مختارات من كتاب أزمة التعريب للدكتور محمود فوزي المناوي
الباب الأول: أهمية التعريب (1\3)
إن تفوق الغرب جاء من دراسة العلوم بلغته الخاصة, فاللغة تتيح لأصحابها قدرات واسعة في فهم التجارب ومكونات المواد, والفهم الجيد للعلوم باللغة الأصلية يفتح أمام العالم آفاقا واسعة ويمده بالدقة العلمية, لأن فهم مصطلحات العلم ورموزه يتيح للباحث تمثله وهضمه ويميز بحوثه بالدقة والإبداع والابتكار. (محمود فوزي المناوي24)
يقول الدكتور عبد الرحمن العيسوى "إن التعريب في جوهره قضية نفسية تعتمد على مقدار إيمان القائمين على التعليم في وطننا العربي بفكرة التعريب, والواقع أن مشكلات التعريب تكمن في جوهرها في الاتجاه النفسي الذي يتخذه الأستاذ حيالها, وما يدين به المجتمع قاطبة نحوها, فإذا آمن الأستاذ بالتعريب فإنه سوف يذلل كل ما يواجه من عقبات, فحرمان التعليم العالي من اللغة العربية يعد نوعاً من الاحتكار والسيطرة, وسد الطريق أمام الجماهير المقبلة في تعطش وشغف إلى انتهال العلم الذي تقدمه الجامعات والمعاهد العالية, وحركة التعريب تنمى الشعور القومي والاعتزاز والثقة بالنفس وبالوطن وتؤدي إلى سهولة فهم المناهج والمقررات الدراسية, وسرعة استيعاب الطلاب وهضم المواد كما تساعد أيضاً على عملية الخلق والابتكار والإبداع والتجديد في الميدان العلمي, حيث يصبح الإلمام بالمناهج العلمية ميسوراً أمام عدد كبير من أبناء الأمة, كما أنها تساعد على نشر الثقافة العامة الرفيعة, وانتشار الوعي العلمي والتقني نتيجة لانتشار الكتب والمراجع العلمية التي بواستطها يمكن الاستفادة من التراث العلمي, والاحتفاظ به ونقله للأجيال العربية المقبلة". (محمود فوزي المناوي30)
إن الدعوة إلى استخدام اللغة العربية في التعليم العلي لا تعنى أبداً إهمال اللغة الأجنبية أو التقليل من شأنها, بل هي مقترنة دوماً إلى وجوب إتقان لغة أجنبية واحدة على الأقل, لاتخاذها أساساً في استمرار الاتصال بالتطور العلمي العالمي, والتمكن من إكمال الدراسة والتخصص, ونشر البحوث العلمية في المجلات والدوريات العلمية العالمية. (محمود فوزي المناوي32)
إن إتقان اللغة الأجنبية شئ واستخدامها بدلاً من اللغة القومية شئ آخر, إذ في إتقان اللغة الأجنبية دعم للثقافة ورقى لها في كل ميادين العلم, وأما استخدامها بديلاً فعزل للغة القومية ووأد لها, ومما ساعد اليابان على أن ترتقى بصناعتها في خلال نصف قرن أنها وضعت بين أيدي العمال والفنيين أحدث النظريات التطبيقية في الصناعة الأمريكية والأوروبية بلغتهم القومية. (محمود فوزي المناوي32)
فالعلم أسهل تنولاً على الطالب وأرسخ في ذهنه إذا درسه بلغته التي رضعها مما لو درسه بلغة أجنبية (محمود فوزي المناوي36)
يقول كلوت بك الفرنسي الأصل والمشرف على مدرسة الطب في مصر في القرن التاسع عشر, ويقول "إن التعليم بلغة أجنبية لا تحصل منه الفائدة المنشودة كما لا ينتج عنه توطين العلم أو تعميم المنفعة". (محمود فوزي المناوي 51)
مختارات من كتاب أزمة التعريب للدكتور محمود فوزي المناوي
الباب الأول: أهمية التعريب (1\3)
إننا إن استطعنا أن نصل إلى درجة التعريب الكامل فسوف نخترق الثقافات الأجنبية السريعة التطور يوما بعد يوم. وأما إذا لم نستطيع أن نبلغ هذه الدرجة فإننا – لا مناص – سوف نحترق بتفوق الأجانب علينا علمياً, وهو الذي يؤدى بالضرورة إلى تفوقهم الاقتصادى والعسكرى والتكنولوجى, بدرجة تجعلنا في عداد الدول المتخلفة, بحيث إننا لن نستطيع اللحاق بهم بعد ذلك. (محمود فوزي المناوي24)
في إحصائية لمنظمة اليونسكو عن تراجع الترجمة في الوطن العربي ذكر أن نصيب هذا الوطن من إنتاج الكتب المترجمة في عام 1970م كان 10 في الألف بالنسبة لما أنتج في سائر أنحاء العالم, وكان نصيب الدول الإفريقية 7 في الألف, أما في عام 1986 أي بعد ستة عشر عاما تراجع ما ترجم في الوطن العربي إلى 6 في الألف لتحتل بذلك المركز الأخير, بينما تقدمت الدول الأفريقية إلى 12 في الألف, وليس التراجع في الكم فقط بل في الكيف أيضاً. (حافظ 83)
والمقصود بالتراجع في الكيف هو اختيار الكتب التي تتم ترجمتها، فبدلا من ان نترجم الكتب العلمية والتكنولوجية والطبية وغيرها مما نحتاجه، نترجم كتبا عن الفكر او الفن او الغناء او قصص او روايات، او أساليب تربية الاطفال على النموذج الغربي، او كتب العلاج بالطاقة الغامضة، والبرمجة اللغوية العصبية وغير ذلك من فنون تراجعت قيمتها عند الغرب وثبت عدم جدواها، وتلهفنا نحن على استيرادها ظانين انها علوم وانها مصباح علاء الدين السحري الذي سينجح بمسحة واحدة عليه في حل كل مشكلاتنا :emoti_138:
لقد عهد الي مرة بترجمة كتاب تربوي لصالح معهد عربي، مؤلف الكتاب قسيس، ويستشهد في معظم مواضع كتابه على أفكاره بقصص الانبياء المحرفة الموجودة في العهد القديم، او بأقوال القديس بولس الذي يعتبر مؤسس النصرانية المعاصرة.. فتخيلوا؟
إذ أن الفكر الأصيل لا يخلق في الأمة إلا إذا كانت تعلم بلغتها وتكتب وتؤلف بلغتها, فيجب في الوقت نفسه ألا يتبادر إلى الذهن أننا نريد الانغلاق على أنفسنا, بل المقابل هو الصحيح, هو الانفتاح على العالم الخارجي. (حافظ 84)
ومعلوم بالضرورة أن التفكير العربي المولد للتعبير بالعربية يحتاج إلى مخزون عقلي من هذه اللغة وحصيلة من نظمها وأساليبها مناسبة للتخصص أو العلم المعين, فإذا كان هذا التخصص أو ذلك العلم جديدا بالنسبة للدارس أو غير مستقر الأصول عنده, فلا مناص له من العود إلى لغة الأصل والتفكير بها, حتى يستوعب ويهضم, ثم يخرج – بعد – ما يستوعب ويهضم في عبارات عربية. (بشر 93)