله عليه حتى أسال الدم من أذنيها، من بعدما أنكرت معرفتها بمكان أبيها وصاحبه صلى الله عليه وسلم، وكانت خير أمينة على سرهما، بل ولقد كانت تقطع المسافة المضنية بين مكة وغار ثور في رأس الجبل تأتيهما منتطقة بالزاد وهي المثقلة بحمل الشهور السبعة ... وظلت على ذلك اياما ثلاثة ....

أما ابنه عبد الرحمن فبقي على الشرك، حتى ذلك الحين، وكان ذلك مُضْنى أبي بكر، حتى جاء عام الحديبية الذي أسلم فيه، فأخبر أباه قائلا: والله يا أبتِ لقد أهدفتَني يوم بدر فملت عنك... فرد عليه الأب العظيم : أما أنا فلو أهدفتني يومها لما ملت عنك ....!!

فهل فعلت فيه فتنة كثرة أهل الباطل فعلها ؟
ويالها من فتنة !! يالها من شاقّة ...هي اليوم أمامنا طَود عظيم كلما تقدمنا خطوة كبونا أمامه الكبوة تتلوها الكبوة....
لا لم تفعل فيه فعلها وهي التي اشتدت واحتدّت في أيامه كما لم تحتدّ على أحد بعده.
أجل ... إنه الارتداد عن الإسلام... وهل أكبر من هذا باطل يفشو ويعمّ الجزيرة بأكملها ولا تنجو منه إلا مكة والمدينة والطائف وقرية هَجَر .... أما باقي مناطق الجزيرة فكلها ارتدت، كان المرتدون ألوفا مؤلّفة ... وكان مدّعو النبوة، حتى لم تنثنِ امرأة عن ادعاء ذلك فيمَن ادّعى ....

كان أسدا جسورا رغم كل الرقة التي عُرفت فيه، لم يردعه أحد عن قرار الحرب، ولا حتى عمر، فقال : لأقاتلنّهم وحدي حتى تنفرد ثالثتي، أي تقطع عنقي ... فلما رأى الصحابة منه ذلك اطمأنوا كل الاطمئنان لانشراح صدره لهذا القرار الصعب فتابعوه ....

أما المال، فلم يكن يوما فاتنا لأبي بكر، لا قبل توليه أمر المسلمين ولا بعده،فقد بذله كله للإسلام أكثر من مرة... بل لولا أنّ عمر دلّه على طلب افتراض شيء لعياله من خزينة المال لبقي يرتاد السوق كسائر الناس ليقتات عياله....

إنه الذي فاق حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل حب... إنه الذي ملك عليه حب الإسلام شغاف قلبه... إنه الذي كان كله وماله وولده فداء للإسلام ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، فما تأخر يوما، بل كان متقدما، مقبلا غير مدبر ...حتى سأل يوما رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدخول من كل ابواب الجنة قائلا:هل على من يُدعى من تلْكَ الأبوابِ من ضرورةٍ ، فَهل يُدعى منْها كلِّها أحدٌ يا رسولَ اللَّهِ ؟ قالَ : نعَم ! وإنِّي أرجو أن تَكونَ منْهم ....

دخل مرة حائطا(حديقة) فتأمل الشجر فيها والطير، فقال: ليتني كنت شجرة تُؤكل ثم تُعضد أي تقطع ... وقال: أيها الطير تأكل من الشجر، وتستظل بالشجر، ثم تطير بلا حساب ليت أبا بكر مثلك....

فهل فتَنَه الموت ؟!!!! هل أذهله عن المسلمين وعن أحوالهم ؟  .............

لا .. لا وألف لا .... ما مثل أبي بكر يُذهله موته عن الإسلام وأمر المسلمين ....

دعا عمر ليوصيه يومها، فقال:  اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملا بالليل لا يقبله بالنهار،وأن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباع الحق في دار الدنيا وثِقَلِه عليهم، وحُقّ لميزان يوضع فيه الحق غداً أن يكون ثقيلا.وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباع الباطل وخِفّته عليهم، وحُقّ لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا، وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئه، فإذا ذكرتهم قلت إني أخاف ألا ألحق بهم، وإن الله تعالى ذكر أهل النار بأسوء أعمالهم، ورد عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم قلت إني لأرجو ألا أكون مع هؤلاء، ليكون العبد راغبا راهبا لا يتمنى على الله ولا يقنط من رحمة الله، فإن أنت حفظت وصيتي فلا يكُ غائب أبغض إليك من الموت ولست تُعجِزه .

وقد استقبل المثنّى بن حارثة قائد جيوش المسلمين آنذاك بالعراق، جاءه يطلب المَدد للجيش، والصديق على فراش الموت، لم يتوانَ ولم يؤخره حاله، فيأمر عمر ويقول: اسمع يا عمر ما أقول لك ثم اعمل به، إني لأرجو أن أموت من يومي هذا، فإن أنا مت فلا تُمْسينّ حتى تندب الناس مع المثنّى، ولا تشغلنّكم مصيبة وإن عظمتْ عن أمر دينكم ووصية ربكم، وقد رأيتَني متوفّى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما صنعت ولم يصب الخلق بمثله .وإن فتح الله على أمراء الشام فاردُد أصحاب خالد إلى العراق فإنهم أهله وولاة أمره، وهم أهل الضراوة بهم والجراءة عليهم.

