سمنود في مارس 2011م
ذهبتُ إلى طنطا لقضاء حاجة...... وأخذتُ لذلك قطارًا (قشّاشًا) لا يكاد يخلّي محطّة من تحيّة أو وقفة........ وقف في الراهبين...... ثم في المحلة وحدها ثلاث مرات!...... ثم في قرىً ثلاثة أو أربعة..... ثم في طنطا مرتين.......
أمسِ نزلتُ القرية...... فإذا أرضها محسورة الزرع موفورة العمران.... جدّ الناس في التأسيس والبناء والتشطيب جدّا....... منتهزين وثبة البلاد التى طاشتْ بلبّ الأريب وأعيتْ يراعة الأديب...... وكلّتْ فيها عين الرقيب بين إعجابٍ بمشمّر وانتقامٍ من جبّار وانتباهٍ لغادر.......
وفي الصباح باكرتُ الغزالة....... فآنستها في الشرق غضّة ريّى...... بين أزرق السماء وأزرق الماء..... غيّرها السحاب وذلّل مرآها للمطرين......
ثمّ وصلتُ إلى سمنود..... فإذا دارة (النحاس) فيها قد أكلتْها النار..... وذنبها أنّها صارت بيتًا لمفوّض اللصوص الحاكمين... وقد اتبعوا سنة يهود "يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين".......
وعندما بلغتُ المحطة باعني الموظّف تذكرة لقطار السابعة والنصف.... وفوّت عليّ القطار الممتاز والذي قبله.....
كان الناس كثرًا...... بين موظف وطالب...... فيهم الرجل صاحب الهم... والشاب وافر الأمل....... والمغناج ذات التطرية.. والخريدة صاحبة الحجاب...... والطفل الساذج...... والسريّ الممتنع بشرفه وماله ورهطة...... والمنقطع إلا من الله عزّ وجلّ.......
وصل القطار وصعدتُ إلى عربة منه...... فإذا الأبواب والنوافذ عزيزة عن أن توصد..... والناس يتوزّعون الكراسيّ...... أكثرهم صبايا جمعتهنّ النزهة..... وأخوات لهنْ يتّزين زيّ المدارس...... وموظّفون بين حديث الجريدة وحديث اللسان....... شغلهم نبأ الثورة فآنس منهم الواعي بهمّ إخوانه والساعي على نفسه دون غيره....... ميّزتهم المحنة كما تميّز النار الذهب الإبريز......
غذّ القطار السير....... وشغلني الهواء الثالج عن أن أسرّح الطرف في الأخضر السرمد...... فأنشأتُ عبثًا أعتمّ بشالتي...... وأعجب من الناس لا يشغلهم البرد كما يشغلني.......
وطافتْ بالخاطر صورتي في قطار الصعيد يوم كنتُ أدرس الطبّ في الجامعة هناك..... أقطع الوقت في حديث مع زميل أو جريدة أو إحصاء أعمدة البرق..... وكلّي أذنٌ تصغي للباعة والسائلين....... وكلّي أمل في الغد الآتي..... وكم اعترضني مفتّش لرؤية التذكرة أو ضابط سرّيّ للسؤال عن أحمالي...... فيرى الأخير عظامًا آدمية...... وأسمع أنا السؤال بعد السؤال.......
ومضتْ الصور تترى...... ولم يبقَ لي منها إلا (صيد السيّاب)....... "غنّى ليصطاد حبيباتهِ........ فاصطاد أسماء حبيباتهِ...."