ودخلت عليه عائشة في آخر لحظاته ونفسه تَحشرج في صدره، فتمثلت البيت :
لعمرُك ما يغني الثراء عن الفتى** إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر.
فخشي رضي الله عنه أن تكون قالت ذلك ضجرا أو اعتراضا، فنظر إليها كالغضبان، ثم قال في لطف: ليس ذلك يا أم المؤمنين ولكن قول الله أصدق :"وجَاَءْت سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ *مِنْهُ تَحِيد"

ثم جاؤوا له بأثواب جديدة ليكفّن فيها، فردها وأمر أن يكفن في أثواب قديمة له، وقال: إن الحي أحوج إلى الجديد ليصون به نفسه إنما يصير الميت إلى الصديد وإلى البِلى .

وأوصى أن تغسله زوجه أسماء بنت عُميس وأن يدفن بجوار حبيبه صلى الله عليه وسلم ...

مَن للأمة مثلك أيها الصدّيق العظيم ؟!! تالله إنّ الأمة لن تعود أمة كما كانت إلا وبين ظهرانيها رجال من جنس هؤلاء، رجال هؤلاء هم مُستَشرَفهم ...رجال يرون هؤلاء قُدوتهم ومثالهم ومدرستَهم التي لا ينضب علمها... ويتمنون لقاءهم غير مبدّلين...


 
العنوان: رد: حديث ذو شجون
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2014-04-29, 15:22:55
عشت مع الدكتور راغب رحلة ولا أروع، ولا أجمل مع أبي بكر الصديق، مع العظيم خليفة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وصاحبه الذي أحبّه كما لم يحبّ أحدا ...

عشت معه تلك اللحظات التي هي أقرب للخيال منها للحقيقة ... ولكنها الحقيقة...
عشت معه مجموعة تسجيلات ومقالات عن الصديق العظيم ... فلم أجد في نفسي ولا في قلمي ما يلخّص أو يجمع وكل ما قد أتى يذكر ولا يُذَر ....

جعلت أقرأ للدكتور راغب وهو يعيش مع أبي بكر الصديق، ويجعلنا نعيش معه، حتى بلغت بالقراءة الأسطر الأخيرة وهو يودع الصديق رضي الله عنه وأرضاه... يودعه على سطور الورق، ويسأل الله أن يجمعه به في الجنة ....

وهذه كلماته الأخيرة يودّع سيرته، ويودع معها الصديق ... ويقتبس من مقالة علي بن أبي طالب فيه يوم وفاته ... فاقرؤوا إن شئتم القراءة، أو اسمعوا إن أحببتم السماع وقد اقتطعت لكم من التسجيل المقطع الأخير، مقطع الوداع أدناه (5دقائق تقريبا) ، والدكتور راغب يقرأها متأثرا ...

وختامًا وداعًا يا صدِّيق.

ووداعًا يا خير الناس بعد رسول الله .

ووداعًا يا صاحب، ويا خليفة.

كم من اللحظات السعيدة مرت كدقائق قليلة، وأنا أعيش معك في مكة والمدينة.

أكاد أجزم أني أراك وأعرفك.

والله يا صدّيق إني أحبك في الله.

وأسأل الله أن يجمعني، ويجمعنا معك في الفردوس الأعلى مع حبيبك، وحبيبنا محمد .

فإلى لقاء قريب معك في حروب الردة، إن شاء الله.

وأختم بكلام قاله علي بن أبي طالب يوم مات الصديق ، يوم ارتجت المدينة بأسرها لفراقه، يوم أن أقبل علي بن أبي طالب إلى بيت الصديق، مسرعًا، باكيًا، مسترجعًا، ووقف، والناس حوله يقول: رحمك الله يا أبا بكر، كنت إلف رسول الله، وأنيسه، ومستراحه، وثقته، وموضع سرّه، ومشاورته، وكنت أول القوم إسلامًا، وأخلصهم يقينًا، وأشدهم لله يقينًا، وأخوفهم لله، وأعظمهم غناء في دين الله، وأحوطهم على رسول الله ، وأحدبهم على الإسلام، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأشبههم برسول الله هديًا وسمتًا، وأشرفهم منزلة، وأرفعهم عنده، وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن رسول الله وعن الإسلام أفضل الجزاء، صَدّقت رسول الله حين كذّبه الناس، وكنت عنده بمنزلة السمع والبصر، سماك الله في تنزيله صديقًا فقال: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ} [الزُّمر: 33].

وَاسَيْته حين بخلوا، وقمت معه على المكاره حين قعدوا، وصحبته في الشدة، أكرم الصحابة، ثاني اثنين، صاحبه في الغار، والمنزل عليه السكينة، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله وأمته..

أحسنت الخلافة حين ارتدوا، فقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي، ونهضت حين وهن أصحابه، وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، ولزمت منهاج رسول الله إذ وهنوا، وكنت كما قال رسول الله : ضعيفًا في بدنك، قويًّا في أمر الله تعالى، متواضعًا في نفسك، عظيمًا عند الله تعالى، جليلاً في أعين الناس، كبيرًا في أنفسهم، لم يكن لأحدهم فيك مغمز، ولا لقائل فيك مهمز، ولا لمخلوق عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ بحقه، القريب والبعيد عنك في ذاك سواء، وأقرب الناس عندك أطوعهم لله وأتقاهم، شأنك الحق والصدق والرفق، قولك حكم وحتم، وأمرك حلم وحزم، ورأيك علم وعزم، اعتدل بك الدين، وقوي بك الإيمان، وظهر بك أمر الله، فسبقت والله سبقًا بعيدًا، وأتعبت من بعدك إتعابا شديدًا، وفزت بالخير فوزًا مبينًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا له أمره، والله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبدًا،

كنت للدين عزًّا وحرزًا وكهفًا، فألحقك الله بنبيك محمد ، ولا حرمنا أجرك ولا أضلنا بعدك.
----
المقطع محمل أدناه